النبوات لابن تيميةصفحات 245-284

فصل في أن الرسول لا بُدّ أن يبيّن أصول الدين

صفحات 245-284

1 وهي البراهين الدالّة على أنّ ما يقوله حقّ؛ من الخبر، والأمر؛ فلا بُدّ أن يكون قد بيّن الدلائل على صدقه في كلّ ما أخبر، ووجوب طاعته في كلّ ما أوجب وأمر.
ومن أعظم أصول الضلال: الإعراض عن بيان الرسول للأدلة والآيات والبراهين والحجج؛ فإنّ المعرضين عن هذا؛ إمّا أن يُصدّقوه، ويقبلوا قوله، ويؤمنوا به بلا دليلٍ أصلاً ولا علم؛ وإمّا أن يستدلّوا على ذلك بغير أدلته فإن لم يكونوا عالمين بصدقه: فهم ممّن يُقال له في قبره: ما قولك في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فأمّا المؤمن أو الموقن، فيقول: هو عبد الله ورسوله جاءنا بالبيّنات والهدى، فآمنّا به واتبعناه.
وأمّا المنافق أو المرتاب، فيقول: هاه، هاه، لا أدري، سمعتُ النّاس يقولون شيئاً، فقلتُهُ.
فيُضرب بمِرْزَبَّةٍ 2 من حديدٍ، فيصيح صيحةً يسمعها كلّ

شيء، إلا الثقلين12.
وإن استدلّ على ذلك بغير الآيات والأدلة التي دعا بها النّاس، فهو مع كونه مبتدعاً3، لا بُدّ أن يُخطئ ويُضلّ.
فإن ظنّ الظانّ أنّه بأدلة4وبراهين خارجة عمّا جاء به تدلّ5 على ما جاء به، فهو6 من جنس ظنّه أنّه يأتي بعبادات غير ما شرعه تُوصل إلى مقصوده7.

"وهذا الظنّ وقع فيه طوائف من النظّار الغالطين1، أصحاب الاستدلال والاعتبار والنظر؛ كما وقع في الظنّ الأول طوائف من العبّاد الغالطين2، أصحاب الإرادة والمحبّة والزهد"3.
وقوله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم الجمعة: "خيرُ الكلامِ كلامُ اللهِ، وخيرُ الهَدْيِ هديُ محمّد، وشرُّ الأمورِ مُحْدَثاتُها، وكلُّ بدعةٍ ضلالة"4 يتناول هذا وهذا.
وقد أرى الله تعالى عبادَه الآيات في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى تبيّن5 لهم أنّ ما6 قاله فهو حقّ؛ فإنّ أرباب العبادة، والمحبّة، والإرادة، والزهد الذين سلكوا غير ما أُمروا به، ضلّوا كما ضلّت النصارى.
ومبتدعة (4) مثل المتكلمين.
(5) مثل المتصوّفة.
(6) العبارة في ((خ)) وردت هكذا: "وهذا الظنّ وقع فيه طوائف من العبّاد الغالطين أصحاب الإرادة والمحبة والزهد؛ كما وقع في الظنّ الأول طوائف من النظّار الغالطين أصحاب الاستدلال والاعتبار والنظر".
ولعلّ الصواب ما أُثبت نقلاً عن ((م))، و ((ط))؛ لأنّ الظنّ المُراد في قوله: (وهذا الظنّ..) هو ظنّ المتكلّمين وأمثالهم ممّن أتوا ببراهين وأدلة خارجة عمّا جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذه الأمة من العبّاد، وأرباب النظر، والاستدلال الذين سلكوا غير دليله وبيانه أيضاً ضلّوا.
قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّيْ هُدَىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدّاْيَ فَلاْ يَضِلُّ وَلاْ يَشْقَىْ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِيْ فَإِنَّ لَهُ مَعِيْشَةً ضَنْكَاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَاْمَةِ أَعْمَىْ قَاْلَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيْ أَعْمَىْ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيْرَاً قَاْلَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاْتُنَاْ فَنَسِيْتَهَاْ وَكَذِلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىْ﴾ 1.
قول الإمام أحمد: أصول الإسلام أربعة وفي الكلام المأثور عن الإمام أحمد: أصول الإسلام أربعة2: دالٌ، ودليل، ومبيِّن، ومُستدِلّ.
فالدالّ هو الله، والدليل هو القرآن، والمبيِّن هو الرسول؛ قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاْسِ مَاْ نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ 3، والمستدِلّ هم أولوا العلم وأولوا الألباب4الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم.5
وقد ذكره ابن الْمَنِّي6عن أحمد.
وهو مذكور في العدّة7للقاضي أبي يعلى8، وغيرها، إما أنّ أحمد قاله، أو قيل له، فاستحسنه.

أهل الكلام يوجبون النظر ولهذا صار كثير من النظّار يوجبون العلم والنظر والاستدلال1، وينهون عن التقليد، ويقول كثير منهم: إنّ إيمان المقلّد لا يصحّ، أو أنه وإن صحّ، لكنّه عاص بترك الاستدلال، ثمّ النظر.2
الاستدلال الفاسد الذي أصله المتكلمون والاستدلال الذي يدعون إليه، ويوجبونه، ويجعلونه أول الواجبات3،

وأصل العلم: هو نظر واستدلال ابتدعوه، ليس هو المشروع؛ لا خبراً، ولا أمراً.
وهو استدلال فاسد لا يُوصل إلى العلم؛ فإنّهم جعلوا أصل العلم بالخالق هو الاستدلال على ذلك بحدوث الأجسام1، والاستدلال على

حدوث الأجسام بأنّها مستلزمة للأعراض لا يخلو عنها ولا ينفكّ منها.1
ثمّ استدلّوا على حدوث الأعراض.
قالوا: فثبتَ أنّ الأجسام مستلزمة للحوادث، لا يخلو عنها، فلا تكون مثلها.
دليل الحوادث ثمّ كثير منهم قالوا: وما لم يخل من الحوادِث، أو ما لم يسبق الحوادث، فهو حادِث2، وظنّ أنّ هذه مقدّمة بديهيّة معلومة بالضرورة لا يُطلب عليها دليل، وكان ذلك بسبب أنّ لفظ الحوادِث يُشعر بأنّ3لها ابتداءً؛ كالحادِث المعيّن، والحوادِث المحدودة.4
ولو قدّرت ألف ألف

ألف حادث، فإنّ الحوادث إذا جُعلت مقدّرة محدودة، فلا بُدّ أن يكون لها ابتداء1؛ فإنّ ما لا ابتداء له ليس له حدّ معيّن ابتدأ منه، إذ قد قيل لا ابتداء له، بل هو قديم أزليّ دائم.
ومعلومٌ أنّ هذه الحوادِث ما لم يسبقها فهو حادث؛ فإنّه يكون إمّا معها، وإمّا بعدها.2

وكثير منهم1يفطن للفرق بين جنس الحوادث، وبين الحوادث المحدودة؛ فالجنس: مثل أن يُقال: ما زالت الحوادث توجد شيئاً بعد شيء، أو ما زال جنسها موجوداً، أو ما زال الله متكلّماً إذا شاء، أو ما زال الله فاعلاً لما يشاء2، أو ما زال قادراً على أن يفعل قدرة يمكن معها اقتران المقدور بالقدرة، لا تكون قدرة يمتنع معها المقدور؛ فإنّ هذه في الحقيقة ليست قدرة.3
ومثل أن يُقال في المستقبل: لا بُدّ أنّ الله يخلق شيئاً بعد شيء،

ونعيم أهل الجنة دائم لا يزول، ولا ينفذ. وقد يُقال في النوعين: كلمات الله لا تنفذ، ولا نهاية لها؛ لا في الماضي، ولا في المستقبل، ونحو ذلك.1
فالكلام2في دوام الجنس وبقائه، وأنّه لا ينفذ، ولا ينقضي، ولا يزول، ولا ابتداء له: غير الكلام فيما يقدر محدوداً له ابتداء، أو له ابتداء وانتهاء3؛ فإنّ كثيراً من النظّار4من5يقول: جنس الحوادِث إذا قدّر له ابتداء، وجب أن يكون له انتهاء؛ لأنّه يمكن فرض تقدّمه على ذلك الحدّ، فيكون أكثر ممّا وجد، وما لا يتناهى لا يدخله التفاضل؛ فإنّه ليس وراء عدم النهاية شيء أكثر منها، بخلاف ما لا ابتداء له ولا انتهاء؛ فإنّ هذا لا يكون شيء فوقه، فلا يفضي إلى التفاضل فيما لا يتناهى.
وبسط هذا له موضع آخر.6

المتكلمون جعلوا أصل دينهم النظر في دليل الأعراض وحدوث الأجسام والمقصود هنا أنّ هؤلاء جعلوا هذا أصل دينهم وإيمانهم، وجعلوا النظر في هذا الدليل هو النظر الواجب على كلّ مكلّف، وأنّه من لم ينظر في هذا الدليل؛ فإمّا أنّه لا يصحّ إيمانه، فيكون كافراً1على قول طائفة منهم، وإمّا أن يكون عاصياً2على قول آخرين، وإما أن يكون مقلّداً لا علم له بدينه، لكنه ينفعه هذا التقليد، ويصير به مؤمناً غير عاص.
الرسول لم يدع الخلق إلى دليل النظر والأقوال الثلاثة باطلة؛ لأنّها مفرّعة على أصل باطل، وهو أنّ النظر الذي هو أصل الدين والإيمان، هو هذا النظر في هذا الدليل؛ فإنّ علماء المسلمين يعلمون بالاضطرار أنّ الرسول لم يدع الخلق بهذا النظر، ولا بهذا الدليل؛ لا عامة الخلق، ولا خاصّتهم3، فامتنع أن يكون هذا شرطاً في الإيمان والعلم.

وقد شهد القرآن والرسول لمن شهد له من الصحابة وغيرهم بالعلم، وأنّهم عالمون بصدق الرسول، وبما جاء به، وعالمون بالله، وبأنّه لا إله إلا الله، ولم يكن الموجب لعلمهم هذا الدليل المعيّن1؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَرَىْ الّذِيْنَ أُوْتُوْا الْعِلْمَ الّذِيْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقُّ وَيَهْدِيْ إِلَىْ صِرَاْطِ الْعَزِيْزِ الْحَمِيْدِ﴾ 2، وقال: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوْا الْعِلْمِ قَاْئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾ 3، وقال: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَاْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىْ﴾ 4. وقد وصف باليقين والبصيرة في غير موضع؛ كقوله: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوْقِنُوْنَ﴾ 5، وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ 6، وقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيْلِيْ أَدْعوا إِلَىْ اللهِ عَلَىْ بَصِيْرَةٍ أَنَا وَمنِ اتَّبَعَنيْ﴾ 7، وأمثال ذلك. فتبين أنّ هذا النظر والاستدلال الذي أوجبه هؤلاء، وجعلوه أصلَ الدين، ليس ممّا أوجبه الله ورسوله.8
ولو قدّر أنّه صحيح في نفسه، وأنّ

الرسول أخبر بصحته، ولم يلزم من ذلك وجوبه؛ إذ قد يكون للمطلوب أدلة كثيرة.
طعن الرازي وغيره على الجويني ولهذا طعن الرازي1، وأمثاله2على أبي المعالي3في قوله أنّه لا يُعلم حدوث العالم إلا بهذا الطريق4، وقالوا: هب أنّه يدلّ على حدوث العالم، فمن أين يجب أن لا يكون ثمّ طريق آخر.

وسلكوا هم طرقاً أُخَر. فلو كانت هذه الطريقة صحيحة عقلاً، وقد شهد لها الرسول والمؤمنون الذين لا يجتمعون على ضلالة بأنها طريق صحيحة، لم يتعيّن، مع إمكان سلوك طرق أُخرى.1
كما أنّه في القرآن سور وآيات قد ثبت بالنصّ والإجماع أنها من آيات الله الدالّة على الهدى.
ومع هذا، فإذا اهتدى الرجل بغيرها، وقام بالواجب، ومات ولم يعلم بها، ولم يتمكن من سماعها، لم يضرّه؛ كالآيات المكيّة التي اهتدى بها من آمن ومات في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل سائر القرآن.
فالدليل يجب طرده، لا يجب عكسه2

من أنكر سلوك هذه الطريقة ولهذا أنكر كثير من العلماء على هؤلاء إيجاب سلوك هذه الطريق، مع تسليمهم أنّها صحيحة؛ كالخطّابي 12، والقاضي أبي يعلى3، وابن عقيل45، وغيرهم.6

والأشعري1نفسه أنكر على من أوجب سلوكها أيضاً في رسالته إلى أهل الثغر، مع اعتقاده صحتها2، واختصر منها طريقة ذكرها في أول كتابه المشهور المسمّى ب ((اللّمع)) في الردّ على أهل البدع، وقد اعتنى به أصحابه حتى شرحوه شروحاً كثيرة.
والقاضي أبو بكر3شرحه، ونقض كتاب عبد الجبار4الذي صنّفه في نقضه، وسمّاه ((نقض نقض اللمع)) 5.

دليل الأعراض وحدوث الأجسام يوجب اعتقادات ولوزام باطلة وأما أكابر أهل العلم من السلف والخلف: فعلموا أنها طريقة باطلة في نفسها، مخالفة لصريح المعقول وصحيح المنقول، وأنّه لا يحصل بها العلم بالصانع، ولا بغير ذلك1، بل يوجب سلوكها اعتقادات باطلة توجب2مخالفة كثير ممّا جاء به الرسول، مع مخالفة صريح المعقول3؛ كما أصاب من سلكها من الجهميّة، والمعتزلة، والكُلاّبيّة، والكرّاميّة، ومن تبعهم من الطوائف، وإن لم يعرفوا غورها وحقيقتها؛ فإنّ أئمة هؤلاء الطوائف صار كل منهم يلتزم ما يراه لازماً له ليطردها، فيلتزم لوازم4مخالفة للشرع والعقل، فيجيء الآخر، فيردّ عليه، ويبيّن فساد ما التزمه، ويلتزم هو لوازم أُخر لطردها، فيقع أيضاً في مخالفة الشرع والعقل.

الجهمية التزموا لأجلها نفي الأسماء والصفات فالجهمية التزموا لأجلها نفي أسماء الله وصفاته، إذ كانت الصفات أعراضاً تقوم بالموصوف، ولا يُعقل موصوف بصفة إلا الجسم1، فإذا اعتقدوا حدوثه، اعتقدوا حدوث كلّ موصوف بصفة، والربّ تعالى قديم.
فالتزموا نفي صفاته.
وأسماؤه مستلزمة لصفاته؛ فنفوا أسماءه الحسنى2، وصفاته العُلا.3
المعتزلة التزموا نفي الصفات والمعتزلة استعظموا نفي الأسماء لما فيه من4تكذيب القرآن تكذيباً ظاهر الخروج عن العقل والتناقض؛ فإنّه لا بُدّ من التمييز بين الربّ وغيره بالقلب واللسان، فما لا يُميَّز من غيره لا حقيقة له ولا إثبات.
وهو حقيقة قول الجهميّة؛ فإنّهم لم يُثبتوا في نفس الأمر شيئاً قديماً البتة.5

الفلاسفة قالوا بقدم العالم كما أنّ المتفلسفة الذين سلكوا مسلك الإمكان والوجوب1، وجعلوا ذلك بدل الحادث والقديم، لم يُثبتوا واجباً بنفسه البتة2، وظهر بهذا فساد عقلهم، وعظيم جهلهم، مع الكفر؛ وذلك أنّه يُشهد وجود السموات وغيرها.
فهذه الأفلاك إن كانت قديمة واجبة، فقد ثبت وجود الموجود القديم الواجب، وإن كانت ممكنة، أو مُحدثة، فلا بُدّ لها من واجب قديم؛ فإنّ وجود الممكن بدون الواجب3، والمحدَث بدون القديم ممتنعٌ في بداية العقول.
فثبت وجود موجود قديم واجب بنفسه على كلّ تقدير.
فإذا كان ما ذكروه من نفي الصفات عن القديم والواجب يستلزم نفي القديم مطلقاً، ونفي الواجب: عُلم أنّه باطلٌ.4

من نفى صفة لزمه نفي جميع الصفات وقد بُسط هذا في مواضع1، وبُيِّن أنّ كلّ من نفى صفة ممّا أخبر به الرسول لزمه نفي جميع الصفات، فلا يُمكن القول بموجب أدلة العقول، إلا مع القول بصدق الرسول؛ فأدلة العقول مستلزمة لصدق الرسول2؛ فلا يمكن مع عدم تصديقه القول بموجب العقول، بل من كذّبه فليس معه لا عقل، ولا سمع؛ كما أخبر الله تعالى عن أهل النّار: قال تعالى: ﴿كُلَّمَاْ أُلْقِيَ فِيْهَاْ فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَاْ أَلَمْ يَاْتِكُمْ نَذِيْرٌ قاْلُوْا بَلَىْ قَدْ جَاْءَنَاْ نَذِيْرٌ فَكَذَّبْنَاْ وَقُلْنَاْ مَاْ نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِيْ ضَلاَلٍ كَبِيْرٍ وَقَاْلُوْا لَوْ كُنَّاْ نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَاْ كُنَّاْ فِيْ أَصْحَاْبِ السَّعِيْر فَاعْتَرَفُوْا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقَاً لأصْحَاْبِ السَّعِيْرِ﴾ 3، وهذا مبسوطٌ في غير هذا الموضع.4

المعتزلة نفوا الصفات وأثبتوا الأسماء والمقصود هنا أنّ المعتزلة لمّا رأوا الجهميّة قد نفوا أسماء الله الحسنى، [استعظموا ذلك] 1، وأقرّوا بالأسماء.
ولمّا رأوا هذه الطريق2توجب نفي الصفات: نفوا الصفات؛ فصاروا متناقضين؛ فإنّ إثبات حيّ، عليم، قدير، حكيم، سميع، بصير، بلا حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا حكمة، ولا سمع، ولا بصر: مكابرة للعقل؛ كإثبات مصلٍّ بلا صلاة، وصائمٍ بلا صيام، وقائمٍ بلا قيام، ونحو ذلك من الأسماء المشتقة؛ كأسماء الفاعلين، والصفات المعدولة عنها.
ولهذا ذكروا في أصول الفقه3أنّ صدق الاسم المشتقّ4؛ كالحيّ، والعليم لا ينفكّ عن صدق المشتق منه؛ كالحياة، والعلم.
وذكروا النزاع مع من5ذكروه من المعتزلة؛ كأبي عليّ6، وأبي

هاشم1، الكلابية أثبتوا الصفات العقلية فجاء ابن كُلاّب، ومن اتبعه؛ كالأشعريّ، والقلانسيّ2، فقرّروا أنّه لا بُدّ من إثبات الصفات متابعة للدليل السمعيّ والعقليّ، مع إثبات الأسماء.
وقالوا: ليست أعراضاً3؛ لأنّ العرض لا يبقى

زمانين1، [وصفات الربّ باقية.2
من قال: إن العرض لا يبقى زمانين وسلكوا في هذا الفرق - وهو أنّ العرض لا يبقى زمانين] 3 - مسلكاً أنكره عليهم جمهور العقلاء، وقالوا: إنهم خالفوا الحسّ وضرورة العقل، وهم موافقون لأولئك4على صحة هذه الطريقة - طريقة الأعراض - قالوا: وهذه5تنفي عن الله أن يقوم به حادِث، وكلّ حادِثٍ فإنّما يكون بمشيئته وقدرته.
قالوا: فلا يتّصف بشيء من هذه الأمور؛ لا يتكلّم بمشيئته وقدرته، ولا يقوم به فعل اختياري يحصل بمشيئته وقدرته6؛ كخلق العالَم، وغيره.
بل منهم من قال: لا يقوم به فعل، بل الخلق هو المخلوق؛ كالأشعريّ ومن وافقه.7

ومنهم من قال: بل فعل الربّ قديم أزليّ، وهو من صفاته الأزليّة؛ وهو قول قدماء الكلابيّة1، وهو الذي ذكره أصحاب ابن خزيمة2ما وقع بين ابن خزيمة والكلابية لمّا وقع بينه وبينهم بسبب هذا الأصل، فكتبوا عقيدةً اصطلحوا عليها3، وفيها: إثبات الفعل القديم الأزليّ.
وكان سبب ذلك أنّهم كانوا كلابيّة يقولون: إنّه لا يتكلّم بمشيئته وقدرته، بل كلامه المعيّن لازمٌ لذاته أزلاً وأبداً.

وكان ابن خزيمة وغيره على القول المعروف للمسلمين وأهل السنّة: أنّ الله يتكلّم بمشيئته وقدرته، وكان قد بلغه عن الإمام أحمد أنّه كان يذمّ الكلابيّة، وأنّه أمر بهجر الحارث المحاسبي1لما بلغه أنه على قول ابن كلاب.2
وكان يقول: حذروا عن حارث الفقير؛ فإنّه جهميّ.3
واشتهر هذا عن أحمد.4

وكان بنيسابور1طائفة من الجهميّة والمعتزلة ممّن يقولون2إنّ القرآن وغيره من كلام الله مخلوق، ويُطلقون القول بأنّه متكلّم بمشيئته وقدرته، ولكنّ مرادهم بذلك أنّه يخلق كلاماً بائناً عنه، قائماً بغيره؛ كسائر المخلوقات.
وكان من هؤلاء من عرف أصل ابن كلاب، فأراد التفريق بين ابن خزيمة وبين طائفة من أصحابه، فأطلعه على حقيقة قولهم3، فنَفَرَ

منه.1
وهم كانوا قد بنوا ذلك على أصل ابن كلاب، واعتقدوا أنّه لا تقوم به الحوادث بناءً على هذه الطريقة؛ طريقة الأعراض.
وابن خزيمة شيخهم، وهو الملقّب بإمام الأئمة، وأكثر الناس معه، ولكن لا يفهمون حقيقة النزاع؛ فاحتاجوا لذلك إلى ذكر عقيدة لا يقع فيها نزاع بين الكلابيّة وبين أهل الحديث والسنّة؛ فذكروا فيها: أنّ كلام الله غير مخلوق، وأنّه لم يزل متكلّماً2، وأنّ فعله أيضاً غير مخلوق؛ فالمفعول مخلوق، ونفس فعل الربّ له قديم غير مخلوق.3
وهذا قول الحنفيّة، وكثير من الحنبليّة، والشافعيّة، والمالكيّة، وهو اختيار القاضي أبي يعلى وغيره في آخر عمره.
وبَسْطُ هذا له موضع آخر.4

افتراق الأمة بسبب طريقة الأعراض والمقصود التنبيه على افتراق الأمة بسبب هذه الطريقة.
ولما عرف كثير من النّاس باطن قول ابن كلاب، وأنّه يقول: إنّ الله لم يتكلّم بالقرآن العربيّ، وإنّ كلامه شيء واحد؛ هو معنى آية الكرسيّ، وآية الدَّيْن1عرفوا ما فيه من مخالفة الشرع والعقل؛ فنفروا2عنه، وعرفوا أنّ هؤلاء يقولون: إنّه لا يتكلّم بمشيئته وقدرته، فأنكروه.
وكان ممّن أنكر ذلك الكرّامية3، وغير الكرّاميّة؛ كأصحاب أبي معاذ

التومني1، وزهير البابي2، وداود بن3عليّ4، وطوائف.
فصار كثير من هؤلاء يقولون: إنّه يتكلّم بمشيئته وقدرته، فأنكروه، لكن يراعي تلك الطريقة لاعتقاده صحتها؛ فيقول: إنّه لم يكن في الأزل متكلّماً؛ لأنّه إذا

كان لم يزل متكلماً بمشيئته، لزم وجود حوادث لا تتناهى12. وأصل الطريقة أنّ هذا ممتنع، فصار حقيقة قول هؤلاء أنّه صار متكلّماً بعد أن لم يكن متكلّماً. فخالفوا قول السلف والأئمة، أنه لم يزل متكلّماً إذا شاء. وبسط هذه الأمور له موضع آخر.3
ذم السلف للكلام والمتكلمين والمقصود هنا أنّ كثيراً من أهل النظر صار ما يوجبونه من النظر والاستدلال ويجعلونه أصل الدين والإيمان هو هذه الطريقة المبتدعة في الشرع، المخالفة للعقل، التي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمها وذمّ أهلها: فذمّهم للجهميّة الذين ابتدعوا هذه الطريقة أولاً متواترٌ مشهور، قد صُنِّف فيه مصنّفات.4
وذمّهم للكلام والمتكلّمين ممّا عني به أهل هذه الطريقة؛

كذمّ الشافعيّ لحفص الفرد12، الذي كان على قول ضرار بن3عمرو.4

وذمّ أحمد بن حنبل لأبي عيسى؛ محمد بن1عيسى برغوث23، الذي كان على قول حسين النجار.4
وذمّهما، وذمّ أبي يوسف56،

ومالك1، وغيرهم2لأمثال هؤلاء الذين سلكوا هذه الطريقة.3
وقد صنّف في ذمّ الكلام وأهله مصنّفات أيضاً4، وهو متناول لأهل

هذه الطريقة قطعاً.
فكان إيجاب النظر بهذا التفسير باطلاً قطعاً، بل هذا نظر فاسد يُناقض الحقّ والإيمان.
حذاق الطوائف ببينوا فساد طريقة الأعراض ولهذا صار من يسلك هذه الطريقة1من حذّاق الطوائف يتبيّن لهم فسادها2؛ كما ذكر مثل ذلك أبو حامد الغزالي3، وأبو عبد الله الرازي4، وأمثالهما.5

ثمّ الذي يتبيّن له فسادها: إذا لم يجد عند من يعرفه من المتكلمين في أصول الدين غيرها بقي حائراً مضطرباً.1
الفلاسفة تسلطوا على المتكلمين بسبب فساد طريقة الأعراض والقائلون بقدم العالم؛ من الفلاسفة، والملاحدة، وغيرهم تبيّن2لهم فسادها؛ فصار ذلك من أعظم حججهم على قولهم الباطل؛ فيُبطلون قول هؤلاء أنّه صار فاعلاً، أو فاعلاً ومتكلماً بمشيئته بعد أن لم يكن3، ويُثبتون وجوب دوام نوع الحوادث، ويظنّون أنّهم إذا أبطلوا كلام أولئك المتكلمين بهذا حصل مقصودهم.4
وهم5أضلّ وأجهل من أولئك6؛ فإنّ أدلتهم لا توجب قدم شيء بعينه من العالم، بل كلّ ما سوى الله فهو حادث مخلوق كائن بعد أن لم يكن، ودلائل كثيرة غير تلك الطريقة.7

وإن كان الفاعل لم يزل فاعلاً لما يشاء، ومتكلماً بما يشاء، وصار كثير من أولئك1إذا ظهر له فساد أصل أولئك المتكلمين المبتدعين، وليس عنده إلا قولهم، وقول هؤلاء2، يميل إلى قول هؤلاء الملاحدة، ثمّ قد يُبطن ذلك، وقد يُظهر لمن يأمنه.
أثر طريقة الأعراض على المتصوفة وابتُلِيَ بهذا كثير من أهل النظر والعبادة والتصوف، وصاروا يُظهرون هذا في قالب المكاشفة3، ويزعمون أنّهم أهل التحقيق والتوحيد

والعرفان.
فأخذوا من نفي الصفات أنّ صانع العالم1لا داخل العالم، ولا خارجه.
ومن قول هؤلاء: إنّ العالم قديم، ولم يروا موجوداً سوى العالم، فقالوا: إنّه هو الله، وقالوا: هو الوجود المطلق، والوجود واحد، وتكلّموا في وحدة الوجود2، وأنه الله بكلام ليس هذا موضع بسطه.3

ثمّ لمّا ظهر أنّ كلامهم يُخالف الشرع والعقل، صاروا يقولون: ثَبَتَ1عندنا في الكشف ما يُناقض صريح العقل، ويقولون: القرآن كله شرك، وإنّما التوحيد في كلامنا، ومن أراد أن يحصل له هذا العلم اللدنيّ الأعلى، فليترك العقل والنقل.2
وصار حقيقة قولهم الكفر بالله، وبكتبه، ورسله، وباليوم الآخر من جنس قول الملاحدة الذين يظهرون التشيّع.
لكنّ أولئك لمّا كان ظاهر قولهم هو ذمّ الخلفاء كأبي بكر وعمر وعثمان [رضي الله عنهم] 3، صارت وصمة الرفض تنفر عنهم خلقاً كثيراً لم يعرفوا باطن أمرهم، وهؤلاء صاروا ينتسبون إلى المعرفة والتوحيد واتباع شيوخ الطرق؛

كالفضيل1، وإبراهيم بن أدهم2، والتستري3، والجنيد4، وسهل بن5عبد الله6، وأمثال هؤلاء ممّن له في الأمة لسان صدق، فاغترّ بهؤلاء من لم يعرف باطن أمرهم، وهم في الحقيقة من أعظم خلق الله خلافاً لهؤلاء المشايخ

السادة، ولمن هو أفضل منهم من السابقين الأولين، والأنبياء المرسلين.1
وكان من أسباب ذلك أنّ العبادة والتألّه والمحبة ونحو ذلك ممّا يتكلّم فيه شيوخ المعرفة والتصوّف أمر معظّم في القلوب، والرسل إنّما بُعثوا بدعاء الخلق إلى أن يعرفوا الله، ويكون أحبّ إليهم من كلّ ما سواه، فيعبدوه ويألهوه، ولا يكون لهم معبود مألوه غيره.2
وقد أنكر جمهور أولئك المتكلمين أن يكون الله محبوباً، أو أنّه يُحبّ شيئاً، أو يُحبّه أحد.3
وهذا في الحقيقة إنكار لكونه إلهاً معبوداً؛ فإنّ

جارٍ التحميل