فصل عدل الله وحكمته وتعليل أفعاله
وهذا الأصل1دخل في جميع أبواب الدين؛ أصوله، وفروعه؛ في
خلق الربّ لما يخلقه، ورزقه، وإعطائه، ومنعه، وسائر ما يفعله تبارك وتعالى، ودخل في أمره، ونهيه، وجميع ما يأمر به، وينهى عنه.
ودخل في المعاد؛ فعندهم1يجوز أن يُعذّب الله جميع أهل العدل والصلاح والدين، والأنبياء والمرسلين بالعذاب الأبديّ، وأن يُنعّم جميع أهل الكذب والظلم والفواحش بالنّعيم الأبديّ. لكنْ بمجرّد الخبر عرفنا أنّه لا يفعل هذا.2
ويجوز عندهم أن يُعذّب من لا له ذنب أصلاً بالعذاب الأبديّ.3
حكم أطفال المشركين بل هذا واقعٌ عند من يقول بأنّ أطفال الكفّار يُعذّبون في النّار مع آبائهم4؛ فإنّهم كلّهم يُجوّزون تعذيبهم؛ إذ كان عندهم يجوز تعذيب كلّ
حيّ العذاب المؤبّد بلا ذنب، ولا غرض، ولا حكمة.1
لكن: هل يقع هذا في أطفال المشركين؟ منهم من جزم بوقوعه؛ كالقاضي أبي يعلى ومن وافقه.2
ومنهم من توقّف لعدم الدليل السمعيّ
عنده، لا لمانع عقليّ؛ كالقاضي أبي بكر1، ونحوه.2
وليس عندهم من أفعال الله ما يُنزّهونه عنه، أو ما [تقتضي] 3 الحكمة وجوده، بل يجوز عندهم أن يفعل كلّ ممكن، ويجوز أن لا يفعل شيئاً من الخير.4
لكن إذا أخبر أنّه يفعل شيئاً، أو أنّه لا يفعله، علم أنّه واقعٌ، أو غير واقعٍ بالخبر.
ويجوز عندهم أن يُعذّب من لا ذنب له، ومن هو أبرّ الناس وأعدلهم وأفضلهم عذاباً مؤبّداً لا يُعذّبه أحداً من العالمين.
ويجوز أن يُنعّم شرّ الخلق من شياطين الإنس والجنّ نعيماً في أعلى درجات الجنّة، لا يُنعّم مثله [لمخلوق] 5، لكن لمّا أخبر بأنّ المؤمنين يدخلون الجنّة، والكفّار يدخلون النّار، علم ما يقع6، مع أنّه لو وقع ضدّه لم يكن بينهما فرقٌ عندهم، ثمّ مع مجيء [الخبر] 7 فكثيرٌ منهم وافقه.
أمّا في جنس الفسّاق مطلقاً، [فيُجوّزون] 8 أن يدخل جميعهم الجنّة، ويُجوّزون أن يدخل جميعهم النّار، ويُجوّزون أن يدخل بعضهم؛ كما يقوله من يقوله [من واقفة] 9 الشيعة، والأشعريّة؛
كالقاضي أبي بكر1؛ لأنّ القرآن عنده لم يدلّ على شيء، والأخبار أخبار آحاد [بزعمه] 2، فلا يحتجّ بها في ذلك.
وأمّا جمهور المنتسبين إلى السنّة من أصحاب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي حنيفة، وغيرهم: فيقطعون بأنّ الله يُعذّب بعض أهل الذنوب بالنّار، ويعفو عن بعضهم3؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَاْ دُوْنَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاْء﴾ 4، فهذا فيه الإخبار بأنّه يغفر5ما دون الشرك، وأنّه يغفره لمن يشاء، لا لكلّ أحد.
لكن: هل الجزاء، والثواب، والعقاب مبنيٌ على الموازنة بالحكمة والعدل؛ كما أخبر الله بوزن الأعمال6، أو يغفر ويُعذّب بلا سبب، ولا حكمة، ولا اعتبار الموازنة فيه؟
لهؤلاء قولان: فمن جوّز ذلك فإنّه يجوز عندهم أن يُعذّب الله من هو أبرّ النّاس وأكثرهم طاعات وحسنات على سيئة صغيرة عذاباً أعظم من عذاب أفسق الفاسقين. ويجوز عندهم أن يغفر لأفسق الفاسقين من المسلمين وأعظمهم كبائر كلّ ذنب، ويُدخله الجنّة ابتداءً، مع تعذيب ذلك في النّار على صغيرة.1
ولهذا قال جمهور النّاس2[عن هؤلاء] 3: إنّهم لا يُنزّهون الربّ [عن] 4 السّفه والظلم، بل يصفونه بالأفعال التي يُوصف بها المجانين
والسفهاء؛ فإنّ المجنون والسفيه قد [يُعطي] 1 مالاً عظيماً لمن ليس هو له بأهل. وقد يُعاقب عقوبة عظيمة [لمن] 2 هو أهل للإكرام والإحسان. تنازع الناس في معنى الظلم والربّ تعالى أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وخير الراحمين. والحكمة وضع الأشياء مواضعها، والظلم وضع الشيء في غير موضعه.3
ومن تدبّر حكمته في مخلوقاته، ومشروعاته4رأى ما يُبهر العقول؛ فإنّه
مثلاً خلق العين، واللسان، ونحوهما من الأعضاء لمنفعة، وخلق الرِّجل، والظفر، ونحو ذلك لمنفعة، فلا تقتضي الحكمة أن يستعمل العين واللسان حيث يستعمل اليد والرجل والظفر، ولا أن يستعمل الرجل واليد حيث يستعمل العين واللسان.
وهذا من حكمته موجود في أعضاء الإنسان، وسائر الحيوان، والنبات، وسائر المخلوقات.
فكيف يجوز في حكمته، وعدله، ورحمته في مَنْ هو دائماً يفعل ما يُرضيه من الطاعات، والعبادات، والحسنات، وقد نظر نظرة منهيّاً عنها، أن يُعاقبه على هذه النظرة بما يُعاقب به أفجر الفُسّاق، [وأن يكون أفجر الفُسّاق] 1 في أعلى عليّين، وهو سبحانه يفعل ما يشاء، ويحكم ما [يُريد] 2.
لكن لا يشاء إلا ما يُناسب حكمته، ورحمته، وعدله، كما لا يشاء ويُريد إلا ما علم أنّه سيكون.
فلو قيل: هل يجوز أن يشاء ما علم أنّه لا يكون؟ لم [يجز] 3 ذلك باتفاقهم4، لمناقضة علمه.
والعلم يُطابق المعلوم.
فكيف يشاء ما يُناقض حكمته، ورحمته، وعدله.
وبسط هذه الأمور له مواضع متعدّدة.5
اضطراب الأشاعرة في النبوات والمقصود أنّ هؤلاء1لمّا احتاجوا إلى إثبات النبوات اضطربوا في صفة النبيّ، وما يجوز عليه، وفي الآيات التي بها يُعلم صدقه؛ فجوّزوا أن يُرسل الله من يشاء بما يشاء، لا يشترطون في النبيّ إلا أن يُعلم ما أُرسل به2؛ لأنّ تبليغ الرسالة بدون العلم ممتنع.
ومن جوّز منهم تكليف ما لا يُطاق مُطلقاً3، يلزمه جواز أن يأمره الله بتبليغ رسالة لا يعلم ما هي.
القول بتكليف ما لا يطاق.
وجوّزوا من جهة العقل ما ذكره القاضي أبو بكر: أن يكون الرسول فاعلاً للكبائر1، إلا أنّه لا بُدّ أن يكون عالماً بمرسله.
لكن ما عُلم بالخبر أنّ الرسول لا يتصف به، علم من جهة الخبر فقط، لا لأنّ الله منزّه عن
إرسال ظالم، أو مرتكب للفواحش، أو مكاس، أو مخنّث، أو غير ذلك؛ فإنّه لا يُعلم نفي شيء من ذلك بالعقل، لكن بالخبر. وهم في السمعيات عمدتهم الإجماع.1
عمدة الأشاعرة في السمعيات وأما الاحتجاج بالكتاب والسنّة، فأكثر ما يذكرونه تبعاً للعقل أو الإجماع. والعقل والإجماع مقدّمان عندهم على الكتاب والسنّة.2
لم يعتمد الباقلاني في تنزيه الأنبياء على دليل عقلي ولا سمعي فلم يعتمد القاضي أبو بكر3وأمثاله في تنزيه الأنبياء [لا] 4 على دليل عقليّ، ولا سمعيّ من الكتاب والسنّة؛ فإنّ العقل عنده لا يمنع أن يرسل الله من شاء؛ إذ كان يجوز عنده على الله فعلُ كلّ ما يقدر عليه.
وإنّما اعتمد على الإجماع؛ فما أجمع المسلمون عليه أنه لا يكون في النبيّ نَزّه عنه، ثمّ ذكر ما ظنّه إجماعاً؛ كعاداته، وعادات أمثاله في نقل إجماعات5لا يُمكن
نقلها عن واحد من الصحابة، ولا ثلاثة من التابعين، ولا أربعة من الفقهاء المشهورين؛ كدعواه الإجماع على أنّ الصلاة في الدار المغصوبة مجزئة1، مع قوله أنّ العقل يُحيل أن يكون مأموراً به؛ فيدّعي الإجماع على براءة المأمور من فعل ما أُمر به، لكونه فعل ما نُهي عنه.
ولأهل الكلام والرأي من دعوى [الإجماعات] 1 التي ليست صحيحة، بل قد يكون فيها نزاعٌ معروفٌ، وقد يكون إجماع السلف على خلاف ما ادّعوا فيه الإجماع ما يطول ذكره هنا.
وقد ذكرنا قطعة من الإجماعات الفروعيّة التي حكاها طائفة من أعيان العلماء العالمين بالاختلاف2، مع أنّها منتقضة، وفيها نزاع ثابت لم يعرفوه. وقد يكون غيرهم حكى الإجماع على نقيض قولهم. وربّما كان من السلف؛ كقول الشافعيّ: ما أعلم أحداً قَبِل شهادة العبد.3
وقبله من الصحابة: أنس بن مالك؛ يقول: ما أعلم أحداً ردّ شهادة العبد.4
وكدعوى ابن حزم الإجماع [على إبطال] 5 القياس.6
وأكثر الأصوليّين يذكرون الإجماع على إثبات القياس.
وبسط هذا له موضع آخر.7