فصل خوارق السحرة والكهان مناقضة للنبوة ولا تخرج عن مقدور الجن والإنس
إذا اشتدّ الحرب، يقولون: يا براء أقسم على ربك، فيقسم على ربه، فينصرون.1
والقَسَمُ: قيل: هو من جنس الدعاء2، لكن هو طلب مؤكّد بالقسم.
فالسائل يخضع، ويقول: أعطني.
والمقسم يقول: عليك لتعطيني، وهو خاضعٌ سائلٌ.
بعض المتصوفة يدعي لنفسه من الكرامات ما لا يجوز أن يكون للأنبياء لكن من الناس من يدّعي له من الكرامات ما لا يجوز أن يكون للأنبياء3؛
كقول بعضهم: إنّ لله عباداً، لو شاءوا من الله أن لا يقيم القيامة، لما أقامها.1
وقول بعضهم: إنه يعطي كن، أيّ شيء أراده، قال له: كن، فيكون.
وقول بعضهم: لا يعزب عن قدرته ممكن، كما لا يعزب عن قدرة ربه محال؛ فإنه لما كثر في الغلاة من يقول بالحلول والاتحاد2وإلهية بعض البشر، كما [قاله] 3 النصارى في المسيح، صاروا يجعلون ما هو من خصائص الربوبية لبعض البشر، وهذا كفرٌ.
وأيضاً: فإنّ كثيراً من الناس لا يكون من أهل الصلاح، و [يكون] 4 له خوارق شيطانية، كما لعبّاد المشركين وأهل الكتاب، فتتجلى لهم على أنها كرامات.
فمن الناس من يُكذّب بها، ومنهم من يجعل أهلها [من] 5 أولياء
الله1، وذلك لأن الطائفتين ظنت أن مثل هذه الخوارق لا يكون إلا لأولياء الله، ولم يُميّزوا بين الخوارق الشيطانية التي هي جنس ما للسحرة، والكهان، ولعباد المشركين، وأهل الكتاب، وللمتنبئين الكذّابين، وبين الكرامات الرحمانية التي يكرم الله بها عباده الصالحين.
فلما لم يُميّزوا بين هذا وهذا، وكان كثيرٌ من الكفار، والفجار، وأهل الضلال، والبدع لهم خوارق شيطانيّة، صار هؤلاء منهم حزبين؛ حزباً قد شاهدوا ذلك، وأخبرهم به من يعرفون صدقه، فقالوا: هؤلاء أولياء الله، وحزباً رأوا أن أولئك خارجون عن الشريعة، وعن طاعة الله ورسوله، فقالوا: ليس هؤلاء من الأولياء الذين لهم كرامات؛ فكذّبوا بوجود ما رآه أولئك، وأولئك قد عاينوا ذلك أو تواتر عندهم؛ فصار تكذيب هؤلاء مثل تكذيب من ينكر السحر، والكهانة، والجن، وصرعهم للإنس2، إذا
كذّب ذلك عند من رأى ذلك، أو ثبت عنده.
ومن كذّب بما تيقن غيره وجوده، نقصت حرمته عند هذا المتيقن، وكان عنده إما جاهلاً، و [إما] 1 معانداً، فربّما ردّ عليه كثيراً من الحق بسبب ذلك.
إنكار المعتزلة للكرامات والسحر والكهانة ولهذا صار كثيرٌ من المنتسبين إلى زهدٍ، أو فقرٍ، أو تصوّف، أو وَلَهٍ، أو غير ذلك، لا يقبلون قولهم، ولا يعبأون بخلافهم؛ لأنهم كذّبوا بحق قد تيقّنه هؤلاء، وأنكروا وجوده، وكذّبوا بما لم يُحيطوا بعلمه.
وقد يُدخلون إنكار ذلك في الشرع، كما أدخلت المعتزلة ونحوهم إنكار كرامات الأولياء2، وإنكار السحر والكهانة في الشرع، بناءً على أن ذلك يقدح في آيات الأنبياء3؛ فجمعوا بين التكذيب بهذه الأمور الموجودة، وبين عدم
العلم بآيات الأنبياء والفرق بينها وبين غيرها؛ حيث ظنوا أن هذه الخوارق الشيطانية من جنس آيات الأنبياء، وأنها نظير لها، فلو وقعت لم يكن للأنبياء ما يتميّزون به.
والذين ردُّوا على هؤلاء1من الأشعرية ونحوهم، يُشاركونهم في هذا في التسوية بين الجنسين2، وأنه لا فرق. قول الأشاعرة في الخوارق لكنّ هؤلاء لمّا تيقّنوا وجودها، جعلوا الفرق ما ليس بفرق؛ وهو اقترانها بالدعوى، والتحدي بمثلها، وعدم المعارضة.3
وهم يقولون: إنّا نعلم بالضرورة أنّ الربّ إنّما خلقها لتصديق النبيّ.4
وهذا كلام صحيح، لكنّه يستلزم بطلان ما أصّلوه؛ من أنه لا يخلق شيئاً لشيءٍ.5
وأيضاً: فاختصاصها بوجود العلم الضروري عندها دون غيرها، لا بُدّ أن يكون لأمرٍ أوجب [التخصيص] 1، وهم يقولون: بل قد تستوي الأمور، ويوجد العلم الضروي ببعضها دون بعض2؛ كما قالوا مثل ذلك في العادات: إنّه يجوز إنخراقها كلّها بلا سبب على أعظم الوجوه؛ كجعل الجبال يواقيت. لكن يُعلم بالضرورة أن هذا لا يقع.3
فكذلك قالوا في المعجزات: يجوز أن يخلقها على يد كاذب [...................] 4 إنما خلقها على يد الصادق بما ادعى من العلم الضروري صحيح5وأما قولهم: إنّ المعلوم به يماثل غيره.
فغلطٌ عظيم، بل هم لم يعرفوا الفرق، بمنزلة العامي الذي أوردت عليه شبهات السوفسطائية6؛ فهو يعلم بالضرورة أنها باطلة، ولكن لا يعرف الفرق بينها وبين الحق.
ولكن العامي يقول: فيها فساد لا أعرفه، لا يقول: دلائل الحق كدلائل الباطل.
وهؤلاء ادعوا الاستواء في نفس الأمر، فغلطوا غلطاً عظيماً1، ولو قالوا: بينهما فرقٌ، لكنه لم يتلخص لنا، لكان قولهم حقاً، وكانوا قد ذكروا عدم العلم، لا العلم بالعدم؛ كما يقول ذلك كثير من الناس؛ يقول: ما أعرف الفرق بينهما، وذلك أن العلم الضروري يحصل ببعض الأخبار دون بعض. وقد قيل: إنا نعلم أنه متواتر بحصول علمنا الضروري به.2
والتحقيق: أنه إذا حصل [لهم] 3 علم ضروري، كان قد حصل الخبر الذي يوجبه لهم، وقد لا يحصل لغيرهم. والعلم يحصل بعدد المخبرين، وبصفاتهم، وبأمور أخرى تنضم إلى الخبر.4
ومن جعل الاعتبار بمجرد العدد فقد غلط.5
والأكثرون
يقولون: العلم الحاصل به ضروريّ.1
وقيل: إنه نظري.2
وهو اختيار الكعبي3، وأبي الحسين4، وأبي الخطاب.5
كل علم نظري فمنتهاه أنه ضروري والتحقيق: أنّه قد يكون ضرورياً، وقد يكون نظرياً، وقد يجتمع فيه الأمران؛ يكون ضرورياً، ثم إذا نظر فيه وجد أنه يوجب العلم. وكذلك العلم الحاصل عقب الآيات قد يكون ضرورياً، وقد يكون نظرياً، وكلّ نظري فإنّ منتهاه أنه ضروري.6
ولهذا قال أبو المعالي: المرتضى عندنا أن جميع العلوم ضرورية7؛ أي بعد حصول أسبابها، ولا بد من فرق في نفس الأمر بين ما يوجب العلم، وما لا يوجبه.
أصل خطأ المعتزلة والأشاعرة في الخوارق وأصل خطأ الطائفتين: أنهم لم يعرفوا آيات الأنبياء، وما خصهم الله به، ولم يقدروا قدر النبوة، ولم يقدروا آيات الأنبياء قدرها، بل جعلوا هذه الخوارق الشيطانية من جنسها؛ فإما أن يكذّبوا بوجودها، وإما أن يسوّوا بينهما، ويدعوا فرقاً لا حقيقة له.
ولهذا يوجد كثير ممّن يكذب [بهذه] 1 الخوارق الشيطانية أن [تكون] 2 لبعض الأشخاص لما يراه من نقص دينه وعلمه، فإذا عاينها بعد ذلك أو ثبت عنده، خضع لذلك الشخص الذي كان عنده: إما كافراً، وإما ضالاً، وإما مبتدعاً جاهلاً، وذلك لأنه أنكر وجودها [معتقداً أنها لا توجد إلا للصالحين، فلمّا تيقّن وجودها] 3، جعلها دليلاً على الصلاح.
وهو غالطٌ في الأصل، بل هذه من الشياطين؛ من جنس ما للسحرة والكهان، ومن جنس ما للكفار من المشركين وأهل الكتاب؛ فإن لمشركي الهند والترك وغيرهم، ولعباد النصارى من هذه الخوارق الشيطانية أموراً كثيرة يطول وصفها أكثر وأعظم [من أكثر] 4 ممّا يُوجد منها لأهل الضلال والبدع من المسلمين، وما يوجد منها للمنافقين5؛ فإن الشياطين لا تتمكن من إغواء المسلمين، وإن كان فيهم جهل وظلم، كما [تتمكن] 6 من اغواء المشركين وأهل الكتاب.7
ولهذا ثنى في القرآن قصة موسى مع السحرة، وذكر ما يقوله الكفار لأنبيائهم؛ فإنه ما جاء نبي صادق قط، إلا قيل فيه: إنه ساحر أو مجنون؛ كما قال تعالى: ﴿كَذَلكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَومٌ طَاغُون﴾ 1، وذلك أن الرسول يأتي بما يخالف عاداتهم، ويفعل ما يرونه غير نافع، ويترك ما يرونه نافعاً.
وهذا فعل المجنون؛ فإن المجنون فاسد العلم والقصد.
ومن كان مبلغه من العلم إرادة الحياة الدنيا، كان عنده من ترك ذلك، وطلب ما لا يعلمه: مجنوناً.
ثمّ النبيّ مع هذا يأتي بأمور خارجة عن قدرة الناس؛ من إعلام بالغيوب، وأمور خارقة لعاداتهم؛ فيقولون: هو ساحر.
الفرق بين النبي والساحر عند الفلاسفة وهذا موجود في المنافقين الملحدين المتظاهرين بالإسلام؛ من الفلاسفة ونحوهم؛ يقولون: إن ما أخبرت به الأنبياء من الغيوب، والجنة، والنار، هو من جنس قول المجانين2، وعندهم خوارقهم من جنس
خوارق السحرة، والممرورين1المجانين؛ كما ذكر ابن سينا2، وغيره.3
لكن الفرق بينهما: أنّ النبي حسن القصد، بخلاف الساحر، وأنه يعلم ما يقول، بخلاف المجنون.4
لكن معجزات [الأنبياء] 5 عندهم قوى نفسانية، ليس مع هذا ولا هذا شيء خارج عن قوة النفس.6
والقاضيان؛ أبو بكر، وأبو يعلى، ومن وافقهما: متوقّفون في وجود المخدوم الذي تخدمه الجن7؛ قالوا: لا يُقطع بوجوده.
معنى الكاهن وكذلك الكاهن: ذكروا فيه القولين؛ قول من يقول: إنه المتخرص؛
وقول من يقول: إنه مخدوم.
وهم متوقفون [فيه، لا] 1 يقطعون [بوجود] 2 مخدوم كاهن3، كما يقطعون [بوجود] 4 الساحر؛ [لأنه] 5 في زمانهم وجد الساحر.
والقرآن أخبرنا بالسحر في سورة البقرة6، بخلاف الكاهن؛ فإن القرآن ذكر اسمه، ولو تدبروا لعلموا أن الكاهن هو المذكور في قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُم كَاذِبُونَ﴾ 78.
وفي الصحيح: عن النبي [صلى الله عليه وسلم] 9 أنه قيل له: "إن منا قوماً يأتون الكهان.
قال: فلا يأتوهم"10.
وسئل عن الكهان، وما يخبرون به؟ فأخبر أن الجن [تسترق] 1 السمع، و [تخبرهم] 2 به.3
فالكتاب والسنة أثبتا وجود الكاهن. وأحمد قد نصّ على أنه يُقتل كالساحر.4
لكن الكاهن إنما عنده أخبار، والساحر عنده تصرف؛ بقتل، وإمراض، وغير ذلك.5
وهذا تطلبه النفوس أكثر.
وابن صياد6كان كاهناً، ولهذا قال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: " قد خبّأتُ لك خبيَّاً.
فقال: الدُّخّ.
فقال: اخسأ، فلن تعدو قدرك" 7، إنمّا أنت من إخوان الكهان.
ولمّا قضى في الجنين بغرة، قال [حمل بن] 1 مالك2: [أيودى] 3 من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، قتل ذلك يطل.4
فقال: " إنّما أنت من أخوان الكهّان"؛ من أجل [سجعه الذي سجع.5
فكانوا يسجعون أساجيع6] 7. وقد رأيت من هؤلاء شيوخاً [يسجعون أساجيع كأساجيع] 8 الكهّان، ويكون كثيرٌ منها صدقاً.
ولهذا جمع الله بين الكاهن والشاعر، في قوله: ﴿وَمَا هُو بِقَولِ شَاعِر قَليلاً مَا تُؤمِنُون وَلا بِقَولِ كَاهِن قَليلاً مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العَالَمِينَ﴾ 1.
وكذلك في الشعراء: ذكر الكاهن والشاعر بعد قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيل رَبِّ العَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين﴾ 2، إلى قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُم كَاذِبُونَ﴾ 3 والرسول في آية الحاقة محمد.
وقال أيضاً: ﴿إِنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العَرشِ مَكِين مُطاع ثَمَّ أمين وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِين وَمَا هُوَ عَلَى الغَيبِ بِظَنِين وَمَا هُوَ بِقَولِ شَيْطَانٍ رَجِيم فَأَينَ تَذْهَبُون إِنْ هُوَ إِلا ذِكرٌ للعَالَمِينَ﴾ 4.
فلما أخبر به أنه قول رسول؛ هو ملك من الملائكة، نفى أن يكون قول شيطان.
ولما أخبر هناك أنه قول رسول من البشر، نفى أن يكون قول شاعر، أو كاهن.
فهذا تنزيه للقرآن نفسه.
ونزَّه الرسولَ أن يكون على الغيب بظنين: أي متّهم، وأن يكون بمجنون؛ فالجنون: فسادٌ في العلم، والتهمة: فسادٌ في القصد.
كما قالوا: ساحرٌ، أو مجنون.
وقال في الطور: ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُون أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيبَ المَنُون قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِني مَعَكُمْ مِنَ المُتَرَبِّصِين﴾ 5.
معنى الكاهن عند العرب وقد أخبر عن الأنبياء قبله: أنه ﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون﴾ 1، ولم يقولوا: كاهن؛ لأنّ الكاهن عند العرب: هو الذي يتكلم بكلام مسجوع، وله قرين من الجن.2
وهذا الاسم ليس بذمّ عند أهل الكتاب، بل يسمون أكثر العلماء بهذا الاسم، ويسمُّون هارون [عليه السلام] 3 وأولاده الذين عندهم التوراة بهذا [الاسم4] 5. والقدر المشترك: العلم [بالأمور] 6 الغائبة والحكم بها.
اسم الكاهن ليس بذم عند أهل الكتاب فعلماء أهل الكتاب يُخبرون بالغيب، ويحكمون به عن الوحي الذي أوحاه الله.
وكهان العرب كانت تفعل ذلك عن وحي الشياطين، وتمتاز بأنها [تسجع] 7 الكلام.
بخلاف اسم الساحر؛ فإنه اسم معروف في جميع الأمم. وقد يدخل في ذلك عندهم المخدوم الذي تخبره الشياطين ببعض الأمور الغائبة. ولكون الساحر يأتي بالخوارق شبَّهوا النبي [به] 1، وقالوا: ساحر. فدلّ ذلك على قدرٍ مشترك. من الفروق بين النبي والساحر لكن الفرقان بينهما أعظم، كالفرق بين الملائكة والشياطين، وأهل الجنة وأهل [النّار] 2، وخيار الناس وشرارهم. وهذا أعظم الفروق بين الحق والباطل.3
والكفّار قالوا عن الأنبياء: إنَّهم مجانين وسحرة.4
[فكما] 5 يُعلم بضرورة العقل من وجود أعظم الفرق بينهم وبين المجانين، وأنهم أعقل الناس وأبعدهم عن الجنون، فكذلك يعلم بضرورة العقل أعظم الفرق بينهم وبين السحرة، وأنهم أفضل الناس وأبعدهم عن السحر.
فالساحر يُفسد الإدراك، حتى يُسمع الإنسان الشيء، ويراه، ويتصوّر خلاف ما هو عليه.6
والأنبياء يُصحّحون سمع الإنسان، وبصره، وعقله.
والذين خالفوهم صمّ بكم عمي فهم لا يعقلون.
فالسحرة يزيدون الناس عمى، وصمماً، وبكماً.
صفة النبي عليه الصلاة والسلام في التوراة والأنبياء يرفعون [عماهم] 1، وصممهم، وبكمهم؛ كما في الصحيح عن عطاء بن يسار2أنه سأل عبد الله بن عمرو.3
وروى عبد الله بن سلام4أنه قيل له: أخبرنا ببعض صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، فقال: إنّه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: " ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدَاً وَمُبَشِّرَاً ونَذِيرَاً﴾ 5، وحرزاً للأميين.
أنت عبدي سمَّيتُك المتوكل.
لستَ بفظّ، ولا غليظٍ، ولا سخابٍ بالأسواق، ولا [تجزي] 1 بالسيئة السيئة، ولكن [تجزي] 2 بالسيئة الحسنة، [وتعفو وتغفر] 3.
ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء؛ فأفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صمّاً، وقلوباً غُلفاً؛ بأن يقولوا: لا إله إلا الله 4.
وهذا مذكورٌ عند أهل الكتاب في نبوة أشعيا.5
المراد بالتوراة ولفظ التوراة: قد يُراد به جميع الكتب التي نزلت قبل الإنجيل؛ فيقال: التوراة، والإنجيل.
ويُراد بالتوراة: الكتاب الذي جاء به موسى وما بعده من نبوة الأنبياء المتبعين لكتاب موسى، قد يُسَمَّى هذا كله توراة؛ فإن التوراة تفسر الشريعة؛ فكلّ من دان بشريعة التوراة: قيل لنبوته: إنَّها من التوراة.
وكثيرٌ مما يعزوه كعب الأحبار1ونحوه إلى التوراة، هو من هذا الباب، لا يختص ذلك بالكتاب المنزل على موسى؛ كلفظ الشريعة عند المسلمين: يتناول القرآن، والأحاديث النبوية، وما استخرج من ذلك؛ كما قد بسط هذا في موضع آخر.2
والمقصود هنا: أنّ الأنبياء يفتحون الأعين العمي، والآذان الصمّ، والقلوب الغلف.
والسحرةُ يفسدون السمع والبصر والعقل، حتى يخيّل للإنسان الأشياء بخلاف ما هي عليه، فيتغير حسه وعقله.
قال في قصة
موسى: ﴿سَحَرُوا أَعيُنَ النَّاسِ وَاستَرْهَبُوهُم وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيم﴾ 1. وهذا يقتضي أنّ أعين الناس قد حصل فيها تغيُّر. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِن السَّمَاءِ فَظَلُّوا فيهِ يَعرجُون لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَت أَبْصَارُنَا بَل نَحْنُ قَومٌ مَسْحُورُون﴾ 2، فقد علموا أن السحر يغير الإحساس، كما يوجب المرض والقتل. وهذا كلّه من جنس مقدور الإنس؛ فإن الإنسان يقدر [أن] 3 يفعل [في] 4 غيره ما يفسد إدراكه، وما يمرضه ويقتله. فهذا مع كونه ظلماً وشراً، هو من جنس مقدور البشر. الجني يُري قرينه نظير الشيء ليس عينه والجني إذا أراد أن يري قرينه أموراً غائبة سئل عنها، مثَّلها له. فإذا سئل عن المسروق، أراه شكل ذلك المال. وإذا سئل عن شخص، أراه صورته. ونحو ذلك.5
وقد يظنّ الرائي أنه رأى عينه، وإنّما رأى نظيره.
تمثّل الجني بصورة الإنسي وقد يتمثّل الجني في صورة الإنسي، حتى يظن الظان أنه الإنسي.
وهذا كثيرٌ؛ كما تصوّر لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم6،
وكان من أشراف بني كنانة؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطانُ أعمالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ اليَومَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُم﴾ 1 الآية. فلما عاين الملائكة ولى هارباً، ولما رجعوا ذكروا ذلك لسراقة، فقال: واللهِ ما علمت بحربكم، حتى بلغتني هزيمتكم.2
وهذا واقعٌ كثيراً، حتى إنه يتصوّر لمن يعظّم شخصاً في صورته، فإذا استغاث به، أتاه، فيظنّ ذلك الشخص أنه شيخه الميت.
وقد يقول له: إنه بعض الأنبياء، أو بعض الصحابة الأموات، ويكون هو الشيطان.3
وكثيراً من الناس أهل العبادة والزهد من يأتيه في اليقظة، من يقول: إنّه رسول الله، ويظنّ ذلك حقاً.1
ومن يرى إذا زار بعض قبور الأنبياء أو الصالحين أنّ صاحب القبر قد خرج إليه، فيظن أنه صاحب القبر ذلك النبي، أو الرجل الصالح، وإنما هو شيطان أتى في صورته إن كان يعرفها، وإلا أتى في صورة إنسان، وقال: إنه ذلك الميت.2
تمثل الشيطان بالخضر وكذلك يأتي كثيراً من الناس في مواضع، ويقول: إنه الخضر1، فاعتقد أنه الخضر، وإنما كان جنيّاً من الجن.2
لم يقل أحد من الصحابة إنه رأى الخضر ولهذا لم يجترىء الشيطان على أن يقول لأحد من الصحابة: إنّه الخضر، ولا قال أحد من الصحابة: إني رأيت الخضر.1
وإنما وقع هذا بعد الصحابة.
وكلما تأخّر الأمر كثر، حتى إنه يأتي اليهود والنصارى، ويقول: إنه الخضر.1
ولليهود كنيسة معروفة بكنيسة الخضر.2
وكثيرٌ من كنائس النصارى يقصدها هذا الخضر.
والخضر الذي يأتي هذا الشخص غير الخضر الذي يأتي هذا.
ولهذا يقول من يقول منهم3: لكل ولي خضر. وإنّما هو جني معه.4
والذين يدعون الكواكب5، تتنزل عليهم أشخاص يسمونها روحانية الكواكب6، وهو شيطانٌ نزل عليه لمّا أشرك، ليغويه.
كما تدخل الشياطين في الأصنام، وتكلم أحياناً لبعض الناس، وتتراءى للسدنة أحياناً، ولغيرهم أيضاً.1
وقد يستغيث المشرك [بشيخ] 2 له غائب، فيحكي الجني صوته لذلك الشيخ، حتى يظن أنه سمع صوت ذلك المريد مع بعد المسافة بينهما. ثم إنّ الشيخ يُجيبه، فيحكي الجني صوت الشيخ للمريد، حتى يظنّ أن شيخه سمع صوته وأجابه. وإلا فصوت الإنسان يمتنع أن يبلغ مسيرة يوم، ويومين، وأكثر.3
وقد يحصل للمريد من يؤذيه، فيدفعه الجنّي، ويُخيّل للمريد أنّ الشيخ هو دفعه.4
وقد يُضرب الرجل بحجر، فيدفعه عنه الجني، ثم يصيب الشيخ بمثل ذلك، حتى يقول: إني اتقيت عنك الضرب، وهذا أثره فيَّ.5
وقد يكونون يأكلون طعاماً، فيُصَوَّرُ نظيره للشيخ، ويجعل يده فيه، ويجعل الشيطان يده في طعام أولئك، حتى يتوهّم الشيخ وهم أنّ يد الشيخ امتدت من الشام إلى مصر، وصارت في ذلك الإناء.6
مناداة عمر: يا سارية الجبل الجبل وعمر بن الخطاب لما نادى: يا سارية 7 الجبل، قال: إن لله جنداً
يبلِّغونهم صوتي.1
فعلم أن صوته إنما يبلغ بما ييسره الله من تبليغ بعض
الملائكة، أو صالحي الجن، فيهتفون بمثل صوته؛ كالذي ينادي ابنه، أو غير ابنه، وهو بعيدٌ، لايسمع: يا فلان، فيسمعه من يريد إبلاغه، فينادي: يا فلان، فيسمع ذلك الصوت، وهو المقصود بصوت [أبيه] 1.
وإلا فصوت البشر ليس في قوته أن يبلغ مسافة أيام.
وقد قلنا: إنّ [آيات] 2 الأنبياء التي اختصوا بها خارجة عن قدرة الجن والإنس، قال تعالى: ﴿قُل لَئِنِ اجْتَمَعَت الإنسُ والجنُّ عَلَى أَنْ يأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرآنِ لا يَأتُونَ بِمِثلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرَاً﴾ 3.
وأما إذا كانت مما تقدر عليه الملائكة، فهذا مما يؤيدها؛ فإن الملائكة لا يطيعون من يكذب على الله، ولا يؤيّدونه بالخوارق.
فإذا أُيِّد به؛ كما أيَّد
الله به نبيه والمؤمنين يوم بدر، ويوم حنين، كان هذا من أعلام صدقه، وأنّه صادق على الله في دعوى النبوة؛ فإنّها لا تؤيد الكذب، لكن الشياطين تؤيد الكذّاب، والملائكة تؤيِّد الصدق.
التأييد من الملائكة بحسب الإيمان والتأييد بحسب الإيمان1، فمن كان أقوى من غيره، كان جنده من الملائكة أقوى، وإن كان إيمانه ضعيفا كانت ملائكته بحسب ذلك؛ كمَلَك الإنسان وشيطانه؛ فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما منكم من أحدٍ إلا وُكِّلَ به قرينه من الملائكة، وقرينه من الجن.
قالوا: وبك يا رسول الله.
قال: وبي، لكن الله أعانني عليه فأسلم"2.
وفي حديث آخر: "فلا يأمرني إلا بخير"3.
وهو في صحيح مسلم من وجهين4؛ من حديث ابن مسعود؛ ومن حديث عائشة.
وقال ابن مسعود: "إن للقلب لَمَّة5من الملك، ولمة من الشيطان.
فلمة الملك: [إيعاد] 1 بالخير، وتصديق بالحق. ولمة الشيطان: إيعاد بالشر، وتكذيب بالحق"2. فإذا كانت حسنات الإنسان أقوى، أُيِّدَ بالملائكة تأييداً يقهر به الشيطان، وإن كانت سيئاته أقوى، كان جند الشيطان معه أقوى. وقد يلتقي شيطان المؤمن بشيطان الكافر؛ فشيطان المؤمن مهزول ضعيف، وشيطان الكافر سمين قوي.3
الإنسان بفجوره يؤيد شيطانه على ملكه وبصلاحه يؤيده ملكه على شيطانه فكما أن الإنسان بفجوره يؤيد شيطانه على مَلَكه، وبصلاحه يؤيد ملكه على شيطانه، فكذلك الشخصان يغلب أحدهما الآخر؛ لأنّ الآخر لم يؤيد مَلَكَه، فلم يؤيده، أو [ضعف] 4 عنه؛ لأنّه ليس معه إيمان [يعينه] 5؛ كالرجل الصالح إذا كان ابنه فاجراً، لم يمكنه الدفع عنه لفجوره.
وبسط هذه الأمور له موضع آخر.6
والمقصود هنا: الكلام على الفرق بين آيات الأنبياء وغيرهم، وأنّ من قال1: إن آيات الأنبياء، والسحر، و [الكهانة] 2، والكرامات، وغير ذلك من جنس واحدٍ، فقد غلط أيضاً.
المتكلمون لم يعرفوا قدر آيات الأنبياء والطائفتان3لم يعرفوا قدر آيات الأنبياء، بل جعلوها من هذا الجنس؛ فهؤلاء4نفوه، وهؤلاء5أثبتوه وذكروا فرقاً لا حقيقة له. وإذا قال القائل: آيات الأنبياء لا يقدر عليها [إلا الله، أو أن الله يخترعها ويبتدئها بقدرته، أو أنها من فعل الفاعل المختار، ونحو ذلك.6
الرد على الأشاعرة قيل له: هذا كلامٌ مجملٌ.
فقد يقال عن كل ما يكون آية: لا يقدر عليه إلا الله] 7؛ فإن الله خالق كل شيء، وغيره لا يستقلّ بإحداث شيء.
وعلى هذا: فلا فرق بين المعجزات وغيرها.
وقد يقال: لا يقدر عليها إلا الله: أي هي خارجةٌ عن مقدورات
العباد؛ فإنّ مقدوراته على قسمين: منها ما يفعله بواسطة قدرة العباد؛ كأفعال العباد، وما يصنعونه؛ ومنها ما يفعله بدون ذلك؛ كإنزال المطر.1
فإن أراد هذا القائل: أنّها خارجة عن مقدور الإنس؛ بمعنى: أنه لا يقع منهم؛ لا بإعانة الجن، ولا بغير ذلك.
فهذا كلامٌ صحيح.
و [إن أراد أنّه] 2 خارجٌ عن مقدورهم فقط، وإن كان مقدوراً للجنّ: فهذا ليس بصحيح؛ فإنّ الرسل أرسلوا إلى الإنس والجن.
والسحر والكهانة وغير ذلك تقدر الجن على إيصالها إلى الإنس، وهي مناقضة لآيات الأنبياء؛ كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ 3.
وإن أراد أنها خارجة عن مقدور الملائكة والإنس والجن، أو أن الله يفعلها بلا سبب: فهذا أيضاً باطلٌ.
فمن أين له أنّ الله يخلقها بلا سبب؟ ومن أين له أنه لا يخلقها بواسطة الملائكة الذين هم رسله في عامّة ما يخلقه؟ فمن أين له أنّ جبريل لم ينفخ في مريم حتى حملت بالمسيح؟ وقد أخبر الله بذلك.
وهو وأمّه ممّا جعلهما آيةً للعالمين، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابنَ مريَمَ وأُمَّه آيةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرارٍ ومَعِين﴾ 4.
وخلقُ المسيح بلا أب من أعظم الآيات، وكان بواسطة نفخ جبريل،
قال تعالى: ﴿فَأرْسَلْنَا إلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّل لَها بَشَرَاً سَوِيّاً قالت إِنّي أعوذُ بالرحمن منكَ إِنْ كنتَ تَقِيّاً قال إنّما أنا رسول ربِّك [لِيَهَبَ] 1 لكِ غُلاماً زَكِيَّاً قالت أنّى يكونُ لي [غُلامٌ] 2 وَلَم يَمْسَسْني بشرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ 3.
وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَم ابنةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ 4.
وكذلك طمس أبصار قوم لوط كان بواسطة الملائكة.
والذي عنده علمٌ من الكتاب، لمّا قال [عفريتٌ5من الجنّ] 6 لسُليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وإِنِّي عَلَيهِ لقَوِيّ أَمِين قال الَّذي عِنْدَه عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أَنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ 7؛ أتته به الملائكة؛ كذلك ذكره المفسرون عن ابن عبّاس وغيره: أن الملائكة أتته به أسرع مما كان يأتي به العفريت.8
وقد أخبر الله تعالى أنّه أيّد محمّداً صلى الله عليه وسلم بالملائكة وبالريح، وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِم رِيحَاً وَجُنُودَاً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرَاً﴾ 1.
وقال تعالى يوم حنين: ﴿ [ثُمَّ َأَنْزَلَ] 2 اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأنْزَلَ جُنُودَاً لَمْ تَرَوْهَا﴾ 3.
وقال تعالى يوم الغار: ﴿فأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ 4.
وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحي رَبُّكَ إِلى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُم فَثَبِّتُوا الَّذِين آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ 5.
وقد ثبت في الصحيح: أنّ الإنسان يُصوّره مَلَك في الرحم بإذن الله، ويقول الملك: "أي ربّ نطفة، أي ربّ علقة، أي ربّ مضغة"6، فإذا كان الخلق المعتاد يكون بتوسط الملائكة.
[وقال] 1 يُقرر التوحيد بقوله تعالى: ﴿يا أيها النَّاسُ اعبُدُوا رَبَّكُم﴾ 2 الآيات. ثم النبوة، بقوله: ﴿وإِنْ كُنْتُمْ في رَيبٍ مِمّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا [فأتوا] 3 [بسُورةٍ] 4﴾ 5. [ثم المعاد] 6. وكذلك الأنعام، يقرر التوحيد، ثم النبوة في وسطها، ثم يختمها بأصول الشرائع والتوحيد أيضاً، وهو ملة إبراهيم. وهذا مبسوطٌ في غير هذا الموضع.7
والمقصود: أنه قد بيَّن انفراده بالخلق، والنفع، والضرّ، والإتيان بالآيات، وغير ذلك، وأنّ ذلك لا يقدر عليه غيره.
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُق كَمَنْ لا يَخْلُق﴾ 8.
وقال تعالى: ﴿وجَعَلُوا للهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُم وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَنَاتٍ بغيرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وتَعَالى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيع السَّمَواتِ والأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيم ذَلِكُم اللهُ رَبُّكُم لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصَار وَهُوَ اللَّطِيف الخَبِيرُ قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُم فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ومَا أَنَأ عَلَيْكُمْ بِحَفيظ وكذلك [نُصَرِّفُ] 1 الآيات وليَقُولوا دَرَسْتَ وَلنُبَيِّنَهُ لقومٍ يَعْلَمُونَ اتَّبِع ما أُوْحِيَ إليكَ مِنْ رَبِّكَ لا إلهَ إلاَّ هُوَ وأَعْرِض عَنِ المُشْرِكِينَ ولو شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا وما جَعَلْنَاك عَلَيْهِمْ حَفِيظَاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فيَسُبُّوا اللهَ عَدْوَاً بغيرِ عِلْمٍ كذلك زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُم ثُمَّ إلى رَبِّهِم مَرْجِعُهُم فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كانوا يَعْمَلُون وأقسموا باللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِم لَئِنْ جَاْءَتْهُم آيةٌ ليُؤمِننّ بِهَا قُلْ إِنَّما الآياتُ عِنْدَ اللهِ وما يُشْعِرُكُم أنَّهَا إذا جاءَتْ لا يُؤمِنُون ونُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُم وأبْصَارَهُم كما لَمْ يُؤمِنُوا به أوَّل مَرَّةٍ ونَذَرُهُم في طُغْيَانِهِم يَعْمَهُون﴾ 2.
ففي هذه الآيات تقرير التوحيد، حتى في إنزال الآيات، قال: ﴿إنّما الآياتُ عند الله﴾.
وكذلك قوله في العنكبوت: ﴿وقالُوا لولا أُنْزِل عليهِ آيةٌ 3 مِنْ رَبِّهِ قُلْ إنما الآياتُ عندَ اللهِ وإنّما أنا نَذِيرٌ مُبينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يُتْلَى عليهم إنَّ في ذلك [لَرَحمةً] 4 وَذِكْرى لقومٍ
يُؤْمِنُون قُلْ كَفَى باللهِ بيني وبينكم شَهِيداً يعلم ما في السَّمَواتِ والأرض والَّذِينَ آمنوا بالباطلِ وكفروا باللهِ أُولئِكَ هُمُ الخاسِرُون﴾ 1.
وقال أيضاً: ﴿وقالوا لولا نزِّلَ عليهِ آيةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللهَ قادرٌ على أَنْ يُنَزِّلَ آيةً ولكنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يعلمون﴾ 2، هذا بعد قوله: ﴿فإن استَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقَاً في الأرضِ أو سُلَّماً في السماءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَة وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُم عَلَى الهُدى فلا تَكُونَنَّ من الجاهِلِينَ﴾ 3.
[و] 4 هو أرسله بآيات بان بها الحقّ، وقامت بها الحجّة، وكانوا يطلبون آيات تعنّتاً، فيظنّ من يظنّ أنّهم يهتدون بها، [لكن لا] 5 يحصل بها المقصود، وقد [تكون] 6 [موجبة] 7 لعذاب الاستئصال، فتكون ضرراً بلا نفع.
وبيَّن سبحانه أنه قادر على إنزال الآيات، وأنها ليست إلا عنده.
لكن آيات الأنبياء لا تكون مما يقدر عليه العبد، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا الآياتُ عِنْدَ اللهِ﴾ 8.
والملائكة إِنَّما هي سببٌ من الأسباب؛ كما في خلق المسيح [من غير
أب، فجبريل إنّما كان مقدوره النفخ فيها، وهذا لا يُوجب الخلق، [بل] 1 هو بمنزلة الإنزال في حقّ غير المسيح.
وكذلك المسيح] 2 لمّا خلق من الطين كهيئة الطير: إنّما مقدوره تصوير الطين، [وأمّا] 3 حصول الحياة فيه: فبإذن الله؛ فإنّ الله يحيي ويميت، وهذا من خصائصه.
ولهذا قال الخليل: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ 4.
وفي القرآن، في غير مواضع: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّت مِنَ الحَيّ﴾ 5، [ ﴿وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾ 6] 7، ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ 8، [ ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ 9] 10.
وما يتولّد عن أفعال الملائكة وغيرهم ليسوا مستقلّين به، بل لهم فيه شركة؛ كطمس أبصار اللوطيّة، وقلب مدينتهم.
وكذلك النصر: إنّما] يقدرون] 1 على القتال كالإنس.
والنصر هو من عند الله؛ كما قال تعالى: ﴿ومَا جَعَلَهُ اللهُ إلاَّ بُشرى ولتطمئِنَّ به قلوبُكم وما النَّصْرُ إِلاَّ من عند اللهِ﴾ 2.
[والقرآنُ إنّما يقدرون على النزول به، لا على إحداثه ابتداءً، فهم3يقدرون على الإتيان بمثله من عند الله] 4.
وأمّا الجنّ والإنس فلا يقدرون على الإتيان بمثله؛ لأنّ الله لا يُكلّم بمثله الجنّ والإنس ابتداءً.
ولهذا قال: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ 5، وقال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ 6، وقال: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ 7، وقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ 8، لم يُكلّفهم نفس الإحداث، بل طالبهم بالإتيان بمثله؛ إما إحداثاً، وإما تبليغاً عن الله، أو عن مخلوق، ليظهر عجزهم عن جميع الجهات9؛ فقد يُقال: فنفس أفعال العباد ليست من الآيات؛ إذ