فصل الدليل ينقسم إلى قسمين
: 1- ما يدل بنفسه 2- ما يدل بدلالة الدال به والدليل الذي هو الآية والعلامة ينقسم إلى ما يدلّ بنفسه، وإلى ما يدلّ بدلالة الدالّ به؛ فيكون الدليل في الحقيقة هو الدالّ به الذي قصد أن يدلّ به.
وقد جعل ذلك علامةً وآيةً ودليلاً.
والذي يدلّ بنفسه1يُعلَم أنّه يدلّ بنفسه، وإن لم يُعلم أنّ أحداً جعله دليلاً، وإن كان في نفس الأمر كلّ مخلوقٍ قد جعله الله آية ودلالة.
وهو سبحانه عليمٌ مريدٌ، فلا يمكن أن يُقال: لم يرد بالمخلوقات أن تكون أدلة له، ولا أنّها ليست دليلاً يجعلها أدلة، كما قد يطلقه طائفة من النّظّار.
ولكن يستدلّ بها مع عدم النظر في كونها جعلت أدلة؛ كما قد يطلقه؛ إذ كان فيها مقاصد كثيرة غير الدلالة.
الأدلة العقلية والأدلة الوضعية والذي جعلها دليلاً؛ وهو الله، جعل ذاتها يستدلّ بها، مع قطع النظر عن [كونها] 2 هي دليلاً؛ فما من مخلوقٍ، إلا ويمكن الاستدلال به على
الخالق، والمحدَث نفسه يُعلم بصريح العقل أنّ له محدِثاً.
وهذه الأدلة التي [تدلّ] 1 بنفسها قد تُسمّى الأدلة العقلية، ويسمّى النوع الآخر2الأدلة الوضعية؛ لكونها إنّما دلّت بوضع واضع. والتحقيق: أنّ كلاهما عقلي، إذا نظر فيه العقل علم مدلوله.3
لكنّ هذه تدلّ بنفسها، وتلك تدلّ بقصد الدالّ بها؛ فيعلم بها قصده.
وقصده هو الدالّ بها؛ كالكلام؛ فإنّه يدلّ بقصد المتكلم به، وإرادته، وهو يدلّ على مراده، وهو يدلنا بالكلام على ما أراد، ثم يستدلّ بإرادته على لوازمها؛ فإن اللازم أبداً مدلولٌ عليه بملزومه.
والآيات التي [تدلّ] 4 بنفسها مجرّدة نوعان؛ منها: ما هو ملزومٌ مدلولٌ عليه بذاته، لا يمكن وجود ذاته دون وجود لازمه المدلول عليه؛ مثل دلالة المخلوقات على الخالق.
ومنها: ما هو مستلزم له مدّة طويلة، أو قصيرة؛ [فتدلّ] 1 عليه تلك المدة؛ مثل نجوم [السموات] 2؛ فإنّه يستدلّ بها على الجهات، والأمكنة، وعلى غيرها من النجوم، وعلى الزمان ماضيه وغابره، ما دام العالم على هذه الصورة؛ قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى في الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارَاً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ 3، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا في ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ 4.
ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي [أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ] 5 فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ 6، ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرَاً﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّ في ذَلِكُمْ [لآيَاتٍ] 7 لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ 8، وقوله: ﴿وَأَلْقَى في الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارَاً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ﴾ 9؛ هي علامات ألقاها في الأرض، وهذا قول الأكثرين10؛ قالت طائفة: هي معالم الطرق يُستدلّ بها بالنهار،
ويستدلّ بالنجم بالليل؛ وقالت طائفة: هي الجبال، وهي أيضاً مما يُستدلّ به1، ولهذا سمّاها الله أعلاماً في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الجَوَارِ في البَحْرِ كَالأَعْلام﴾ 2، ﴿فَبأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ 3؛ أي كالجبال.
والأعلام جمع عَلَم، والعَلَم: ما يعلم به كالعلامة.
[ومنه] 4: أعلام الطرق المنصوبة5، ومنه: يُقال لدلائل النبوة: أعلام النبوة، ويقال للراية المرفوعة: إنّها علم6، وأنّها
جُعلت علامة لصاحبها وأتباعه.
والعالَم [بالفتح] 1 مثل الخاتَم2: ما يعلم به؛ كما أن الخاتم ما يختم به، وهو بمعنى العالَم.3
ويسمّى كل صنفٍ من المخلوقات عالَمَاً4؛ لأنّه عَلَمٌ وبرهان على الخالق تعالى، بخلاف العالِم بالكسر؛ فإنه الذي يَعْلَم5؛ كالخاتِم بالكسر فإنّه الذي يختم6؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وخاتِمَ7النَّبِيِّين﴾ 8؛ لأنّه ختمهم؛ كما يُسمّى الماحي، والحاشر، والعاقب.9
وقد قُرِىء: ﴿وَخَاتمَ﴾ 10؛ أي خُتِمُوا به.
فالجبال: أعلامٌ1، وهي علاماتٌ لمن في البّر والبحر، يُستدلّ بها على ما يُقاربها من الأمكنة؛ فإنّه يلزم من وجودها وجوده، وهي لا تزال دالّة ما دامت موجودة، ومدلولها موجوداً، وهي أثبت من غيرها؛ فقد يكون عندها قرية وسكّان؛ فيكون علماً عليهم، ثم قد [تخرب] 2 القرية، ويذهب السكّان؛ فتزول الدلالة لزوال الملزوم.
وهذا كلّه ممَّا يُبيِّن أنّ الدليل قد يكون معيناً، بل الآيات كلّها معيّنة، و [أنّه] 3 يكون مطابقاً ملازماً لمدلوله، ليس أحدهما أعمّ من الآخر؛ كالثريا4مع الدبران، وكالجدي مع بنات نعش5، ونحو ذلك.
فتبيَّن غلط من ذكر أنّه يحصر الأدلّة.1
فيقال: إما أن يُستدلّ بالعام على الخاص، أو بالخاصّ على العام، أو
بأحد الخاصين على الآخر.
والأول هو القياس الشمولي1، والثاني هو الاستقراء2، والثالث هو التمثيل.3
وقد بيَّنا ما في هذا الكلام من الغلط؛ في حصره، وفي حكم أقسامه؛ فإنّ هؤلاء المقسمين للأمور العامة كثيراً ما يغلطون في هذا وهذا؛ إذ كان المقسم يجب أن يستوفي جميع الأقسام، ولا يُدخل فيها ما ليس منها؛ كالحادّ.1
وهم يغلطون فيها كثيراً؛ لعدم إحاطتهم بأقسام المقسوم؛ كما يقسّمون أقسام الموجودات، أو أقسام مدارك العلم، أو أقسام العلوم، أو غير ذلك، وليس معهم دليل على الحصر، إلاَّ عدم العلم.
وحصر الأقسام في المقسوم هو من الاستقراء.
ثمّ إذا حكموا على تلك الأقسام بأحكام فقد يغلطون أيضاً؛ كما قد ذُكِر هذا في غير هذا الموضع2؛ مثل غلط من حصر الأدلة في هذه الأنواع؛ من أهل المنطق، ومن تبعهم.
وقد بسط هذا في مواضع.1
وذلك: مثل قولهم: الدليل إما أن يستدل بالعام على الخاص، أو بالخاص على العام، أو بأحد الخاصين على الآخر؛ فإنّ الدليل أولاً لا يكون قطّ أعمّ من المدلول عليه؛ إمّا مساوياً له، وإمّا أخصّ منه؛ فإنّ الدليل ملزومٌ للمدلول عليه، والملزوم حيث تحقّق، [تحقّق] 2 اللازم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم؛ فحيث تحقّق الدليل، تحقّق المدلول عليه.3
فإذا
كان مساوياً له، أو أخصّ، كان حيث تحقّق المدلول؛ كما أنّه حيث تحقق ما هو ناطق النطق الذي يختص الإنسان، تحقّق الإنسان، وتحقّق أيضاً ما هو أعمّ من الإنسان؛ وهو ثبوت حيوان، وجسم حسّاس [نام] 1 متحرّك بالإرادة؛ بمعنى أنّه تحقّق مطلق هذا الجنس، وإلاَّ فلم يوجد شيء أعمّ من الإنسان بمجرّد وجوده، لكن وجد من صفاته ما يشبّه به غيره، ويصحّ إطلاقه عليه، وعلى غيره؛ وهو مسمّى الجسم، والحيوان، ونحو ذلك. وكذلك إذا وجد آية، [أو خبر] 2 يدلّ على الإيجاب، أو التحريم، لزم ثبوت الإيجاب أو التحريم. وقد ثبت الإيجاب والتحريم بآية أخرى، أو خبر آخر، فلهذا قيل: الدليل يجب طرده، ولا يجب عكسه.3
و [إذا] 4 كان الدليل لا يكون أعمّ من المدلول عليه، فقولهم: إمّا أن يستدل بالعام على الخاص: إنّما أرادوا به القياس الشمولي5الذي هو مقدمتان: صغرى، وكبرى6؛ كقولنا: النبيذ المتنازع فيه مسكر، وكل
مسكر حرام، أو كل مسكر خمر؛ كما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام"1؛ بيَّن أنّ المسكر موصوف بأنّه خمر، وبأنّه حرام، ولم يقصد القياس الشمولي؛ وهو أن يستدلّ على أن المسكر حرام؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم أجلّ من هذا شرعاً وعقلاً؛ فإنّه بكلامه يثبت الأحكام، وغيره إذا قال: كل مسكر خمر أو حرام، احتاج أن يستدلّ عليه، وأما هو فيستدلّ بنفس كلامه.
الدليل قد يكون أكثر من مقدمة والنظم الشمولي المنطقي لا يوجد في كلام فصيح، بل هو طويل لا يحتاج إليه؛ كما قد بسط في مواضع2، وبُيِّن أن الدليل قد يكون مقدمة واحدة، وقد يكون مقدمتين، وقد يكون ثلاث مقدمات، وأربع، وأكثر؛ بحسب ما يحتاج إليه المستدلّ الطالب لدلالة نفسه، أو الطالب ليدلّ غيره3؛ فإنّه قد لا يحتاج إلاَّ إلى مقدمة واحدة؛ مثل من عرف أنّ الخمر حرام، لكن لم يعرف أنّ كل مسكر هو خمر.
فإذا عرف بالنصّ أنّ كلّ مسكر
خمر، عرف أنّ كل مسكر حرام، وكان علمه موقوفاً على مقدّمة واحدة، بخلاف من لم يكن عرف بعد أنّ الخمر حرام؛ فيحتاج إلى مقدمة ثانية.
ثم إن كان عرف أنّ محمداً رسولُ الله بنصوصه المتواترة، [كفاه ذلك] 1.
وإن كان لم يقرّ بنبوته، احتاج إلى مقدمة ثالثة؛ وهو الإيمان بأنّه رسول الله، لا يقول على الله إلا الحق، ويذكر له من دلائل النبوة وأعلامها ما يعرف به ذلك؛ فيهتدي إن كان طالب علم، و [تقوم] 2 عليه الحجة إن لم يكن.
كذلك: فقول هؤلاء3في مثل هذا4: أنَّا استدللنا بالعام على الخاص: [لبسٌ] 5 عظيم؛ فإن المدلول عليه؛ وهو [تحريم] 6 النبيذ المتنازع فيه مثلاً، وإن كان أخصّ من تحريم المسكر والخمر.
فالدليل ليس هو القضية العامة، بل [هي] 7 الدليل: أنّ النبيذ المتنازع فيه مسكرٌ؛ وهو إحدى المقدمتين، وهذه قضية خاصة أخصّ من مسمى المسكر؛ فإنّ المسكر يتناول المتفق على تحريمه، والمتنازع فيه؛ وهذا هو الحد الأوسط8، وهو المتكرر في المقدمتين الذي هو محمول
في الصغرى، موضوع في الكبرى؛ فالاستدلال وقع [بإسكاره] 1 على أنّه خمرٌ، ومحرم.
ومسكر النبيذ المتنازع فيه أخصّ من مسمّى المسكر، والخمر.
والمقدّمة الثانية: الكبرى؛ وهي قولنا: وكلّ مسكر خمر: ليست هي الدليل، بل لا بدّ من الصغرى معها، وهي خاصة.
فالمدلول عليه إن كان تحريم النبيذ المتنازع فيه، فهذا إنما يدل على تحريمه: أنّه مسكر، وليس [إسكاره] 2 أعمّ منه، بل يلزم من ثبوت [إسكاره] 3، ثبوته؛ فإنّ ثبوت الموصوف بدون الصفة ممتنع؛ [فإسكاره] 4 دلّ على تحريمه، وليس تحريمه أعمّ من [إسكاره] 5، بل جنس [الإسكار] 6 والحرام أعمّ من هذا المسكر، [وهذا] 7 المحرم.
لكن هذا العام ليس هو الدليل بدون الخاص، بل قوله: كل مسكر حرام: يدلّ على تحريم كلّ مسكرٍ مطلقاً، من غير تعيين؛ فيكون [الإسكار] 8 مستلزماً للتحريم، والمسكر أخص من الحرام.
aوهذا استدلال بالخاصّ على العام؛ فوجود المسكر أخصّ من وجود الحرام، حيث كان [سكر] 1 كان الحرام موجوداً، وليس إذا كان الحرام موجوداً يجب وجود المسكر؛ لأنّ المحرّمات كثيرة؛ كالدم، والميتة، ولحم الخنزير.2
فالحد الأوسط؛ وهو المسكر دلّ على ثبوت الأعم؛ وهو التحريم، من الأخص في الأخص؛ وهو النبيذ المتنازع فيه. فالمدلول عليه التحريم، وهو أعمّ من المسكر؛ فهو استدلال بالخاصّ على العام، لكن المعنى العامّ الكلّي لا يوجد في الخارج عامّاً كليّاً، بل معيّناً؛ فهو استدلال على نوع من أنواعه؛ وهو التحريم الثابت في النبيذ المتنازع فيه، وهذا أخص من مطلق التحريم؛ كما أنّ مسكره أخص من مطلق المسكر. ومن هنا ظنّوا أنّهم استدلوا بالعامّ على الخاص؛ حيث استدلّوا بتحريم كلّ مسكر على تحريم هذا المسكر. وليس الأمر كذلك، بل الذي دلّ على تحريم هذا المسكر ليس هو مجرد القضية العامة الكلية، بل لا بُدّ معها من قضية أخص منها جزئية؛ مثل قولنا: هذا النبيذ مسكر. وبهذا الخاص يعلم ثبوت ذلك لا بمجرد [العامّ] 3. والدليل هنا ليس هو أعم من المدلول عليه، ولا يمكن ذلك قط. وأما قولهم: إن الاستدلال بالخاص على العام، هو الاستقراء.4
فمجرد الخاصّ إن لم يستلزم العامّ، لا يدل عليه.
والمستقرئ إن لم يحصر
الإفراد، لا يعلم أنّ ذلك المعنى شامل لها.
فما استدل بخاص على عام، [بل بعام] 1 مثله مطابق له.
وقولهم في قياس التمثيل: إنّه استدلال بخاصّ على خاصّ2، ليس كذلك؛ فإنّ مجرّد ثبوت الحكم في صورة، لا يستلزم ثبوته في أخرى، إن لم يكن بينهما قدر مشترك، ولا يثبت بذلك حتى يقوم دليل على أنّ ذلك المشترك مستلزم للحكم.
والمشترك3: هو الذي يُسمّى في قياس التمثيل: الجامع4، والوصف5، والعلة6، والمناط7، ونحو ذلك.
فإن لم يقم دليل على أن الحكم متعلق به، لازم له، لم يصح الاستدلال.
وهذا1المشترك في قياس التمثيل هو الحدّ الأوسط في قياس الشمول بعينه.
فالمعنى في القياسين: واحدٌ2، ولكنّ التأليف والنظم متنوّع إذا أراد أن يثبت تحريم النبيذ بقياس الشمول، [قال] 3: هذا هو حرام؛ لأنّه شراب مسكر؛ فيكون حراماً، قياساً على المسكر من العنب.
فالدليل هو المسكر، وهو المشترك، وهو الحد الأوسط.
ثم لا يكفي ذلك حتى يُبيّن أنّ العلة في الأصل، هي المشترك؛ فيقول: وعصير العنب حَرُمَ؛ لكونه مسكراً.
وهذا الوصف موجود في الفرع الذي هو صورة النزاع، فيجب اشتراكهما في التحريم.
وقوله: إنّه [حَرُمَ] 4؛ لكونه مسكراً: هي المقدمة الكبرى في قياس الشمول؛ وهي قولنا: كلّ مسكر حرام؛ فثبت أنّ علة التحريم هي [السكر] 5؛ إما بالنص؛ وهو قوله: "كلّ مسكر حرام"؛ وإما بدلالة القرآن؛ وهو أنّه يُوقع العداوة والبغضاء، ويصدّ عن ذكر الله، وعن
الصلاة؛ وإما بالمناسبة؛ وإما بالدوران1؛ وإما [بالسبر] 2 والتقسيم3؛ كما قد عُرِف في موضعه4، وهو نظير ما يُستدلّ به على ثبوت القضيّة الكبرى.
ثمّ الدليل قد يكون قطعياً، وقد يكون ظنيّاً؛ لخصوص المادّة، لا تعلّق لذلك بصورة القياس.
فمن جعل قياس الشمول هو القطعي، دون قياس التمثيل [فقد] 5 غلط؛ كما أنّ من جعل مسمّى القياس هو التمثيل، دون الشمول، فلم يفهم معناه.
والذي عليه جمهور العلماء أنّ كلاً منهما قياس، قد يكون قطعيّاً، وقد يكون ظنيّاً.1
وطائفة يقولون: اسم القياس لا يستعمل إلا في الشمول؛ كما يقوله ابن حزم، ومن يقوله من المنطقيين.
وطائفة2يقولون: لا يستعمل حقيقة إلا في التمثيل، ومن هؤلاء من يقول: ليس في العقليات قياس.
وهذا مبسوطٌ في مواضع3،
والمقصود [هنا] 1: التنبيهٌ على جنس الأدلة.
وأيضاً: فالدليل قد يكون مطابقاً للمدلول عليه، ملازماً له، ليس أعمّ منه، ولا أخصّ منه؛ كالكواكب التي في السماء المتلازمة التي يستدلّ بكلّ منها على الآخر؛ وكالناطقيّة، والإنسانية التي يُستدلّ بثبوت كلّ منهما على ثبوت الآخر.
وهذا خارج عن تقسيمهم؛ فإنّ هذا ليس استدلالاً بعامّ على خاصّ، ولا بخاصّ على عامّ، ولا بخاصّ على نظيره بطريق التمثيل، بل هو استدلال بأحد المتلازمين على الآخر، قد [يكونان] 2 عامَّين وخاصَّين؛ فالكواكب خاصة، [والعام] 3 [كالاستدلال] 4 بالحيوانية على الحس والحركة، إلا أنّه استدلال بعام على عامّ ملازم له.
وكذلك الاستدلال بكونه جسماً على وجود جنس العرض، والاستدلال بوجود جنس العرض على وجود جنس الجسم: هو استدلال بأحد العامين المتلازمين على الآخر.
والمقصود هنا1: أنّ هذه المعيّنات؛ كالنجوم، والجبال، والطرق، وأعلام الطرق: كلّها آيات، وأعلام، وعلامات على ما هو لا زم لها في العادة.
وكذلك قد يستدلّ على منزل الشخص بما هو ملازم؛ من دور الجيران، والباب، وغير ذلك، وشجرة هناك، وغير ذلك من العلامات التي يذكرها الناس يستدلّون بها، ويدلّون غيرهم بها.
وسُمِّيَت الجبال أعلاماً؛ لأنّها مرتفعة عالية، والعالي يظهر، ويُعلم، ويُعرف قبل الشيء المنخفض، ولهذا يوصف العالي بالظهور؛ كقوله: ﴿ [فَمَا اسْتَطَاعُوا] 2 أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ 3، ويقال ظهر الخطيب على المنبر.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" 4؛
فأدخل معنى العلو في اسمه الظاهر؛ لأنّ الظاهر يعلو، والعالي يظهر. وكذلك العالي يُعرف قبل غيره، ومنه قيل: عُرف الديك: أصله فُعل؛ بمعنى مفعول؛ أي معروف؛ كما يقال: كُره؛ بمعنى مكروه، ومنه الأعراف؛ وهي: أمكنة عالية بين الجنّة والنار.1
وقد قيل في قوله: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ﴾ 2: إن العلامات هي النجوم؛ منها: ما يكون علامة لا يهتدي به، ومنها: ما يهتدى به.3
وقول الأكثرين أصحّ4؛ فإنّ العلامات كلّها
يهتدى بها1، ولأنّه قد قال: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارَاً وَسُبُلاً [لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] 2 وَعَلامَاتٍ﴾ 3. [فهذا] 4 كلّه ممَّا ألقاه في الأرض، وهو منصوب ب (ألقى)، أو بفعل من جنسه؛ كما قال بعضهم؛ أي وجعل في الأرض أنهاراً؛ لأن الإلقاء من جنس الجعل.5
وبسط ما في هذا من إعراب و [معان] 6 له مقام آخر.
لفظ العلامات والمقصود هنا: ذكرُ العلامات.
والعلامات يدخل فيها ما تقدم من الرواسي والسبل؛ فإنّ كونها رواسي وسبلاً يسلكها الناس، غير كونها علامات.
والعطف قد يكون لتغاير الصفات مع اتحاد الذات؛ كقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ 7، وأمثاله.
فكيف إذا كانت العلامات تتناول هذا وغيره؟؛ فإنّ الجبال أعلام، وهي علامات؛ وكذلك الطرق يستدلّ بها السالك فيها.
ولهذا يسمّى الطريق إماماً؛ لأنّ السالك يأتمّ به.
وكذلك يسمّون ما يستدلّ به المستدل طريقاً ومسلكاً.
ويقال: لأصحاب هذا القول
عدّة طرق، ومسالك؛ حتى [أطلقوا] 1 [على] 2 ما يُصنّف من الاحتجاج على مسائل النزاع: طريقة؛ لأنّه فيه أدلة المصنّف على موارد النزاع. ومن هذا الباب الاستدلال على المرض بعلامات له، والاستدلال بالأصوات؛ فإن كانت كلاماً، كانت الدلالة قصديّة إراديّة، قصد المتكلم أن يدلّ بها، وهي دلالة وضعية عقلية؛ وإن كانت غير كلام، كانت الدلالة عقليّة طبعيّة؛ كما يستدل بالأصوات التي هي بكاء، وانتحاب، وضحك، وقهقهة، ونحنحة، وتنخّم، ونحو ذلك، على أحوال المصوت.3
ومن الدلائل: الشعائر؛ مثل شعائر الإسلام الظاهرة، التي [تدلّ] 4 على أن الدار دار الإسلام؛ كالأذان، والجُمَع، والأعياد.
وفي الصحيحين: عن أنس - رضي الله عنه قال -: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغز حتى يصبح، فإن سمع أذاناً أمسك، وإن لم يسمع أذاناً أغار بعدما يصبح".
هذا لفظ البخاري5، ولفظ مسلم6: "كان يغير
إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان؛ فإن سمع أذاناً أمسك، وإلا أغار.
فسمع رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على الفطرة".
ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله.
فقال: "خرجت من النار".
وعن عصام المزني1، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث السرية يقول: "إذا رأيتم مسجداً، أو سمعتم منادياً، فلا تقتلوا أحداً".
رواه أبو داود2، والترمذي3، وابن ماجه.4
ومن هذا النوع: دلائل الجهات.
ومنه: دلائل القبلة؛ يستدل عليها بالنجوم، والشمس، والقمر، والرياح، والطرق، وغير ذلك من الدلائل؛ كما قد ذكر الناس ما ذكروه من دلائل القبلة.