النبوات لابن تيميةفصل الاستدلال بسنة الله وعادته في معرفة النبي الصادق من المتنبئ الكاذب

فصل الاستدلال بسنة الله وعادته في معرفة النبي الصادق من المتنبئ الكاذب

وأمّا الاستدلال بسنته وعادته، فهو أيضاً طريق برهاني ظاهرٌ لجميع الخلق.1

وهم متفقون عليه؛ من يقول بالحكمة1؛ ومن يقول بمجرد المشيئة2؛ فإنّه قد علم عادته سبحانه في طلوع الشمس، والقمر، والكواكب، والشهور، والأعوام، وعادته في خلق الإنسان، وغيره من المخلوقات، وعادته فيما عرفه الناس؛ من المطاعم، والمشارب، والأغذية، والأدوية، ولغات الأمم؛ كالعلم بنحو كلام العرب وتصريفه، والعلم بالطب وغير ذلك.
سنة الله في نصر الأنبياء وأتباعهم وإهلاك من كذبهم أو كذب عليهم كذلك سنته تعالى في الأنبياء الصادقين وأتباعهم، وفيمن كذّبهم، أو كذب عليهم؛ فأولئك ينصرهم ويعزّهم، ويجعل لهم العاقبة المحمودة، والآخرون يهلكهم ويذلهم، ويجعل لهم العاقبة المذمومة3؛ كما فعل [بقوم] 4 نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وفرعون

وقومه؛ وكما فعل بمن كذّب محمداً؛ من قومه قريش، ومن سائر العرب، وسائر الأمم غير العرب؛ وكما فعل [بمن] 1 نصر أنبياءه وأتباعهم؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ﴾ 2.
وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَومَ يَقُومُ الأَشْهَاد﴾ 3.
وقال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ القُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيد وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتهُم الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيب﴾ 4 وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قومُ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيتُ للكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِير﴾ 5.
وقال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [كَانُوا أَشَدَّ] 6 مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا [السُّوْأَى] 7 أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ 8.

وقال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ [كَانَ] 1 عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارَاً في الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاق ذَلِكَ [بِأَنَّهُمْ] 2 كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيّ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ 3.
وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوه وَجَادَلُوا بِالبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَاب﴾ 4.
وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارَاً في الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ [بِالبَيِّنَاتِ] 5 فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا [بِهِ] 6 يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ [يَكُ] 7 يَنْفَعُهُمْ إِيْمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا] 8 سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُون﴾ 9.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيَّاً وَلا

نَصِيراً سُنَّة اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ 1.
وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورَاً اسْتِكْبَارَاً في الأَرْضِ وَمَكْر السَّيِّءِ وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ 2.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَاً لا يَلْبَثُونَ [خِلافَكَ] 3 إِلاَّ قَلِيلاً﴾ 4.
[وقال تعالى] 5: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَن الَّذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذَاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئَاً قَلِيلاً إِذَاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَينَا نَصِيرَاً﴾ 6.
وقد قيل: آية الحاقة7، وآية الشورى8تُبيِّن أنه لو افترى عليه [لعاقبه9] 10، فهذه سنته في الكاذبين.

وحقيقة الاستدلال بسنته وعادته: هو اعتبار الشيء بنظيره؛ وهو التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين؛ وهو الاعتبار المأمور به في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ في فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقَاتِلُ في سَبِيل اللهِ وَأُخْرَى كَافِرةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَينِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاء إِنَّ في ذَلِكَ لَعِبرَةً لأُولِي الأَبْصار﴾ 1، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولي الأَبْصَار﴾ 2، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرة لأُولي الأَلْبَابِ﴾ 3.
وإنما تكون العبرة [به] 4 بالقياس والتمثيل؛ كما قال ابن عباس في دية الأصابع: هنّ سواء5، واعتبروها بدية الأسنان.

فإذا عرفت قصص الأنبياء، ومن اتبعهم، ومن كذَّبهم، وأنَّ متبعيهم كان لهم النجاة [والعاقبة] 1 والنصر والسعادة، [ولمكذّبهم] 2 الهلاك والبوار، جعل الأمر في المستقبل مثلما كان في الماضي؛ فعلم أنّ من صدّقهم كان سعيداً، ومن كذَّبهم كان شقياً.
وهذه [سنة الله] 3 وعادته.
ولهذا يقول سبحانه في تحقيق عادته وسنته، وأنه لا ينقضها ولا يبدلها: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ في الزُّبُر﴾ 4؛ يقول: فإذا لم يكونوا خيراً منهم، فكيف ينجون من العذاب، مع مماثلتهم لهم، هذا بطريق الاعتبار والقياس، ثم قال: ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾: أي معكم خبر من الله بأنه لا يعذبكم؟؛ فنفى الدليلين: العقلي، والسمعي، ثم ذكر قولهم: نحن جميعٌ منتصر، وإنَّا نغلب من يغالبنا، فقال تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر﴾ 5، وهذا ممّا [أنبأ به] 6 من الغيب في حال ضعف الإسلام، واستبعاد عامة الناس ذلك7، ثم كان كما أخبر.

وقد قال للمؤمنين في تحقيق سنته وعادته: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيب﴾ 1، وقال لمحمد: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ 2، وقال: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ 3، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَة كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ 4.
وفي الصحيحين: عن [أبي هريرة] 5 [رضي الله عنه] 6، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لتركبنّ سُنَنَ من كان قبلكم حذو القذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه.
قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: نعم"7.

وفي الصحيحين: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليأخذن أمتي ما أخذ الأمم قبلها شبراً بشبر، وذراعاً بذراع.
قالوا: يا رسول الله! فارس والروم؟ قال: ومن النَّاس إلا هؤلاء"1.
وفي السنن: لما قال له بعض أصحابه: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
قال: الله أكبر قلتم كما قال [قوم] 2 موسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة.
ثم قال: إنه السنن لتركبن سنن من كان قبلكم" 3.
وقال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ 4.
ولهذا احتج من احتج بسنة الله وعادته في مكذبي الرسل5؛ كقول

شعيب: ﴿ويَا قَوم لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلَ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَومَ صَالِح وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيد﴾ 1.
وقال مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَومِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ مِثْلَ دَأبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمَاً لِلْعِبَاد﴾ 2.
وقال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ 3.
معنى الدأب والدأب: العادة في ثلاثة مواضع4، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ ولا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئَاً وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ العِقَاب﴾ 5.
قال ابن قتيبة6وغيره7: الدأب: العادة، ومعناه: كعادة آل فرعون، يريد كفر اليهود8كلّ فريق بنبيّهم.

وقال الزجاج1: هو الاجتهاد، معناه: أي دأب هؤلاء، وهو اجتهادهم في كفرهم وتظاهرهم على النبي، كتظاهر آل فرعون على موسى.2
وقال عطاء3، والكسائي4، وأبو عبيدة5: كسنّة آل فرعون.6

وقال النضر بن شميل1: "كعادة آل فرعون2؛ يريد عادة هؤلاء الكفار في تكذيب الرسل وجحود الحق كعادة آل فرعون".
وقال طائفة3: "نظم الآية: إنّ الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم عند حلول النقمة والعقوبة، مثل آل فرعون، وكفار الأمم الخالية أخذناهم فلن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم".
وفي تفسير أبي روق4: عن الضحاك5، عن ابن عباس: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: قال: كصنيع آل فرعون.6

قال ابن أبي [حاتم] 1: وروي عن مجاهد، والضحاك، وأبي مالك، وعكرمة، نحو ذلك.2
قال: وروي عن الربيع بن أنس3كشبه آل فرعون.4
وعن السدي قال: ذكر الذين كفروا كمثل الذين من قبلهم في [التكذيب] 5 والجحود.6
قلت: فهؤلاء جعلوا الشبيه في العمل؛ فإن لفظ الدأب يدلّ عليه: قال الجوهري7: دأب فلان في عمله، أي: جدَّ، وتعب دَأْبَاً ودُؤوباً، فهو دَئِبٌ.
وأدأبتُه أنا.
والدائبان: الليل والنهار.
قال: والدَّأْبُ يعني بالتسكين: العادة والشأن، وقد يُحَرَّكُ.8

قال الفراء1: أصله من دأبت، إلا أن العرب حوّلت معناه إلى الشأن.2
قلت: الزَّجَّاج جعل ما في القرآن من الدأب، الذي هو الاجتهاد.3
والصواب: ما قاله الجمهور؛ أنَّ الدأب - بالتسكين -: هو العادة، وهو غير الدأب بالتحريك؛ إذا زاد اللفظ زاد المعنى، والذي في القرآن مُسَكَّنٌ، ما علمنا أحداً قرأه بالتحريك، وهذا معروف في اللغة؛ يقال: فلانٌ دَأْبُهُ كذا وكذا: أي هذا عادته وعمله اللازم له، وإن لم يكن في ذلك تعبٌ واجتهاد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ 4، والدائب نظير الدائم، والباء والميم متقاربتان؛ ومنه: اللازب واللازم.
قال ابن عطية5: "دائبين، أي: متماديين، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب الجمل الذي بكى وأجهش إليه: "إنَّ هذا الجمل شكى إلي أنك تُجيعه وتُدئبُه6"7؛ أي

تديمه في العمل [له] 1 والخدمة2". قال3: "وظاهر الآية أن معناه دائبين في الطلوع والغروب، وما بينهما من المنافع للناس التي لا تحصى كثيرة4"5. قال6: "وحكى الطبري عن مقاتل بن حيان يرفعه إلى ابن عباس أنه قال: معناه دائبين في طاعة الله" 7.
قال8: "وهذا قول إن كان يراد به أن الطاعة: [انقيادهما للتسخير] 9، فذلك موجود في [طاعة] 10 قوله: [و] 11 ﴿سخَّر﴾.
وإن كان يراد أنها طاعة [مقدورة] 12، كطاعة العبادة من البشر، فهذا [بعيد] 13" 14.

قلت1: ليس هذا ببعيد، بل عليه دلت الأدلة الكثيرة، كما هو مذكور في مواضع.2
وقالت طائفة، منهم البغوي: وهذا لفظه دائبين يجريان فيما يعود إلى مصالح [عباد] 3 الله لا يفتران. قال ابن عباس: دؤوبهما في طاعة الله.4
ولفظ أبي الفرج: "دائبين في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، لا يفتران.
قال: ومعنى الدؤوب: مرور [الشيء على] 5 عادة جارية فيه"6.
قلت: وإذا كان دأبهم هو عادتهم وعملهم الذي كانوا مصرين عليه، فالمقصود أن هؤلاء أشبهوهم في العمل، فيشبهونهم في الجزاء، فيحيق بهم ما حاق بأولئك.
هذا هو المقصود ليس المقصود التشبيه في [الجزاء كقوله] 7: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئَاً

وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار [كَدَأْبِ] 1 آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ العِقَاب﴾ 2؛ أي فهؤلاء لا [تدفع] 3 عنهم أموالهم وأولادهم عذاب الله إذ جاءهم، كدأب آل فرعون.
وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيق ذَلكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ للعَبِيد﴾ 4، [إلى قوله:] 5 ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ 6.
فهذا كله يقتضي التشبيه في العذاب.
وأما الطائفة الأخرى: فجعلوا الدأب نفس فعل الرب بهم، وعقوبته لهم: قال مكي بن أبي طالب7: "الكاف [في] 8 (كدأب) في [مواضع] 9

نصب نعت لمحذوف تقديره: [غيّرناهم] 1 [كما] 2 غيّروا تغييراً، مثل عادتنا في آل فرعون.
ومثلها الآية الأولى، إِلاَّ أنّ الأولى للعادة في العذاب، تقديره: فعلنا بهم ذلك فعلاً مثل عادتنا في آل فرعون"3.
وقد جمع بعضهم بين المعنيين، فقال أبو الفرج: " ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: أي كعادتهم، والمعنى: [كذّب هؤلاء كما] 4 كذَّب أولئك، فنزل بهم العذاب، كما نزل بأولئك" 5.
قلت: الدأب: العادة، وهو مصدر يُضاف إلى الفاعل تارة، وإلى المفعول أخرى، فإذا أضيف إلى الفاعل، كان المعنى: كفعل آل فرعون، وإذا أضيف إلى المفعول، كان المعنى: كعادتهم في العذاب والمصائب التي نزلت بهم؛ يقال: [هذه] 6 عادة هؤلاء لما فعلوه، ولما يصيبهم، وهي عادة الرب وسنته فيهم.
والتحقيق: أنّ اللفظ يتناول الأمرين [جميعاً] 7.
وقد تقدم عن الفراء والجوهري: أنَّ الدأب: العادة والشأن8، وهذا كقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِين﴾ 9:

روى ابن أبي حاتم بالإسناد المعروف عن مجاهد: " ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾: [من] 1 الكفار، والمؤمنين [في] 2 الخير والشر"3.
وعن أبي إسحاق4: "أي: قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك [بي] 5 عاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، [فَرُؤُوا6مثلات] 7 قد مضت [مني] 8 فيهم" 9؛ فقد فسّرت السنن: بأعمالهم وبجزائهم.
قال البغوي: "معنى الآية: قد مضت، وسلفت مني [سنن] 10 فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية الكافرة بإمهالي [واستدراجي] 11 إياهم، حتى يبلغ الكتاب فيهم أجلي الذي أجلته لإهلاكهم وإدالة أنبيائي [عليهم] 12، ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: أي

[آخر] 1 المكذبين [منهم] 2.
قال: وهذا في [حزب واحد] 3، يقول [عزّ وجلّ] 4: فأنا أمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي [أجلت من] 5 نصرة النبي [صلى الله عليه وسلم] 6 وأوليائه، وهلاك أعدائه) 7.
قلت: ونظير هذا: قوله تعالى: ﴿ [أَفَلَمْ] 8 يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَتَكون لَهُمْ قُلُوبٌ [يَعْقِلُونَ] 9 بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُور﴾ 10، وقوله: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ [كَانُوا] 11 أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ 12، وقوله في الآية الأخرى: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارَاً في الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا

رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيْمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُون﴾ 1.
فهذا كلّه يُبيِّن أن سنة الله وعادته مطردة، لا تنتقض في إكرام مصدقي الرسل، وإهانة مكذّبيهم.2

جارٍ التحميل