الجنى الداني في حروف المعانيفي

في

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أم قاسم المرادي
الكتاب
الجنى الداني في حروف المعاني
المؤلف
أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)
المحقق
د فخر الدين قباوة -الأستاذ محمد نديم فاضل
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1992 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

نحو قول الشاعر: دع عنك نعباً، صيح في حجراته ... ولكن حديثاً، ما حديث الرواحل؟ لأن جعلها حرفاً،

في ذلك، يؤدي إلى تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل.
وذلك لا يجوز إلا في أفعال القلوب، وما حمل عليها.
قال الشيخ أبو حيان: وفيه نظر، لأن مثل هذا التركيب

قد

وجد في إلي، كقوله تعالى " واضمم إليك جناحك "، " وهزي إليك بجذع النخلة "، ولا نعلم أحداً قال باسمية إلى.
قلت: قال ابن عصفور في شرح أبيات الإيضاح:؛:آأبو بكر الأنباري أن إلى تستعمل اسماً، يقال: انصرفت

من إليك، كما يقال: غدوت من عليك.
وتكون عن حرفاً، فيما عدا ذلك.
ولها قسمان: الأول: أن تكون حرف جر.
وذكروا له معاني: الأول: المجاوزة.
وهو أشهر معانيها، ولم يثبت لها البصريون غير هذا المعنى.
فمن ذلك قوله: رميت عن القوس: لأنه يقذف عنها بالسهم ويبعده.
ولكونها للمجاوزة عدي بها: صد، وأعرض، ونحوهما، ورغب، ومال، إذا قصد بهما ترك المتعلق.
نحو: رغبت عن اللهو، وملت عنه.
الثاني: البدل، نحو " واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً "، وقولهم: حج فلان عن أبيه، وقضى عنه ديناً، وقول الآخر: كيف تراني، قالباً مجني؟ ... قد قتل الله زياداً، عني

الثالث: الاستعلاء.
كقول الشاعر: لاه ابن عمك، لا أفضلت في حسب ... عنى، ولا أنت دياني، فتخزوني أي: علي.
قال ابن مالك: ومنه بخل عنه والأصل عليه.
قال: لأن الذي يسأل فيبخل يحمل السائل ثقل الخيبة، مضافاً إلى ثقل الحاجة.
ففي بخل معنى ثقل، فكان جديراً بأن يشاركه في التعدية ب على.
الرابع: الاستعانة.
مثله ابن مالك بقوله: رميت عن القوس.
ف عن هنا بمعنى الباء، في إفادة معنى الاستعانة، لأنهم يقولون: رميت بالقوس.
وحكى الفراء، عن العرب: رميت عن القوس،

وبالقوس، وعلى القوس.
قلت وفي هذا رد على من قال: إنه لا يقال رميت بالقوس، إلا إذا كان هو المرمي.
وقد ذكر ذلك الحريري في درة الغواص.
الخامس: التعليل: كقوله تعالى " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة "، وقوله تعالى " وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ". السادس: أن تكون بمعنى بعد، كقوله تعالى " لتركبن طبقاً عن طبق ". قيل: ومنه " عما قليل ليصبحن نادمين " وقولهم: أطعمته عن جوع، أي: بعد جوع.
السابع: أن تكون بمعنى في، كقول الشاعر: وآس سراة القوم، حيث لقيتهمولاتك، عن حمل الرباعة، وانيا

أي: في حمل الرباعة.
هذا قول الكوفيين.
وقال بعض النحويين: تعدية ونى ب في وعن ثابتة.
والفرق بينهما أنك إذا قلت: ونى عن ذكر الله، فالمعنى المجاوزة، وأنه لم يذكره.
وإذا قلت: ونى في ذكر الله، فقد التبس بالذكر، ولحقه فيه فتور وأناة.
الثامن: أن تزاد عوضاً، كقول الشاعر: أتجزع أن نفس أتاها حمامها ... فهلا التي عن بين جنبيك تدفع قال ابن جني: أراد فهلا عن التي بين جنبيك تدفع، فحذف عن وزادها بعد التي عوضاً.
ونص سيبويه على أن عن لا تزاد.
واعلم أن هذه المعاني السابقة إنما أثبتها الكوفيون، ومن وافقهم،

كالقتبي، وابن مالك.
قال بعض النحويين: وهذا الذي ذهب إليه الكوفيون باطل.
إذ لو كانت لها معاني هذه الحروف لجاز أن تقع حيث تقع هذه الحروف.
فوجب أن يتأول جميع ما ذكروه، مما خالف معنى المجاوزة.
وذكر صاحب رصف المباني في معاني عن أن تكون بمعنى الباء.
قال: نحو قولك: قمت عن أصحابي، أي: بأصحابي.
قال امرؤ القيس: تصد، وتبدي عن أسيل، وتتقي ... بناظرة، من وحش وجرة، مطفل أي: بأسيل.
انتهى، والذي ذكره غيره أنها تكون بمعنى باء الاستعانة.
وقد تقدم.
وأما القسم الثاني من قسمي عن الحرفية فهو أن تكون بمعنى أن.
وهي لغة لبني تميم، يقولون: أعجبني عن تقوم، أي: أن تقوم.
وعلى ذلك أنشدوا بيت ذي الرمة:

أعغن توسعت، من خرقاء، منزلة ... ماء الصبابة، من عينيك، مسجوم؟ قلت: وكذلك يفعلون في أن المشددة.
قال الزمخشري: وتبدل قيس وتميم همزتها عيناً فتقول: أشهد عن محمداً رسول الله.
وهي عنعنة تميم.
في حرف جر، وله تسعة معان: الأول: الظرفية.
وهي الأصل فيه، ولا يثبت البصريون غيره.
وتكون للظرفية حقيقة، نحو " واذكروا الله في أيام معدودات ". ومجازاً، نحو " ولكم في القصاص حياة ". الثاني: المصاحبة، نحو " ادخلوا في أمم " أي: مع أمم.
الثالث: التعليل، نحو " لمسكم فيما أخذتم "، " قالت: فذلكن الذي لمتنني فيه ".

الرابع: المقايسة، نحو " فما الحياة الدنيا في الآخهرة إلا متاع "، " فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ". وهي الداخلة على تال، يقصد تعظيمه وتحقير متلوه.
الخامس: أن تكون بمعنى على، نحو " ولأصلبنكم، في جذوع النخل " أي: على جذوع النخل.
السادس: أن تكون بمعنى الباء، كقول الشاعر: ويركب، يوم الروع، منا، فوارس ... بصيرون، في طعن الأباهر، والكلي أي بطعن.
وذكر بعضهم أن في، في قوله تعالى " يذرؤكم فيه "، بمعنى باء الاستعانة، أي: يكثركم به.

السابع: أن تكون بمعنى إلى، كقوله تعالى " فردوا أيديهم في أفواههم "، أي: إلى أفواههم.
الثامن: أن تكون بمعنى من، كقول امرىء القيس: وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهراً، في ثلاثة أحوال؟ أي: من ثلاثة أحوال.
التاسع: أن تكون زائدة.
قال بعضهم بذلك، في قوله تعالى " اركبوا فيها "، أي اركبوها.
وأجاز ابن مالك أن تزاد عوضاً،

كم

ا ت

قد

م في عن، فتقول: عرفت فيمن رغبت، أي: من رغبت فيه: فحذفها بعد من وزادها قبل من عوضاً.

تنبيه

مذهب سيبويه، والمحققين من أهل البصرة، أن في لا تكون

إلا للظرفية حقيقة أو مجازاً.
وما أوهم خلاف ذلك رد بالتأويل إليه.
والله سبحانه أعلم.
قد لفظ مشترك؛ يكون اسماً وحرفاً.
فأما قد الاسمية فلها معنيان: الأول: أن تكون بمعنى حسب.
تقول: قدني، بمعنى: حسبي.
والياء المتصلة بها مجرورة الموضع بالإضافة.
ويجوز فيها إثبات نون الوقاية، وحذفها.
والياء، في الحالين، في موضع جر.
هذا مذهب سيبويه، وأكثر البصريين.
الثاني: أن تكون اسم فعل بمعنى كفى.
ويلزمها نون الوقاية، مع ياء المتكلم، كما تلزم مع سائر أسماء الأفعال.
والياء المتصلة بها في موضع نصب.
وهذا القسم نقله الكوفيون عن العرب.
وقول الشاعر: قدني من نصر الخبيبين، قدي

يحتمل قوله قدني وجهين: أحدهما أن يكون بمعنى حسب، والياء في موضع جر.
والثاني أن يكون اسم فعل، والياء في موضع نصب.
وقوله آخر البيت قدي يحتمل ثلاثة أوجه: أحدهما أن يكون بمعنى حسبي، ولم يأت بنون الوقاية على أحد الوجهين.
وثانيها أن يكون اسم فعل، وحذف النون ضرورة.
وثالثها أن يكون اسم فعل، والياء للإطلاق، وليست ضميراً.
وأما قد الحرفية فحرف مختص بالفعل، وتدخل على الماضي، بشرط أن يكون متصرفاً، وعلى المضارع، بشرط تجرده من جازم وناصب وحرف تنفيس.
واختلفت عبارات النحويين في معنى قد.
فقيل: هي حرف توقع.
وقيل: حرف تقريب.
قال الزمخشري في المفصل: ومن أصناف الحرف حرف

التقريب وهو قد.
وهو يقرب الماضي من الحال، إذا قلت: قد فعل.
ومنه قول المؤذن: قد قامت الصلاة.
ولا بد من فيه من معنى التوقع.
قال سيبويه: وأما قد فجواب: هل فعل.
وقال أيضاً: فجواب: لما يفعل.
وقيل: حرف تقريب مع الماضي، وتقليل مع المستقبل.
قال ابن الخباز: ومن عبارات المطارحين في قد أنهم يقولون: حرف يصحب الأفعال ويقرب الماضي من الحال.
قال: وزدته أنا ويؤثر التقليل في فعل الاستقبال.
وقال بعضهم: إن دخلت على المضارع، لفظاً ومعنى، فهي للتوقع، وإن دخلت على الماضي لفظاً ومعنى، أو معنى، فهي للتحقيق، نحو: قد قام زيد، و " قد يعلم ما أنتم عليه ". قال الشيخ أبو حيان: والذي تلقناه من أفواه الشيوخ، بالأندلس، أنها حرف تحقيق، إذا دخلت على الماضي، وحرف توقع، إذا دخلت على المستقبل.

وقال بعضهم: قد حرف إخبار.
تكون مع الماضي للتحقيق، ومع المضارع للتوقع تارة، وهو الكثير فيها، وقد تكون معه للتحقيق، وهو قليل.
وقد تكون تقليلاً، وهو أيضاً قليل.
والإخبار، في جميع ذلك، لا يخالفها.
فهو الخاص بها الذي تسمى به.
قلت: وجملة ما ذكره النحويون ل قد خمسة معان: الأول: التوقع.
وقد ترد للدلالة على التوقع مع الماضي، والمضارع.
وذلك مع المضارع واضح، نحو: قد يخرج زيد.
ف قد هنا تدل على أن الخروج متوقع، أي: منتظر.
وأما مع الماضي فتدل على أنه كان متوقعاً منتظراً.
ولذلك يستعمل في الأشياء المترقبة.
وقال الخليل: إن قول القائل قد فعل كلام لقوم ينتظرون الخبر.
ومنه قول المؤذن: قد قامت الصلاة، لأن الجماعة منتظرون.
الثاني: التقريب.
ولا ترد للدلالة عليه إلا مع الماضي.
ولذبك تلزم غالباً مع الماضي، إذا وقع حالاً، نحو " وقد فصل ل

كم

". وإن ورد دون قد فقيل: هي معه مقدرة.
وهو مذهب المبرد، والفراء، وقوم من النحويين.
وقيل: لا حاجة إلى تقديرها.
وهو الأظهر.

وكلام الزنخشري يدل على أن التقريب لا ينفك عن معنى التوقع.
وكذلك قال ابن مالك في التسهيل: فتدخل على فعل ماض متوقع، لا يشبه الحرف، لتقريبه من الحال.
وقال ابن الخباز: إذا دخل قد على الماضي أثر فيه معنيين: تقريبه من زمن الحال، وجعله خبراً منتظراً.
فإذا قلت: قد ركب الأمير، فهو كلام لقوم ينتظرون حديثك.
هذا تفسير الخليل.
الثالث: التقليل.
وترد للدلالة عليه، مع المضارع.
نحو: إن البخيل قد يجود.
وقال ابن إياز: يفيد، مع المستقبل، التقليل في وقوعه، أو في متعلقه.
فالأول كقولك: قد يفعل زيد كذا، أي: ليس ذلك منه بالكثير.
والثاني كقوله تعالى " قد يعلم ما أنتم عليه "، والمعنى، والله عز اسمه أعلم: أقل معلوماته ما أنتم عليه.
قلت: والظاهر أن قد في هذه الآية للتحقيق، كما ذكره غيره.
ونازع بعضهم في إفادة قد لمعنى التقليل، فقال: قد تدل على

توقع الفعل، ممن أسند إليه.
وتقليل المعنى لم يستفد من قد.
بل لو قيل: البخيل يجود، فهم منه التقليل، لأن الحكم، على من شأنه البخل، بالجود إن لم يحمل على صدور ذلك قليلاً كان كلام كذباً، لأن آخره يدفع أوله.
الرابع: التكثير.
وهو معنى غريب.
وقد ذكره جماعة، من النحويين، وأنشدوا عليه قول الشاعر: قد أشهد الغارة، الشعواء، تحملني ... جرداء، معروقة اللحيين، سرحوب ونحو ذلك من الأبيات الواردة في الافتخار.
قلت: وجعل الزمخشري منه قوله تعالى " قد نرى تقلب وجهك في السماء ". ورام بعضهم استنباط هذا المعنى من كلام سيبويه.
فإنه قال: وأما قد فجواب لقوله لما يقعل.
ثم قال:

وتكون قد بمنزلة ربما.
قال الهذلي: قد أترك القرن مصفراً أنامله ... كأن أثوابه مجت، بفرصاد كأنه قال: ربما.
هذا نصه.
فتشبيهه ب ربما يدل على أنها للتكثير.
وعكس ذلك بعضهم، فقال: بل تدل على التقليل، لأن ربما للتقليل.
وسيأتي تحقيق معنى رب في بابها.
الخامس: التحقيق.
وترد، للدلالة عليه، مع الفعلين: الماضي والمضارع.
فمع الماضي نحو " قد أفلح المؤمنون ". ومع المضارع نحو " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ". والحاصل أنها تفيد، مع الماضي، أحد ثلاثة معان: التوقع، والتقريب، والتحقيق.
ومع المضارع أحد أربعة معان: التوقع، والتقليل، والتحقيق، والتكثير.

تنبيه

قد الدالة على التقليل تصرف المضارع إلى الماضي.
ذكر ذلك ابن مالك.
والظاهر أن الدالة على التكثير كذلك.
وأما التي للتحقيق فإنها قد تصرفه إلى المضي، ولا يلزم فيها ذلك.
هذا معنى كلام ابن مالك.
واعلم أن قد مع الفعل كجزء منه، فلا يفصل بينهما، بغير القسم، كقول الشاعر: أخالد، قد، والله، أوطأت عشوة ... وما العاشق المظلوم، فينا، بسارق وقد يحذف الفعل بعدها، إذا دل عليه دليل كقول النابغة: أزف الترحل، غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا، وكأن قد أي: وكأن قد زالت.
والله أعلم.

كم اسم لعدد مبهم الجنس، وا

جارٍ التحميل