الباب الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أم قاسم المرادي
- الكتاب
- الجنى الداني في حروف المعاني
- المؤلف
- أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)
- المحقق
- د فخر الدين قباوة -الأستاذ محمد نديم فاضل
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ولكن ديافى أبوه، وأمه ... بحوران، يعصرن السليط أقاربه
فالنون في يعصرن حرف يدل على التأنيث والجمع.
وأنكر قوم، من النحويين، هذه اللغة، وتأولوا ما ورد منها.
ولا يقبل قولهم في ذلك.
بل هي ثابتة بنقل الأئمة.
وسيأتي لذلك مزيد بيان.
الرابع: نون الوقاية.
وهي نون مكسورة تلحق قبل ياء المتكلم، إذا نصبت بفعل، نحو: أكرمني، أو باسم فعل، نحو: عليكني، بمعنى: الزمني، أو ب إن وأخواتها، نحو: ليتني.
وتلزم مع الفعل واسم الفعل، إلا ما ندر من قوله: إذ ذهب القوم الكرام، ليسي وأما إن وأخواتها فثلاثة أقسام: قسم لا تحذف منه إلا نادراً، وهو ليت.
وقسم لا تلحقه إلا نادراً وهو لعل.
وقسم يجوز فيه الأمران، وهو: إن، وأن، ولكن، وكأن.
وتلحق نون الوقاية أيضاً، قبل ياء المتكلم، إن جرت ب من وعن.
ولا تحذف إلا في ضرورة الشعر.
نحو قوله:
أيها السائل عنهم، وعني ... لست من قيس، ولا قيس مني
أو بإضافة: قد، وقط، ولدن، وبجل.
وكلها بمعنى حسب.
وحذفها من بجل أكثر من إثباتها، بعكس الثلاثة التي قبلها.
ولا تلحق نون الوقاية غير ما ذكرته إلا ما ندر، مما لا يقاس عليه.
وحكم نون الوقاية مشهور، فلا نطول هنا باستيفائه.
وإنما سميت هذه النون نون الوقاية، لأنها لحقت، لتقي الفعل من الكسر.
ثم حمل على الفعل ما ذكر.
وقال ابن مالك: سميت بذلك لأنها تقي اللبس في الأمر، نحو: أكرمني.
فلولا النون لالتبس أمر المذكر بأمر المؤنثة.
ثم حمل الماضي والمضارع على الأمر.
الهاء
حرف مهمل، وهو هاء السكت.
وهي هاء، السكت.
وهي هاء، تلحق وفقاً، لبيان الحركة.
وإنما تلحق بعد حركة بناء لا تشبه الإعراب، نحو: هوه، وهيه، وما ليه، وله.
وتلحق أيضاً بعد ألف الندبة، ونحوها.
كقولك: وازيداه.
ولا تثبت وصلاً، إلا في ضرورة شعر.
وإنما أثبتها القراء وصلاً، في بعض المواضع، اتباعاً لرسم المصحف.
ولحاق هذه الهاء ليس بواجب، إلا في موضعين: أحدهما ما بقي من الأفعال المعتلة على أصل واحد.
نحو: عه، ولم يعه.
والثاني: ما الاستفهامية، إذا جرت بإضافة اسم، نحو: قراءة مه؟ ولتفصيل الكلام على هذه المواضع موضع غير هذا.
وذكر بعضهم أن للهاء، التي هي حرف معنى، قسماً آخر.
وهو أن تكون بدلاً من همزة الاستفهام، نحو: هزيد منطلق؟ حكاه قطرب.
ومنه قول الشاعر:
وأتى صواحبها، فقلن: هذا الذي ... منح المودة غيرنا، وجفانا؟
وقال بعضهم: إنه أراد هذا فحذف ألف ها، للضرورة.
فإن قلت: عد الهاء من حروف المعاني مشكل، لأن هاء السكت قد ذكرها النحويون مع الحروف الزوائد، أعني حروف أمان وتسهيل.
فإنهم مثلوا الهاء بهاء السكت.
وإنما يذكر من حروف أمان وتسهيل ما ليس بحرف معنى.
وأما الهاء التي هي بدل من همزة فليست بأصل! قلت: أما كون هاء السكت حرف معنى فواضح.
وقد قال ابن الحاجب، وغيره: إن ذكرها مع الحروف الزوائد ليس بجيد.
وهو كما قال.
والله أعلم.
الواو
حرف يكون عاملاً، وغير عامل.
فالعامل قسمان: جار وناصب فالجار: واو القسم، وواو رب.
والناصب: واو مع، تنصب المفعول معه، عند قوم.
والواو، التي ينتصب الفعل المضارع بعدها،
هي الناصبة له، عند الكوفيين.
فأقسام الواو العاملة أربعة.
ولا يصح منها غير الأول.
وسيأتي بيان ذلك.
فأما واو القسم فحرف يجر الظاهر، دون المضمر.
وهو فرع الباء، لأن الباء فضلت بأربعة أوجه، تقدم بيانها.
وذهب كثير من النحويين إلى أن الواو بدل من الباء؛ قالوا: لأنها تشابهها مخرجاً ومعنى، لأنهما من الشفتين، والباء للإلصاق والواو للجمع.
واستدلوا على ذلك بأن المضمر لا تدخل عليه الواو، لأن الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها.
وأما واو رب فذهب المبرد، والكوفيون، إلى أنها حرف جر، لنيابتها عن رب، وأن الجر لا ب رب المحذوفة.
واستدل المبرد على ذلك بافتتاح القصائد بها، كقوله: وقاتم الأعماق، خاوي المخترق والصحيح أن الجر ب رب المحذوفة، لا بالواو.
ولأن الواو أسوة الفاء وبل، قال ابن مالك: ولم يختلفوا في أن الجر بعدهما ب رب المحذوفة، وقد تقدم ذكر ذلك في الفاء.
والواو المذكورة عاطفة.
ولا حجة له، في افتتاح القصائد بها،
على أنها غير عاطفة، لإمكان إسقاط الراوي شيئاً من أولها، ولإمكان عطفها على بعض ما في نفسه.
وأما واو مع فذهب عبد القاهر إلى أنها ناصبة للمفعول معه، في نحو: استوى الماء والخشبة.
وهو ضعيف، لأن الواو لو كانت عاملة لا تصل بها الضمير، في نحو: سرت وإياك.
والصحيح أن المفعول معه منصوب بما قبل الواو، من فعل، أو شبهه، بواسطة الواو.
وذهب الزجاج إلى أن ناصبه مضمر بعد الواو، من فعل، أو شبهه.
تقديره في ما صنعت وأباك: وتلابس أياك.
وهو ضعيف، لأن فيه إحالة لباب المفعول معه، إذ المنصوب ب تلابس مفعول به.
وذهب الكوفيون إلى أن منصوب بالخلاف.
وهو فاسد، لأن الخلاف معنى، والمعاني المجردة لم يثبت النصب بها.
وقال الأخفش: انتصابه انتصاب الظرف، وذلك لأن الأصل: سرت مع النيل.
فلما جيء بالواو في موضع مع انتصب الاسم انتصاب مع.
والواو مهيئة لانتصاب هذا الاسم انتصاب الظرف.
ونظير ذلك إعراب ما بعد إلا بإعراب غير، إذا وقعت إلا صفه.
فإن قلت: فهل واو مع قسم برأسه، أو هي الواو العاطفة؟ قلت: بل هي غيرها.
وقال قوم: إنها، في الأصل، هي العاطفة.
ولذلك لا تدخل عليها واو العطف، ولو كانت غيرها لصح دخول واو العطف عليها، كما تدخل على واو القسم.
وأما الواو التي ينتصب المضارع بعدها فتكون في موضعين: الأول في الأجوبة الثمانية، التي تقدم ذكرها، للفاء الناصبة.
كقول الشاعر:
لاتنه عن خلق، وتأتي مثله ... عار عليك، إذا فعلت، عظيم
والثاني: أن يعطف بها الفعل على المصدر، كقول القائلة:
للبس عباءة، وتقر عيني ... أحب إلي، من لبس الشفوف
وذهب بعذ الكوفيين إلى أن الواو في ذلك هي الناصبة للفعل، بنفسها، وذهب بعضهم إلى أن الفعل منصوب بالمخالفة.
والصحيح أن الواو في ذلك عاطفة، والفعل منصوب ب أن مضمرة بعد الوا.
إلا أنها، في الأول، عاطفة مصدراً مقدراً على مصدر متوهم، وفي الثاني عاطفة مصدراً مقدراً على مصدر صريح.
وإضمار أن بعدها
في الأول واجب، وفي الثاني جائز.
وأما الواو غير العاملة فقد ذكر بعضهم لها أقساماً كثيرة.
وهي راجعة إلى ثمانية أقسام: الأول: العاطفة.
وهذا أصل أقسامها وأكثرها.
والوا أم باب حروف العطف، لكثرة مجالها فيه.
وهي مشركة في الإعراب والحكم.
ومذهب جمهور النحويين أنها للجمع المطلق.
فإذا قلت: قام زيد وعمرو، احتمل ثلاثة أوجه: الأول أن يكونا قاما معاً، في وقت واحد.
والثاني أن يكون المتقدم قام أولاً.
والثالث أن يكون المتأخر قام أولاً.
قال سيبويه: وليس في هذا دليل على أنه بدأ بشيء قبل شيء، ولا بشيء بعد شيء.
وذهب قوم إلى أنها للترتيب.
وهو منقول عن قطرب،
وثعلب، وأبي عمر الزاهد غلام ثعلب، والربعي، وهشام، وأبي جعفر الدينوري.
ولكن قال هشام والدينوري: إن الواو لها معنيان: معنى اجتماع، فلا تبالي بأيتهما بدأت، نحو: اختصم زيد وعمرو، ورأيت زيداً وعمراً، إذا اتحد زمان رؤيتهما.
ومعنى اقتران، بأن يختلف الزمان، فالمتقدم في الزمان يتقدم في اللفظ، ولا يجوز أن يتقدم المتأخر.
وعن الفراء أنها للترتيب حيث يستحيل الجمع.
وقد علم بذلك أن ما ذكره السيرافي والفارسي والسهيلي، من إجماع النحاة، بصريتهم وكوفيهم، على أن الواو لا ترتب، غير صحيح.
قال ابن الخباز: وذهب الشافعي، رضي الله عنه، إلى أنها
للترتيب.
ويقال: نقله عن الفراء.
وقال إمام الحرمين في البرهان: اشتهر، من مذهب أصحاب الشافعي، أنها للترتيب، وعند بعض الحنفية للمعية، وقد زل الفريقان.
وقال ابن مالك في التسهيل: تنفرد الواو بكون متبعها في الحكم محتملاً للمعية برجحان.
وللتأخر بكثرة، وللتقدم بقلة.
قيل: وهو مخالف، في ذلك، لكلام سيبويه وغيره.
وقال ابن كيسان: لما احتملت هذه الوجوه، ولم يكن فيها أكثر من جمع الأشياء، كان أغلب أحوالها أن يكون الكلام على الجمع، في كل حال، حتى يكون في الكلام ما يدل على التفرق.
تنبيهات
الأول: تنفرد الوا، في العطف، بأمور.
منها باب المفاعلة والافتعال، نحو تخاصم زيد وعمرو، واختصم زيد وعمرو.
وهذا أحد الأدلة على أنها لا ترتب.
الثاني: إذا عطف بالواو على منفي فإن قصدت المعية لم يؤت بلا بعد الواو، نحو: ما قام زيد وعمرو.
وقد ترد زائدة، إن أمن اللبس، نحو: ما يستوي زيد ولا عمرو.
لأن المعية هنا مفهومة من يستوي، وإن لم تقصد المعية جيء ب لا، نحو: ما قام زيد ولا عمرو، ليعلم بذلك أن الفعل منفي عنهما حال الاجتماع والافتراق.
ومنه " وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم، عندنا، زلفى ".
فإن قلت: إذا قيل: ما قام زيد ولا عمرو، فهل هو من عطف المفردات أو من عطف الجمل؟ قلت: بل من عطف المفردات، خلافاً لبعضهم.
الثالث: قال السهيلي: الواو قسمان: أحدهما أن تجمع الاسمين في عامل واحد، وتنوب مناب صيغه التثنية.
فيكون قام زيد وعمرو بمنزلة: قام هذان.
وإذا نفي الفعل قلت: ما قام زيد وعمرو.
والثاني
أن تضمر بعد الواو، فترفع المعطوف بذلك المضمر، أو تنصب، فإذا نفيت، على هذا، قلت: ما قام زيد ولا عمرو.
فالواو عاطفة جملة على جملة.
ويتركب على هذين الأصلين مسائل.
منها: قامت هند وزيد، إذا أضمرت.
وقام هند وزيد، إذا جعلها جامعة، لتغليب المذكر على المؤنث.
وتقول: طلعت الشمس والقمر، على هذا.
ولا تقول في جمع إلا: جمع الشمس والقمر.
ومنها: زيد قام عمرو وأبوه، إن جعلتها جامعة جاز، أو أضمرت بعدها لم يجز.
وكذلك في الصلة والصفة.
الرابع: قال بعض العلماء: الصواب أن يقال: الواو لمطلق الجمع، لا للجمع المطلق.
لأن الجمع المطلق هو الجمع الموصوف بالإطلاق، لأنا نفرق بالضرورة بين الماهية بلا قيد، والماهية المقيدة، ولو بقيد لا.
والجمع الموصوف بالإطلاق ليس له معنى هنا، بل المطلوب هو مطلق الجمع، بمعنى أي جمع كان، سواء كان مرتباً أو غير مرتب.
ونظير ذلك قولهم: مطلق الماء، والماء المطلق.
الثاني من أقسام الواو: واو الاستئناف، ويقال: واو الابتداء.
وهي الواو التي يكون بعدها جملة غير متعلقة بما قبلها، في المعنى، ولا مشاركة له في الإعراب.
ويكون بعدها الجملتان: الاسمية والفعلية.
فمن أمثلة الاسمية قوله تعالى " ثم قضى أجلاً، وأجل مسمى عنده ". ومن أمثلة الفعلية " لتبين لكم، ونقر في الأرحام ما نشاء "، " هل تعلم له سمياً، ويقول الإنسان ". وهو كثير.
وذكر بعضهم أن هذه الواو قسم آخر، غير الواو العاطفة.
والظاهر أنها الواو التي تعطف الجمل، التي لا محل لها من الإعراب، لمجرد الربط، وإنما سميت واو الاستئناف، لئلا يتوهم أن ما بعدها من المفردات، معطوف على ما قبلها.
وذكر بعض النحويين أن واو رب في نحو:
وبلدة ليس بها أنيس ينبغي أن تحمل على أنها واو الابتداء.
وقد تقدم ذكرها.
الثالث: واو الحال: وقدرها النحويون ب إذ، من جهة أن الحال، في المعنى، ظرف للعامل فيها.
وتدخل على الجملة الاسمية، نحو: جاء زيد ويده على رأسه، وعلى الفعلية، إذا تصدرت بماض.
الأكثر اقترانه ب قد، نحو: جاء زيد وقد طلعت الشمس.
وتدخل على المضارع المنفي، ولا تدخل على المثبت.
وأما نحو قوله: نجوت، وأرهنهم مالكا فالصحيح أنه على إضمار مبتدأ بعد الواو.
واعلم أن اقتران الجملة الحالية بهذه الواو ثلاثة أقسام: واجب، وممتنع، وجائز.
وقد أوضحته في غير هذا الموضع، فإن ذكره هنا يطول به الكتاب.
الرابع: الواو الزائدة: ذهب الكوفيون والأخفش، وتبعهم ابن
مالك، إلى أن الواو قد تكون زائدة.
وأنشد الكوفيون، على ذلك، قول الشاعر:
حتى إذا قملت بطونكم ... ورأيتم أولادكم شبوا
وقلبتم ظهر المجن، لنا ... إن اللئيم، الفاجر، الخب
أراد: قلبتم.
وزاد الواو.
وأنشد أبو الحسن:
فإذا وذلك، يا كبيشة، لم يكن ... إلا كلمة بارق، بخيال
قال ابن مالك: ومثله قول أبي كبير:
فإذا وذلك ليس إلا ذكره ... وإذا مضى شيء كأن لم يفعل
قلت: وذكروا زيادة الواو في آيات، منها قوله تعالى " حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها ". وقوله " فلما أسلما وتله للجبين وناديناه "، قيل: واو وتله زائدة، وهو الجواب.
وقيل: الزائدة واو وناديناه.
ومذهب جمهور البصريين أن الواو لا تزاد، وتأولوا هذه الآيات ونحوها، على حذف الجواب.
الخامس: الواو التي بمعنى أو: ذهب قوم من النحويين إلى أن الواو قد ترد بمعنى أو، كقول الشاعر:
وننصر مولانا، ونعلم أنه ... كما الناس، مجروم عليه، وجارم
وأجاز بعضهم أن تكون الواو في قولهم الكلمة اسم وفعل وحرف بمعنى أو، لأنه قد ييقال: اسم أو فعل أو حرف.
قلت: العكس أقرب، لأن استعمال الواو في ذلك هو الأكثر.
قال ابن مالك:
استعمال الواو فيما هو تقسيم أجود من استعمال أو.
السادس: واو الثمانية: ذهب قوم إلى إثبات هذه الواو، منهم ابن خالويه، والحريري، وجماعة من ضعفة النحويين.
قالوا: من خصائص كلام العرب إلحاق الواو في الثامن من العدد، فيقولون: واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية، إشعاراً بأن السبعة عندهم عدد كامل.
واستدلوا بقوله تعالى " التائبون، العابدون، الحامدون، السائحون، الراكعون، الساجدون، الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر "، وبقوله تعالى " وثامنهم كلبهم "، وبقوله تعالى " ثيبات وأبكاراً، وبقوله تعالى " حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها ". قالوا: ألحقت الواو، لأن أبواب الجنة ثمانية، ولما ذكر جهنم قال فتحت
بلا واو، لأن أبوابها سبعة.
وذهب المحققون إلى أن الواو في ذلك إما عاطفة، وإما واو الحال.
ولم يثبتوا واو الثمانية.
وأنكر الفارسي واو الثمانية، لما ذكرها ابن خالويه في باب المناظرة.
ولنذكر ما قيل في هذه الآيات.
أما قوله تعالى والناهون فالواو فيه عاطفة.
وحكمة ذكرها في هذه الصفة، دون ما قبلها من الصفات، ما بين الأمر والنهي من التضاد.
فجيء بالواو رابطة بينهما لتباينهما، وتنافيهما.
وقال بعضهم: هي زائدة.
وليس بشيء.
وأما قوله تعالى وثامنهم كلبهم فقيل: هي واو العطف، أي: يقولون سبعة، وثامنهم كلبهم.
فهما جملتان.
وقال الزمخشري: هي الواو، الداخلة على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً عن المعرفة.
قال: وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهي التي آذنت بأن الذين قالوا سبعة وثامنهم كلبهم قالوه
عن ثبات علم، وطمأنينه نفس، ولم يرجموا بالظن كغيرهم.
وهو معترض من جهة أن دخول الواو على الصفة لم يقل به أحد، من النحويين.
وأما قوله تعالى وأبكاراً فليس من هذا الباب، لأن الواو فيه عاطفة، ولابد من ذكرها، لأنها بين وصفين لا يجتمعان في محل واحد.
وأما قوله تعالى وفتحت فقال أبو علي وغيره: هي واو الحال، والمعنى: حتى إذا جاؤوها، وقد فتحت.
أي: جاؤوها، وهي مفتحة، لا يوقفون.
وهذا قول المبرد أيضاً.
وقيل: إن أبواب جهنم لا تفتح، إلا عند دخول أهلها، وأما أبواب الجنة فيتقدم فتحها، بدليل قوله تعالى " جنات عدن، مفتحة لهم الأبواب ". وجواب إذا، على هذا القول، محذوف، تقديره بعد خالدين، أي: نالوا المنى، ونحو ذلك.
حذف للتعظيم.
وقيل بعد أبوابها، أي دخلوها.
وقيل: الجواب قال لهم والواو مقحمة.
وتقدم قول من جعل فتحت هو الجواب، والواو مقحمة.
والله أعلم.
السابع: الواو التي هي علامة الجمع في لغة أكلوني البراغيث.
وهي لغة ثابتة، خلافاً لمن أنكرها، وأصحاب هذه اللغة يلحقون الفعل المسند إلى ظاهر، مثنى أو مجموع، علامة كضميره.
فيقولون: قاما الزيدان، وقاموا الزيدون، وقمن الهندات.
فالألف والواو والنون في ذلك حروف، لا ضمائر، لإسناد الفعل إلى الاسم الظاهر.
فهذه الأحرف عندهم كتاء التأنيث في نحو: قامت هند.
ومن شواهد هذه اللغة، في الواو، قول الشاعر:
بني الأرض قد كانوا بني، فعزني ... عليهم، لإخلال المنايا، كتابها
أنشده ابن مالك.
قال: وقد تكلم بهذه اللغة النبي، صلى الله عليه وسلم، قال يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار.
وقال السهيلي: ألفيت، في كتب الحديث المروية الصحاح، ما يدل على كثرة هذه اللغة وجودتها.
وذكر آثاراً منها: يتعاقبون فيكم ملائكة.
ثم قال: لكني أقول في حديث مالك: إن الواو فيه علامة إضمار، لأنه
حديث مختصر.
رواه البزار مطولاً مجرداً، فقال فيه: إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم ...
قلت: ونسب بعض النحويين هذه اللغة إلى طيىء، وقال بعضهم: هي لغة أزدشنوءة.
ومن أنكر هذه اللغة تأول ما ورد من ذلك.
فبعضهم يجعل ذلك خبراً مقدماً ومبتدأ مؤخراً، وبعضهم يجعل ما اتصل بالفعل ضمائر، والأسماء الظاهرة أبدال منها.
وهذان تأويلان صحيحان، لما سمع من ذلك، من غير أصحاب هذه اللغة، وأما من يحمل جميع ما ورد من ذلك على التأويل فغير صحيح، لأن المأخوذ عنهم هذا الشأن متفقون على أن ذلك لغة قوم مخصوصين من العرب.
وحمل بعضهم على هذه اللغة قوله تعالى " ثم عموا وصموا كثير منهم "، " وأسروا النجوى ". قلت: ولا ينبغي ذلك لأن هذه اللغة ضعيفة، فلا يحمل القرآن إلا على اللغات الفصيحة.
والتأويلان المذكوران، قيل: يجريان في الآيتين.
وقيل في وأسروا النجوى أقوال أخر.
الثامن: واو الإنكار.
نحو قولك أعمروه لمن قال: جاء عمرو.
وحرف الإنكار تابع لحركة الآخر، ألفاً بعد الفتحة، وياء بعد الكسرة، وواواً بعد الضمة.
ويردف بهاء السكت.
التاسع: واو التذكار.
نحو قولك يقولو تعني: يقول زيد.
وحرف التذكار أيضاً تابع لحركة الآخر، وإنما يكون ذلك في الوقف على الكلمة، لتذكر ما بعدها.
فإن كان آخر الموقوف عليه ساكناً كسر وألحق الياء، ولا تلحق هاء السكت حرف التذكار، لأن الوصل منوي.
وقد عدوا حرف الإنكار وحرف التذكار من حروف المعاني.
العاشر: أن يكون بدلاً من همزة الاستفهام، إذا كان بعدها همزة.
كقراءة قنبل " قال فرعون: وآمنتم "، " وإليه النشور.
وأمنتم ". فالواو في ذلك بدل من همزة الاستفهام.
ذكر ذلك صاحب رصف المباني.
ولا ينبغي ذكر مثل هذا، إذ لو فتح هذا الباب لعدت الواو من حروف الاستفهام.
والإبدال في ذلك عارض، لاجتماع الهمزتين.
والله أعلم.
فهذه جملة أقسام الواو، وهي أربعة عشر قسماً.
وبقيت للواو أقسام أخر، ذكرها النحويون، ليست من حروف المعاني.
منها الواو التي هي ضمير الحمع، نحو: الزيدون قاموا.
فهذه الواو اسم، خلافاً للمازني.
فإنه قال: هي حرف، والفاعل مستكن في الفعل.
ومنها الواو التي هي علامة الرفع، نحو: جاء الزيدون.
ومنها واو الإشباع، وهي الزائدة للضرورة، ي نحو قول الشاعر:
وأنني حيث ما يثني الهوى بصري ... من حيث ما سلكوا أدنو، فأنظور
أي: فأنظر.
فأشبع الضمة لإقامة الوزن.
ومنها واو الإطلاق.
وهي، في الحقيقة، واو الإشباع، لكنها قياسية، كالواو في قوله:
سقيت الغيث، أيتها الخيام ومنها واو الإبدال.
وهي أقسام: بدل من همزة، نحو يومن.
وبدل من ألف، نحو: خوصم زيد، لأن أصله خاصم.
وبدل من ياء، نحو: موقن.
فإنه من اليقين.
ومنها الواو الأصلية، كالواو في وعد.
وإنما ذكرت هذه الأقسام، مع أنها ليست من حروف المعاني، لأن بعض من صنف، في حروف المعاني، ذكر منها أقساماً، فأوهم كلامه أنها حروف معان.
وقد كنت نظمت للواو خمسة عشر معنى، في هذه الأبيات.
وإليها يرجع جميع أقسامها:
الواو أقسامها تأتي ملخصة ... أصل، وعطف، والاستئناف، والقسم
والحال، والنصب، والإعراب، مضمرة ... علامة الجمع، والإشباع منتظم
وزائد، وبمعنى أو، ورب، ومع ... وواو الأبدال فيها العد يختتم
الألف
حرف مهمل، له عشرة أقسام: الأول: أن تكون للانكار نحو: أعمراه! لمن قال: رأيت عمراً.
الثاني: أن تكون للتذكار نحو: رأيت الرجلا، تريد الرجل، ووقفت لتتذكر ما بعده.
وقد تقدم ذكر هذين المعنيين في الواو.
الثالث: أن تكون علامة التثنية في اللغة التي تقدم ذكرها.
كقول الشاعر:
تولى قتال المارقين، بنفسه ... وقد أسلماه مبعده، وحميم
الرابع: أن تكون كافة.
وهي الألف في بينا.
كقول
الشاعر:
فبينا نحن نرقبه أتانا ... معلق شكوة، وزناد راعي
وقيل: إن الجملة بعدها في موضع جر بالإضافة، والألف إشباع.
وقد أضيفت إلى المفرد، في قول الشاعر:
بينا تعانقه الكماة، وروغه ... يوماً، أتيح له جريء، سلفع
في رواية من جر.
وقيل: بينا أصلها بينما، فحذفت الميم، وقيل: ألف بينا للتأنيث.
وكلاهما قول ضعيف.
الخامس: أن تكون فصلاً بين نون التوكيد ونون الإناث، في نحو: اضربنان يا نسوة.
السادس: أن تكون للندبة، نحو: وازيداه.
السابع: أن تكون للاستغاثة، كقول الشاعر:
يا يزيدا، لآمل نيل عز ... وغنى، بعد فاقة، وهوان
الثامن: أن تكون للتعجب، كقول الشاعر:
يا عجبا، لهذه الفليقه ... هل تذهبن القوباء الريقه؟
التاسع: أن تكون بدلاً من نون التوكيد الخفيفة، نحو " لنسفعا ".
العاشر: أن تكون بدلاً من تنوين المنصوب، نحو: رأيت زيدا.
وما سوى هذه الأقسام فليس بحرف معنى، كألف التأنيث، وألف الإطلاق، وألف الإلحاق، وألف التثنية، وألف التكسير،
والألف الفاصلة بين الهمزتين، في نحو: آأنت، أم أم سالم؟ وألف الإشباع، في قوله: أقول، إذ خرت، على الكل لكال والألف الزائدة في الوقف، لبيان الحركة.
وذلك ألف أنا على مذهب البصريين.
والألف المزيدة في آخر المبهمات، إذا صغرت، عوضاً عن ضم أولها.
نحو: ذيا، والذيا.
والألف التي تلحق من في الإستثبات، حال النصب، نحو منا لمن قال: رأيت رجلا.
فهذه الأقسام العشرة لا ينبغي أن يعد منها شيء في حروف المعاني.
وفي بعض الأقسام المتقدمة قبل هذه نظر.
تنبيه
إنما أخرت الألف إلى هذا الموضع، لأن، موضعها في ترتيب الحروف، على الأسلوب المألوف، بين الواو و
الياء
. وذلك قولهم في: أ، ب، ت، ث ... و، لا، ي. قال ابن جني: لا يقال لام ألف، وإنما يقال لا بلام مفتوحة، وألف لينة تليها.
والمراد هنا الألف اللينة لأن اللام قد تقدمت.
فلما قصدوا النطق بالألف، وهي ساكنة لا يمكن الابتداء بها، توصلوا إلى النطق بها، بإدخال اللام عليها.
فإن قيل: ولم خصت اللام بهذا دون غيرها؟ فالجواب أن العرب لما توصلوا بألف الوصل إلى اللام الساكنة في الرجل توصلوا إلى الألف الساكنة باللام، مقاصة.
فإن قلت: قد ذكرت الألف أول الحروف! قلت: المراد بالألف المذكورة أول الحروف الهمزة.
نص على ذلك الأئمة.
وذلك متعين لئلا يلزم تكرار حرف، وإهمال حرف.
لأنه
إذ
ا جعلت الألف المبدوء بها عبارة عن الحرف الهاوي لزم تكرارها، لأنها مذكورة
بعد اللام، كما تقدم، ولزم إهمال ذكر الهمزة.
قال أبو عبيد: الألف عند العرب ألفان: ألف مهموزة، وهي الهمزة.
وإنما جعلت صورتها ألفاً، لأنها لا تقوم بنفسها.
ألا تراها تنقلب في الرفع واواً، وفي الفتح ألفاً، وفي الكسر ياء.
والألف الأخرى هي التي تكون مع اللام في الحروف المعجمة.
وهي ساكنة.
لا ألف في الكلام غير هاتين.
وقد بسطت الكلام على هذا في وريقات مفردة.
وهذا موضع اختصار.
الياء
حرف مهما، له ثلاثة أقسام: الأول: أن تكون للإنكار، نحو: أزيد نيه.
ألحقت الياء بعد كسر التنوين.
الثاني: أن تكون للتذكار، نحو: قدي،
إذ
ا أردت أن تقول: قد قام، فوقفت على قد لتذكر ما بعده.
وقد تقدم ذلك في الواو والألف.
الثالث: أن تكون حرفاً يدل على التأنيث والخطاب.
وهو الياء في تفعلين على مذهب الأخفش والمازني.
والصحيح أنها اسم مضمر.
والخلاف في ذلك شهير.
وما سوى ذلك، من أقسام الياء، فلا يعد من حروف المعاني، كياء التصغير، وياء النسب، وياء المضارعة، وياء الإطلاق، وياء الإشباع، وغير ذلك من الياءات.
فهذا تمام الكلام على الحروف الأحادية.
ويتعلق بها مسألة، أختم بها الباب.
وهي أن الأصل، في هذه الحروف الأحادية، أن تبنى على السكون، لأن الأصل في المبني أن يسكن.
ولكن عارض هذا الأصل أمران: أحدهما أن ما وضع على حرف واحد فحقه أن يقوى بالحركة لضعفه.
والثاني أنها عرضة، لأن يبتدأ بها، فاحتاجت
إلى الحركة، إذ لا يبتدأ بساكن.
فصار أصلها، بهذا الاعتبار، أن تبنى على حركة.
ثم الأصل، في حركتها، أن تكون فتحة، لأنها أخف من الضمة والكسرة.
فهي أخت السكون، الذي هو الأصل، في الخفة.
وكل هذه الحروف، غير ما لزم السكون، جاء على هذا الأصل، أعني مبنياً على الفتح، إلا ثلاثة أحرف، وهي: باء الجر، ولامه، ولام الأمر.
أما الباء فإنها بنيت على الكسر، لأنها عاملة للجر دائماً.
فاختاروا لها الكسرة، ليجانس لفظها عملها.
وحكى اللحياني الفتح فيها شاذاًَ، قالوا به، ولا يقاس عليه.
وذكر ابن جني، عن بعضهم، أن حركتها الفتح مع الظاهر، نحو: مررت بزيد.
وأما اللام فإنها تفتح مع المضمر، غير ياء المتكلم، على الأصل.
وتكسر مع الظاهر، فرقاً بينها وبين لام الابتداء، إلا في المستغاث به،
والمتعجب منه في النداء، فإنها تفتح فيهما، مراجعة للأصل، لأنهما واقعان موقع الضمير.
إذ كل منادى حال محل المضمر.
وما ذكرته في لام الجر هو اللغة الفصحى.
ولغة خزاعة كسر اللام مع المضمر، كما تكسر مع الظاهر.
وحكى أبو عمرو، ويونس، وأبو عبيدة، وأبو الحسن، أن من العرب من يفتحها مع الظاهر على الإطلاق.
ولغة عكل وبالعنبر فتحها، مع الفعل.
قال أبو زيد: سمعت من العرب من يقول " وما كان الله ليعذبهم " بفتح اللام.
وقرأ سعيد
ابن جبير، فيما حكى عنه المبرد " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " بفتح اللام الأولى، ونصب الثانية.
وأما لام الأمر فإنها كسرت حملاً على لام الجر، لأن عملها نقيض عملها.
ومن كلامهم حمل النقيض على النقيض، كما يحمل النظير على النظير.
وتقدم أنها قد تسكن بعد الواو والفاء وثم، وعلة ذلك، فليراجع.
وهذا فصل، أطال فيه النحويون، وما ذكرته فهو خلاصة كلامهم.
والله أعلم بالصواب.