الجنى الداني في حروف المعانيصفحات 359-398

الباب الثالث

صفحات 359-398
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أم قاسم المرادي
الكتاب
الجنى الداني في حروف المعاني
المؤلف
أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)
المحقق
د فخر الدين قباوة -الأستاذ محمد نديم فاضل
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1992 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

في الثلاثي

وهو ضربان: متفق عليه، ومختلف فيه.
وجملة ذلك ستة وثلاثون:

أجل

، و

إذن

، وإذا، وألا، وإلى، وأما، وإن، وأن، وأنا، وأنت، وأنت وآي، وأيا، وبجل، وبلى، وبله، وثم، وجلل، وجير، وخلا، ورب، وسوف، وعدا، وعسى، وعلى، وكما، ولات وليت، وليس، ومنذ، ومتى، ونعم، ونحن، وهما، وهن، وهيا.
وأنا أذكرها على هذا التريب، إن شاء الله تعالى.
أجل حرف جواب مثل نعم.
تكون لتصديق الخبر، ولتحقيق

الطلب.
تقول لمن قال قام زيد: أجل.
ولمن قال اضرب زيداً: أجل.
قال الشاعر: ولو كنت تعطي حين تسأل سامحت ... لك النفس، واحلولاك كل خليل أجل، لا، ولكن أنت أشأم من مشى ... وأسأل من صماء، ذات صليل وقال آخر: وقلن: على الفردوس أول مشرب ... أجل جير، إن كانت أبيحت دعائره قال صاحب رصف المباني: ولا تكون جواباً للنفي، ولا للنهي.
وقال غيره: أجل لتصديق الخبر، ماضياً كان أو غيره، موجباً

أو غيره، ولا تجيء جواباً للإستفهام.
قال بعضهم: وتختص بالخبر.
وعن الأخفش أنها تكون في الخبر والاستفهام، إلا أنها في الخبر أحسن من نعم، ونعم في الاستفهام أحسن منها.
فإذا قال: أنت سوف تذهب.
قلت: أجل.
وكان أحسن من نعم.
وإذا قال: أتذهب؟ قلت: نعم.
وكان أحسن من أجل.
إذن حرف ينصب الفعل المضارع، بثلاثة شروط: الأول: أن يكون الفعل مستقبلاً.
فإن كان حالاً رفع، كقولك لمن يحدثك: إذا أظنك صادقاً.
الثاني: أن تكون مصدرة.
فإن تأخرت ألغيت حتماً، نحو: أكرمك إذاً.
وغن توسطت، وافتقر ما قبلها لما بعدها مثل أن تتوسط بين المبتدأ وخبره، وبين الشرط وجزائه، وبين القسم وجوابه - وجب إلغاؤها، أيضاً كالمتأخرة.
قال ابن مالك: وشذ النصب بإذن بين ذي خبر وخبره،

في قول الراجز: لا تتركني، فيهم شطيرا ... إني إذن أهلك، أو أطيرا وأجاز ذلك بعض الكوفيين.
وتأوله البصريون على حذف الخبر، والتقدير: إني لا أقدر على ذلك.
ثم استأنف بإذن، فنصب.
وإن تقدمها حرف عطف نفيها وجهان: الإلغاء، والإعمال.
والإلغاء أجود، وبه قرأ السبعة " وإذا لا يلبثون ". وفي بعض الشواذ: " وإذن لا يلبثوا " على الإعمال.
الثالث: ألا يفصل، بينهما وبين الفعل، بغير القسم.
فإن فصل بينهما بغيره ألغيت، نحو: إذاً زيد يكرمك.
وإن فصل بالقسم لم يعتبر، نحو: إذن، والله، أكرمك.
وأجاز ابن عصفور الفصل بالظرف، نحو: إذن غداً أكرمك.
وأجاز ابن بابشاذ الفصل بالنداء والدعاء، نحو: إذن، يا زيد، أحسن

إليك، وإذن - يغفر الله لك - يدخلك الجنة.
ولم يسمع من ذلك، فالصحيح منعه.
وأجاز الكسائي، وهشام، الفصل بمعمول الفعل.
وفي الفعل، حينئذ، وجهان.
والاختيار عند الكسائي النصب، وعند هشام الرفع.
وبعض العرب يلغني إذن مع استيفاء الشروط، وهي لغية نادرة، حكاها عيسى، وسيبويه.
ولا يقبل قول من أنكرها.
ويتعلق بإذن مسائل.
الأولى: مذهب الجمهور أنها حرف، كما تقدم.
وذهب بعض الكوفيين إلى أنها اسم، وأصلها إذا.
والأصل أن تقول: إذا جئتني أكرمتك.
فحذف ما يضاف إليه، وعوض منه التنوين.
ثم اختلف القائلون بحرفيتها.
فقال الأكثرون: إنها بسيطة.
وذهب الخليل، في أحد أقواله، إلى أنها مركبة من إذ وأن.
واختلف القائلون بأنها بسيطة.
فذهب الأكثرون إلى أنها ناصبة بنفسها.
وذهب الخليل، فيما روى عنه أبو عبيدة، إلى أنها ليست ناصبة

بنفسها، وأن بعدها مقدرة.
وإليه ذهب الزجاج، والفارسي.
والصحيح أنها ناصبة بنفسها.
الثانية: قال سيبويه في إذن: معناها الجواب والجزاء.
فحمله قوم، منهم الشلوبين، على ظاهره وقال: إنها للجواب والجزاء، في كل موضع.
وتكلف تخريج ما خفي فيه ذلك.
وحمله الفارسي على أنها قد ترد لهما، وهو الأكثر، وقد تكون للجواب وحده، نحو أن يقول القائل أحبك: فتقول: إذاً أطنك صادقاً.
فلا يتصور هنا الجزاء.
وقال بعض المتأخرين: إذن، وإن دلت على أن ما بعدها متسبب عما قبلها، على وجهين: أحدهما: أن تدل على إنشاء الارتباط والشرط، بحيث لا يفهم الارتباط من غيرها، في ثاني حال.
فإذا قال: أزورك، فقلت: إذن أزوك، فإنما أردت أن تجهل فعله شرطاً للفعل.
وإنشاء السببية، في ثاني حال، من ضرورته أنها تكون في الجواب، وبالفعلية، وفي زمان مستقبل.
والوجه الثاني: أن تكون

مؤكدة جواب، ارتبط بمتقدم، أو منبهة على سبب، حصل في الحال.
نحو: إن أتيتني إذاً آتك، ووالله إذاً فهم الربط.
وإذا كان بهذا المعنى ففي دخولها على الجملة الصريحة، نحو: إن يقم زيد إد عمرو قائم، نظر.
قال: والظاهر الجواز.
الثالثة: إذا وقع بعد إذاً الماضي، مصحوباً باللام، كقوله تعالى " إذاً لأذقناك "، فالظاهر أن اللام جواب قسم مقدر، قبل إذا وقال الفراء: لو مقدرة قبل إذاً، والتقدير: لو ركنت لأذقناك.
وقدز، في كل موضه، ما يليق به.
الرابعة: اختلف النحويون في الوقف على إذن.
فذهب الجمهور إلى أنها يوقف عليها بالألف، لشبهها بالمنون المنصوب.
وذهب بعضهم إلى أنها يوقف عليها بالنون، لأنها بمنزلة أن ولن، ونقل عن المازني والمبرد.

الخامسة: اختلف النحويون أيضاً، في رسمها، على ثلاثة مذاهب: أحدها: أنها تكتب بالألف.
قيل: وهو الأكثر، وكذلك رسمت في المصحف.
ونسب هذا القول إلى المازني، وفيه نظر، لأنه إذا كان يرى الوقف عليها بالنون، كما نقل عنه، فلا ينبغي أن يكتبها بالألف.
والثاني: أنها تكتب بالنون.
قيل: وإليه ذهب المبرد والأكثرون.
وعن المبرد: أشتهى أن أكوي يد من يكتب إذن بالألف، لأنها مثل أن ولن ولا يدخل التنوين في الحروف والثالث: التفصيل، فإن ألغيت كتبت بالألف، لضعفها، وإن عملت كتبت بالنون.
وقال صاحب رصف المباني: والذي عندي فيها الاختيار أن ينظر، فإن وصلت في الكلام كتبت بالنون، علمت أو لم تعمل، كما يفعل بأمثالها من الحروف.
وإذا وقف عليها كتبت بالألف، لأنها إذ ذاك مشبهة بالأسماء المنقوصة، مثل: دماً، ويداً.
والله أعلم.

لفظ مشترك؛ يكون اسماً وحرفاً.
فإذا كانت اسماً فلها أقسام: الأول: أن تكون ظرفاً لما يستقبل من الزمان، متضمنة معنى الشرط.
ولذلك تجاب بما تجاب به أدوات الشرط، نحو: إذا جاء زيد فقم إليه.
وكثر مجيء لماضي بعدها، مراداً به الاستقبال.
ومع تضمنها معنى الشرط لم يجزم بها، إلا في الشعر، كقول الشاعر: وإذا تصبك خصاصة فارج الغنى ... وإلى الذي يعطي الرغائب، فارغب وإنما لم يجزم بها، لمخالفتها إن الشرطية.
وذلك لأن إذا لما تيقن وجوده أو رجح، بخلاف إن فإنها للمشكوك فيه، وقد تدخل على المتيقن وجوده إذا أبهم زمانه، كقوله تعالى " أفإن

مت فهم الخالدون ". وقد تدخل على المستحيل، كقوله تعالى " قل: إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ". وأجاز الكوفيون الجزم بإذا مطلقاً.
ومذهب سيبويه أن إذا لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر.
فالظاهر نحو " إذا جاء نصر الله والفتح ". والمقدر نحو " إذا السماء انشقت ". ولا يجيز غير ذلك.
هذا هو المشهور، في النقل عن سيبويه.
ونقل السهيلي أن سيبويه يجيز الابتداء بعد إذا الشرطية، وأدوات الشرط، إذا كان الخبر فعلاً.
وأجاز الأخفش وقوع المبتدأ بعد إذا.
قال ابن مالك: وبقوله أقول، لأن طلب إذا للفعل ليس كطلب إن.
ومن ذلك قول الشاعر: إذا باهلي تحته حنظلية ... له ولد، منها، فذاك المذرع

وأول بعضهم البيت على أن التقدير: استقرت تحته حنظلية.
فحنظلية: فاعل وباهلي: مرفوع بفعل يفسره العامل في تحته.
ومذهب الجمهور أن إذا مضافة للجملة التي بعدها، والعامل فيها الجواب.
وذهب بعض النحويين إلى أنها ليست مضافة إلى الجملة، بل هي معمولة للفعل الذي بعدها، لا لفعل الجواب.
قال الشيخ أبو حيان: ومذهب الجمهور فاسد، من وجوه: أحدها: أن إذا الفجائية قد تقع جواباً إذا الشرطية، وما بعد إذا لا يعمل فيما قبلها.
والثاني: اقتران جوابها بالفاء، وما بعد فاء الجزاء لا يعمل فيما قبلها.
والثالث: أن جوابها جاء منفياً بما، نحو " وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم "، وما بعد ما النافية لا يعمل فيما قبلها.
والرابع: اختلاف وقتي الشرط والجواب، في بعض المواضع، نحو: إذا جئتني غداً أجيئك بعد غد.
قلت: والجواب عن هذه الوجوه أن الجمهور إنما يقولون: إن العامل فيها جوابها، إذا كان صالحاً للعمل.
فإن منع من عمله فيها مانع كإذا الفجائية، وإن، ونحوهما، فالعامل فيها حينئذ

مقدر، يدل عليه الجواب هذا حاصل كلامهم.
وصرح أبو البقاء، في إعرابه بأن الفاء الداخلة في جواب إذا لا تمنع من عمل ما بعدها في إذا.
وذكر الحوفي، والزمخشري، أن العامل في " إذا جاء نصر الله ": فسبح.
وقد بسطت الكلام، على ذلك، في غير هذا الكتاب.
الثاني: أن تكون ظرفاً لما يستقبل من الزمان، مجردة من معنى الشرط.
نحو قوله تعالى " والليل إذا يغشى "، " والنجم إذا هوى ". والماضي بعدها في معنى المستقبل، كما كان بعد المتضمنة معنى الشرط.
وقال الفراء: لا يكون بعدها الماضي إلا إذا كان فيها معنى الشرط والإبهام.
ومنه قوله تعالى " وقالوا لإخوانهم، إذا

ضربوا في الأرض "، كأنه قال: كلما ضربوا، أي: لا تكونوا كهؤلاء، إذا ضرب إخوانهم في الأرض.
الثالث: أن تكون ظرفاً لما مضى من الزمان، واقعة موقع إذ، كقوله تعالى " ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت: لا أجد "، وقوله " وإذا تجارة، أو لهواً، انفضوا إليها ". فإذا، في هذا ونحوه، بمعنى إذا.
هذا مذهب بعض النحويين، وبه قال ابن مالك.
قال في التسهيل: وربما وقعت موقع إذ وإذا موقعها.
والذي صححه المغاربة أن إذا لا تقع موقع إذ، ولا إذ موقعها.
وتأولوا ما أوهم ذلك.
الرابع: أن تخرج عن الظرفية، فتكون اسماً، مجرورة بحتى كقوله تعالى " حتى إذا جاؤوها ". وهو في القرآن كثير.
فإذا، في ذلك، فيها وجهان: أحدهما أن تكون مجرورة بحتى،

واختاره ابن مالك.
والثاني: أن تكون حتى ابتدائية، وإذا في موضع نصب على ما استقر لها.
وبه جزم أبو البقاء.
وجوز الزمخشري الوجهين.
قلت: وأشار الفارسي في التذكرة إلى جواز الوجهين.
وتقدير الغاية على الأول: " وسبق الذين كفروا إلى جهنم "، إلى وقت مجيئهم لها.
وعلى هذا، فلا جواب لها.
وعلى الثاني، تكون الغاية ما ينسبك من الجواب مرتباً على الشرط.
والتقدير المعنوي: إلى تفتح أبوابها وقت مجيئهم، فينقطع السوق ويؤيد أنها بعد حتى شرطية، في موضع نصب، اتفاق النحويين على طلب جوابها، في قوله تعالى " حتى إذا جاؤوها وفتحت "، فقيل: الواو زائدة.
وقيل: الجواب محذوف.
وذهب ابن جني إلى أن إذا قد تخرج عن الظرفية، وتكون مبتدأة، كقوله تعالى " إذا وقعت الواقعة ". فإذا مبتدأ، و " إذا رجت " خبره، في قراءة من نصب " خافضة

رافعة ". قال ابن مالك: وهو صحيح.
زاد أنها تكون مفعولاً به، كقوله عليه السلام، لعائشة رضي الله عنها " إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غضبي ". والظاهر أنها لا تكون مبتدأة، ولا مفعولاً، وأنها لا تخرج عن الظرفية، وما استدل به محتمل للتأويل.
وأما إذا الحرفية فقسم واحد، وهي الفجائية.
والفرق بينها وبني إذا الشرطية من خمسة أوجه: الأول: أن إذا الشرطية لا يليها إلا جملة فعلية، وإذا الفجائية لا يليها إلى جملة اسمية.
والثاني: أن إذا الشطرية تحتاج إلى جواب، وإذا الفجائية لا جواب هلا.
والثالث: أن إذا الشطرية للإستقبال، وإذا الفجائية للحال.
قال سيبويه: وتكون للشيء توافقه في حال أنت فيها.
يعني الفجائية.
وقال الفراء: وقد يتراخى، كقوله تعالى " ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ". والرابع: أن الجملة، بعد إذا الشرطية، في موضع خفض بالإضافة، والجملة بعد إذا الفجائية

لا موضع لها.
والخامس: أن إذا الشرطية تقع صدر الكلام، وإذا الفجائية لا تقع صدراً.
وقد جمعت هذه الفروق، في هذه الأبيات: الفرق بين إذا لشرط، والتي ... لفجاءة من أوجه، لا تجهل طلب التي للشرط فعلاً بعدها ... وجوابها، وأتت لما يستقبل وتضاف للجمل التي من بعدها ... وتكون في صدر المقالة، أول واختلف النحويون في إذا الفجائية، على ثلاثة أقوال: الأول: أنها ظرف زمان.
وهو مذهب الزجاج، والرياشي، واختاره ابن طاهر، وابن خروف، ونسب إلى المبرد.
قيل: وهو ظاهر كلام سيبويه.
والثاني: أنها ظرف مكان.
وهو مذهب المبرد، والفارسي، وابن جي، ونسب إلى سيبويه.
واستدل القائلون، بأنها ظرف مكان،

بوقوعها خبراً عن الجثة، في نحو: خرجت فإذا زيد.
وأجاب الأولون، بأنه على حذف مضاف، أي: حضور زيد.
والثالث: أنها حرف.
وهو مذهب الكوفيين، وحكي عن الأخفش.
واختاره الشلوبين، في أحد قوليه.
وإليه ذهب ابن مالك، واستدل على صحته بثمانية أوجه ذكرتها والإعتراض على بعضها في غير هذا الكتاب.
وتقع إذا الفجائية في مواضع.
منها نحو قولهم: خرجت فإذا الأسد.
وفي هذه الفاء، الداخلة عليها، أقول تقدمت في بابها.
ومنها جواب الشرط، بأربعة شروط: أولها أن يكون الجواب جملة اسمية.
وثانيها أن تكون غير طلبية، احترازاً من نحو: إن عصى زيد فويل له.
فهذا تلزمه الفاء.
وثالثها: ألا تدخل عليها أداة نفي.
ورابعها ألا يدخل عليها إن.
مثال ذلك " وإن

تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون ". فإذا، في ذلك، نائبة مناب الفاء، في ربط الجواب بالشرط وليست الفاء مقدرة قبلها، خلافاً لزاعمه.
إذا لو كانت مقدرة لم يمتنع التصريح بها.
ومنها بعد بينا وبينما كقول الحرفة: فبينا نسوس الناس، والأمر أمرنا ... إذا نحن، فيهم، سوقة، نتنصف وقول الآخر: بينما المرء في فنون الأماني ... فإذا رائد المنون موافي وقال الأصمعي: إذ وإذا في جواب بينا وبينما لم يأت عن فصيح.
والصحيح أنه عربي، ولكن تركها أفصح.

وقد جاءت إذا الفجائية في مواضع أخر.
فقد جاءت جواب إذا الشرطية، كقوله تعالى " فإذا أصاب به من يشاء، من عباده، إذا هم يستبشرون ". وقد جاءت بعد لما، كقوله تعالى " فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون ". وهو دليل على حرفية لما.
إذ لو كانت ظرفاً لكان جوابها عاملاً فيها، وإذا الفجائية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
فإن قلت: ما العامل في إذا الفجائية، على القول باسميتها؟ قلت: خبر المبتدأ الواقع بعدها، نحو: خرجت فإذا زيد قائم.
فقائم ناصب لإذا.
والتقدير: ففي المكان الذي خرجت فيه، أو في الزمان الذي خرجت فيه، زيد قائم.
وإن لم يذكر بعدها خبر، نحو: خرجت فإذا زيد، أو نصب على الحال، نحو: خرجت فإذا زيد قائماً، كانت إذا خبر المبتدأ.
فإذا كان جئة، وقلنا إنها ظرف زمان، كان الكلام على حذف مضاف، أي ففي الزمان حضور زيد.
فإن قلت: ما تقرر، من أن العامل فيها خبر ما بعدها،

يشكل بوقوع إن المكسورة بعدها، في قوله: إذا إنه عبد القفا، واللهازم على رواية من كسرها.
ووجه

الإ

شكال أن إن لا يعمل ما بعدها فيما قبلها! قلت: هذا من أحسن أدلة القائلين بحرفيتها.
وقد أجاب عنه بعض القائلين، باسميتها، بأن في الكلام حذف.
فإذا قلت: خرجت فإذا إن زيداً منطلق فالتقدير فإذا انطلاق زيد، إنه منطلق.
فتكون إذا خبر مبتدأ محذوف.
والعامل فيها الكون المقدر والجملة المبدوءة بإن دليل على المحذوف.

تنبيه

ذكر الزمخشري في الكشاف أن التحقيق في إذا الفجائية

أنها بمعنى الوقت، وأنها طالبة ناصباً لها، وجملة تضاف إليها، خصت في بعض المواضع بأن يكون ناصبها فعلاً مخصوصاً، وهو فعل المفاجأة، والجملة ابتدائية لا غير.
وذكر أن التقدير في قوله تعالى " فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه، من سحرهم، أنها تسعى ": ففاجأ موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيتهم.
وهذا تمثيل، والمعنى: على مفاجأته حبالهم وعصيتهم مخيلة إليه السعي.
وقال في قوله تعالى " ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ": ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً منتشرين.
وقال في قوله تعالى " فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون ": فإن قلت: كيف جاز أن تجاب لما بإذا المفاجأة؟ قلت: لأن فعل المفاجأة معها مقدر، وهو عامل النصب في محلها.
كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجؤوا وقت ضحكهم.
قال الشيخ أبو حيان: ولا نعلم نحوياً، ذهب إلى ما ذهب إليه

هذا الرجل، من أن إذا الفجائية تكون منصوبة بفعل مقدر، تقديره: فاجأ.
بل هي منصوبة بالخبر، أو خبر على ما تقدم تقديره، وليست مضافة إلى الجملة، كما سبق.
ثم إن المفاجأة التي ادعاها لا يدل المعنى على أنها تكون من الكلام، السابق.
بل المعنى يدل على أن المفاجأة تكون من الكلام الذي فيه إذا.
تقول: خرجت فإذا الأسد.
فالمعنى: ففاجأني الأسد.
وليس المعنى: ففاجأت الأسد.
قلت: وقد قدر أبو البقاء العامل في إذا الفجائية فعلاً، في مواضع.
منها قوله تعالى " فإذا حبالهم ". قال: التقدير: فألقوا فإذا.
وإذا في هذا ظرف مكان، والعامل فيه ألقوا.
ورد بأن الفاء تمنع من عمل ما قبلها فيما بعدها.
واعلم أنه قد بقي، م أقسام إذا، قسم آخر، وهو إذا الزائدة.
وهذا قال به أبو عبيدة بعد بينا وبينما.
وهو ضعيف.
والله أعلم.

ألا

حرف، يرد لثلاثة معان: الأول: استفتاح الكلام وتنبيه المخاطب.
وهي تدخل على الجملة الأسمية، نحو " ألا إن أو لياء الله لا خوف عليهم " والفعلية نحو " ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم ". وعلامتها صحة الكلام بدونها.
وقيل: معناها: حقاً.
وجوز هذا القائل أن تفتح أن بعدها، كما تفتح بعد حقاً.
وهذا في غاية البعد.
واختلف في ألا الاستفتاحية: هي هي مركبة أو بسيطة؟ فقيل: مركبة من همزة الاستفهام ولا النافية.
و

إلي

ه ذهب الزمخشري.
وقيل: هي بسيطة.
وإليه ذهب ابن مالك.
ورد الشيخ أبو حيان دعوى التركيب، بأن الأصل عدمه، وبأنها قد وقعت

قبل إن ورب وليت والنداء، ولا يصلح النفي قبل شيء من ذلك.
الثاني: العرض.
وهذه مختصة بالأفعال، نحو: ألا تنزل عندنا فتحدث.
وإن وليها اسم فعلى إضمار فعل، كقول الشاعر: ألا رجلاً، جزاه الله خيراً ... يدل على محصلة، تبيت التقدير: ألا تروني رجلاً.
هذا قول الخليل وقال يونس: إنه أراد: ألا رجل، فنون مضطراً.
وقد تذكر ألا هذه مع أحرف التحضيض، لكونها للطلب.
ولكن التحضيض أشد توكيداً من العرض.
والفرق بينهما أنك في العرض تعرض عليه الشيء، لينظر فيه.
وفي التحضيض تقول: الأولى

لك أن تفعل، فلا يفوتنك.
قيل: ولذلك يحسن قول العبد لسيده: ألا تعطيني.
ويقبح: لولا تعطيني.
قال ابن الخباز: من الناس من جعله يغني: العرض - استفهاماً، ومنهم من جعله قسماً برأسه.
وما ذكره ابن الحاجب، من دخول ألا التي للعرض على الاسم، وتركيبه معها، نحو: ألا نزول عندنا، غير ثابت.
بل هي مختصة بالفعل، كما تقدم.
وألا هذه مركبة.
قال ابن مالك: ألا التي للعرض مركبة من لا النافية والهمزة، بخلاف التي للإستفتاح فإنها غير مركبة.
قال الشيخ أبو حيان: الذي أذهب إليه أنها بسيطة.
قلت: وهو ظاهر كلام صاحب رصف المباني.
الثالث: الجواب.
كقول القائل: ألم تقم.
فتقول: ألا فتكون حرف جواب بمعنى: بلى.
ذكره صاحب رصف المباني، وقال: إنه قليل شاذ.
واعلم أن ألا قد تكون كلمتين: إحداهما همزة الاستفهام، والأخرى لا النافية.
فلا تعد حينئذ حرفاً واحداً، بل حرفين.

وذلك في ثلاثة مواضع: الأول: أن يقصد بها مجرد الاستفهام عن النفي، نحو: ألا رجل في الدار.
ومنه قول الشاعر: ألا اصطبار لسلمى، أم لها جلد الثاني: أن يقصد بها التوبيخ، كقول حسان.
ألا طعان، ألا فرسان عادية الثالث: أن يقصد بها التمني، كقول الشاعر: ألا عمر، ولى، مستطاع رجوعه ... فيرأب ما أثات يد الغفلات فألا في المواضع الثلاثة مركبة، بغير إشكال، ولا باقية على

حكمها الذي لها، قبل دخول الهمزة.
ولذلك بني الأسم معها.
وذلك واضح.
والله أعلم.

إلى

حرف جر، يرد لمعان ثمانية: الأول: انتهاء الغاية في الزمان، والمكان، وغيرهما.
وهو أصل معانيها.
وفي دخول ما بعدها في حكم ما قبلها أقول.
ثالثها: إن كان من جنس الأول دخل، وإلا فلا.
وهذا الخلاف عند عدم القرينة مع القرينة ألا يدخل، فيحمل عند عدمها على الأكثر، وأيضاً فإن الشيء لا ينتهي ما بقي منه شيء، إلا أن يتجوز فيجعل القريب الانتهاء انتهاء.
ولا يحمل على المجاز ما أمكنت الحقيقة.
فهو إذاً غير داخل.
الثاني: أن تكون بمعنى مع، كقوله تعالى " من أنصاري

إلى الله ". قال الفراء: قال المفسرون: أي: مع الله، وهو وجه حسن.
قال: وإنما تجعل إلى ك مع، إذا ضممت شيئاً إلى شيء، كقول العرب: الذود إلى الذود إبل.
قال: فإن لم يكن ضم لم تكن إلى كمع.
فلا يقال في مع فلان مال كثير: إلى فلان مال كثير.
انتهى.
وكون إلى بمعنى مع حكاه ابن عصفور، عن الكوفيين.
وحكاه ابن هشام عنهم، وعن كثير من البصريين.
وتأويل بعضهم ما ورد، من ذلك، على تضمين العامل، وإبقاء إلى على أصلها والمعنى في قوله تعالى " من أنصاري إلى الله ": من يضيف نصرته إلى نصرة الله.
وإلى في هذا أبلغ من مع، لأنك لو قلت: من ينصرني مع فلان، لم يدل على أن فلاناً وحده ينصرك، ولا بد، بخلاف إلى، فإن نصرة ما دخلت عليه محققة واقعة، مجزوم بها.
إذ المعنى على التضمين: من يضيف نصرته إلى نصرة فلان.
الثالث: التبيين.
قال ابن مالك: هي المتعلقة، في تعجب أو تفضيل،

بحب أو بغض، مبينة لفاعلية مصحوبها.
كقوله تعالى " رب السجن أحب إلي ". الرابع: موافقة اللام.
مثله ابن مالك بقوله " والأمر إليك "، لأن اللام في هذا هي الأصل، وبقوله تعالى " ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ". وقال بعضهم إلى في قوله تعالى " والأمر إليك " لانتهاء الغاية، على أصلها، والمعنى: والأمر منته إليك.
الخامس: موافقة في.
ذكره القتبي، وابن مالك.
كقول النابغة: فلا تتركني، بالوعيد، كأنني ... إلى الناس، مطلي به القار، أجرب أي: في الناس.
قال ابن مالك: ويمكن أن يكون من هذا قوله تعالى

" ليجمعنكم إلى يوم القيامة ". ورد ابن عصفور كون إلى بمعنى في، بأنها لو كانت بمعنى في لساغ أن يقال: زيد إلى الكوفة، أي: في الكوفة.
فلما لم تقله العرب وجب أن يتأول ما أوهم ذلك.
وتأول البيت على أن قوله مطلي ضمن معنى مبغض.
وأوله غيره على تقدير: كأنني مضافاً إلى الناس.
فإلى تتعلق بمحذوف، دل عليه الكلام.
واستدل بعضهم، على ذلك بقوله تعالى " فقل: هل لك إلى أن تزكى ". وتؤول على أن المعنى: أدعوك إلى أن تزكى.
السادس: موافقة من، كقول ابن أحمر: تقول، وقد عاليت بالكور، فوقها ... أيسقى، فلا يروى إلى، ابن أحمرا؟

أي: مني.
هذا قول الكوفيين والقتب، وتبعهم ابن مالك.
وخرج على التضمين، أي: فلا يأتي إلي الرواء.
السابع: موافقة عند، كقول أبي كبير الهذلي: أم لا سبيل إلى الشباب، وذكره ... أشهى إلى من الرحيق، السلسل أي عندي.
واعلم أن أكثر البصريين لم يثبتوا لها غير معنى انتهاء الغاية.
وجميع هذه الشواهد عندهم متأول.
الثامن: أن تكون زائدة.
وهذا لا يقول به الجمهور، وإنما قال به الفراء، واستدل بقراءة من قرأ " فاجعل أفئدة، من الناس، تهوى إليهم " بفتح الواو.
وخرجت هذه القراءة على تضمين تهوى معنى: تميل.
وقال

ابن مالك: وأولى من الحكم بزيادتها أن يكون الأصل تهوي بكسر الواو، فجعل موضع الكسرة فتحة، كما يقال في رضي: رضى، وفي ناصية: ناصاة.
وهي لغة طائية.
واعترض بأن طيئاً لا يفعلون ذلك في كل موطن، بل في مواضع مخصوصة، مذكورة في التصريف.
والله أعلم.

أما

حرف، له ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون حرف استفتاح، مثل ألا.
وكثر قبل القسم، نحو: أما والله لقد كان كذا وكذا.
كما كثر ألا قبل النداء، نحو: ألا يا زيد.
وقد تبدل همزة أما هاء، أو عيناً، فيقال: هما والله، وعما والله وقد تحذف ألفها، في الأحوال الثلاثة، فيقال: أم والله، وهم والله، وعم والله.
الثاني أن تكون بمعنى حقاً روى سيبويه في أما

إن

ك ذاهب الكسر على أنها حرف استفتاح كألا والفتح على

جعل أما بمعنى حقاً، فتفتح بعدها، كما تفتح بعد حقاً، لأنها مؤولة بمصدر مبتدأ، وحقاً مصدر واقع ظرفاً مخبراً به ومنه: أحقاً أن جيرتنا استقلوا تقديره، عند سيبويه: أفي حق.
فأما كذلك.
شرح بعضهم كلام سيبويه، بأنها إذا فتحت فالهمزة للإستفهام، وما بمنزلة شيء: ذلك الشيء حق.
فكأنك قلت: أحقاً أنك ذاهب.
وانتصابه على الظرف.
قلت: وعلى هذا فأما كلمتان: حرف وهو الهمزة، واسم وهو ما.
وعلى الأول فهو كلمة واحدة.
إلا أن في عدها من الحروف نظراً، لأن التقدير السابق يأباه.
وفي كلام ابن خروف

تصريح بحرفيتها.
فإنه جعل أما أنك ذاهب بفتح الهمزة من تركيب حرف مع اسم، نحو يا زيد على مذهب أبي علي.
الثالث: أن تكون للعرض، كأحد معاني ألا المتقدمة الذكر.
ذكر هذا القسم صاحب رصف المباني.
ومثله بقوله: أما تقوم، وأما تقعد.
والمعنى أنك تعرض عليه فعل القيام والقعود، لترى هل يفعلهما، أو لا.
قال: فلا يكون بعدها إلا الفعل، كألا المذكورة، فإن أتى بعدها الأسم فعلى تقدير الفعل.
فتقول: أما زيداً، أما عمراً، والمعنى: أما تبصر زيداً.
أو نحو ذلك، من تقدير الفعل الذي تدل عليه قرينة الكلام.
ونص على أن أما التي للعرض بسيطة، كأما التي للإستفتاح.
قلت: وكون أما حرف عرض لم أره في كلام غيره.
والظاهر أن أما، في هذه المثل التي مثل بها، مركبة من الهمزة وما النافية.
فهي كلمتان.
وقد ذكر هو وغيره أن أنا قد تكون همزة استفهام، داخلة على حرف النفي.
فيكون المعنى، على التقدير، كما في نحو ألم.

وقد ذكر ابن السيد، في إصلاح الخلل، أن ما قد تكون محذوفة من أما.
وأنشد قول الشاعر: ما ترى الدهر قد أباد معداً ... واباد السراة، من قحطان أراد أما فحذف الهمزة.
والله أعلم.
إن حرف، له قسمان: الأول: أن يكون حرف توكيد، ينصب الأسم ويرفع الخبر.
نحو: إن زيداً ذاهب.
خلافاً للكوفيين، في قولهم: إنها لم تعمل في الخبر شيئاً، بل هو باق على رفعه قبل دخولها.
وأجاز بعض الكوفيين نصب الإسم والخبر معاً، بإن

وأخواتها.
وأجازه الفراء في ليت خاصة.
ونقل ابن أصبغ عنه أنه أجاز في لعل أيضاً.
قال ابن عصفور: وممن ذهب إلى جواز ذلك، في إن وأخواتها، ابن سلام في طبقات الشعراء.
وزعم أنها لغة رؤية وقومه.
وقال ابن السيد: نصب خبر إن وأخواتها لغة قوم من العرب.
وإلى ذلك ذهب ابن الطراوة.
والجمهور على أن ذلك لا يجوز.
ومن شواهد نصب خبر إن قول عمر بن أبي ربيعة: إذا اسود جنح الليل فلتأت، ولتكن ... خطاك خفافاً، إن حراسنا أسدا وأوله المانعون على أنه حال، والخبر محذوف، أي: تلقاهم أسداً.
أو خبر كان محذوفة، أي: كانوا أسداً.
ومن أحكام إن أنها قد تخفف، كما تقدم في باب الثنائي، خلافاً للكوفيين.
فإن المخففة عندهم نافية، وهي حرف ثنائي

الوضع، واللام بعدها بمعنى إلا.
وإن المشددة لا تخفف عندهم.
ويبطل قولهم أن من العرب من يعملها، بعد التخفيف، عملها وهي مشددة.
فيقول: إن عمراً لمنطلق.
حكاه سيبويه.
ومن أحكامها أنها قد تتصل بها ما الزائدة، فيبطل عملها، ويليها الجملتان: الأسمية والفعلية، فتكون ما كافة لها عن العمل، ومهيئة لدخولها على الأفعال.
والجمهور على أن إعمالها، عند اتصال ما، غير مسموع.
ثم اختلفوا في جوازه قياساً.
وذهب قوم إلى منعه، وهو مذهب سيبويه، فإنه لا يجيز أن يعمل عنده، من هذه الأحرف، أعني إن وأخواتها، إذا لحقتها ما، إلا ليت وحدها وذكر ابن مالك أن الإعمال قد سمع في إنما وهو قليل.
وذكر أن الكسائي، والأحفش، روياه عن العرب.

مسألة

اشتهر في كلام المتأخرين، من أهل النحو، أن إنما للحصر.
قال الشيخ أبو حيان: والذي تقرر، في علم النحو، أن ما الداخلة

على إن وأخواتها كافة لها عن العمل، فإن فهم حصر فمن سياق الكلام، لا منها.
ولو أفادت الحصر لأفادته أخواتها المكفوفة بما.
وقال ابن عطية: إنتما لفظ لا تفارقه المبالغة والتأكيد، حيث وقع.
ويصلح، مع ذلك، للحصر.
فإذا دخل في قصة، وساعد معناها على الأنحصار، صح ذلك وترتب.
كقوله تعالى " أنتما آلهكم إله واحد "، وغير ذلك من الأمثلة.
وإذا كانت القصة لا تتأنى للإنحصار بقيت إنما للمبالغة فقط، كقوله عليه السلام إنما الربا في النسيئة.
واحتج من ذهب إلى أنها تفيد الحصر بوجهين: أحدهما لفظي، وهو أن العرب أجرت عليها حكم النفي وإلا ففصلت الضمير بعدها، كقول الفرزدق:

أنا الذائد، الحامي الذمار، وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا، أو مثلي لما كان غرضه أن يحصر المدافع لا المدافع عنه فصل الضمير.
ولو قال وإنما أدافع عن أحسابهم لأفهم غير المراد.
فدل ذلك على أن العرب ضمنت إنما معنى ما وإلا.
والثاني معنوي، وهو وجه يسند إلى علي بن عيسى الربعي، وهو من أكابر نحاة بغداد، أنه لما كانت كلمة إن لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه، ثم اتصلت بها ما الزائدة المؤكدة، ناسب أن تضمن معنى الحصر لأن الحصر ليس إلا تأكيد على تأكيد.
فإن قولك: زيد جاء لا عمرو، لمن يردد المجيء الواقع بينهما، يفيد إثباته لزيد في الابتداء صريحاً، وفي الآخر ضمناً.
واستدل الإمام فخر الدين، على أنها للحصر، بأن إن للإثبات، وما للنفي، فإن لإثبات المذكور، وما لنفي ما عداه.
ورد بأنه قول من لا وقوف له على علم النحو، وهو ظاهر الفساد، لوجوه

منها: أن فيه إخراج ما النافية عما تستحقه، من وقوعها صدراً.
ومنها أن فيه الجمع بين حرف نفي وحرف إثبات، بلا فاصل.
ومنها أنه لو كانت نافية لجاز أن تعمل، فيقال: إنما زيد قائماً.
ذكر بعضهم هذه الأوجه.
ولا يحتاج، في بيان فساد هذا القول، إلى ذلك.
فإنه لا يخفى فساده.
قلت: ذكر القرافي في شرح المحصول أن أبا علي الفارسي نقل في مسائله الشيرازيات أن ما في إنما للنفي والله أعلم.
القسم الثاني: أن تكون حرف جواب، بمعنى نعم.
ذكر ذلك سيبويه، والأخفش.
وحمل المبرد، على ذلك، قراءة من قرأ " إن هذان لساحران ". وأنكر أبو عبيدة أن تكون إن بمعنى نعم.
ومن شواهدها قول الراد، حين قال القائل: لعن الله

جارٍ التحميل