الجنى الداني في حروف المعانيصفحات 588-614

الباب الرابع

صفحات 588-614
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أم قاسم المرادي
الكتاب
الجنى الداني في حروف المعاني
المؤلف
أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)
المحقق
د فخر الدين قباوة -الأستاذ محمد نديم فاضل
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1992 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

والثالث أن العطف بها، وأنت مخير في الإتيان بالواو.
وهو مذهب ابن كيسان.
وذهب يونس إلى أن لكن ليست عاطفة، بل هي حرف استدراك، والواو قبلها عاطفة لما بعدها، عطف مفرد عل مفرد.
ووافقه ابن مالك، في التسهيل، على أنها غير عاطفة، لكنه ذكر في شرحه أن الواو قبلها عاطفة جملة، وتضمر لما بعدها عاملاً.
فإذا قلت ما قام سعد ولكن سعيد فالتقدير: ولكن قام سعيد.
وإنما جعله من عطف الجمل، لما يلزم، على مذهب يونس، من مخالفة المعطوف بالواو لما قبلها، وحقه أن يوافقه.
واستدل من قال، بأن لكن غير عاطفة، بلزوم اقترانها بالواو قبل المفرد.
قال ابن مالك: وما يوجد في كتب النحويين، من نحو ما قام سعد لكن سعيد، فمن كلامهم لا من كلام العرب.
ولذلك لم يمثل سيبويه، في أمثلة العطف، إلا ب ولكن.
وهذا من شواهد أمانته، وكمال عدالته، لأنه يجيز العطف بها غير مسبوقة

بواو، وترك التمثيل به لئلا يعتقد أنه مما استعملته العرب.
قلت: وفي قوله إن سيبويه يجيز العطف بها غير مسبوقة بواو نظر.
وتقدم ما قاله ابن عصفور.
وإذا ولي لكن جملة لم يلزم اقترانها بالواو، بل تجيء بالواو ودونها.
قال زهير: أن ابن ورقاء لا تخشى بوادره ... لكن وقائعه، في الحرب، تنتظر وقرر ابن يعيش، في شرح المفصل مذهب يونس، على خلاف ما تقدم.
قال: وكان يونس، رحمه الله، يذهب إلى أنها إذا خففت لا يبطل علمها، ولا تكون حرف عطف، بل تكون عنده مثل إن وأن.
فكما أنهما بالتخفيف لم يخرجا عما كانا عليه، قبل التخفيف، فكذلك لكن.
فإذا قلت: ما جاءني زيد لكن

عمرو، فعمرو مرتفع بلكن، والاسم مضمر محذوف، كما في قوله: ولكن زنجي، عظيم المشافر وإذا قلت: ما ضربت زيداً لكن عمراً، ففيها ضمير القصة، وعمراً منصوب بفعل مضمر.
وإذا قال: ما مررت بزيد لكن عمرو، فعمرو مخفوض بباء محذوفة، وفي لكن ضمير القصة أيضاً، والجار والمجرور يتعلق بفعل محذوف، دل عليه الظاهر، كأنه قال: لكنه مررت بعمرو.
انتهى، وفيه نظر.
واعلم أن لكن لا يعطف بها، إلا بعد نفي، نحو: ما قام زيد لكن عمرو، أو نهي، نحو: لا تضرب زيداً لكن عمراً.
والمعطوف بها محكوم له بالثبوت، بعد النفي والنهي.
ولا تقع في

لإيجاب عند البصريين.
وأجاز الكوفيون أن يعطف بها، في الإيجاب، نحو: أتاني زيد لكن عمرو.

تنبيه

إنما يشترك النفي والنهي، في الواقعة قبل المفرد.
وتقدم الخلاف في كونها عاطفة.
وأما إذا وليها جملة فيجوز أن تقع بعد إيجاب، أو نفي، أو نهي، أو أمر.
ولا تقع بعد استفهام.
فلا يجوز: هل زيد قائم لكن عمرو لم يقم.
فإن قلت: إذا وقعت قبل الجملة فهل هي عاطفة أو غير عاطفة؟ قلت: الذي ذهب إليه أكثر المغاربة أنها، حينئذ، حرف ابتداء، لا حرف عطف.
وقيل: إنها تكون حرف عطف، تعطف جملة على جملة، إذا وردت بغير واو.
قال ابن أبي الربيع: وهو ظاهر كلام سيبويه.
ومعنى لكن، في جميع مواضعها، الاستدراك.
قال صاحب رصف المباني: ويكون معناها الإضراب، إذا كانت حرف

ابتداء، كقوله تعالى " لكن الله يشهد بما انزل إليك ". وقد حذفوا نونها، في الشعر، ضرورة، كما قال: فلست بآتيه، ولا أستطيعه ... ولاك اسقني، إن كان ماؤك ذا فضل

لما

حرف له ثلاثة أقسام: الأول: لما التي تجزم الفعل المضارع.
وهي حرف نفي، تدخل على المضارع فتجزمه، وتصرف معناه إلى المضي، خلافاً لمن زعم أنها تصرف لفظ الماضي إلى المبهم.
وتقدم ذكر الخلاف في لم،

فلا حاجة لإعادته.
فإن الكلام عليهما واحد.
وتقدم ذكر الفروق التي بين لم ولما.
واختلف في لما، فقيل: مركبة من لم وما.
وهو مذهب الجمهور.
وقيل: بسيطة.
الثاني: لما التي بمعنى إلا.
ولها موضعان: أحدهما بعد القسم، نحو: نشدتك بالله لما فعلت، وعزمت عليك لما ضربت كاتبك سوطاً.
قال الراجز: قالت له: بالله، يا ذا البردين ... لما غنثت نفساً، أو اثنين وثانيهما بعد النفي، ومنه قراءة عاصم وحمزة " وإن كلما جميع، لدينا، محضرون "، " وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا "، أي: ما كل إلا جميع، وما كل ذلك إلا متاع

الحياة الدنيا.
ولما التي بمعنى إلا حكاها الخليل، وسيبويه، والكسائي.
وهي قليلة الدور في كلام العرب.
فينبغي أن يقتصر فيها، على التركيب الذي وقعت فيه.
وزعم أبو القاسم الزجاجي أنه يجوز أن تقول: لم يأتني من القوم لما أخوك، ولم أر من القوم لما زيداً.
يريد: إلا أخوك، وإلا زيداً.
قيل: وينبغي أن يتوقف في إجازة ذلك، حتى يرد في كلام العرب ما يشهد بصحته.
الثالث: لما التعليقية.
وهي حرف وجوب لوجوب.
وبعضهم يقول: حرف وجود لوجود، بالدال.
والمعنى قريب.
وفيها مذهبان: أحدهما: أنها حرف.
وهو مذهب سيبويه.
والثاني: ظرف بمعنى حين.
وهو مذهب أبي علي الفارسي.
وجمع ابن مالك في التسهيل بين المذهبين، فقال: إذا ولي لما فعل ماض لفظاً ومعنى فهي ظرف بمعنى إذ، فيه معنى الشرط، أو حرف يقتضي، فيما مضى، وجوباً لوجوب.
والصحيح ما ذهب إليه سيبويه، لأوجه: أحدها أنها ليس فيها

شيء، من علامات الأسماء.
والثاني أنها تقابل لو.
وتحقيق تقابلهما أنك تقول: لو قام زيد قام عمرو، ولكنه لما لم يقم لم يقم.
والثالث أنها لو كانت ظرفاً لكان جوابها عاملاً فيها، كما قال أبو علي.
ويلزم من ذلك أن يكون الجواب واقعاً فيها، لأن العامل في الظرف يلزم أن يكون واقعاً فيه.
وأنت تقول: لما قمت أمس أحسنت إليك اليوم.
وقال تعالى " وتلك القرى أهلكنا هم لما ظلموا ". والمراد أنهم أهلكوا بسبب ظلمهم، لا أنهم أهلكوا حين ظلمهم، لأن ظلمهم متقدم على إنذارهم، وإنذارهم متقدم على إهلاكهم.
والرابع أنها تشعر بالتعليل، كما في الآية المذكورة، والظروف لا تشعر بالتعليل.
وبهذا استدل ابن عصفور على حرفيتها.
والخامس أن جوابها قد يقترن بإذا الفجائية، كقوله تعالى: " فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون "، وما بعد إذا الفجائية لا يعمل فيما قبلها.
واعلم أن لما هذه لا يليها إلا فعل ماض مثبت، أو منفي

بلم.
وقد تزاد أن بعدها، كقوله تعالى " فلما أن جاء البشير ". وجوابها فعل ماض مثبت، نحو: لما قام زيد قام عمرو.
أو منفي بما، نحو: لما قام زيد ما قام عمرو.
أو مضارع منفي بلم نحو: لما قام زيد لم يقم عمرو.
أو جملة اسمية مقرونة بإذا الفجائية، كما تقدم.
وزاد ابن مالك في التسهيل أن جوابها قد يكون جملة اسمية مقرونة بالفاء، وماضياً مقروناً بالفاء، وقد يكون مضارعاً.
قال الشيخ أبو حيان: ولم يقم دليل واضح على ما ادعاه.
وقد ذكرت ذلك في شرح التسهيل.
ويجوز حذف جواب لما للدلالة عليه، كقوله تعالى " فلما ذهبوا به وأجمعوا " الآية، أي: فعلوا ما أجمعوا عليه " وأوحينا إليه ". والكوفيون يجعلون أوحينا جواب لما، والواو زائدة.

تنبيه

الفرق بين أقسام لما الثلاثة، من جهة اللفظ، أن الجازمة لا يليها إلا مضارع، ماضي المعنى.
والتي بمعنى إلا لا يليها إلا ماضي اللفظ، مستقبل المعنى.
والتي هي حرف وجوب لوجوب لا يليها إلا ماضي اللفظ والمعنى، أو مضارع منفي بلم.
والله أعلم.

لولا

حرف له قسمان: الأول: أن يكون حرف امتناع لوجوب.
وبعضهم يقول: لوجود، بالدال.
قيل: ويلزم، على بعارة سيبويه في لو، أن يقال: لولا حرف لما كان سيقع لانتفاء ما قبله.
وقال صاحب رصف المباني: الصحيح أن تفسيرها بحسب الجمل التي تدخل عليها.
فإن كانت الجملتان بعدها موجبتين فهي حرف امتناع لوجوب، نحو قولك: لولا زيد لأحسنت إليك.
فالإحسان

امتنع، لوجود زيد.
وإن كانتا منفيتين فهي حرف وجوب لامتناع، نحو: لولا عدم قيام زيد لم أحسن إليك.
وإن كانتا موجبة ومنفية فهي حرف وجوب لوجوب، نحو: لولا زيد لم أحسن إليك.
وإن كانتا منفية وموجبة فهي حرف امتناع لامتناع، نحو: لولا عدم قيام زيد لأحسنت إليك.
انتهى ما ذكره.
وجواب لولا ماض مثبت، مقرون باللام، نحو " لولا أنتم لكنا مؤمنين "، أو منفي بما، نحو " ولولا فضل الله عليكم، ورحمته، ما زكى منكم من أحد أبداً ". وقد يخلو المثبت من اللام، كقول الشاعر: لولا الحياء، وباقي الدين، عبتكما ... ببعض ما فيكما، إذ عبتما عوري وقال ابن عصفور: حذف اللام من جواب لولا ضرورة.
وقال

أيضاً: يجوز في قليل من الكلام.
وسوى بعضهم بين حذف اللام وإثباتها في لو ولولا.
وقد يقترن باللام لمفني بما، كقول الشاعر: لولا رجاء لقاء الظاعنين لما ... أبقت نواهم لنا روحاً، ولا جسدا وإذا دل دليل على جواب لولا جاز حذفه، كقوله تعالى " ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم ". ثم اعلم أن لولا الامتناعية مختصة بالأسماء.
ولها حالان: أحدهما أن تكون حرف ابتداء.
وذلك إذا وليها اسم ظاهر، أو ضمير رفع منفصل، نحو: لولا زيد لأكرمتك، ولولا أنت لأكرمته.
فلولا، في هذا ونحوه، حرف ابتداء، والأسم بعدها مرفوع بالابتداء عند أكثر النحويين.
ثم اختلفوا في خبره.
فقال الجمهور: هو محذوف، واجب الحذف مطلقاً.
ولا يكون عندهم إلا كوناً مطلقاً.
فإذا أريد الكون المقيد جعل مبتدأ، نحو:

لولا قيام زيد لأتيتك.
ولا يجوز لولا زيد قائم.
ولذلك لحنوا المعري، في قوله: يذيب الرعب منه كل عضب ... فلولا الغمد يمسكه لسالا قلت: وتأويله بعضهم، على أن يمسكه حال.
ورد بأن الأخفش حكى عن العرب أنهم لا يأتون، بعد الأسم الواقع بعد لولا الامتناعية، بالحال، كما لا يأتون بالخبر.
وتأوله بعضهم على تقدير أن، والتقدير: فلولا الغمد أن يمسكه.
وأعربه بدلاً، أي: لولا إمساكه.
وذهب الرماني، وابن الشجري، والشلوبين، إلى أن الخبر، بعد لولا، ليس بواجب الحذف على الإطلاق.
بل فيه تفصيل.
وهو أنه إن كان كوناً مطلقاً، غير مقيد، وجب حذفه، نحو: لولا زيد لأكرمتك، لأن تقديره موجود أو نحوه.
وإن

كان مقيداً، ولا دليل عليه، وجب إثباته، كقوله عليه الصلاة والسلام، لعائشة رضي الله عنها لولا قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم.
وإن كان مقيداً، وله دليل يدل عليه، جاز إثباته وحذفه، كقولك: لولا أنصار زيد لهلك، أي: نصروه.
فهذا يجوز إثباته، لكونه مقيداً، وحذفه للدليل الدال عليه.
واختار ابن مالك هذا المذهب، وجعل قول المعري فلولا الغمد يمسكه مما يجوز فيه الإثبات والحذف.
وقال ابن أبي الربيع: أجاز قوم لولا زيد قائم لأكرمتك، وهذا لم يثبت بالسماع.
والمنقول: لولا قيام زيد.
وقال ابن الطراوة: جواب لولا هو خبر المبتدأ الواقع بعد لولا.
وهو ضعيف.
وذهب الكوفيون إلى أن الأسم المرفوع بعد لولا ليس بمبتدأ، ثم اختلفوا.
فقال الكسائي: مرفوع بفعل مقدر، تقديره:

لولا وجد زيد.
وقال بعضهم: هو مرفوع بلولا، لنيابتها مناب لو لم يوجد.
حكاه الفراء عن بعضهم، ورده بأنك تقول لولا زيد لا عمرو لأتيتك، ولا يعطف بلا بعد النفي.
وقال الفراء: هو مرفوع بلولا نفسها، لا لنيابتها مناب لو لم يوجد.
وقال صاحب رصف المباني: ويرفع، عند الكوفيين، على تقدير فعل، نابت لا منابه.
فإذا قلت: لولا زيد لأكرمتك، و " لولا أنتم لكنا مؤمنين "، فالمعنى: لو انعدم زيد، ولو انعدمتم.
قال: وهذا هو الصحيح، لأنه إذا زالت لا ولي لو الفعل ظاهراً، أو مقدراً.
وإذا دخلت لا كان بعدها الأسم.
فهذا يدل على أن لا نائبة مناب الفعل.
وقد اتفق الطائفتان على أن لولا مركبة من لو التي هي حرف امتناع لامتناع، ولا النافية.
وكل واحدة منهما باقية على بابها، من المعنى الموضوعة له قبل التركيب.
انتهى ما ذكره.
والثاني من حالي لولا الامتناعية أن تكون حرف جر.

وذلك إذا وليها الضمير المتصل، الموضوع للنصب والجر، كالياء والكاف والهاء.
قال الشاعر: وكم موطن، لولاي طحت، كما هوى ... بأجرامه، من قلة النيق، منهوي فلولا، في ذلك، حرف جر عند سيبويه، والضمير مجرور بها، لأن الياء وأخواتها لا يعرف وقوعها إلا في موضع نصب أو جر، والنصب في لولاي ممتنع، لأن الياء لا تنصب بغير اسم، إلا ومعها نون الوقاية وجوباً، أو جوازاً، فيتعين كونها في موضع جر.
وإذا قلنا بأن لولا حرف جر فهل تتعلق بشيء أو لا؟

فقال بعضهم: لا تتعلق بشيء، كالزوائد.
وهو الظاهر.
وقيل: تتعلق بفعل واجب الإضمار.
فإذا قلت لولاي لكان كذا فالتقدير لولاي حضرت،.
فألصقت ما بعدها بالفعل، على معناها من امتناع الشيء.
ولا يجوز أن يعمل فيها الجواب، لأن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها.
قيل: وما ذهب إليه فاسد.
لأن في تقديره تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المجرور، وهو كالمنصوب.
وذهب الأخفش، والكوفيون، إلى أن لولا في ذلك حرف ابتداء، والضمير المتصل في موضع رفع بالابتداء، نيابة عن ضمير الرفع المنفصل، كما عكسوا في قولهم: ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا.
والخلاف في ذلك شهير.
واختار صاحب رصف المباني مذهب الأخفش، وقال: الأولى أن يحكم عليها بالبقاء على أنها حرف ابتداء، عند من يرى ذلك، أو على أن يحذف الوجود قبل الضمير، ويبقى على خفضه، كما بقي في قوله:

رحم الله أعظماً، دفنوها ... بسجستان، طلحة الطلحات وأنكر المبرد استعمال لولاي وأخواته، وزعم أنه لا يوجد في كلام من يحتج بكلامه.
قال الشلوبين: اتفق أئمة البصريين والكوفيين، كالخليل، وسيبويه، والكسائي، والفراء، على رواية لولاك عن العرب، فإنكار المبرد له هذيان.

فرع

إذا عطف على الضمير المتصل بلولا ظاهر لم يجز، على مذهب سيبويه، لأن لولا تجر المضمر، ولا تجر الظاهر.
فلو رفع المعطوف، على توهم أنك أتيت بضمير الرفع المنفصل، ففي جواز ذلك نظر.
كذا قال الشيخ أبو حيان.
القسم الثاني من قسمي لولا: أن تكون حرف تحضيض،

فتختص بالأفعال، ويليها المضارع، نحو " فلولا تشكرون ". والماضي، نحو " فلولا نفر من كل فرقة، منهم، طائفة ". وقد يليها اسم معمول لفعل مقدر، نحو: لولا زيداً ضربته، أو معمول لفعل مؤخر، نحو: لولا زيداً ضربت، كما تقدم في ألا.
وإذا وليها الماضي كان فيها معنى التوبيخ.
وكذلك غيرها من حروف التحضيض.
ومن تقدير الفعل بعدها قول الشاعر: تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى، لولا الكمي المقنعا أي: لولا تعدون الكمي، أو لولا تبارزون الكمي، ونحو ذلك.
واعلم أنه قد بقي للولا قسم آخر، تكون فيه بمعنى لو لم.

وهذه غير مركبة.
بل كان من الكلمتين على ما كانت عليه، قبل التركيب.
كقول الشاعر: ألا زعمت أسماء أن لا أحبها ... فقلت: بلى، لولا ينازعني شغلي فهذه قد وليها الفعل، وليست للتخضيض، والامتناعية لا يليها الفعل.
فقال أبو البركات ابن الأنباري: لولا في البيت غير مركبة، بل لا باقية على حالها، ولو باقية على حالها.
إلا أنهم أولوا لا الفعل الماضي كما وليها في قوله تعالى " فلا اقتحم

العقبة "، أي: لم يقتحم.
وتأويل غيره هذا البيت ونحوه، على إضمار أن، والفعل صلة لها، وارتفع الفعل بسقوط أن.
وتكون لولا هي التي تختص بالأسماء، ومحل أن وصلتها رفع بالابتداء.
وقد أشار ابن مالك إلى هذين الوجهين، فقال في التسهيل: وقد يلي الفعل لولا، غير مفهمة تحضيضاً، فتؤول بلولم، أو تجعل المختصة بالأسماء، والفعل صلة لأن مقدرة.
والله أعلم.
وزعم علي بن عيسى، والنحاس، أن لولا تأتي بمعنى ما النافية.
وحملا على ذلك قوله تعالى " فلولا كانت قرية آمنت "، أي: ما كانت قرية.
والله عز وجل أعلم.

لوما

حرف، له قسمان:

أحدهما: أن يكون حرف امتناع لوجوب، فيختص بالأسماء، ويرتفع الأسم بعده بالأبتداء، نحو: لو ما زيد لأكرمتك.
والثاني: أن يكون حرف تحضيض، فلا يليه إلا فعل، أو معمول فعل.
وحكمه، في الحالين، حكم لولا.
وقد تقدم، فلا نعيده.
وقال صاحب رصف المباني: اعلم أن لوما لم تجئ في كلام العرب، إلا لمعنى التحضيض.
ولم يذكر المعنى الأول، وقد ذكره غيره.
والله سبحانه أعلم.

مهما

المشهور أنها اسم من أسماء الشرط، مجرد عن الظرفية، مثل من.
وذكر ابن مالك أنها قد ترد ظرفاً.
ذكر في التسهيل، وفي الكافية.
وقال في شرحها: إن جميع النحويين يجعلون ما ومهما مثل من، في لزوم التجرد عن

الظرفية، مع أن استعمالها ظرفين ثابت، في أشعار الفصحاء من العرب.
وأنشد أبياتاً، منها قول حاتم: وإنك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك، نالا منتهى الذم، أجمعا وقال ابنه بدر الدين: لا أرى في هذه الأبيات حجة، لأنه يصح تقديرها بالمصدر.
وقد ذكرت ذلك في شرح التسهيل.
وقال الزمخشري في الكشاف: وهذه الكلمة في عداد الكلمات، التي يحرفها من لا يدله في علم العربية، فيضعها في غير موضعها، ويحسب مهما بمعنى متى ما.
ويقول: مهما جئتني أعطيتك.
وهذا من وضعه، وليس من كلام واضع العربية في

شئ ثم يذهب فيفسر " مهما تأتنا به، من آية " بمعنى الوقت، فيلحد في آيات الله، وهو لا يشعر.
وهذا وأمثاله مما يوجب الجثو بين يدي الناظر في كتاب سيبويه.
انتهى كلامه.
وذكر ابن مالك في التسهيل أن مهما قد يستفهم بها.
والمشهور أنها لا تخرج عن الشرطية.
وأما قوله: مهما لي، الليلة، مهما ليه ... أودى بنعلي، وسرباليه فلا حجة فيه، لاحتمال أن تكون مه بمعنى: اكفف، وما هي الاستفهامية.
وزعم السهيلي أن مهما قد تخرج عن الأسمية، وتكون حرفاً

إذا لم يعد عليها من الجملة ضمير، كقول زهير: ومهما تكن عند امرئ، من خليقة ... وإن خالها تخفي على الناس، تعلم وهو قول غريب.
وقد حكى خطاب الماردي، عن بعضهم، أنها تكون حرفاً، بمعنى إن.
ولذلك ذكرتها في هذا الموضع.
ويتعلق بها أحكام مذكورة في موضعها.
واختلف النحويون فيها، فقيل: إنها بسيطة، ووزنها فعلى، وألفها إما للتأنيث، وإما للإلحاق وزال التنوين للبناء.
فهي، على هذا من باب سلس.
وقال ابن إياز: لو قيل إنها مفعل، تحامياً لذلك، لم أر به بأساً.
وقال الخليل: هي مركبة من ماما، وما الأولى التي للجزاء، والثانية التي تزاد بعد الجزاء.
واستقبحوا التكرير، فأبدلوا من ألف الأول هاء، وجعلوهما كالشيء الواحد.
وقال الأخفش، والزجاج، والبغداديون: هي مركبة من مه بمعنى:

اسكت، وما الشرطية.
قالوا: وقد تستعمل مه مع من التي هي شرط، فيقال: مهمن.
وقال قطرب: لم يحمل الجزم بها عن فصيح.
يعني مهمن.
وقد أجاز سيبويه أن تكون مه أضيف إليها ما.
والله أعلم.

هلا

حرف تحضيض، لا يليه إلا فعل، أو معموله، كما تقدم في أخواته.
وذهب بعض النحويين إلى جواز مجيء الجملة الابتدائية، كقول الشاعر: ونبئت ليلى أرسلت، بشفاعة ... إلي، فهلا نفس ليلى شفيعها وتأوله ابن طاهر، وغيره، على إضمار كان الشأنية.
وتأويله بعضهم على أن نفس فاعل فعل مضمر، أي: فهلا شفعت نفس ليلى وشفيعها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي شفيعها، والأول

أقرب.
وأما قول الشاعر: هلا التقدم، والقلوب صحاح فعلى إضمار كان التامة.
وهلا أكثر استعمالاً، في التحضيض، من ألا.
وتقدم ما قاله بعض النحويين، من أن هاء هلا بدل من همزة ألا.
والله أعلم.

جارٍ التحميل