الجنى الداني في حروف المعانيصفحات 479-507

الباب الثالث

صفحات 479-507
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أم قاسم المرادي
الكتاب
الجنى الداني في حروف المعاني
المؤلف
أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)
المحقق
د فخر الدين قباوة -الأستاذ محمد نديم فاضل
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1992 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قوله إن لم يجد يوماً، ثم قال: على من يتكل، وتكون من استفهامية.
قال ابن مالك: وقد تزاد دون تعويض.
واستدل، على ذلك، بقول حميد بن ثور: أبى الله إلا أن سرحة ملك ... على كل أفنان العضاه، تروق زاد على لأن راق متعدية، مثل أعجب.
تقول: راقني حسن الجارية.
وفي الحديث: من حلف على يمين والأصل: حلف يميناً.
قيل: ولا حجة في ذلك، لأنه يحتمل تضمين تروق

معنى: تشرف، وتضمين حلف: جسر.
وقد نص سيبويه على أن على

لا ت

زاد.
وزاد بعضهم في معاني على موافقة اللام، كقوله تعالى " أذلة على المؤمنين ". وأكثر هذه المعاني إنما قال به الكوفيون، ومن وافقهم، كالقتبي.
والبصريون يؤولون ذلك.
والله أعلم.

كما

اعلم أن كما، عند التحقيق، كلمتان.
وهما: كاف التشبيه أو التعليل، وما.
ثم إن ما المتصلة بالكاف قد تكون اسماً، وقد تكون حرفاً.
فإذا كانت اسماً فلها قسمان: الأول: أن تكون موصولة.
والثاني: أن تكون نكرة موصوفة.
كقولك: الذي عندي كما عندك، أي.
كالذي عندك، أو كشي.
عندك.
فهذا المثال يحتمل الوجهين.

وإذا كانت حرفاً فلها ثلاثة أقسام: مصدرية، وكافة، وزائدة ملغاة.
فالمصدرية نحو: قمت كما قمت، أي: كقيامك.
فالكاف في ذلك جارة للمصدر لمنسبك، من ما وصلتها.
والكافة كقول زياد الأعجم: وأعلم أنني، وأبا حميد ... كما النشوان، والرجل الحليم أريد هجاءه، وأخاف ربي ... وأعلم أنه عبد، لئيم وجعل بعضهم ما كافة في قوله تعالى " كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم " وفي قوله تعالى: واذكروه كما هداكم " وممن جوز ذلك الزمخشري، وابن عطية.
وضعفه بعضهم، وقال: الأولى، في الآيتين ونحوهما، أن تكون ما مصدرية، لأن فيه

إقرار الكاف على ما استقر هلا، من عمل الجر.
وقد منع أبو سعيد علي بن مسعود الفرخان صاحب المستوفى أن تكون الكاف مكفوفة بما.
ورد عليه بقوله كما النشوان والرجل الحليم.
قيل: وهذا تفريع على أن ما المصدرية لا توصل بالجملة الأسمية.
أما إذا قلنا إنها توصل بها فلا تكون ما كافة، بل مصدرية والكاف جارة للمصدر المنسبك من ما وصلتها.
والزائدة الملغاة كقول الشاعر: وننصر مولانا، ونعلم أنه ... كما الناس، مجروم عليه، وجارم بجر الناس، أي: كالناس.
وما زائدة.
فهذه أقسام كما.
وليس فيها شيء يعد حرفاً واحداً.
بل هي مركبة، في هذه الأقسام كلها.
وذكر صاحب رصف

المباني أن كما تكون تارة مركبة من كاف التشبيه، وما الموصولة أو المصدرية.
فالكلام عليها هو الكلام على الكاف المفردة في بابها.
قال: وتكون كما بسيطة، وهي مقصدنا، ولها ثلاثة مواضع: الأول: أن تكون بمعنى كي، فتنصب ما بعدها كما تنصب كي.
كقولك: أكرمتك كما تكرمني، أي: كي تكرمني.
قال الشاعر: وطرفك إما جئتنا فاحبسنه ... كما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر أي: كي يحسبوا.
الثاني: أن تكون بمعنى كأن.
تقول: شتمني كما أنا

أبغضه، أي: كأني أبغضه، ومنه قول الشاعر: تهددني بجندك، من بعيد ... كما أنا من خزاعة، أو ثقيف الثالث: أن تكون بمعنى لعل.
تقول: لا تضرب زيداً كما لا يضربك.
ومنه قول الراجز: لا تشتم الناس، كما لا تشتم أي: لعلك لا تشتم.
وهي، في هذين الموضعين الأخيرين، غير عاملة لفظاً، وإن كانت في موضع عامل، من جهة المعنى.
انتهى ما ذكره.
ولم أر أحداً ذكر أن كما تكون حرفاً بسيطاً، غير هذا الرجل.
وليس الأمر كما ذكر.
وكما، في هذه المواضع الثلاثة،

مركبة من كاف التشبيه، أو كاف التعليل، وما.
واختلف النحويون، في وجه النصب بكما، في قوله كما يحسبوا.
فقال أبو علي الفارسي: الأصل كيما فحذفت الياء.
ونقل عن الكوفيين.
قال ابن مالك: وهذا تكلف، لا دليل عليه، ولا حاجة إليه.
وذهب إلى أنها الكاف المكفوفة بما، دخلها معنى التعليل، فنصبت لشبهها بكي، لا لأن الأصل كيما والله أعلم

لات

حرف نفي، أصله لا، ثم زيدت عليها التاء كما زيدت في ثمت وربت.
هذا مذهب الجمهور.
وقيل: هي مركبة من لا والتاء.
فلو سميت بها حكيت.
وقال ابن أبي الربيع: لات أصلها ليس.
فقلبت ياؤها ألفاً، وأبدلت سنيها تاء، كراهة أن تلتبس بحرف التمني.
ويقويه

قول سيبويه إن اسمها مضمر فيها، ولا يضمر إلا في الأفعال.
وذهب ابن الطراوة إلى أن التاء متصلة بالحين الذي بعدها، لا بها وهو مذهب أبي عبيد.
قال: ولم نجد في كلام العرب لات.
وذكر أن التاء في الإمام متصلة بحين، كتبت " ولا تحين مناص ". قال الزمخشري: وأما قول أبي عبيد.
إن التاء داخلة على حين فلا وجه له.
واستشهاده بأن التاء ملتزقة بحين في الإمام لا متشبث به.
فكم وقعت في المصحف أشياء خارجة عن قياس الخط.
قلت: وقد ورد دخول التاء على الأحيان في قول ابن عمر اذهب بها تلآن إلى أصحابك.
وقول الشاعر:

تولي، قبل يوم بين، جمانا ... وصلينا، كما زعمت، تلانا وقول الآخر: العاطفون، تحين ما من عاطف ... والمطعمون زمان أين المطعم؟ وزعم بعض النحويين أن التاء في تلان بدل من ألف الوصل.
وهو زعم لا يصح.
وأول بعضهم تحين على أنه أراد: لات حين، فحذف لا وأبقى التاء دالة عليها.
وقيل: أراد العاطفونه بهاء السكت، ثم أثبتها وصلاً، وحركها مبدلة تاء، تشبيهاً بهاء التأنيث.
وهذا بعيد جداً.
وقول أبي عبيد: ولم نجد في كلام

العرب: لات معارض بنقل الخليل، وسيبويه، وغيرهما من الأئمة.
واختلف النحويون في لات، فقيل: لا عمل لها.
ونقل عن الأخفش، وما ينتصب بعدها عنده منصوب بفعل مضمر، تقديره: ولا أرى حين مناص.
ونقل صاحب البسيط عن السيرافي أنه قال في " ولات حين مناص ": هو على الفعل، أي: ولات أراه حين مناص.
وقيل: تعمل عمل إن.
وهو مذهب الأخفش.
وهي عنده لا النافية للجنس، زيدت عليها التاء، وحين مناص اسمها، والخبر محذوف، أي: لهم، ونحوه.
وقال سيبويه، ومن وافقه: تعمل عمل ليس.
وهي على هذا لا المشبهة بليس، زيدت عليها التاء.
ولم يسمع الجمع بين اسمها وخبرها.
بل الأكثر أن يحذف اسمها، ويبقى خبرها.
كقوله تعالى " ولات حين مناص "، والتقدير: ليس الحين حين مناص.
وقد يحذف خبرها، ويبقى الأسم، كقراءة بعضهم " ولات حين مناص " بالرفع.
والتقدير: ولات حين مناص حيناً لهم.
وعلى قول الأخفش، فالمرفوع بعدها مبتدأ وخبره محذوف.

وإذا وقعت لات قبل هنا، كقول الشاعر: حنت نوار، ولات هنا حنت ... وبدا الذي كانت نوار أجنت ففيها خلاف: ذهب الفارسي إلى أنها مهملة، لا اسم لها ولا خبر.
وهنا في موضع نصب على الظرفية، لأنه إشارة إلى مكان.
وحنت مع أن مقدرة قبله في موضع رفع بالابتداء، والتقدير: ولا هنالك حنين.
وقيل: هنا اسم لات، وحنت خبرها، ع

لى ت

قدير مضاف، أي: ليس ذلك الوقت حين حنين.
وهو اختيار ابن عصفور، وشيخه أبي على الشلوبين.
ورده ابن مالك بأن هنا من الظروف التي لا تنصرف، فلا تخرج عن الظرفية، إلا بأن تجر بمن أو إلى.

فائدة

قرئ " ولات حين مناص " بفتح التاء، وضمها، وكسرها.

والفتح هو المشهور.
والوقف عليها بالتاء عند سيبويه، والفراء، وابن كيسان، والزجاج.
وبه وقف أكثر القراء.
وبالهاء عند الكسائي، والمبرد.
وبه قرأ الكسائي.
وقرئ حين مناص بالنصب والرفع والجر، فالنصب والرفع تقدم توجيههما.
وأما الجر فوجهه ما حكاه الفراء، أن من العرب من يخفض بلات.
وأنشد: طلبوا صلحنا، ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء وقال الزمخشري: فإن قلت: ما وجه الكسر في أوان؟ قلت: مشبهة بإذ في قوله: وأنت، إذ، صحيح

في أنه زمان قطع منه المضاف إليه، وعوض التنوين، لأن الأصل ولات أوان صلح.
فإن قلت: فما تقول في حين مناص، والمضاف إليه قائم؟ قلت: نزل قطع المضاف إليه من مناص، لأن أصله: حين مناصهم، منزلة قطعة من حين، لاتحاد المضاف والمضاف إليه.
وجعل تنويه عوضاً من الضمير المحذوف.
ثم بني الحين لكونه مضافاً إلى غير متمكن.
انتهى.
وما ذكره في لات أوان هو تخريج الزجاج، وغيره.
وفيه بعد.
وما ذكره في لات حين مناص أبعد.
وخرج الشيخ أبو حيان هذه القراءة، والبيت أيضاً، على إضمار من، أي: لات من حين، ولات من أوان.
وخرج الأخفش ولات أوان على إضمار حين، أي: ولات حين أوان.
فحذف حين، وابقى أوان على جره.
والله سبحانه أعلم.

ليت

حرف تمن، تكون في الممكن والمستحيل.
ولا تكون في

الواجب.
فلا يقال: ليت غداً يجيء.
وذكر بعضهم أنه يقال فيها لت بالإدغام.
وذكر صاحب رصف المباني أنه يقال لوت بالواو قليلاً.
وهي تنصب الإسم وترفع الخبر.
وأجاز الفراء نصب الجزءين بها، دون أخواتها، وأجازه بعض أصحابه في الأحرف الستة.
ونقل بعضهم عنه أنه أجاز ذلك في لعل وكأن أيضاً، نقله عنه ابن أصبغ.
وتقدم ما استلدل به من أجاز ذلك في أن وبيان تأويله، وأنه لا حجة فيه.
ومما ورد في ليت قول الشاعر: يا ليت أيام الصبا رواجعا وقول الآخر:

ليت الشباب هو الرجيع على الفتى ... والشيب كان هو البديء الأول وتأول ذلك المانعون على الوجهين المتقدم ذكرهما في أن.
ولليت أحكام أخر، مشهورة، لا حاجة إلى التطويل والله أعلم.

ليس

فعل لا يتصرف.
هذا مذهب الجمهور.
ودليل فعليتها اتصال الضمائر المرفوعة البارزة بها، واتصال تاء التأنيث.
ووزنها فعل بكسر العين، فخفت، ولزم التخفيف.
ولا يجوز أن تكون فعل بالفتح، لأنه لا يخفف، فكان يقال: لاس.
ولا فعل بالضم، إذ لو كان كذلك لزم ضم لامها، مع ضمير المتكلم والمخاطب.
وكان قياسها كسر اللام في نحو: لست.
وقد حكاه الفراء عن بعضهم والأكثر الفتح وسبب ذلك عدم تصرفها.
وقد سمع فيها لست يضم اللام، وهو يدل على بنائها على

فعل بضم العين ك هيؤ زيد، بمعنى: حسنت هيئته، فيكون في أصلها لغتان: فعل، وفعل.
وذهب ابن السراج، والفارسي في أحد قوليه، وجماعة من أصحابه، وابن شقير، إلى أنها حرف.
ولهذا ذكرتها في هذا الموضع.
وقال صاحب رصف المباني: ليس ليست محضة في الفعلية، ولا محضة في الحرفية، ولذلك وقع الخلاف بين سيبويه والفارسي.
فزعم سيبويه أنها فعل، وزعم أبو علي أنها حرف، ثم قال: والذي ينبغي أن يقال فيها، إذا وجدت بغير خاصية من خواص الأفعال، وذلك إذا دخلت على الجملة الفعلية، أنها حرف لا غير، كما النافية.
كقول الشاعر: تهدي كتائب خضراً، ليس يعصمها ... إلا ابتدار، إلى موت، بأسياف انتهى.

واعلم أن ليس لها أربعة أقسام: الأول: أن تكون من أخوات كأن.
فترفع الأسم، وتنصب الخبر.
وأمرها واضح.
الثاني: أن تكون من أدوات الاشتثناء.
ويجب نصب المستثنى بها، نحو: قام القوم ليس زيداً.
وهذه في الحقيقة هي الرافعة للإسم، الناصبة للخبر.
ولذلك وجب نصب المستثنى بها، لأنه خبرها.
واسمها ضمير، عائد على البعض، المفهوم من الكلام السابق، عند البصريين.
وقال الكوفيون: اسمها ضمير عائد على الفعل المفهوم من الكلام السابق.
والتقدير: ليس هو، أي: ليس فعلهم فعل زيد.
فحذف المضاف ورد بوجهين: أحدهما أن فيه دعوى حذف مضاف، لم يلفظ به قط.
والاخر انه لا يصح تقديره في كل موضع، نحو: القوم أخوتك ليس زيداً.
الثالث: أن تكون مهملة، لا عمل لها.
وذلك في نحو ليس الطيب إلا المسك والوجه الثالث أن يكون الطيب اسم ليس وإلا المسك، عند بني تميم.
فإن إلا عندهم تبطل عمل

ليس، كما تبطل عمل ما الحجازية.
حكى ذلك عنهم أبو عمرو ابن العلاء.
وله في ذلك، مع عيسى بن عمر، حكاية مشهورة.
وقال بعضهم: ولا يكون ذلك إلا على اعتقاد حرفيتها، ولا ضمير في ليس.
وتأول أبو علي قولهم ليس الطبيب إلا المسك، وزعم أنه يحتمل وجوهاً: أحدها أن يكون في ليس ضمير الشأن، والطيب مبتدأ، والمسك خبره.
ورد بأنه لو كان كذلك لدخلت إلا على الجملة.
فكان يقال: ليس إلا الطيب المسك.
كما قال الشاعر: ألا ليس إلا ما قضى الله كائن ... ولا يستطيع المرء نفعاً، ولا ضراً وقد أجاب أبو علي، عن هذا، بأن إلا دخلت في غير موضعها، ونظير ذلك قوله تعالى " إن نظن إلا ظناً "، وقول

الشاعر: وما اغتره الشيب، إلا اغترارا وأجيب بأن الآية والبيت محمولان على حذف الصفة، لفهم المغنى.
قال أبو علي: والوجه الثاني أن يكون الطيب اسم ليس، والخبر محذوف، وإلا المسك بدل منه.
كأنه قيل: ليس الطيب في الوجود إلا المسك نعت له، والخبر محذوف.
كأنه قال: ليس الطيب، الذي هو غير المسك، طيباً في الوجود.
ولأبي نزار، الملقب ملك النحاة، تخرج غريب.
وهو أن الطيب اسم ليس، والمسك مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: إلا المسك أفخره والجملة في موضع خبر ليس.

والذي يبطل هذه التأويلات نقل أبي عمرو أن ذلك لغة بني تميم.
الرابع: أن تكون حرفاً عاطفاً، على مذهب الكوفيين.
ومن حجتهم قول الشاعر: أين المفر، والإله الطالب ... والأشرم المغلوب، ليس الغالب ولم يثبت كونها عاطفة، عند البصريين.
ويوجه هذا البيت، على مذهب البصريين، بأن يجعل الغالب اسم ليس، ويجعل خبرها ضميراً متصلاً عائداً على الأشرم، ثم حذف لاتصاله.
كما تقول: الصديق كأنه زيد، ثم تحذف الهاء تخفيفاً.
وممن نقل أنها تكون حرفاً عاطفاً، عند الكوفيين، ابن بابشاذ، والنحاس، وابن مالك.
وحكاه ابن عصفور، عن البغداديين.
قيل: وفي الحقيقة ليست عندهم حرف عطف، لأنهم أضمروا

الخبر في قولهم: قام زيد ليس عمرو.
وفي النصب والجر جعلوا الأسم ضمير المجهول، وأضمروا الفعل بعدها.
وذلك الفعل المضمر في موضع خبر ليس.
هذا تحرير مذهبهم، وهو المفهوم من كلام هشام، وابن كيسان.
وهما أعرف بتقرير مذهب الكوفيين.

مسألة

مذهب أكثر النحويين أن ليس وما الحجازية مخصوصان بنفي الحال.
قال ابن مالك: والصحيح أنهما ينفيان الحال، والماضي، والمستقبل.
وقد حكى سيبويه: ليس خلق الله مثله.
ومن نفيها المستقبل قول حسان: فما مثله فيهم، ولا كان قبله ... وليس يكون، الدهر، ما دام يذبل وينبغي أن يحمل كلام الأكثرين على ما إذا لم تقترن به قرينة تخصه بأحد الأزمنة، فيحمل إذ ذاك على الحال، كما يحمل عليه الإيجاب.
وقد أشار إلى ذلك الشلوبين.
والله أعلم.

منذ

لفظ مشترك، يكون حرف جر، ويكون اسماً، كما تقدم في مذ.
والمشهور أنهما حرفان، إذا انجر ما بعدهما، واسمان إذا ارتفع ما بعدهما.
وقيل: هم اسمان مطلقاً.
وعامة العرب على الجر بهما، إن كان ما بعدهما حالاً، نحو: منذ الساعة.
وإن كان ماضياً، والكلمة مذ، فالرفع وقل الجر، أو منذ فالجر وقل الرفع.
وفي النهاية: قالوا منذ ومذ حرفان.
وفي هذا نظر، إذ قالوا: أصل مذ منذ.
ويلزم على قولهم أن أن المخففة من أن وأن حرفان، وأن رب باعتبار لغاتها عشرة أحرف.
قلت: الذي يظهر أن مرادهم أن مذ كان أصلها منذ كأختها، فحذفت نونها، وتركت أختها على أصلها؛ ألا تراهم قالوا: إن الأغلب على مذ الأسمية، والأغلب على منذ الحرفية.
فلو كانت مذ فرع منذ هذه لساوتها في الحكم.
وتحقيق هذا أن منذ تكون اسماً، وتكون حرفاً.
فإذا كانت اسماً كثر

فيها حرف النون، وإذا كانت حرفاً لم تحذف منها النون إلا قليلاً.
واختلف في منذ، فقال البصريون: بسيطة.
وقال الكوفيون: مركبة.
ثم اختلفوا، فقال الفراء: أصلها من ذو: من الجارة، وذو الطائية.
وقال غيره منهم: أصلها من إذ: من الجارة، وإذ الظرفية.
وقال محمد بن مسعود الغزني: اصلها من ذا: من الجارة، وذا اسم إشارة.
ولهم في تقرير هذه الأقوال تكلفات واهية.
والصحيح مذهب البصريين.
وفيهما لغتان: ضم الميم، وهي الفصحى.
وكسرها، وهي لغة سليم.
واعلم أن مذ ومنذ لهما ثلاثة أحوال: الأول: أن يليهما اسم مرفوع نحو: ما رأيته مذ يوم الجمعة، أو منذ يومان.
فهما إذ ذاك اسمان.
وفي إعرابهما أربعة مذاهب: الأول: أنهما مبتدآن، والزمان المرفوع بعدهما خبرهما.
ويقدر أن في المعرفة بأول الوقت، وفي النكرة بالأمد فإذا قلت: ما رأيته مذ يوم الجمعة، فالتقدير: أول انقطاع الرؤية يوم الجمعة.
وإذا قلت: ما رأيته

مذ يومان، فالتقدير: أمد انقطاع الرؤية يومان.
وهذا قول المبرد، وابن السراج والفارسي.
ونقله ابن مالك عن البصريين.
وليس هو قول جميعهم.
والثاني: أنهما ظرفان منصوبان على الظرفية.
وهما في موضع الخبر، والمرفوع بعدهما مبتدأ.
والتقدير: بيني وبين لقائه يومان.
وهو مذهب الأخفش، والزجاج، وطائفة من البصريين.
والثالث: أن المرفوع بعدهما فاعل بفعل مقدر، وتقديره: مذ كان يومان.
وهما ظرفان مضافان إلى جملة حذف صدرها.
وهذا مذهب الكوفيين.
واختاره السهيلي، وابن مالك.
والرابع: أنه خبر مبتدأ محذوف.
وهو قول لبعض الكوفيين.
وتقديره: ما رأيته من الزمان الذي هو يومان.
ونقله ابن يعيش عن الفراء.
قال: لأن منذ مركبة من من وذو التي بمعنى الذي، والذي توصل بالمبتدأ والخبر.
والحال الثاني: أن يليهما اسم مجرور، نحو: ما رأيته مذ يومين.

وقول الشاعر: قفا نبك من ذكرى حبيب، وعرفان ... ورسم، عفت آياته منذ أزمان وفي ذلك مذهبان: أحدهما أن منذ ومذ حرفا جر.
وهو الصحيح.
وإليه ذهب الجمهور.
ولا يجران إلا الزمان.
فإن كان معرفة ماضياً فهما بمعنى من لابتداء الغاية.
نحو: ما رأيته مذ يوم الجمعة.
وإن كان معرفة حالاً فهما بمعنى في، نحو: ما رايته منذ الليلة.
وإن كان نكرة فهما بمعنى من وإلى، فيدخلان على الزمان الذي وقع فيه ابتداء الفعل وانتهاؤه.
نحو: ما رأيته مذ أربعة أيام.
والمذهب الثاني أنهما ظرفان مضافان، وهما في موضع نصب بالفعل الذي قبلهما.
وعلى هذا فهما اسمان في كل موضع.
الحال الثالث: أن يليهما جملة.
والكثير أن تكون فعلية، كقول الفرزدق:

ما زال مذ عقدت يداه إزاره ... فسما، فأدرك خمسة الأشبار وقد تكون اسمية، كقول الشاعر: وما زلت محمولاً على ضغينة ... ومضطلع الأضغان، مذ أنا يافع وفي ذلك مذهبان: أحدهما أن منذ ومذ ظرفان مضافان إلى الجملة.
وصرح به سيبويه.
والثاني أنهما مبتدآن، ويقدر زمان مضاف إلى الجملة، يكون خبراً عنهما ولا يدخلان عنده، إلا على زمان ملفوظ به، أو مقدر.
والمختار أن مذ ومنذ إن وليهما مرفوع، أو جملة، فهما ظرفان مضافان إلى الجملة.
وإن وليهما مجرور فهما حرفان وهذا اختيار ابن مالك في التسهيل.
وقد بينته في شرحه.
وهذا القدر كاف هنا.
والله أعلم.

متى

المشهور فيها أنها اسم من الظروف، تكون شرطاً واستفهاماً.
وإنما ذكرتها هنا لأنها تكون حرف جر بمعنى من، في لغة هذيل، كقول الشاعر: شربن بماء البحر، ثم ترفعت ... متى لجج، خضر، لهن نئيج أي: من لجج.
ومن كلامهم: أخرجها متى كمه، أي: من كمه.
والله سبحانه أعلم.

نعم

حرف، من حروف الجواب.
وفيها ثلاث لغات: نعم، بفتح

العين.
ونعم، بكسرها، وهي لغة كنانة، وبها قرأ الكسائي.
ونحم، بإبدال عينها حاء.
حكاها النضر بن شميل، وبها قرأ ابن مسعود.
وهي لتصديق مخبر، أو إعلام مستخبر، أو وعد طالب.
فالأول كقولك نعم لمن قال: قام زيد.
والثاني كقولك نعم لمن قال: هل جاء زيد؟ والثالث كقولك نعم لمن قال: اضرب زيداً.
أي: نعم أضربه.
والنفي كالموجب.
والسؤال عن النفي كالنفي.
ففي الموجب والسؤال عنه تصديق الثبوت.
وفي النفي والسؤال عنه تصديق النفي، وتقدم الفرق بينها وبين بلى.
وزعم بعض النحويين أن نعم تحكون حرف تذكير، لما بعدها.
وذلك إذا وقعت صدر الجملة بعدها، نحو: نعم هذه أطلالهم.
وهذا يحتمل التأويل.
وعبارة سيبويه فيها قوله نعم عدة وتصديق.
قال بعض النحويين: يعني أنها إن كان قبلها طلب فهي عدة، لا غير.
وإن كان قبلها خبر فهي تصديق، لا غير.
والله أعلم.

نحن وهما وهن

إذا وقعت فصلاً.
فيها خلاف، تقدم ذكره.
والله أعلم.

هيا

حرف نداء، ينادي بها البعيد مسافة أو حكماً.
قال الشاعر: هيا أم عمرو، هل لي اليوم عندكم ... بغيبة أبصار الوشاة، سبيل؟ واختلف النحويون في هائها، فقيل: هي بدل من همزة أيا.
وهو قول ابن السكيت، وابن الخشاب.
وقيل: هي أصل لا بدل.
وتقدم مذهب من قال: إن يا وأخواتها أسماء أفعال.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

جارٍ التحميل