الجنى الداني في حروف المعانيصفحات 548-587

الباب الرابع

صفحات 548-587
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أم قاسم المرادي
الكتاب
الجنى الداني في حروف المعاني
المؤلف
أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)
المحقق
د فخر الدين قباوة -الأستاذ محمد نديم فاضل
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1992 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قلت: هذا الشرط ذكره النحويون، في باب العطف، ولم أرهم ذكروه في باب الجر، إلا ابن مالك فإنه قال: ومجرورها، يعني حتى، إما بعض لما قبلها، من مفهم جمع إفهاماً صريحاً، أو غير صريح، وإما كبعض.
قال: عنيت بالصريح كونه بلفظ موضوع للجمعية، فيدخل في ذلك الجمع الاصطلاحي واللغوي، كرجال وقوم.
وعنيت بغير الصريح ما دل على الجمعية، بلفظ غير لها، كقوله تعالى " ليسجننه حتى حين ". فإن مجرور حتى فيه منتهى لأحيان، مفهومة، غير مصرح بذكرها.
انتهى ما ذكره.
وعندي فيه نظر.
فإن المجرور بحتى قد يكون ملاقياً لآخر جزء.
نحو: سرت النهار حتى الليل.
الثاني: أ، يكون غاية لما قبلها، في زيادة، أو نقص.
والزيادة تشمل القوة والتعظيم.
والنقص يشمل الضعف والتحقير.
وقد اجتمعت الزيادة والنقص، في قول الشاعر:

قهرناكم، حتى الكماة، فإنكم ... لتخشوننا، حتى بنينا، الأصاغرا فإن قلت: ما الفرق بين حتى الجارة وحتى العاطفة؟ قلت: الفرق بينهما من أوجه: الأول: أن العاطفة يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها.
وأما الجارة فقد يدخل وقد لا يدخل، كما سبق.
فالذي بعد العاطفة يكون الانتهاء به.
والذي بعد الجارة قد يكون الانتهاء به، وقد يكون الانتهاء عنده.
الثاني: أن العاطفة يلزم أن يكون ما بعدها غاية لما قبلها، في زيادة، أو نقص.
وأما الجارة ففيها تفصيل؛ وهو أن مجرورها إن كان بعض ما قبله من مصرح به، وكان منتهى به، فهو كالمعطوف، في اعتبار الزيادة والنقص.
وإن كان بعضاً لشيء لم يصرح به، نحو " ليسجننه حتى حين "، أو كان منتهى عنده، لم يعتبر فيه ذلك.

الثالث: أنا ما بعده الجارة قد يكون ملاقياً لآخر جزء، بخلاف العاطفة، وقد تقدم.

تنبيه

قد ظهر، بما ذكرته، أن الجارة أعم، لأن كل موضع جاز فيه العطف يجوز فيه الجر، ولا عكس، لأن الجر يكون في مواضع لا يجوز فيها العطف.
منها أن يقترن بالكلام ما يدل على أن ما بعدها غير شريك لما قبلها.
نحو: صمت الأيام حتى يوم الفطر.
فهذا يجب فيه الجر.
ومنها ألا يكون قبلها ما يعطف عليه، نحو " حتى مطلع الفجر "، و " حتى حين ". فيجب الجر أيضاً.
قال ابن هشام في الإفصاح: اتفقوا على أنها لا يعطف بها، إلا حيث تجر، ولا يلزم العكس.
وتتعلق بحتى العاطفة مسائل، نذكرها مختصرة: الأولى: أن حتى بالنسبة إلى الترتيب كالواو، خلافاً لمن زعم أنها للترتيب، كالزمخشري.

الثانية: لا تكون حتى عاطفة للجمل.
وإنما تعطف مفرداً على مفرد.
وذلك مفهوم من اشتراط كون معطوفها بعض المعطوف عليه.
الثالثة: حيث جاز العطف والجر فالجر أحسن، إلا في نحو: ضربت القوم حتى زيداً ضربته فالنصب أحسن، وله وجهان: أحدهما أن تكون عاطفة، وضربته توكيداً.
والآخر أن تكون ابتدائية، وضربته مفسراً لناصب زيد من باب الاشتغال.
الرابعة: إذا عطف بحتى على مجرور.
قال ابن عصفور: الأحسن إعادة الجار، ليقع الفرق بين العاطفة والجارة.
وقال ابن الخباز: لزم إعادة الجار، فرقاً بينها وبين الجارة.
وقال ابن مالك في التسهيل: لزم إعادة الجار ما لم يتعين العطف.
ومثل بعجبت من القوم حتى بنيهم.
وفيه نظر.
القسم الثالث: حتى الابتدائية.
وليس المعنى أنها يجب أن

يليها المبتدأ والخبر.
بل المعنى أنها صالحة لذلك.
وهي حرف ابتداء، يستأنف بعدها الكلام، فيقع بعدها المبتدأ والخبر، كقول جرير: فما زالت القتلى تمج دماءها ... بدجلة، حتى ماء دجلة أشكل ويليها الجملة الفعلية، مصدرة بمضارع مرفوع، نحو " وزلزلوا حتى يقول الرسول "، على قراءة الرفع، أو بماض، نحو قوله تعالى " حتى عفوا وقالوا ". والجملة بعدها لا محل لها من الإعراب، خلافاً للزجاج.
فإنه ذهب إلى أن حتى هذه جارة، والجملة في موضع جر بحتى.
وهو ضعيف.
قال ابن الخباز: لأنه يفضي إلى تعليق حرف الجر عن العمل، وذلك غير معروف.
وحتى هذه - أعني الابتدائية - تدخل على جملة مضمونها

غاية لشيء قبلها، فتشارك الجارة والعاطفة، في معنى الغاية.
وقد اجتمعت الثلاثة، في قول الشاعر: ألقى الصحيفة، كي يخفف رحلة ... والزاد، حتى نعله ألقاها يروى بجر النعل على أن حتى جارة، وبنصها على وجهين: أحدهما أنها عاطفة، والآخر أنها ابتدائية، والنصب بفعل مقدر، يفسره الظاهر، من باب الاشتغال.
والرفع على أنها ابتدائية، ونعله مبتدأ، وألقاها خبره.
ويروى بالثلاثة أيضاً قول الآخر: عممتهم بالندى، حتى غواتهم ... فكنت مالك ذي غي، وذي رشد قال بعضهم: ومذهب البصريين أنه لا يجوز الرفع بالإبتداء، إلا إذا كان بعده ما يصلح أن يكون خبراً.
فإن صح الرفع في غواتهم كان حجة على الجواز.

القسم الرابع: حتى الناصبة للفعل.
هذا القسم أثبته الكوفيون.
فإن حتى عندهم تنصب الفعل المضارع بنفسها.
وأجازوا إظهار أن بعدها توكيداً.
ومذهب البصريين أنها هي الجارة، والناصب أن مضمرة بعدها.
ويتعلق بها مسألتان: الأولى: في معناها.
والمشهور أن لها معنيين: أحدهما الغاية، نحو " قالوا: لن نبرح عليه عاكفين، حتى يرجع إلينا موسى ". والثاني التعليل، نحو: لأسيرن حتى أدخل المدينة.
وعلامة كونها للغاية أن يحسن في موضعها إلى أن وعلامة كونها للتعليل أن يحسن في موضعها كي.
وزاد ابن مالك في التسهيل معنى ثالثاً، وهو أن تكون بمعنى إلا أن، فتكون بمعنى الاستثناء المنقطع.
كقول الشاعر:

ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود، وما لديك قليل وهو معنى غريب، ذكره ابن هشام، وحكاه في البسيط عن بعضهم.
وقول سيبويه في قولهم والله لا أفعل كذا إلا أن تفعل: والمعنى: حتى أن تفعل، ليس نصاً على أن حتى إذا انتصب ما بعدها تكون بمعنى إلا أن، لأن ذلك تفسير معنى.
ولا حجة في البيت، لإمكان جعلها فيه بمعنى إلى.
الثانية: شرط الفعل المنصوب بحتى أن يكون مستقبلاً أو مؤولاً بالمستقبل.
ومنه قراءة غير نافع " حتى يقول الرسول ". فهذا مؤول بالمستقبل.
ومعنى ذلك أنه فعل قد وقع، ولكن المخبر يقدر اتصافه بالعزم عليه، حال الإخبار، فيصير مستقبلاً بالنسبة إلى تلك الحال، فينصب.
وإذا كان الفعل حالاً، أو مؤولاً بالحال، رفع.
فالحال نحو: سألت عنك حتى لا أحتاج إلى سؤال.
والمؤول بالحال قراءة نافع " وزلزلوا حتى يقول ".

والمراد بالمؤول بالحال أن يكون الفعل قد وقع، فيقدر اتصافه بالدخول فيه، فيرفع لأنه حال بالنسبة إلى تلك الحال.
وهنا تنبيهات: الأول: إذا كان الفعل حالاً، أو مؤولاً به، فحتى ابتدائية.
الثاني: علامة كونه حالاً، أو مؤولاً به، صلاحية جعل الفاء في موضع حتى.
ويجب حينئذ كون ما بعدها فضلة، متسبباً عما قبلها.
الثالث: قد فهم من هذا أن الرفع يمتنع، في نحو: كان سيري حتى أدخلها، إذا جعلت ناقصة، لأنه لو رفع لكانت ابتدائية، فتبقى كان بلا خبر.
وفي نحو: سرت حتى تطلع الشمس، لانتفاء السببية، خلافاً للكوفيين.
وفي نحو: ما سرت، أو، أسرت حتى تدخل المدينة؟ مما يدل على حدث غير واجب، لأنه لو رفع لزم أن يكون مستأنفاً، مقطوعاً بوقوعه، وما قبلها سبب له.

وذلك لا يصح، لأن ما قبلها منفي في نحو ما سرت، ومشكوك في وقوعه في نحو أسرت فيلزم وقوع المسبب مع نفي السبب، أو الشك فيه.
وأجاز الأخفش الرفع في نحو: ما سرت حتى أدخل المدينة.
فقيل: هي مسألة خلاف بينه وبين سيبويه.
وقيل: إنما أجازه على أن يكون أصل الكلام واجباً، ثم أدخلت أداة النفي على الكلام، بأسره.
فنفيت أن يكون عنك سير كان عنه دخول.
قال ابن عصفور: وهذا الذي قاله جيد، وينبغي ألا يعد خلافاً.
القسم الخامس: حتى التي بمعنى الفاء اعلم أنه قد تقدم، آنفاً، حتى إذا رفع المضارع بعدها لكونه حالاً، أو مؤولاً به، فهي كالفاء في إفادة معنى السببية.
وتصلح الفاء في موضعها، ولكنها مع ذلك حرف ابتداء، لا حرف عطف، لأن حتى العاطفة لا تعطف الجمل عند الجمهور.
وذهب أبو الحسن إلى أنها إذا كانت بمعنى الفاء فهي عاطفة،

وتعطف الفعل.
وذلك إذا دخلت على الماضي، أو المستقبل، على جهة وتعطف الفعل على الفعل.
وذلك إذا دخلت على الماضي، أو المستقبل، على جهة السبب.
نحو: ضربت زيداً حتى بكى.
ولأضربنه حتى يبكي.
وثمرة الخلاف أن الأخفش يجيز الرفع في يبكي، على العطف، والجمهور لا يجيزون فيه إلا النصب.
ويتعلق به حتى فروع كثيرة.
وفيما ذكرته كفاية.

فائدة

في حتى ثلاث لغات: المشهورة، وإبدال حائها عيناً، وهي لغة هذيلية، وبها قرأ ابن مسعود " ليسجننه حتى حين "، وإمالة ألفها، وهي لغة يمنية.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

حاشا

لها ثلاثة أقسام: الأول: أن تكون فعلاً ماضياً، بمعنى استثنى، ومضارعها أحاشي.
كقول النابغة:

ولا أحاشي، من الأقوام، من أحد وحكى ابن سيده أن حاشيت بمعنى: استثنيت، وأحاشي بمعنى: أستثني.
ولا إشكال في فعلية هذه.
الثاني: أن تكون للتنزيه.
كقوله: حاشى لزيد.
وحاشى هذه ليس معناها الاستثناء، بل معناها التنزيه عما لا يليق بالمذكور.
وقد يراد به تنزيه اسم، فيبتدرون تنزيه اسم الله تعالى، على جهة التعجب، والإنكار على من ذكر السوء فيمن لم يروه منه.
وحاشى هذه - أعني التي للتنزيه - ليست حرفاً، بلا خلاف.
كذا قال ابن مالك.
وفيها قولان: أحدهما أنها فعل.
وهو قول المبرد، والكوفيين.
وبه قال ابن جني، وغيره، في قوله تعالى " وقلن: حاشى لله ". واستدلوا على فعليتها، بدخولها على الحرف، وبالتصرف فيها

بالحذف.
قلت: وهذان الوجهان يدلان على انتفاء حرفيتها - أما الأول فظاهر.
وأما الثاني فلأن الحذف من الحروف قليل - ولكنهما لا يدلان على الفعلية، لأن الأسم يشارك الفعل، في هذين الأمرين.
ثم اختلف القائلون بفعليتها.
فقال أكثرهم: فيها ضمير الفاعل.
قدره بعضهم: حاشى يوسف نفسه من الفاحشة لله.
وقيل: حاشى يوسف الفعلة لأجل الله.
وهو بمعناه.
وقال ابن عطية: حاشى يوسف لطاعته لله، أو لمكانته عند الله، أو لترفيع الله له أن يرمى بما رمته به، أو يدعى إلى مثله.
لأن تلك أفعال البشر، وهو ليس منهم، إنما هو ملك.
وقال الفراء: حاشى فعل، ولا فاعل له.
فإذا قلت: حاشى لله، فاللام موصولة بمعنى الفعل، والخفض بها.
وإذا قلت: حاشى الله، بحذف اللام، فاللام مرادة، والخفض بها.
وهذا قول ظاهر الضعف.
وثانيهما أنها اسم.
وهو ظاهر قول الزجاج.
وصححه ابن مالك.

قال: الصحيح أنها اسم منتصب انتصاب المصدر، الواقع بدلاً من اللفظ بالفعل.
فمن قال: حاشى لله، فكأنه قال: تنزيهاً لله.
ويؤيد هذا قراءة أبي السمال " حاشى لله " بالتنوين.
فهذا مثل قولهم: رعياً لزيد.
وقراءة ابن مسعود " حاشى الله " بالإضافة.
فهذا مثل: سبحان الله، ومعاذ الله.
وقال الزمخشري في المفصل: وقولهم حاشى لله بمعنى براءة لله من السوء.
قلت: وخرج ابن عطية قراءة ابن مسعود على أنها حاشا الجارة.
فإن قلت: إذا قلنا باسمية حاشى فما وجه ترك التنوين، في قراءة الجماعة، وهي غير مضافة؟ قلت: قال ابن مالك: الوجه فيها أن يكون حاشى مبنياً، لشبهه بحاشا الذي هو حرف.
فإنه شابهه لفظاً ومعنى، فجرى مجراه في البناء.
الثالث: أن تكون من أدوات الاستثناء.
نحو: قام القوم حاشا زيد.
وفيها مذاهب: أحدهما: مذهب سيبويه، وأكثر البصريين، أنها حرف

خافض، دال على الاستثناء كإلا.
ولا يجيز سيبويه النصب بها، لأنه لم يبلغه.
والثاني: أنها تكون حرفاً، فتجر، كما ذكر سيبويه.
وتكون فعلاً، فتنصب.
بمنزلة خلا وعدا.
وهذا مذهب الجرمي، والمازني، والمبر، والزجاج.
وهو الصحيح، لأنه قد ثبت عن العرب الوجهان.
وممن حكى النصب بها، عن العرب، أبو زيد، والفراء، والأخفش، والشياني، وابن خروف، حكى الشيباني، عن بعض العرب اللهم، اغفر لي، ولمن سمع حاشى الشيطان وابا الإصبع بالنصب ويروى وابن الأصبغ، وهو بالصاد المهملة والغين المعجمة.
ويروى بالوجهين قول الجميح: حاشا أبي ثوبان، إن به ... ضناً، عن الملحاة، والشتم هكذا أنشده المبرد، والسيرافي، وكثير من النحويين.
وفيه تخليط من جهة الرواية.
وذلك أنهم ركبوا صدره على عجز غيره.
والصواب ما أنشده المفضل: حاشا أب ثوبان، إن أبا ... ثوبان ليس ببكمة، فدم عمرو بن عبد الله، إن به ... ضناً، عن الملحاة، والشتم

واستدل المبرد على فعلية أحاشى بتصرفها.
فتقول: حاشيت أحاشي.
قال النابغة: ولا أحاشي، من الأقوام، من أحد وأجيب بأن أحاشي يجوز أن يكون تصريف فعل، من لفظ

حاشا الذي هو حرف يستثى به.
قال بعضهم: ولا ينكر سيبويه أن ينطق بها فعلاً، في غير الاستثناء.
فتكون في الاستثناء حرفاً، وفي غيره فعلاً.
تقول: حاشى لك أن تفعل كذا.
ومعناه: جانب لك السوء.
ويتعدى بنفسه، وباللام.
والثالث: أن حاشى فعل لا فاعل له.
وإذا خفض الأسم بعده فخفضه باللام المقدرة.
وهو مذهب الفراء، وتقدم ذكره، في القسم الثاني.
وقال بعضهم: ذهب بعض الكوفيين إلى أنها فعل، استعملت استعمال الحروف، فحذف فاعلها.
قلت: والظاهر أن هذا مذهب الفراء.
ويتعلق بحاشا التي يستثنى بها مسائل: الأولى: إذا جر بحاشا فالكلام على ما يتعلق به كالكلام على ما يتعلق به خلا وعدا، وقد تقدم.
وإذا نصب ففي محل الجملة الخلاف المتقدم في خلا وعدا أيضاً.
الثانية: حاشا تفارق خلا وعدا من وجهين: أحدهما

أن الجر بحاشا أكثر والآخر أن حاشا لا تصحب ما.
قال سيبويه لو قلت: أتوني ما حاشى زيداً، لم يكن كلاماً.
وأجازه بعضهم على قلة.
وقال ابن مالك: وربما قيل ما حاشى وهو مسموع من كلامهم.
قال الشاعر: رأيت الناس ما حاشى قريشاً ... وأنا نحن أفضلهم فعالا وذكر ابن مالك أن في مسند أبي أمية الطرسوسي، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم أسامة أحب الناس إلي، ما حاشى فاطمة.

الثالثة: إذا استثني بحاشى ضمير المتكلم، وقصد الجر قيل حاشاي، كما قال الشاعر: في فتية، جعلوا الصليب إلههم ... حاشاي، إني مسلم، معذور وإذا قصد النصب قيل حاشاني، بنون الوقاية.
قال الفراء: من نصب بحاشى قال حاشاني، كما يقال عداني.
قال الشاعر: تمل الندامى، ما عداني، فإنني ... بكل الذي، يهوى نديمي، مولع الرابعة: إذا نصب بحاشى فهي فعل غير متصرف، لأنها واقعة موقع إلا، ومؤدية معناها.
فلا تتصرف كما لا تتصرف عدا وخلا وليس ولا يكون.
بل هي أحق بالمنع، لأن فيها، مع مساواتها للأربع، شبهها بحاشا الحرفية لفظاً ومعنى.

وزعم المبرد أن حاشى مضارع حاشى التي يستثنى بها.
وقد تقدم أنه استدل بذلك على فعليتها.
قال ابن مالك: وهذا غلط، وأما أحاشي فإنه مضارع حاشيت بمعنى: استثيت.
وهو فعل متصرف، مشتق من لفظ حاشى المستثنى بها، كما اشتق سوفت من لفظ سوف، ولوليت من لفظ لولا، ولاليت من لفظ لا، وأيهت من لفظ إيهاً.
وأمثال ذلك كثيرة.
الخامسة: في حاشى التي يستثنى بها لغتان: حاشى بإثبات الألفين، وحشى بحذف الألف الأولى، كقول الشاعر: حشى رهط النبي، فإن منهم ... بحوراً، لا تكدرها الدلاء وأما التي للتنزيه ففيها ثلاث لغات: هاتان المذكورتان، وحاش بحذف الألف الثانية.
وزاد في التسهيل: حاش بإسكان الشين.
وقد قرئ بالأربع " حاشا لله ": قرأ أبو عمرو

حاشا لله بالألف.
وقرأ باقي السبعة حاش لله بحذفها.
وقرأ بعضهم حشى لله بحذف الألف الأولى.
وقرأ الحسن حاش لله بالإسكان.
وفيه جمع بين ساكنين، على غير حده.
وظاهر

كلا

م ابن مالك في الألفية أن اللغات الثلاث في حاشا التي يستثنى بها.
وقال غيره: إن حاش لم يستثن بها.
والله أعلم.

كأن

حرف، ينصب الأسم، ويرفع الخبر، من أخوات إن.
ومذهب الخليل، وسيبويه، والأخفش، وجمهور البصريين، والفراء، أنها مركبة من كاف التشبيه وإن.
فأصل الكلام عندهم: إن زيداً كالأسد.
ثم قدما الكاف، اهتماماً بالتشبيه، ففتحت إن، لأن المكسورة لا يدخل عليها حرف الجر.
قال الزمخشري: والفصل بينه وبين الأصل أنك ههنا بان كلامك على التشبيه، من أول الأمر.
وثم بعد مضي صدره على الإثبات.
وهل تتعلق الكاف، على هذا، بشيء؟ قال أبو الفتح:

لا تتعلق بشيء، وليست بزائدة، لأن معنى التشبيه فيها موجود.
وقد بقي النظر في أن التي دخلت عليها؛ هل هي مجرورة بها أو غير مجرورة؟ فأقوى الأمرين عندي أن تكون مجرورة بالكاف.
انتهى.
وقال الزجاج: الكاف في موضع رفع.
فإذا قلت كأني أخوك ففي الكلام عنده حذف، وتقديره: كأخوتي إياك موجود.
لأن أن وما عملت فيه بتقدير مصدر.
قال ابن عصفور: وما ذهب إليه أبو الفتح أظهر، من جهة أن العرب لم تظهر ما ادعي أبو إسحاق إضماره.
قلت: الصحيح أن الكاف لا تتعلق بشيء، وأن ما بعدها ليس في موضع جر بها، لأن التركيب صير أن والكاف حرفاً واحداً.
وفي هذا الموضع بحث، لا يليق بهذا المختصر.
وذهب بعضهم إلى أن كأن بسيطة غير مركبة.
واختاره صاحب رصف المباني، ونسبه إلى أكثرهم، واستدل له بأوجه: منها أن الأصل البساطة، والتركيب طارئ.
ومنها أنه لو كان مركباً لكانت الكاف حرف جر، فيلزمها ما تتعلق به، إذ ليست

بزائدة.
ومنها أن الكاف إذا كانت داخلة على أن لزم أن تكون وما عملت فيه في موضع مصدر، مخفوض بالكاف، فترجع الجملة التامة جزء جملة، فيكون التقدير في كأن زيداً قائم: كقيام زيد.
فيحتاج إلى ما يتم الجملة، وكأن زيداً قائم كلام قائم بنفسه، لا محاله.
ومنها أنه لا يتقدر بالتقديم والتأخير، في بعض المواضع.
فتقول: كأن زيداً قام وكأن زيداً في الدار، وكأن زيداً عندك، وكأن زيداً أبوه قائم.
قلت: وفي نسبة القول بالبساطة إلى أكثرهم نظر.
فإن الظاهر أن الأكثر يقولون بالتركيب.
ولعدم اشتهار القول بالبساطة، قال ابن هشام: لا خلاف في أن كأن مركبة، من أن وكاف التشبيه.
وجملة معاني كأن أربعة معان: الأول: التشبيه.
ولم يثبت لها أكثر البصريين غيره.
وقال ابن مالك: هي للتشبيه المؤكد؛ فإن الأصل إن زيداً كالأسد،

فقدمت الكاف، وفتحت أن، وصار الحرفان واحداً، مدلولاً به على التشبيه، والتوكيد.
الثاني: التحقيق.
ذهب الكوفيون، والزجاجي، إلى أنها قد تكون للتحقيق، دون تشبيه.
وجعلوا منه قول عمر بن أبي ربيعة: كأنني، حين أمسي لا تكلمني ... ذو بغية، يشتهي ما ليس موجوداً ورد بأن التشبيه فيه بين بأدنى تأمل.
واستدلوا أيضاً، بقول الشاعر: فأصبح بطن مكة مقشعراً ... كأن الأرض ليس بها هشام وأجيب بأن بالمعنى: أن بطن مكة كان حقه ألا يقشعر، لأن

هشاماً في أرضه، وهو قائم مقام الغيث، فلما اقشعر صارت أرضه كأنها ليس بها هشام، فهي للتشبيه.
وقال ابن مالك: يتخرج على أن هشاماً وإن مات فهو باق ببقاء من خلفه، سائراً بسيرته.
قال: وأجود من هذا أن تجعل الكاف من كأن للتعليل، في هذا الموضع، وهي المرادفة للام، كأنه قيل: لأن الأرض ليس بها هشام.
الثالث: أن تكون للشك، بمنزلة ظننت.
ذهب إلى ذلك الكوفيون، والزجاجي.
قالوا: إن كان خبرها اسماً جامداً كانت للتشبيه.
وإن كان مشتقاً كانت للشك، بمنزلة ظننت.
وإلى هذا ذهب ابن الطراوة، وابن السيد.
قال ابن السيد: إذا كان خبرها فعلاً، أو جملة، أو صفة، فهي للظن والحسبان، نحو: كأن زيداً قام، وكأن زيداً أبوه قائم، وكأن زيداً قائم.
والصحيح أنها للتشبيه؛ فإذا قلت كأن زيداً قائم كنت

قد شبهت زيداً، وهو غير قائم، به قائماً.
والشيء يشبه، في حالة ما، به في حالة أخرى.
قاله ابن ولاد.
وقيل: في ال

كلا

م حذف، والمعنى: كأن هيئة زيد هيئة قائم.
فحذف.
قاله أبو علي.
قال بعضهم: والتوجيه الأول أظهر.
الرابع: التقريب.
هذا مذهب الكوفيين؛ ذهبوا إلى أن كأن تكون للتقريب.
وذلك في نحو: كأنك بالشتاء مقبل، وكأنك بالفرج آت، وقول الحسن البصري: كأنك بالدنيا لم تكن، وكأنك بالآخرة لم تزل.
والمعنى على تقريب إقبال الشتاء، وإتيان الفرج، وزوال الدنيا، ووجود الآخرة.
والصحيح أن كأن في هذا كله للتشبيه.
وخرج الفارسي هذه المث

ل، عل

ى أن الكاف في كأنك للخطاب، والباء زائدة، والشتاء والفرج والدنيا والآخرة اسم كأن.
والتقدير: كأن الشتاء مقبل.
وكذا في البواقي.
وخرجه بعضهم على حذف مضاف،

والتقدير: كأن زمانك بالشتاء مقبل، وكأن زمانك بالفرج آت.
ويتأول قول الحسن البصري، على أن الكاف اسم كأن، ولم تكن خبرها، وبالدنيا متعلق بالخبر.
والتقدير: كأنك لم تكن بالدنيا.
والضمير في تكن للمخاطب، وتكن تامة.
ويحتمل أن تكون ناقصة، والتشبيه في الحقيقة للحالين.
وقال ابن عصفور: الكاف للخطاب، وكأن ملغاة، والشتاء مبتدأ، والباء زائدة كما زيدت في بحسبك، ومقبل هو الخبر.
وخرج بعضهم قول الحسن، على أن الكاف اسم كأن، والمجرور هو الخبر، والجملة بعده حال، وإن لم يستغن الكلام عنها، لأن من الفضلات ما لا يتم الكلام إلا به، كقوله تعالى " فما لهم عن التذكرة معرضين ". ومن أحكام كأن أنها قد تخفف.
وإذا خففت لم يبطل عملها.
وقال الزمخشري في المفصل: وتخفف، فيبطل عملها.
قال

الشاعر: ونحر، مشرق اللون ... كأن ثدياه حقان ومنهم من يعملها.
وحمل ابن يعيش قوله يبطل عملها على معنى: يبطل ظاهراً، وتعمل في ضمير الشأن.
وقد أطلق بعضهم عليها أنها ملغاة.
وقد فسر أبو موسى الإلغاء المذكور، فقال: ومعنى الإلغاء فيها معناه في أن المفتوحة.
يعني أنها تكون عاملة في اسم مضمر، فسميت ملغاة، إذ لم يظهر عملها، لأن اسمها في الغالب منوي، كاسم أن.
وقد ورد ملفوظاً به، في قول الشاعر:

كأن وريده رشاءا خلب وقول الآخر كأن ثدييه حقان، على إحدى الروايتين، وقول الآخر: ويوماً، توافينا بوجه مقسم ... كأن ظبية تعطو، إلى وارق السلم على رواية من مصب ظبية.
وكلام ابن مالك في التسهيل يقتضي أن يكون ظهور اسمها مخصوصاً بالشعر.
فإنه قال: وقد يبرز اسمها في الشعر.
وأما على رواية كأن ظبية بالرفع فظبية خبر كأن، واسمها محذوف.
والتقدير: كأنها ظبية.
ويروى أيضاً بجر ظبية بكاف التشبيه، وأن زائدة.
ولكأن أحكام أخر، مذكورة في مواضعها من كتب النحو، لا حاجة إلى ذكرها، في هذا الموضع.
والله عز وجل أعلم.

كلا حرف ردع وزجر.
هذا مذهب الخليل، وسيبويه، وعامة البصريين.
وذهب الكسائي، وتلميذه نصير بن يوسف، ومحمد بن أحمد بن واصل، إلى أنها تكون بمعنى حقاً.
ومذهب النضر بن شميل أنها بمعنى نعم.
وركب ابن مالك هذه المذاهب الثلاثة، فجعلها مذهباً واحداً.
قال في التسهيل كلا حرف ردع وزجر، وقد تؤول بحقاً، وتساوي إي معنى واستعمالاً.
وذهب أبو حاتم إلى أنها تكون رداً للكلام الأول، وتكون للإستفتاح بمعنى ألا، ووافقه الزجاج.
وذهب عبد الله بن محمد الباهلي إلى أنها تكون على وجهين: أحدهما أن تكون رداً الكلام قبلها، فيجوز الوقف عليها، وما بعدها استئناف.
والآخر أن تكون صلة للكلام، فتكون بمعنى إي وقيل: إن كلا بمعنى سوف.

وعدة ما جاء في القرآن من لفظ كلا ثلاثة وثلاثون موضعاً، تتضمنها خمس عشرة سورة وليس في النصف الأول منها شيء.
قيل: وحكمة ذلك أن النصف الأخير نزل أثره بمكة، وأكثرها جبابرة، فتكررت هذه الكلمة، على وجه التهديد، والتعنيف لهم، والإنكار عليهم.
بخلاف النصف الأول، وما نزل منه في اليهود، لم يحتج إلى إيرادها فيه، لذلهم وصغارهم.
وأما الوقف عليها فالراجح أن حالها فيه مختلف.
فمنها ما يوقف عليه ولا يبتدأ به.
ومنها ما يبتدأ به ولا يوقف عليه.
ومنها ما يجوز فيه الأمران.
ومنها ما لا يوقف عليه ولا يبتدأ به.
فهذه أربعة أقسام.
وقد ذكرت ذلك في كراسة أفردتها لكلا وبلى.
واختلف في كلا: هل هي بسيطة أو مركبة؟ ومذهب الجمهور أنها بسيطة.
وذهب ثعلب إلى أنها مركبة من كاف التشبيه ولا التي للرد، وزيد بعد الكاف لام، فشددت، لتخرج عن معناها التشبيهي.
وقال صاحب رصف المباني: هي بسيطة عند النحويين، إلا ابن العريف جعلها مركبة من

كل ولا.
وهذا كلام خلف، لأن كل لم يأت لها معنى في الحروف، فلا سبيل إلى ادعاء التركيب من أجل لا والله سبحانه أعلم.

لعل

حرف، له قسمان: الأول: أن يكون من أخوات إن، فينصب الأسم، ويرفع الخبر.
ومذهب أكثر النحويين أنه حرف بسيط، وأن لامه الأولى أصلية.
وقيل: هو حرف مركب، ولامه الأولى لام الابتداء.
وقيل: بل هي زائدة، لمجرد التوكيد يدليل قولهم عل في لعل.
وهذا مذهب المبرد وجماعة من البصريين.
ولعل لها ثمانية معان: الأول: الترجي.
وهو الأشهر والأكثر.
نحو: لعل الله يرحمنا.

الثاني: الإشفاق: نحو: لعل العدو يقدم.
والفرق بينهما أن الترجي في المحبوب، والإشفاق في المكروه.
الثالث: التعليل.
هذا معنى أثبته الكسائي، والأخفش، وحملا على ذلك ما في القرآن، من نحو " لعلكم تشكرون "، " لعلكم تهتدون "، أي: لتشكروا، ولتهتدوا.
قال الأخفش في المعاني: " لعله يتذكر " نحو قول الرجل لصاحبه: افرغ لعلنا نتغدى.
والمعنى: لنتغدى.
ومذهب سيبويه، والمحققين، أنها في ذلك كله للترجي، وهو ترج للعباد.
وقوله تعالى " فقولا له قولاً ليناً، لعله يتذكر أو يخشى " معناه: اذهبا على رجائكما ذلك، من فرعون.
الرابع: الاستفهام.
وهو معنى، قال به الكوفيون.
وتبعهم ابن مالك، وجعل منه " وما يدريك لعله يزكى "، وقول النبي صلى الله عليه وسلم، لعبض الأنصار، وقد خرج إليه مستعجلاً: لعلنا أعجلناك.
وهذا عند البصريين خطأ.
والآية عندهم ترج،

والحديث إشفاق.
وذكر الشيخ أبو حيان أنه ظهر له أن لعل من المعلقات لأفعال القلوب.
ومنه " وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً "، " وما يدريك لعله يزكى ". قال: ثم وقعت، لأبي علي الفارسي، على شيء من هذا.
الخامس: نقل النحاس عن الفراء، والطوال، أن لعل شك.
وهذا عند البصريين خطأ أيضاً.
وقال الزمخشري: لعل هي لتوقع مرجو، أو مخوف.
قال: وقد لمح فيها معنى التمني من قرأ " فأطلع " بالنصب.
وهي في حرف عاصم.
وقال الجزولي: وقد أشر بها معنى ليت من قرأ فأطلع نصباً.
إنما احتج إلى هذا التأويل، لأن الترجي ليس له جواب منصوب، عند البصريين.
وقد تقدم، في الفاء، ذكر الخلاف في ذلك.
قال ابن يعيش: والفرق بين الترجي

والتمني أن الترجي توقع أمر مشكوك فيه، أو مظنون.
والتمني طلب أمر موهوم الحصول، وربما كان مستحيل الحصول، نحو " يا ليتها كانت القاضية ". وفي لعل اثنتا عشرة لغة.
وهي: لعل، وعل، ولعن، وعن، ولأن، وأن، ورعل، ورعن، ولغن، ورغن، وغن، وهذه الثلاثة بالغين المعجمة، ولعلت، بتاء التأنيث.
واختلف في الغين المعجمة، في تلك اللغات الثلاث.
فقيل: هي بدل من المهملة.
وقيل: ليست بدلاً منها.
قال صاحب رصف المباني: وهو أظهر، لقلة وجود الغين بدلاً من العين.
ولذلك جعل غن بالمعجمة حرفاً مفرداً بباب.
وما سوى ما ذكرته، من أحكام لعل، لا حاجة إليه هنا.
القسم الثاني: أن تكون حرف جر، في لغة عقيل.
يقولون: لعل زيد قائم.
والجر بلعل مراجعة أصل مرفوض، لأن

أصل كل حرف اختص بالاسم، ولم يكن كالجزاء منه، أن يعمل الجر، كما تقدم في صدر الكتاب.
وإنما خرجت إن وأخواتها، عن هذا الأصل، فعملت النصب والرفع، لشبهها بالفعل.
ولذلك قال الجزولي: وقد جروا بلعل منبهة على الأصل.
وروى الجر بها، عن العرب، أبو زيد، والفراء، والأخفش، وغيرهم من الأئمة.
ومن ذلك قول الشاعر: لعل الله يمكنني عليها ... جهاراً، من زهير، أو أسيد وأنشد الفراء:

على صروف الدهر، أو دولاتها ... يدلننا اللمة، من لماتها فتستريح النفس، من زفراتها وأنشد غيره: لعل الله فضلكم، علينا ... بشيء، أن أمكم شريم وقول الآخر: فقلت: ادع أخرى وارفع الصوت جهرة ... لعل أبي المغوار منك قريب

هذه الأبيات كلها بالجر، على هذه اللغة.
وأنكر بعضهم هذه اللغة، وتآول قول الشاعر لعل أبي المغوارمنك قريب: فقيل لعل في البيت مخففة، واسمها ضمير الشأن، واللام المفتوحة لام الجر، ولأبي المغوار منك قريب جملة في موضع خبرها.
وهذا ضعيف، من أوجه: أحدها أن تخفيف لعل لم يسمع في هذا البيت.
والثاني أنها لا تعمل في ضمير الشأن.
والثالث أن فتح لام الجر مع الظاهر شاذ.
ونقل بعضهم هذا التخريج عن الفارسي، على رواية من كسر لام لعل أبي المغوار فلا يلزمه الاعتراض الثالث.
وقيل: يجوز أن يكون لعاً في البيت هي التي تقال للعاثر، واللام للجر، والكلام جملة قائمة بنفسها.
والموصوف محذوف، تقديره: فرج، أو شبهه.
وهذا بعيد أيضاً.
وقيل: أراد الحكاية.

وإذا صحت الرواية بنقل الأئمة فلا معنى لتأويل بعض شواهدها بما هو بعيد.
وفي لعل الجارة أربع لغات: لعل، وعل، بفتح اللام فيهما.
ولعل، وعل، بكسر اللام فيهما.
قال ابن مالك: والجر بلعل ثابتة الأول أو محذوفته، مفتوحة الآخر أو مكسورته، لغة عقيلية.
والله سبحانه أعلم.

لكن

بتخفيف النون حرف، له قسمان: الأول: أن تكون مخففة من لكن الثقيلة.
ولا عمل لها، إذا خففت، خلافاً ليونس، والأخفش فإنهما أجازا ذلك.
ورد بأنه غير مسموع.
وقد حكي عن يونس أنه حكاه عن العرب.
وعلى مذهب الجمهور يكون ما بعدها مبتدأ وخبراً، نحو " ولكن الشياطين

كفروا ". واختار الكسائي، والفراء، وأبو حاتم، والتشديد إذا كان قبلها الواو، لأنها حينئذ تكون عاملة عمل إن، وليست عاطفة، والتخفيف إذا لم يكن قبلها واو، لأنها حينئذ عاطفة، فلا تحتاج إلى واو ك بل.
وهذا القسم - أعني لكن المخففة - ليس حرفاً أصلياً.
وإنما هو فرع لكن المشددة.
ويأتي الكلام عليها في باب الخماسي.
الثاني: أن تكون حرف عطف.
هذا مذهب جمهور النحويين.
ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال: أحدها أنها لا تكون عاطفة، إلا إذا لم تدخل عليها الواو.
وهو مذهب الفارسي.
قيل: وأكثر النحويين.
والثاني أنها عاطفة، ولا تستعمل إلا بالواو، والوا مع ذلك زائدة.
وصححه ابن عصفور.
قال: وعليه ينبغي أن يحمل كلام سيبويه، والأخفش.
لأنهما قالا: إنها عاطفة.
ولما مثلا العطف بها مثلاً مع الواو.

جارٍ التحميل