البدع الحوليةالأدلة من الإجماع

: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه-، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء، جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمَّة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم: أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم: قلنسوة3أو عمامة أو نعلين، أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئاً من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زيِّنا حيثما كنَّا، وأن نشد الزنانير4على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليباً ولا كتباً في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضرباً خفياً، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين5

فهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مُجْمَعٌ عليها في الجملة بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم وسائر الأئمة. والقصد من هذه الشروط: ليتميز المسلم عن الكافر، ولا يتشبه أحدهما بالآخر في الظاهر، ولم يرض عمر -رضي الله عنه- والمسلمون بأصل التمييز، ل بالتميز في عامة الهدي، وذلك يقتضي إجماع المسلمين على التمييز عن الكفار ظاهراً، وترك التشبه بهم. والمقصود من هذا التييز ليُعرفوا.1
ما رواه قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- على امرأة من أحمس2، يقال لها: زينب، فرآها لا تكلم، فقال: ما لها لا تكلم؟.
قالوا: حجَّت مصمته.
فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت، فقالت: من أنت؟.
قال: امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟.
قال: من قريش.
قالت: من أي قريش أنت؟ قال: إنك لسؤول، أنا أبو بكر.
قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟.
قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم.
قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى.
قال: فهم أولئك الناس.3

فأخبر أبو بكر -رضي الله عنه- أن الصمت المطلق لا يحل، وعقَّب ذلك بقوله: ((هذا من عمل الجاهلية))، قاصداً بذلك عيب هذا العمل وذمّه. وتعقيب الحكم بالوصف: دليل على أن الوصف علَّة، فدلَّ على أن كونه من عمل الجاهلية وصف يوجب النهي عنه، والمنع منه. ومعنى قوله: ((من عمل الجاهلية))، أي: ما انفراد به أهل الجاهلية ولم يشرع في الإسلام، فيدخل في هذا كل ما اتخذ من عبادة، مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به، ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام، وإن لم ينوه عنه بعينه، كالمكاء والتصدية، فإن الله تعالى قال عن الكافرين: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾.1
والمكاء: الصفير ونحوه، والتصدية: التصفيق.2
فما تقدم من الآيات والأحاديث والآثار: يدلُّ على وجوب مخالفة أهل الكتاب عموماً، وعدم التشبه بهم في جميع الأمور.
أما ما يتعلق بالنهي عن مشابهتهم في أعيادهم واحتفالاتهم، فقد وردت فيه

جارٍ التحميل