عتيرة رجب.
فسر العلماء عتيرة رجب بعد تفسيرات، منها: قال أبو عبيدة: (وأما العتيرة فإنها الرجبية، وهي ذبيحة كانت تذبح في رجب، يتقرب بها أهل الجاهلية.... وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا طلب أمراً نذر لئن ظفر به ليذبحن من غنمه في رجب كذا وكذا، وهي العتائر).2
وذكر ابن منظور: (أن الرجل كان يقول في الجاهلية: إن بلغت إبلي مائة عترت عنها عتيرة، فإذا بلغت مائة ضنّ بالغنم فصاد ظبياً فذبحه).3
وقال أبو داود: (والعتيرة في العشر الأول من رجب).4
وقال الخطابي: (العتيرة: تفسيرها في الحديث أنها شاة تذبح في رجب، وهذا هو الذي يشبه معنى الحديث، ويليق بحكم الدين).
وأما العتيرة التي كانت تعترها الجاهلية فهي الذبيحة التي كانت تذبح للأصنام فيصب دمها على رأسها. والعتر: بمعنى الذبح).1
والصحيح - إن شاء الله تعالى - أنهم كانوا يذبحونها في رجب من غير نذر، وجعلوا ذلك سنة فيما بينهم كالأضحية في الأضحى، وكان منهم من ينذرها، كما قد ينذر الأضحية، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم ((على كل أهل بيت أضحاة وعتيرة)).2
وهذا الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام تقريراً لما كان في الجاهلية، وهو يقتضي ثبوتها بغير نذر ثم نسخ بعد، ولأن العتيرة لو كانت هي المنذورة لم تكن منسوخة، فإن الإنسان لو نذر ذبح شاة في أي وقت لزمه الوفاء بنذره.3
حكم العتيرة: اختلف العلماء في حكم العتيرة على أقوال: القول الأول: أن العتيرة مستحبة، والدليل على ذلك ما تقدم من الأحاديث الدالة على الأمر بها، وأنها حق. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا فرع ولا عتيرة)). أي لا عتيرة واجبة قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذبحوا لله في أي وقت كان)).4
أي إذبحوا إن شئتم، واجعلوا الذبح لله في أي شهر كان، لا أنها في رجب دون غيره من الشهور.5
وهذا قول الشافعي - رحمه الله -.
قال النووي: وقد نص الشافعي - رحمه الله - في سنن حرملة أنها إن تيسرت كل شهر كان حسناً، فالصبح الذي نص عليه الشافعي - رحمه الله - واقتضته الأحاديث أنهما - الفرع والعتيرة - لا يكرهان بل يستحبان هذا مذهبنا.1
ا. هـ. القول الثاني: أنها لا تستحب، وهل تكره؟ : فيه وجهان: الوجه الأول: تكره العتيرة لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا فرع ولا عتيرة)) الوجه الثاني: لا تكره للأحاديث السابقة2بالترخص فيها.
وأجابوا عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا فرع ولا عتيرة)).
بثلاثة أوجه: أحدها: أن المراد نفي الوجوب - كجواب الشافعي - رحمه الله - السابق.
الثاني: أن المراد نفي ما كانوا يذبحونه لأصنامهم.
الثالث: أن المراد أنها ليست كالأضحية في الاستحباب أو ثواب إراقة الدم.
وقد نسب النووي هذا القول: إلى ابن كج والدارمي من الشافعية.
القول الثالث: أنها لا تسن. والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا فرع ولا عتيرة)). الذي رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - وهذا الحديث متأخر على الأمر بها فيكون ناسخاً. ودليل تأخره أمران: أنه من رواية أبي هريرة وهو متأخر الإسلام، فإن إسلامه في سنة فتح خيبر وهي السنة السابعة من الهجرة. أن الفرع والعتيرة كان فعلهما أمراً متقدماً على الإسلام، فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نسخه، واستمرار النسخ من غير رفع له. ولو قدرنا تقدم النهي عن الأمر بهما، لكانت نسخت ثم نسخ ناسخها وهذا خلاف الظاهر. إذا ثبت هذا فإن المراد بالخبر نفي كونها سنة، لا تحريم فعلها ولا كراهته.1
ذكر هذا القول ابن قدامة في الشرح الكبير وقال: هذا قول علماء الأمصار، سوى ابن سيرين، فإنه كان يذبح العتيرة في رجب ويروي فيها شيئاً.2
وقد قال بالنسخ أبو عبيد القاسم بن سلام، وذكر النووي أن القاضي عياض يقول: إن الأمر بالفرع والعتيرة منسوخ عن جماهير العلماء.1
القول الرابع: النهي عن العتيرة، وأنها باطلة: قال ابن قيم الجوزية: وقال ابن المنذر-بعد أن ذكر الأحاديث في عتيرة رجب-: وقد كانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية، وفعله بعض أهل الإسلام، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهما، ثم نهى عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((لا فرع ولا عتيرة)). فانتهى الناس عنهما لنهيه إياهم عنها، ومعلوم أن النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان يفعل، ولا نعلم أن أحداً من أهل العلم يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان نهاهم عنهما ثم أذن فيهما، والدليل على أن الفعل كان قبل النهي قوله في حديث نبيشة: ((إنا كن نعتر عتيرة في الجاهلية، إنا كنا نفرع في الجاهلية)).2
وفي إجماع عوام علماء الأمصار على عدم استعمالهم ذلك، وقوف عن الأمر بهما مع ثبوت النهي عن ذلك بيان لما قلنا.3.ا. هـ. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: قوله ((ولا تسن الفرعة والعتيرة)) وفيما أفهم الآن أنه أقرب إلى التحريم.
قوله ((والمراد بـ ((لا فرع ولا عتيرة)) نفي كونهما
سنة)) أي خلافاً لما يراه بعض أهل الجاهلية من أن ذلك سنة، هذا معنى كلام بعضهم. لكن النفي يفيد البطلان كـ ((لا عدوى ولا طيرة)) أفلا يكون ((لا فرع ولا عتيرة)) إبطال لذلك؟!. فالأصل سقوط ذلك، ولا حاجة إلى تأويل، بل هو ساقط بالإسقاط النبوي، سقط سنة وفعلاً. هذا مع دلالة ((من تشبه بقوم فهو منهم)).1
مع دلالة أن الرسول صلى الله عليه وسلم منع من مشابهة الجاهلية.
ثم إن هذا من باب العبادات، والعبادات توقيفية، فلو لم ينفها صلى الله عليه وسلم كانت منتفية، فإن أمور الجاهلية كلها منتفية، لا يحتاج إلى أن ينصص على كل واحد منها.
قوله: ((ولا يكرهان)) هذا تصريح بعدم الكراهية، وبعض الأصحاب قال بالكراهة2، والذي نفهم أنه حرام، وهذا بالنسبة إلى تخصيصهم ذبح أول ولد تلده الناقة - الفرع -، والذبح في العشر الأول من رجب -العتيرة -، أما إن كان مثل ما يفعله الجاهلية لآلهتهم فهو شرك.3
ا. هـ. والذي يترجح عندي -والله أعلم - هو القول بالبطلان، لاتفاق جمهور العلماء على أن ما ورد في العتيرة منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا فرع ولا عتيرة)).
وأن اللام في هذا الحديث تفيد النفي قياساً على قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا عدوى ولا طيرة)).
ولما في العتيرة من التشبه بأهل الجاهلية، وهذا منهي عنه، ولأن الذبح عبادة، والعبادات توفيقية.
ولكن ليس هذا معناه أنه لا يجوز الذبح عموماً في شهر رجب ولكن المراد بالنهي هو ما ينويه الذابح أن هذه الذبيحة هي عتيرة رجب، أو انه ذبحها تعظيماً لشهر رجب ونحو ذلك.
- والله أعلم -.
المبحث الثالث