الرد على هذه الشبهة
: أن هذا الخبر رواه البخاري مرسلاً في باب: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾1، و ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))2من صحيحة، بعد أن ذكر الحديث بسنده عن عروة بن الزبير، أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله! انكح أختي بنت أبي سفيان، فقال: ((أو تحبين
ذلك؟)).
فقلت: نعم، لست لك بِمُخلية، وأحب من شاركني في خير أختي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن ذلك لا يحل لي)).
قلت: فإنا نُحدَّث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة.
قال: ((بنت أم سلمة؟)).
قلت: نعم.
فقال: ((لو أنها لم تكن ربيبتي1في حجري ما حلَّت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن
على بناتكن ولا أخواتكنّ)).1
قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب، وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة2، قال له: ماذا لقيت؟ قال: أبو لهب: لم ألق بعدكم، غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة.3
قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، لكنه مخالف لظاهر القرآن، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾.4
وأجيب عن هذا من وجوه منها: أن الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثهُ به - كما تقدم -. وعلى تقدير أن يكون موصلاً، فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعلَّ الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد فلا يحتج به.5
أن ما ورد في مرسل عروة هذا من إعتاق أبي لهب ثويبة كان قبل
إرضاعها النبي صلى الله عليه وسلم، وما ذكره ابن الجزري من أنه أعتقها عندما بشرته بولادة النبي صلى الله عليه وسلم1: يخالف ما عند أهل السير من أن إعتاق أبي لهب إياها كان بعد ذلك الإرضاع بدهر طويل.
قال ابن سعد: (وأخبرنا محمد بن عمر - الواقدي - عن غير واحد من أهل العلم، وقالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلها وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها،
وهي يومئذٍ مملوكة، وطلبت إلى أبي لهب أن تبتاعها منه لتعتقها، فأبي أبو لهب، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أعتقها أبو لهب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إليها بصلة وكسوة، حتى جاءه خبرها أنها قد تُوفيت سنة سبع مرجعة من خيبر).1
وقال الحافظ ابن عبد البر في ترجمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكره إرضاع ثويبة للرسول صلى الله عليه وسلم: (وأعتقها أبو لهب بعدما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة)2ا. هـ. وقال ابن الجوزي: (وكانت ثويبة تدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما تزوج خديجة فيكرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكرمها خديجة، وهي يومئذٍ أمة، ثم أعتقها أبو لهب)3ا. هـ. أنه لم يثبت من طريق صحيح أن أبا لهب فرح بولادة النبي صلى الله عليه وسلم ولا أن ثويبة بشرته بولاته، ولا أنه أعتق ثويبة من أجل البشارة بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وتقدم ذلك - فكل هذا لم يثبت، ومن ادّعى ثبوت شيء من ذلك، فعليه إقامة الدليل على ما ادَّعاه، ولن يجد إلى الدليل الصحيح سبيلاً.4
,