الشبهة الأولى
: قال اليسوطي- رحمه الله -: (وقد استخرج له- أي المولد -إمام الحفاظ أبو الفضل أحمد بن حجر- العسقلاني- أصلاً من السنة، واستخرجت له أنا أصلاً ثانياً.... فقد سُئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل أحمد بن حجر - العسقلاني - عن عمل المولد، فأجاب بما نصه: (أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن، وتجنب ضدها كان بدعة حسنة وإلا فلا.
قال: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو: ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجَّى موسى، فنحن نصومه شكراً لله تعالى1، فُيستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في يوم معين من إسداء
نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة- عليه السلام - في ذلك اليوم.
وعلى هذا، فينبغي أن يُتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى - عليه السلام-في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قومٌ فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه، فهذا ما يتعلق بأصل عمله... ). ا. هـ.1 ## الجواب عن هذه الشبهة : من وجوه: الوجه الأول: أن ابن حجر-رحمه الله- صرح في بداية جوابه أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح، من القرون الثلاثة، وهذا كافٍ في ذمِّ الاحتفال بالمولد؛ إذا لو كان خيراً لسبق إليه الصحابة والتابعون، وأئمة العلم والهدى من بعدهم.
الوجه الثاني: أن تخريج ابن حجر في فتواه عمل المولد على حديث صوم عاشوراء، لا يمكن الجمع بينه وبين جزمه أول تلك الفتوى بأن ذلك العمل بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، فإن عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه منه من بعدهم، يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحاً؛ إذا لو كان صحيحاً لم يعزب عن فهم السلف الصالح، ويفهمه من بعدهم.
كما يمنع اعتبار ذلك النص دليلاً عليه؛ إذا لو كان دليلاً عليه لعمل به السلف الصالح، فاستنباط ابن حجر الاحتفال بالمولد النبوي من حديث صوم يوم عاشوراء، مخالف لما أجمع عليه السلف، من ناحية فهمه، ومن ناحية العمل به، وما خالف إجماعهم فهو خطأ؛ لأنهم لا يجتمعون إلا على هدى.
وقد بسط الشاطبي - رحمه الله - الكلام على تقرير هذه القاعدة في كتابه
الموافقات في أصول الأحكام.1
الوجه الثالث: أن تخريج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء، إنما هو من التكلُّف المردود؛ لأنَّ العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الرأي والاستحسان والابتداع.2
الوجه الرابع: أن صيام يوم عاشوراء قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم، ورغب فيه، بخلاف الاحتفال بمولده، واتخاذه عيداً، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ولم يرغّب فيه، ولو كان في ذلك شيء من الفضل لبين ذلك لأمته لأنَّهُ صلى الله عليه وسلم لا خير إلا وقد دلَّهم عليه، ورغَّبهم فيه، ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذَّرهم منه، والبدع من الشر الذي نهاهم عنه، وحذرهم منه. قال صلى الله عليه وسلم: ((وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)).3
قال صلى الله عليه وسلم: ((أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)).4.5 2-