أهل الأثرالأرشيف العلمي

صلاة الرغائب من البدع المحدثة في شهر رجب، وتكون في ليلة أول جمعة من رجب بين صلاة المغرب والعشاء، يسبقها صيام الخميس الذي هو أول خميس في رجب.
والأصل فيها حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد فيه صفتها وأجرها على النحو التالي: صفتها عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: ((رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي...، وما من أحد يصوم يوم الخميس، أول خميس في رجب، ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة، يعني ليلة الجمعة، ثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾1ثلاث مرات و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾2اثنتي عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمه، فإذا فرغ من صلاته صلى عليَّ سبعين مرة، ثم يقول: اللهم صلى على محمد النبي الأمي وعلى آله، ثم يسجد فيقول في سجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه فيقول: رب اغفر لي3وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت العزيز الأعظم، سبعين مرة، ثم يسجد الثانية فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله تعالى حاجته فإنها تقضى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ما من عبد ولا أمة صلى هذه الصلاة، إلا غفر الله تعالى له جميع ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر، وعدد ورق الأشجار، وشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته، فإذا كان في أول ليلة في قبره، جاء بواب4هذه الصلاة فيجيبه بوجه

طلق، ولسان ذلق، فيقول له: حبيبي أبشر فقد نجوت من كل شدة، فيقول: من أنت فو الله ما رأيت وجهاً أحسن من وجهك، ولا سمعت كلاماً أحلى من كلامك، ولا شممت رائحة أطيب من رائحتك، فيقول له: يا حبيبي أنا ثواب الصلاة التي صليتها في ليلة كذا في شهر كذا جئت الليلة لأقضي حقك، وأونس وحدتك، وأرفع عنك وحشتك، فإذا نفخ في الصور أظللت في عرصة القيامة على رأسك، وأبشر فلن تعدم الخير من مولاك أبداً)).1
قال ابن الجوزي: (ولقد أبدع2من وضعها فإنه يحتاج من يصليها أن يصوم، وربما كان النهار شديد الحر، فإذا صام ولم يتمكن من الأكل حتى يصلي المغرب، ثم يقف فيها، ويقع ذلك التسبيح الطويل، والسجود الطويل، فيتأذى غاية الإيذاء، وإني لأغار لرمضان، والصلاة التراويح كيف زوحم بهذه؟! بل هذه عند العوام أعظم وأجل، فإنه يحضرها من لا يحضر الجماعات).3
ا. هـ. وقال الغزالي بعد أن أورد حديث أنس في صفة صلاة الرغائب، وسماها صلاة رجب: (فهذه صلاة مستحبة!! وإنما أوردناها في هذا القسم-ما يتكرر من الرواتب بتكرر السنين صلاة رجب وشعبان، وإن كانت رتبتها لا تبلغ رتبة التراويح وصلاة العيد، لأن هذه الصلاة نقلها الآحاد ولكني رأيت أهل القدس بأجمعهم يواظبون عليها، ولا يسمحون بتركها فآحببت إيرادها)4!! ا. هـ.

وصلاة الرغائب أول ما أحدثت ببيت المقدس، وذلك بعد ثمانين وأربعمائة للهجرة، ولم يصلها أحد قبل ذلك.
فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعلها، ولا أحد من أصحابه- رضوان الله عليهم -، ولا التابعين، ولا السلف الصالح -رحمه الله عليهم -.1 حكمها: لا شك في بدعية صلاة الرغائب، لاسيما أنها أحدثت بعد القرون المفضلة، فلم يفعلها الصحابة ولا التابعون ولا تابع التابعين، ولا السلف الصالح - رحمهم الله- وكانوا على الخير أحرص ممن جاء بعدهم.
وقد جرى بين العز بن عبد السلام وابن الصلاح مساجلة علمية جيدة من خلالها يتأكد لنا بدعية هذه الصلاة المحدثة.
فقد أكد الإمام العز بن عبد السلام أن صلاة الرغائب موضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذب عليه، وأنها مخالفة للشرع من وجوه يختص العلماء ببعضها، وبعضها يعم العالم والجاهل.
فأما ما يختص به العلماء فضربان: الأول: أن العالم إذا صلى كان موهماً للعامة أنها من السنن، فيكون كاذباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان الحال الذي قد يقوم مقام لسان المقام.
الثاني: أن العالم إذا فعلها كان متسبباً إلى أن تكذب العامة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولوا: هذه سنة من سنن، والتسبب إلى الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز.

وأما ما يعم العالم والجاهل فمن وجوه: الوجه الأول: أن فعل البدع مما يغري المبتدعين الواضعين بوضعها وافترائها، والإغراء بالباطل والإعانة عليه ممنوع في الشرع واطراح البدع والموضوعات زاجر عن وضعها وابتداعها، والزجر عن المنكرات من أعلى ما جاءت به الشريعة. الوجه الثاني: أنها مخالفة لسنة السكون في الصلاة، من جهة أن فيها تعديد لسورة الإخلاص، وسورة القدر، ولا يتأتى عده في الغالب إلا بتحريك بعض أعضائه. الوجه الثالث: أنها مخالفة لسنة خشوع القلب وخضوعه وحضوره في الصلاة، وتفريغه لله تعالى، وملاحظة جلاله وكبريائه، والوقوف على معاني القراءة والذكر، فإنه إذا لا حظ عدد السور بقلبه، كان متلفتاً عن الله تعالى، معرضاً عنه بأمر لم يشرعه في الصلاة، والالتفات بالوجه قبيح شرعاًَ، فما الظن بالالتفات عنه بالقلب الذي هو المقصود الأعظم. الوجه الرابع: أنها مخالفة لسنة النوافل، فإن السنة فيها أن فعلها في البيوت أفضل من فعلها في المساجد، إلا ما استثناه الشرع كصلاة الاستسقاء والكسوف وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة)).1
الوجه الخامس: أنها مخالفة لسنة الانفراد بالنوافل، فإن السنة فيها الانفراد، إلا ما استثناه الشرع، وليست هذه البدعة المختلفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه. الوجه السادس: أنها مخالفة للسنة في تعجيل الفطر، إذ قال صلى الله عليه وسلم -: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)).2
الوجه السابع: أنها مخالفة للسنة في تفريغ القلب عن الشواغل المقلقة قبل الدخول في الصلاة، فإن هذه الصلاة يدخل فيها وهو جوعان ظمآن، ولاسيما في أيام الحر الشديد، والصلوات لا يدخل فيها مع وجود شاغل يمكن رفعه.
الوجه الثامن: أن سجدتيها مكروهتان، فإن الشريعة لم ترد بالتقرب إلى الله تعالى

بسجدة منفردة لا سبب لها، فإن القرب لها أسباب وشرائط وأوقات وأركان لا تصح بدونها، فكما لا يتقرب إلى الله بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة من غير نسك واقع في وقته بأسبابه وشرائطه، فكذلك لا يتقرب إليه بسجدة منفردة، وإن كانت قربة، إلا إذا كان لها سبب فكذلك لا يتقرب إلى الله عز وجل بالصلاة والصيام في كل وقت وأوان وربما تقرب الجاهلون إلى الله تعالى بما هو مبعد عنه من حيث لا يشعرون. الوجه التاسع: لو كانت السجدتان مشروعتين، لكان مخالفاً للسنة في خشوعهما وخضوعهما، بما يشتغل به من عدد التسبيح فيهما بباطنه، أو بظاهره، أو بباطنه وظاهرة. الوجه العاشر: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تختصموا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن تكون في صوم يصومه أحدكم)).1
الوجه الحادي عشر: أن في ذلك مخالفة للسنة فيما اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم في أذكار السجود، فإنه لما نزل قوله سبحانه وتعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.2
قال: ((اجعلوها في سجودكم)).3
وقوله: ((سبوح قدوس)) وإن صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يصح أنه أفرادها بدون ((سبحان ربي الأعلى))، ولا أنه وظفها على أمته، ومن المعلوم أنه لا يوظف إلا أولى الذكرين، وفي قوله: ((سبحان ربي الأعلى)) من الثناء مالي في قوله: ((سبوح قدوس)).4
ا. هـ. ثم قال العز بن عبد السلام: (ومما يدل على ابتداع هذه الصلاة أن العلماء الذين

هم أعلام الدين، وأئمة المسلمين من الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، وغيرهم ممن دون لكتب في الشريعة، مع شدة حرصهم على تعليم الناس الفرائض والسنن، لم ينقل عن أحد منهم أنه ذكر هذه الصلاة، ولا دونها في كتابه، ولا تعرض لها في مجالسه، والعادة تحيل أن تكون مثل هذه سنة وتغيب عن هؤلاء الذين هم أعلام الدين، وقدوة المؤمنين، وهم الذين إليهم الرجوع في جميع الأحكام من الفرائض والسنن والحلال والحرام.... ولما صح عند السلطان الكامل- رحمه الله- أنها من البدع المفتراه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبطلها من الديار المصرية، فطوبى لمن تولى شيئاً من أمور المسلمين، فأعان على إماتة البدع وإحياء السنن. وليس لأحد أن يستدل بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الصلاة خير موضوع)).1
فإن ذلك مختص بصلاة لا تخالف الشرع بوجه من الوجوه، وهذه الصلاة مخالفة للشرع من الوجوه المذكورة، وأي خير في مخالفة الشريعة؟ ولمثل ذلك قال صلي الله عليه وسلم: ((شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله)).2
وفقنا الله للإجابة والابتاع وجنبنا الزيغ والابتداع.

وقد بلغني1أن رجلين2ممن تصدى للفتيا مع بعدهما عنها، وسعيا في تقرير هذه الصلاة، وأفتيا بتحسنها، وليس ذلك ببعيد مما عهد من خطلهما3وزللهما، فإن صح ذلك عنهما، فما حملهما على ذلك إلا أنهما قد صلياها مع الناس، مع جهلهما بما فيها من المنهيات، فخافا وفرقا4إن نهيا عنها أن يقال لهما: فلم صليتماها؟ فحملهما اتباع الهوى على أن حسنا ما لم تحسنه الشريعة المطهرة، نصرة لهواهما على الحق، ولو أنهما رجعا إلى الحق وآثراه على هواهما، وأفتيا بالصواب، لكان الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾.5
والعجب كل العجب لمن يزعم أنه من العلماء ويفتي بأن هذه الصلاة موضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يسوغ موافقة وضاعها عليها، وهل ذلك إلا إعانة للكذابين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اتبع الهوى ضل عن سبيل الله، كما نص عليه القرآن. ثم أفتيا بصحتها مع اختلاف أصحاب الشافعي- رضي الله عنهم-في صحة مثلها، فإن من نوى صلاة ووصفها في نيته بصفة، فاختلفت تلك الصفة هل تبطل صلاته من أصلها، أو تنعقد نفلاً؟ فيه خلاف مشهور.6
وهذه الصلاة بهذه المثابة، فإن من يصليها يعتقد أنها من السنن الموظفة الراتبة، وهذه الصفة مختلفة عنها، فأقل مراتبها أن تجري على الخلاف. والحمد لله رب العالمين.7
ا. هـ. وقد رد ابن الصلاح على كلام العز بن عبد السلام السابق، وناقشة فيه وتوصل إلى أن صلاة الرغائب غير ملحقة بالبدع المنكرة فقال: سألتم أرشدكم الله

وإياي عن ما رمه بعض الناس من إزالة صلاة الرغائب وتعطيلها، ومنع الناس من عبادة اعتادوها في ليلة شريفة، ولاشك في تفضيلها، واحتجاجه لذلك بأن الحديث الوراد بها ضعيف بل موضوع، ودعواه أنه يلزم من ذلك رفعها، وإلحاقها بالأمر المطرح المدفوع، وغلوه في ذلك وإسرافه، وغلو الناس في مشاقته وخلافه، حتى ضرب له المثل بقوله ذلك بقوله تبارك وتعالى ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّ﴾ إلى قوله تعالى ﴿كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.1
فرغبتهم في أن أبين الحق في ذلك وأوضحه، وأزيف الزائف منه وأزحزحه، فاستعنت بالله تبارك وتعالى على ذلك واستخرجه، وأوجزت القول فيه واختصرته، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، فأقول: هذه الصلاة شاعت بين الناس بعد المائة الرابعة ولم تكن تعرف.
وقد قيل: إن منشأها من بيت المقدس صانها الله- تبارك وتعالى- والحديث الوارد بها بعينها وخصوصها ضعيف ساقط الإسناد عن أهل الحديث، ثم منهم من يقول: هو موضوع، وذلك نظنه، ومنهم من يقتصر على وصفه بالضعف، ولا يستفاد له صحة من ذكر رزين بن معاوية إياه في كتابه في تجريد الصحاح ولا من ذكر صاحب كتاب الإحياء2له فيه، واعتماده عليه، لكثرة ما فيهما من الحديث الضعيف، وإيراد رزين مثله في مثل كتابه من العجب.
ثم إنه لا يلزم من ضعف الحديث، بطلان صلاة الرغائب والمنع منها، لأنه داخلة تحت مطلق الأمر الوارد في الكتاب والسنة بمطلق الصلاة، فهي إذاً مستحبة بعمومات نصوص الشريعة الكثيرة، الناطقة باستحباب مطلق الصلاة، ومنها ما رويناه في صحيح مسلم من حديث أبي

مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الصلاة نور)).1
وما رويناه من حديث ثوبان، وعبد الله بن عمرو بن العاص-رضي الله عنهم- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((استقيموا ولن تحصوا، واعملوا أن خير أعمالكم الصلاة))2

وأخص من ذلك بما نحن فيه ما رواه الترمذي في كتابه تعليقاً من حديث عائشة -رضي الله عنها- ولم يضعفه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من صلى بعد المغرب عشرين ركعة بني الله له بيتاً في الجنة)).1
فهذا مخصوص بما بين المغرب والعشاء، فهو يتناول صلاة الرغائب من جهة أن اثنتي عشرة داخلة في عشرين ركعة، وما فيها من الأوصاف الزائدة، يوجب نوعية وخصوصية غير مانعة من الدخول في هذا العموم، على ما هو معروف عند أهل العلم، فلو لم يرد حديث أصلاً بصلاة الرغائب بعينها ووصفها، لكان فعلها مشروعاً لما ذكرنا.
وكم من صلاة مقبولة مشتملة على وصف خاص، لم يرد بوصفها ذلك نص

خاص من كتاب ولا سنة، ثم لا يقال: إنها بدعة.
ولو قال قائل أنها بدعة لقال مع ذلك بدعة حسنة، لكونها راجعة إلى أصل من الكتاب أو السنة.
ومن أمثال هذا ما لو صلى إنسان في جنح الليل مثلا خمس عشرة ركعة بتسليمه واحدة، وقرأ في كل ركعة آية من خمس عشرة سورة على التوالي، خص كل ركعة منها بدعاء خاص، فهذه صلاة مقبولة غير مردودة، وليس لأحد أن يقول: هذه صلاة مبتدعة مردودة.
فإنه لم يرد بها على هذه الصفة كتاب ولا سنة، ولو وضع لها حديثاً بإسناد رواها به، لأبطلنا الحديث وأنكرناه، ولم ننكر الصلاة، فكذلك الأمر في صلاة الرغائب من غير فرق - والله أعلم -. ولهذا شوهدا ونظائر لا تحصي من سائر أحكام الشريعة، نعم ما يكون من ذلك صفته الزائدة منكراً يردها شيء من أصول الشريعة، فذلك الذي يحكم بكونه من البدع المذمومة، والحوادث المردودة، والذي يتوهم فيه صلاة الرغائب أنه كذلك، أمور نذكرها ونبين بالدليل الواضح كونها سالمة من ذلك إن شاء الله تعالى: أحدهما: ما فيها من تكرار السور.
وجوابه: أن ذلك ليس من المكروه المنكر، فقد ورد نحو ذلك، وورد في بعض الأحاديث تكرار سورة الإخلاص، فإن لم نستحبه، لم نعده من المكروه المنكر، لعدم دليل قوي على ذلك.
وما ورد عن بعض أئمة الحديث من كراهة نحو ذلك، فمحمول على الكراهة، التي هي بمعني ترك الأولى1، فإن الكراهة قد أطلقت على معان، وذلك أحدها والله أعلم.
الثاني: السجدتان الفردتان عقيب هذه الصلاة.
وقد اختلف أئمتنا في كراهة مثل ذلك، فإن كان المنازع يختار قول من يكرهها فسبيله أن يتركها فحسب، لا أن يترك

الصلاة من أصلها، وهكذا الأمر في تكرار السورة، سواء بقي على الصلاة اسمها المعروف لبقاء معظمها، أو لم يبق، لكون المقصود إبقاء الناس على ما اعتادوه، ومن شغل هذا الوقت بالعبادة، وصيانتهم من الترك لا إلى خلف - والله أعلم -. الثالث: ما فيها من التقييد بعدد خاص من غير قصد.
وهذا قريب راجع إلى ما سبق الكلام عليه، وهو كمن يتقيد بقراءة سبع القرآن أو ربعه كل يوم، وكتقيد العابدين بأورادهم التي يختارونها لا يزيدون عليها ولا ينقصون.
- والله أعلم -. الرابع: أن ما فيها من عدد السور والتسبيح وغيرهما مكروه لإشغاله القلب.
وجوابه: أن ذلك غير مسلم، وهو يختلف باختلاف القلوب وأحوال الناس.
وقد روي عدّ الآيات في الصلاة عن عائشة - رضي الله عنها - وطاووس، وابن سيرين وسعيد بن جبير، والحسن، وابن أبي ملكية، في عدد كثير من السلف.
وقال الشافعي-رحمه الله -: (لا بأس بعد الآي في الصلاة، نقله عنه صاحب جمع الجوامع في منصوصاته من غير خلاف،

وحكاه ابن المنذر عن مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق والثوري، وغيرهم، ويشهد له من الحديث صلاة التسبيح1-والله أعلم-.
الخامس: فعلها جماعة مع أن الجماعة في النوافل مخصوصة بالعيدين، والكسوفين، والاستسقاء، وصلاة التراويح ووترها.
وجوابه: أن الحكم في ذلك.
أن الجماعة لا تسن إلا في هذه الستة، لا أن الجماعة منهي عنها في غيرها من النوافل.
وفي مختصر الربيع عن الشافعي-رضي الله عنهما-أنه قال: (لا بأس

بالإمامة في النافلة، ومن الدليل عليه ما رويناه في الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: ((أنه بات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فلما قام يصلي صلاته من الليل قام ابن عباس - رضي الله عنهما - يصلي خلفه، ووقف عن يساره فأداره إلى يمينه)).1
وفي رواية مسلم التصريح بأنه قام يصلي متطوعاً من الليل.2
وثبت عن أنس - رضي الله عنه -: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم في دارهم في غير وقت الصلاة، فصلى به وبأم سليم وأم حرام)).3

وفي رواية لأبي داود ((فصلى بنا ركعتين تطوعاً)).1
وفي الصحيحين نحوه عن عتبان بن مالك الأنصاري - رضي الله عنهم - والله أعلم -. السادس: أن هذه الصلاة صارت شعاراً ظاهراً حادثاً، ويمتنع إظهار شعار ظاهر في الدين.
وجوابه: أن حاصل ذلك يرجع إلى أنها عبادة لها أصل في الشريعة، ظهرت وكثرت الرغبات فيها، وهذا لا يوجب أن يعكر عليها باجتثاثها من أصلها، فإن ما اختص به علماء المسلمين في علم الفقه، وسائر علوم الدين من التأصيل، والتفصيل، والتفريغ، والتدقيق، والتصنيف، والتدريس، شعار ظاهر حدث في الدين لم يكن في صدر الإسلام، فلم لا نقول: إن ذلك مبتدع ينبغي اجتنابه، وشعار محدث يتعين اجتثاثه.
- والله أعلم -. وقد احتج المنازع بأشياء أخر لا تساوي الذكر، ومما يجاب به عنها أن يقال له: صل هذه الصلاة، وتجنب وجنب فيها ما زعمت أنه محذور كما بيناه فيما سبق، وهو معتمد منها بقوله: إن في ذلك اختصاص ليلة الجمعة بالقيام، وهو منهي عنه، وهذا ليس بشيء، لأنه ليس بلازم من حال من يصلي صلاة الرغائب، أن يدع في باقي لياليه صلاة الليل، ومن لم يدع ذلك لم يكن مخصصاً ليلة الجمعة بالقيام، وهذا واضح -

والله أعلم-. فقد وضح بما بيناه وأصلناه أن صلاة الرغائب غير ملتحقة بالبدع المنكرة!! وأن الحوادث ذوات وجوه مختلفة مشتبهة، فمن لم يميز كان بصدد إلحاق الشيء منها بغير نظير!! - والله تعالى أعلم -. فهذا بيان شاف، يتضاءل له - إن شاء الله تعالى - خلاف المخالف، ويتبدل به وصفه إذ لم يعاند، بوصف الموافق المؤلف، ولا يبقي له بعده إلا جعجعة لا طائل وراءها، وقعقعة وابهامات لا يغتر بها إلا شر ذمة فسدت أهواؤها، وما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا الله وحده لا شريك له ونعم الوكيل.1
ا. هـ. ثم فند العز بن عبد السلام رد ابن صلاح بقوله: ((حمداً لله الذي لا إله إلا هو، وصلاة على نبيه محمد وآله. فإني لما أنكرت صلاة الرغائب الموضوعة، وبينت مخالفتها للسنن المشروعة، من الجهات التي ذكرتها في تعليق ذلك، انتهض بعض الناس معارضاً لذلك، ساعياً في تحسينها وتقريرها، لإلحاقها بالبدع الحسنة من جهة كونها صلاة، وإنما أنكرتها لمجموع صفاتها وخصائصها، التي بعضها يقتضي التحريم، وبعضها يقتضي مخالفتها للسنن، فأخذ يشنع على أني منعت الناس من عبادة، وأنا لم أنكر ذلك لكونها عبادة، وإنما أنكرتها لصفاتها، ناهياً عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتدياً بما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلوات في الأوقات المكروهات، فإنه لم ينه عن ذلك لمجرد كونها صلاة، وخشوعاً، وذكراً، وتلاوة؟ وإنما نهى عنها لأمر تختص به، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم بن الحجاج ((أنه نهى عن اختصاص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي)).2
وقد شرط واضح هذه البدعة فيها، أن توقع في الليلة التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اختصاصها بالقيام)).
فويل لمن جعل ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة إلى الله تعالى.
ثم قال: اعتادها الناس في ليلة شريفة لا شك في تفضيلها.
فجعل اعتياد من لا علم له حجة في فعل

بدعة منهي عنها، وإنما يفعلها عوام الناس، ومن لم يرسخ قدمه في علم الشريعة، ثم أخطأ في القطع بتفضيلها، فإنه أراد بكونها ليلة جمعة واقعة في رجب، فمتى ثبت تفضيل هذه الليلة على سواها؟ وإن أراد مجرد كونها ليلة جمعة فقد أخطأ بإيهامه أنها مقيدة برجب!! وأخطأ أيضاً في تعبيره عن المبالغة في نصرة الدين وإماتة البدع، بلفظ السرف والغلو. وأما المثل الذي ذكره في قوله تعالى ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّ﴾ إلى قوله تعالى ﴿كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.1
فذلك تحريف لكتاب الله تعالى، ووضع له في غير مواضعه، فإن الآية نزلت في إنكار أبي جهل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة المأمور بها، وإنكار صلاة الرغائب إنكار لصلاة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، فإذن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم - على مقتضى قوله - قد نهى عبداً إذا صلى فيما نحن فيه، وفي نهيه عن الصلوات في الأوقات المكروهات.
وكذلك حرف في قوله تعالى: ﴿كَلَّا لا تُطِعْهُ.......﴾2الآية، لأن الناهي عن هذه الصلاة ونظائرها هو الرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون على تأويله قد أمرنا الله أن لا نطيع رسوله صلى الله عليه وسلم فيما نهى عنه من الصلوات.
وذكر أنه استخار الله تعالى في ذلك، وقد ظهر أنه لم يخر له، لأنه لو خار له لأفهمه الحق وألهمه الصواب.
ثم اعترف أنها بدعة موضوعة، فنحتج عليه إذاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)).
وقد استثنين البدع الحسنة من ذلك، وهي كل بدعة لا تخالف السنن، بل توافقها، فيبقى ما عداها على عموم قول صلى الله عليه وسلم: ((وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة

ضلالة)). وليست صلاة الرغائب في معنى ما استثنى حتى تلحق بها قياساً. وأما استدلاله بقوله صلى الله عليه وسلم قال: ((الصلاة نور)).1
وبقوله صلى الله عليه وسلم قال: ((واعملوا أن خير أعمالكم الصلاة)).2
فلا يصح، لأن ذلك مخصوص بالإجماع بكل صلاة لم يتوجه إليها نهي، وأما ما نهى عنه الشرع فليس بنور، بل هو ظلمة، وليس بخير الأعمال إذ لا خير في مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نور في معصية ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.3
((ورب حامل فقه ليس بفقيه)).4
وأما استلالاً بما أخرجه الترمذي تعليقاً من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: ((من صلى بعد المغرب عشرين ركعة بني الله له بيتاً في الجنة)).5
فإن كان عالماً بأن المعلق لا حجة فيه فكيف يستدل بما لا حجة فيه، وإن ظن أن مثله حجة، فمذهبه الذي ينتمي إليه ويعتمد عليه لا يقتضي ذلك، مع أن هذا الحديث قد

أسنده ابن ماجه في سننه، وفي إسناده يعقوب بن الوليد المديني وهو كذاب وضاع على ما ذكره أحمد بن حنبل وغيره من أئمة الحديث. فوا عجباً لمن يترك ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الحديث الذي لا وزن له. وأما إدراجه صلاة الرغائب في هذا الحديث فلا يستقيم، لأن هذا الحديث- لو صح-لم تندرج فيه هذه الصلاة، فإنه خرج مخرج الترغيب، والترغيب مقيد بعشرين ركعة فلا يتحقق فيما دونها. وأما ما ذكره من إحداث الصلوات التي توقع على أوصاف خاصة، فجوابه أن الأوصاف ضربان: أحدهما: ما يقتضي الكراهة كصفة صلاة الرغائب، فتلك بدعة مكروهة.1
الثاني: مالا يقتضي الكراهة فيكون من البدع الحسنة، والمثال الذي ذكرناه مندرج في هذا الضرب.
وأما قوله في هذا المثال: لو وضع لهذه الصلاة حديثاً لأنكرناه ولم ننكر الصلاة، فكذلك الأمر في صلاة الرغائب من غير فرق.
فجوابه: أن الفرق من وجوه: أحدها: أن صلاة الرغائب بخصوصياتها توهم العامة أنها سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو الواقع، بخلاف الصلاة في المثال المذكور.
الثاني: أن تعاطي صلاة الرغائب يوقع العامة في أن يكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينسبوه إلى أنه سنها بخصوصياتها، فيكون متعاطيها منتسباً إلى الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف الصلاة التي مثل بها.

الثالث: أن تعاطي صلاة الرغائب مما يغري الواضعين بالوضع، لنفاق كذبهم وعمومه، بخلاف ما مثل به.
الرابع: أن تعاطيها بخصوصها يتضمن سنن كثيرة بخلاف ما مثل به.
الخامس: أن صلاة الرغائب في حق من يعتقد أنها سنة راتبة يجب تخريج صحتها على الخلاف، فيمن وصف الصلاة في نيته بصفة فاختلفت، ولا خلاف في صحة الصلاة في المثال المضروب.
ثم قد ناهض حكمه بأنها من البدع الحسنة بقوله: إن الصفة الزائدة إذا كانت منكرة يردها شيء من أصول الشريعة، فهي من البدع المذمومة، والحوادث المردودة، وتعاطي صلاة الرغائب كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان الحال، وتسبب إلى الكذب عليه، وإغراء للواضعين بالوضع، وكل ذلك مما ترده أصول الشريعة.
وأما نسبته المنكر لصلاة الرغائب إلى أنه أنكر تكرار السور، فلم ينكر تكرار السور، وإنما أنكر شغل القلب عن الخشوع بعدها.
وأما قوله: فليس ذلك من المكروه المنكر، فقد ورد نحو ذلك.
فجوابه: أنه إن أراد بما ورد تسبيحات الركوع والسجود، وتكبيرات العيد فالفرق من وجهين: أحدهما: أن ذلك عدد قليل يتأتى تعاطيه مع ملاحظة الخشوع.
والثاني: أن ذلك العدد مما ثبتت شرعيته في الصلاة، فإن كان الخشوع لا يتأتى معه وجب تقديمه على الخشوع، فقدمنا أحد مأموري الشرع على الآخر بخلاف العد في صلاة الرغائب فإنه طويل غير مشروع، فإذا تعاطاه المصلى كان تاركاً للخشوع المشروع بأمر غير مشروع.
وأما ما ورد في بعض الأحاديث من تكرار سورة الإخلاص، فإن لم يصح هذا الحديث فلا حجة فيه1، وإن صح فإن دل على الجواز فنحن لا ننكر الجواز، وإن دل

على الاستحباب فإن لم يتأتى معه الخشوع، كان الشرع مقدماً له على الخشوع، وإن تأتى معه الخشوع صار كتسبيحات الركوع. وإذ لم يدل على الاستحباب كان مكروهاً، لما فيه من تفويت مقصود الصلاة، وإعراض القلب عن الله تعالى، مع أن مجرد التكرار لا يشعر بالتعديد فكم من مكرر غير معدد فإن كان قد عبر عن التعديد بالتكرير فسوء عبارة تنبيء عن المقصود. وأما تأويله كراهة بعض أئمة الحديث لذلك بأنه محمول على ترك الأولى، فمخالفة للظاهر بغير دليل، فإن الكراهة ظاهرة في المنهي الذي لا إثم في فعله بغلبة الاستعمال، فحملها على ترك الأولى تأويل بغير دليل. وأما قوله في السجدتين عند من يرى كراهتها: أن سبيله أن يتركهما فحسب. فهذا لا يستقيم، لأن الإنكار إنما وقع على صلاة الرغائب بخصائصها وتوابعها، ولواحقها، ولا يلزم من إنكار المركب بعض أجزائه.1
وأما حرص هذا المسكين على إبقائها، أو إبقاء بدلها فذلك حرص منه على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، أو في بدلها، إذا نهى صلى الله عليه وسلم عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام، كأنه يقول: إن لم يأت بصلاة الرغائب المكروهة من وجوه، فليأت بمكروه آخر، يقوم مقامها، حتى لا يخلو من مخالفة الرسول الله صلى الله عليه وسلم؟!.
وأما نسبته المنكر إلى أنه أنكر تقييدها بعدد خاص!! فهذا افتراء وتقول.
وأما نقله عن جماعة من العلماء أنهم أجازوا عدّ الآيات، فنحن لا ننكر الجواز، ولا يصلح استشهاده بصلاة التسبيح إذ لم تثبت عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تسقط الخشوع الذي ثبت في الشرع أنه من سنن الصلاة، بما لم يثبت من ملاحظة العدد.
وأما قوله: يجوز الاقتداء في نوافل الصلوات.
فنحن ما منعنا الجواز، وإنما قلنا السنة فيها الانفراد، إلا ما استثني مع أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ولم يجعله شعاراً متكرراً

وأما استشهاده باقتداء ابن عباس - رضي الله عنهما - برسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل فلا يصح، لأن التهجد كان واجباً على الرسول الله صلى الله عليه وسلم، عند الشافعي - رحمه الله - فلم يقع الاقتداء في نفل، وأما ما روي أنه قام يصلي متطوعاً، فذاك ظن من الراوي. [قلت: بل هو يقين، جزم به راويه وهو ابن عباس- رضي الله عنهما-وساقه كما ساق سائر الحديث، جازماً به.1
ويجاب عن ذلك: بأن فعل الصلوات فرضاً كانت أو نفلاً، فذا أو جماعة موقوف على بيان صاحب الشريعة صلوات الله وسلامه عليه، قال-عليه السلام- ((صلوا كما رأيتموني أصلي))2، والتجميع في النوافل جائز عند العلماء من غير مدوامة على ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أم في النافلة في بيته وبيت غيره ولم يفعل ذلك في المساجد ولا في المواضع المشهورة، إلا ما ورد عنه في صلاة التراويح، فلا يتعدى ما شرعه عليه الصلاة والسلام إلا بدليل.
ولم يثبت في صلاة الرغائب دليل حتى يقاس على النوافل المشروعة، وإذا بطلت في نفسها فكيف تقاس على ما هو مشروع؟!].
وأما حديث أنس وعتبان بن مالك-رضي الله عنهما- فالفرق بينها وبين صلاة الرغائب أن الاقتداء في صلاة الرغائب، يوهم العامة أنها سنة، وشعار في الدين، بخلاف ما وقع في حديث أنس وعتبان - رضي الله عنهما - فإنه نادر فلا يوهم العامة أنه من السنة، بل يوهم الجواز وذلك متفق عليه.
وأما نسبته المنكر إلى أنه قال: إن هذه الصلاة صارت شعاراً ظاهراً حادثاً في الدين، فهذا تقول منه وافتراء.
وأما تشبيهه هذه الصلاة بما أحدثه الفقهاء في تدوين أصول الفقه، وفروعه والكلام على مآخذه، ودقائقه، وحقائقه.

فلا يصح، لأنا قد بينا أن الصلاة الرغائب منهي عنها من الوجوه المذكورة، فكيف يقاس ما صح النهي عنه في السنة، على ما وقع الإجماع على الأمر به؟!.
وأما قوله: وقد احتج المنازغ بأشياء أخر لا تساوي الذكر، فالعجز عن الجواب عنها أوجب ذلك، وإنما إيهام للعامة أنه ترك الجواب مع القدرة عليه، وإما لشذوذ ذلك عن فهمه.
وكم من عائب قولا صحيحاً وآفته من الفهم السقيم1وأما جوابه على ذلك بأن يقال لمنكر هذه الصلاة: صلها واجتنب ما فيها مما زعمت أنه محذور، فلا يصح، لأن الإنكار إنما وقع على صلاة الرغائب بخصائصها، ولو تركت خصائصها لخرجت عن أن تكون صلاة الرغائب المنكرة.
وأما ما ذكره على الحديث الصحيح في النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام، وقوله، إن ذلك لا يطرد في حق من يقومها، ويقوم غيرها.
فلا يصح لأنه سوغ صلاة الرغائب على الإطلاق لمن خصص، ولمن لم يخصص، ونحن نقول: وقعت كراهتها من وجوه، إذا فقد بعضها استقل الباقي بالنهي والكراهة.
وأما قوله: إن الحوادث ذوات وجوه مشتبهة فمن لم يميز كان بصدد إلحاق الشيء منها بغير نظيره.
فهذه شهادة منه على نفسه بعدم التمييز.
وأما تفاصحة بذكر الجعجعة والقعقعة، فلا يخفى ما فيه من التكلف والركاكة، ومن اتبع هواه أراده.
ثم إني ظفرت للمذكور بفتيين قد أجاب فيهما قبل ذلك بما يوافق، وإن كان قد أخطأ في أمور لا تتعلق بما نحن فيه.
صورة أحدهما: بسم الله الرحمن الرحيم.
ما تقول السادة الفقهاء الأئمة-رضي الله عنهم- في الصلاة المدعوة بصلاة الرغائب، هل هي بدعة في الجماعات أم لا؟ وهل ورد فيها حديث صحيح أم لا؟ أفتونا مأجورين.
وجوابه: اللهم وفق وارحم.
حديثها موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بدعة

حدثت بعد أربعمائة من الهجرة، ظهرت بالشام، وانتشرت في سائر البلاد، ولا بأس أن يصليها الإنسان، بناء على أن الإحياء فيما بين العشائين مستحب كل ليلة، ولا بأس بأن يصليها الإنسان مطلقاً.
أما أن تتخذ الجماعة فيها سنة، وتتخذ هذه الصلاة من شعائر الدين الظاهرة فهذا من البدع المنكرة، ولكن ما أسرع الناس إلى البدع، والله أعلم وكتب ابن الصلاح.
ا. هـ. وقال ابن عبد السلام -: ولا يخفى ما في هذا الجواب من موافقة الصواب، ولا ما فيه من الاختلال.
والصورة الثانية: بسم الله الرحمن الرحيم.
ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين-رضي الله عنهم- فيمن ينكر على من يصلي في ليلة الرغائب ونصف شعبان، ويقول: أن الزيت الذي يشغل فيها حرام وتفريط، ويقول: أن ذلك بدعة ومالهما فضل ولا ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيهما فضل ولا شرف فهل هو على الصواب أو على الخطأ؟ أفتونا-رضي الله عنكم-.
وجوابه: اللهم وفق وارحم.
أما الصلاة المعروفة في ليلة الرغائب فهي بدعة، وحديثها المروي موضوع، وما حدثت إلا بعد أربعمائة سنة من الهجرة، وليس لليلتها تفضيل على أشباهها من ليالي الجمع.
وأما ليلة النصف من شعبان فلها فضيلة، وإحياؤها بالعبادة مستحب، ولكن على الانفراد من غير جماعة، واتحاد الناس لها ولليلة الرغائب موسماً وشعاراً بدعة منكرة، وما يزيدونه فيهما عن الحاجة والعادة من الوقيد ونحوه، فغير موافق للشريعة، والألفية التي تصلى في ليلة النصف لا أصل لها ولأشباهها.
ومن العجب حرص الناس على المبتدع في هاتين الليلتين، وتقصيرهم في المؤكدات الثانية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله المستعان وهو يعلم.
كتب ابن الصلاح.
قال ابن عبد السلام: (فأظهر الله تعالى ما الرجل منطو عليه، ومصغ إليه).1

نسأل الله عز وجل أن يعصمنا من أمثال ذلك، وأن يعافيه مما ابتلاه به، فمثله فليرحم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.1
ا. هـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: (وأما صلاة الرغائب فلا أصل لها، بل هي محدثة، فلا تستحب لا جماعة ولا فراداى، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تختص ليلة الجمعة بقيام، أو يوم الجمعة بصيام.
والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء، ولم يذكره أحد من السلف والأئمة أصلاً).
ا. هـ.2 وقال أيضاً: (صلاة الرغائب بدعة باتفاق أئمة الدين، لم يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه، ولا استحبها أحد من أئمة الدين كمالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، -رحمهم الله-

والثوري، والأوزاعي، والليث وغيرهم، والحديث المروي فيها كذب بإجماع أهل المعرفة بالحديث).1
ا. هـ. وسئل عن صلاة الرغائب: هل هي مستحبة أم لا؟ فأجاب: (هذه الصلاة لم يصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه، ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولا رغب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من السلف، ولا الأئمة، ولا ذكروا لهذه الليلة فضيلة تخصها، والحديث المروي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بذلك، ولهذا قال المحققون: إنها مكروهة غير مستحبة والله أعلم).2
ا. هـ. وسئل النووي - رحمه الله - عن صلاة الرغائب، وصلاة نصف شعبان هل لهما أصل؟ فأجاب: الحمد لله، هاتان الصلاتان لم يصلهما النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه - رضي الله عنهم - ولا أحد من الأئمة الأربعة المذكورين - رحمهم الله -، ولا أشار أحد منهم بصلاتهما، ولم يفعلهما أحد ممن يقتدي به، ولم يصح عن النبي منها

شيء ولا عن أحد يقتدي به، وإنما أحدثت في الأعصار المتأخرة وصلاتهما من البدع المنكرات، والحوادث الباطلات، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة ضلالة)).1
وفي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد)).2
وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)).3
وينبغي لكل أحد أن يمتنع عن هذه الصلاة، ويحذر منها، وينفر عنها ويقبح فعلها، ويشيع النهي عنها، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)).4
وعلى العلماء التحذير منها، والإعراض عنها أكثر مما على غيرهم، لأنه يقتدى بهم.
ولا يغترن أحد بكونها شائعة يفعلها العوام وشبههم، فإن الاقتداء إنما يكون برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أمر به لا بما نهى عنه، وحذَّر منه...... أعاذنا الله من المبتدعات، وحمانا من ارتكاب المخالفات.
-والله أعلم -5ا. هـ. وسئل النووي أيضاً عن صلاة الرغائب هل هي سنة أم بدعة؟.
فأجاب: ((هي بدعة قبيحة منكرة أشد إنكار، مشتملة على منكرات فيتعين تركها والإعراض عنها، وإنكارها على فاعلها، وعلى ولي الأمر- وفقه الله تعالى- منع الناس من فعلها: فإنه، راع، وكل راع مسئول عن رعيته.

وقد صنف العلماء كتباً في إنكارها وذمها، وتسفيه فاعلها، ولا يغتر بكثرة الفاعلين لها في كثير من البلدان، ولا بكونها مذكورة في قوت القلوب1وإحياء علوم الدين2ونحوهما، فإنها بدعة باطلة، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد)) ثم ذكر بعض الأحاديث الواردة في الفتوى السابقة..... وقد أمر الله تعالى عند التنازع بالرجوع إلى كتابه فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.3
ولم يأمر باتباع الجاهلين، ولا بالاغترار بغلطات المخطئين4- والله أعلم - ا. هـ. وقال ابن قيم الجوزية (وكذلك أحاديث صلاة الرغائب ليلة أول جمعة من رجب كلها كذب مختلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم).5
ا. هـ. فمما تقدم يتضح للقارئ الكريم أن الصلاة تكون في أول جمعة من رجب، والتي تسمى الرغائب، بدعة منكرة، لم يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من خلفائه، ولم يستحبها صحابته والتابعون، والأئمة المشهورون، مع أنهم أحرص الناس على الخير، وفضائل الأعمال، وهذا الحكم صدر عن جملة من العلماء المتفق على جلالة قدرهم وسعة علمهم، وكذلك الحديث الوارد فيها فإنه موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم باتفاق أئمة الحديث، فلم يبق لمدعي فضيلتها من حجة - والله أعلم -.

المبحث الخامس

فصول الكتاب · 107 فصل · 441 صفحة
الانتقال إلى صفحة
البدع الحولية
تأليف حمود بن عبد الله التويجري
الأولى، 1421 هـ - 2000 م
تقدّمك في الكتاب: بدعة صلاة الرغائب — 43 من 107
فصول البدع الحولية · 441 صفحة
مقدمة الكتابالمقدّمَةأسباب اختيار الموضوعمنهجي في إعداد البحث.البدع لغةتعريف البدعة.البدعة في الاصطلاححكم البدع في الإسلامأسباب نشأة البدعأول بدعة ظهرت في الإسلامأسباب انتشار البدعآثار البدع على المجتمعوسائل الوقاية من البدعالبدع الحوليةشهر المحرمبعض الآثار الواردة فيه.بدعة الحزن في شهر محرم عند الرافضة1في اليوم العاشر من شهر محرم، وهو اليوم الذي عرف بـ (عاشوراء) أكرم الله سبحانه وتعالى الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - بالشهادة، وذلك سنة 61هـ2، وكانت شهادته مما رفع الله بها منزلته، وأعلى درجته، فإنه هو وأخوه الحسن سيد اشباب أهل الجنة3، والمنازل العالية لا تنال إلا بالبلاء، كما قال صلى الله عليه وسلم لما سُئِل: أي الناس أشد بلاءً؟ فقال: ((الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل: يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقّة خفف عنه، ولابدعة الفرح في يوم عاشوراء عند النواصب1تقدم في المبحث السابق، ذكر بدعة الحزن في يوم عاشوراء عند الرافضة، وفي هذا المبحث سنتكلم - إن شاء الله - عن الذين عارضوا الرافضة، فجعلوا يوم عاشوراء موسم فرح، وهم النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ومن الجهَّال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والشر بالشر، والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء؛ كالاكتحال، والاختضاب، وتوسيع النفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك مما يُفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسماً كمواسم الأعياد والأفراح.2 وكان أول ظهورهم على زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لما أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: بعث علي -رضي الله عنه- إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة3، فقسمها بين الأربعة:شهر صفربعض الآثار الواردة فيه.بعض الآثار الواردة فيهبدعة التشاؤم بصفرشهر ربيع الأول1## بدعة الاحتفال بالمولد النبويأول من أحدث هذه البدعة.حالة المجتمع في ذلك العصر.حالة المجتمع في ذلك العصربعض الشبه التي عرضت للقائلين بهذه البدعة والجواب عنها.الشبهة الأولىالشبهة الثانيةالشبهة الثالثةالرد على هذه الشبهةالشبهة الرابعةالشبهة الخامسةطريقة إحياء المولدحقيقة محبته صلى الله عليه وسلمموقف أهل السنة من هذه البدعةشهر رجببعض الآثار الواردة فيه.تعظيم الكفار لشهر رجب.تعظيم الكفار لشهر رجب....عتيرة رجب.بدعة تخصيص شهر رجب بالصيام أو القيامبدعة صلاة الرغائببدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراجشهر شعبانبعض الآثار الواردة فيه.بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان.بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبانالصلاة الألفية المبتدعة في شعبانشهر رمضانفضل هذا الشهر وما ورد فيه.فضل هذا الشهر وما ورد فيهبعض البدع التي تقام في هذا الشهرقراءة سورة الأنعامبدعة صلاة التراويح بعد المغرببدعة صلاة القدربدعة القيام عند ختم القرآن في رمضان بسجدات القرآن كلها في ركعةبدعة سرد آيات الدعاءبدعة الذكر بعد التسليمتين من صلاة التراويحبعض بدع ليلة ختم القرآنبدعة التسحيرالبدع المتعلقة برؤية هلال رمضانبدعة حفيظة رمضانبدعة قرع النحاس آخر الشهربدعة وداع رمضانبدعة الاحتفال بذكرى غزوة بدر1:شهر شوالبعض الآثار الواردة فيه.بعض الآثار الواردة فيهبدعة التشاؤم من الزواج فيهبدعة عيد الأبرارشهر ذي الحجةبعض الآثار الواردة فيه.بدعة التعريف.بدعة التعريفبدعة غدير خمأول من أحدث هذه البدعة.حكم هذا العيد.مشابهة المسلمين للكفار في أعيادهم.تمهيدالاحتفال بعيد ميلاد المسيحالاحتفال بالنيروزالاحتفال بأعياد الميلادالاحتفالات والأعياد المحدثةالاحتفال برأس السنة الهجريةالاحتفال برأس القرن الهجريالاحتفال بذكرى بعض العلماءمشروعية مخالفة أهل الكتابالأدلة على تحريم مشابهة أهل الكتابالأدلة من الكتابالأدلة من السنةالأدلة من الإجماعآيات وأحاديث وآثار ذكرها شيخ الإسلام ابن تيميةمن الكتابمن السنةمن الإجماعمن الآثارالوجه الأولالوجه الثانيالوجه الثالثالوجه الرابعالوجه الخامسالوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالخاتمةأهم النتائج التي خرجت بها من خلال كتابي في موضوع ((البدع الحولية)) :
جارٍ التحميل