، عَنْ مَكْحُولٍ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «ابْتَغُوا بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى، لَا تُذْهِبْهَا الزَّكَاةُ»
# 1302 - قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَلِيَ مَالَ يَتِيمٍ، فَقَالَ: «إِنْ تَرَكْنَا هَذَا أَتَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ» يَعْنِي إِنْ لَمْ يُعْطِهِ فِي التِّجَارَةِ
# 1303 - قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ مِحْجَنٍ أَوِ ابْنِ مِحْجَنٍ أَوْ أَبِي مِحْجَنٍ - الشَّكُّ مِنْ شُعْبَةَ - أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: «كَيْفَ مَتْجَرُ أَرْضِكَ؟ فَإِنَّ عِنْدَنَا مَالَ يَتِيمٍ قَدْ كَادَتِ الزَّكَاةُ تُفْنِيهِ؟» قَالَ: فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَجَاءَهُ بِرِبْحٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «اتَّجَرْتَ فِي عَمَلِنَا؟ ارْدُدْ عَلَيْنَا رَأْسَ مَالِنَا» قَالَ: فَأَخَذَ رَأْسَ مَالِهِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الرِّبْحَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَوْلُهُ: اتَّجَرْتَ فِي عَمَلِنَا: يَعْنِي فِي وِلَايَتِكَ الَّتِي وَلَّيْنَاكَهَا
# 1304 - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُوحٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَحْسِبُهُ عَنْ أَبِيهِ - عَنِ ابْنِ أَبِي الْعَاصِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، مِثْلَ حَدِيثِ شُعْبَةَ، أَوْ نَحْوَهُ
# 1305 - قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ «كَانَ يُزَكِّي أَمْوَالَ وَلَدِ أَبِي رَافِعٍ، وَكَانُوا أَيْتَامًا فِي حِجْرِهِ»
# 1306 - قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، أَنَّ عَلِيًّا بَاعَ أَرْضًا لِبَنِي أَبِي رَافِعٍ بِعَشَرَةِ آلَافٍ، وَكَانُوا أَيْتَامًا، فَكَانَ يُزَكِّيهَا
# 1307 - قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَحُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تُبْضِعُ أَمْوَالَنَا، وَنَحْنُ يَتَامَى، وَتُزَكِّيهَا.
قَالَ: وَفِي حَدِيثِ يَحْيَى: تُبْضِعُهَا فِي الْبَحْرِ
# 1308 - قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ «كَانَ يُزَكِّي مَالَ الْيَتِيمِ»
# 1309 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتَامَى، فَيَسْتَسْلِفُ أَمْوَالَهُمْ؛ لِيُحْرِزَهَا مِنَ الْهَلَاكِ، ثُمَّ يُخْرِجُ صَدَقَتَهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَهِيَ دَيْنٌ عَلَيْهِ
# 1310 - قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَلِي مَالَ الْيَتِيمِ قَالَ: يُعْطِي زَكَاتَهُ
# 1311 - قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَلِي مَالَ الْيَتِيمِ قَالَ: أَيُعْطِي زَكَاتَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»
# 1312 - قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، وَعَطَاءً، يَقُولَانِ: أَدِّ زَكَاةَ مَالِ الْيَتِيمِ
# 1313 - قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً: أَفِي مَالِ الْيَتِيمِ زَكَاةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ
# 1314 - قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي يُونُسَ الْحَسَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَأَلْتُ طَاوُسًا عَنْ زَكَاةِ مَالِ الْيَتِيمِ، فَقَالَ: «زَكِّهِ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَالْإِثْمُ فِي عُنُقِكَ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ الصَّدَقَةَ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى.
وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنْ لَا صَدَقَةَ فِيهَا
# 1315 - قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَحْصِ مَا فِي مَالِ الْيَتِيمِ مِنَ الزَّكَاةِ، فَإِذَا بَلَغَ وَآنَسْتَ مِنْهُ رُشْدًا فَأَخْبِرْهُ، فَإِنْ شَاءَ زَكَّى، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ
# 1316 - قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، كِلَاهُمَا عَنْ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ كَانَ لَا يُزَكِّي مَالَ الْيَتِيمِ.
# 1317 - وَزَادَ حَفْصٌ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: يُوشِكُ إِنْ أَخَذْتَ
مِنْهُ الذَّوْدَ أَوْ مِنْهُ الذَّوْدَيْنِ أَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ
# 1318 - قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: «كَانَ فِي حِجْرِي يَتِيمٌ لَهُ ثَمَانِيَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَلَمْ أُزَكِّهَا حَتَّى أَدْرَكَ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ»
# 1319 - قَالَ: وَحَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: لَيْسَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ زَكَاةٌ
# 1320 - قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَا: لَيْسَ فِي الْيَتِيمِ زَكَاةٌ
# 1321 - قَالَ: وَحَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «لَيْسَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ زَكَاةٌ، إِلَّا فِي زَرْعٍ أَوْ ضَرْعٍ»
# 1322 - قَالَ: وَحَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُلُّ مَالٍ لِلْيَتِيمِ يُنْمَى أَوْ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْ بَقَرٍ، أَوْ غَنْمٍ، أَوْ زَرْعٍ، أَوْ مَالٍ يُضَارَبُ بِهِ فَزَكِّهِ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ صَامِتٍ لَا يُحَرَّكُ فَلَا تُزَكِّهِ حَتَّى يُدْرِكَ، فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ
# 1323 - قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ مَالُ يَتِيمٍ، فَكَانَ يُزَكِّيهِ، وَلَا يَسْتَوْعِبُ الزَّكَاةَ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يَرْضَخُ مِنْهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَذَا مَا قَالَ السَّلَفُ فِي صَدَقَةِ مَالِ الْيَتِيمِ.
# 1324 - وَأَمَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَإِنَّ رَأْيَهُ كَانَ عَلَى مِثْلِ الْأَحَادِيثِ الْأُولَى، يَرَى الزَّكَاةَ وَاجِبَةً فِي مَالِ الْيَتِيمِ، وَفِي مَالِ الْمَعْتُوهِ أَيْضًا.
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوٌ مِنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ
# 1325 - قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَالِ الْمَجْنُونِ، هَلْ فِيهِ زَكَاةٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ»
# 1326 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأَمَّا سُفْيَانُ فَكَانَ يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: أَحْصِ مَا فِي مَالِ الْيَتِيمِ مِنَ الزَّكَاةِ، فَإِذَا كَبِرَ فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ، وَأَخْبِرْهُ بِمَا عَلَيْهِ
# 1327 - وَأَمَّا سَائِرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ سِوَى سُفْيَانَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ، فَلَا يَرَوْنَ فِي مَالِ الصَّغِيرِ زَكَاةً، وَلَا يَرَوْنَ عَلَى وَصِيِّهِ إِحْصَاءُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَلَا إِعْلَامَهُ، وَكَذَلِكَ الْمَعْتُوهُ عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا قَاسُوا ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فَرْضُ الصَّلَاةِ.
# 1328 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالَّذِي عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ لَا يُقَاسُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّهَا أُمَّهَاتٌ، تَمْضِي كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَى فَرْضَهَا وَسُنَّتِهَا، وَقَدْ وَجَدْنَاهَا مُخْتَلِفَةً فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: أَنَّ الزَّكَاةَ تُخْرَجُ قَبْلَ حِلِّهَا وَوُجُوبِهَا، فَتُجْزِئُ عَنْ صَاحِبِهَا فِي قَوْلِ أَهْلِ
الْعِرَاقِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُجْزِئُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي أَرْضِ الصَّغِيرِ إِذَا كَانَتْ أَرْضَ عُشْرٍ فِي قَوْلِ النَّاسِ جَمِيعًا، وَهُوَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُكَاتَبَ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، فَالصَّلَاةُ سَاقِطَةٌ عَنِ الصَّبِيِّ، وَالصَّدَقَةُ فِي أَرْضِهِ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَالزَّكَاةُ سَاقِطَةٌ عَنِ الْمُكَاتَبِ، وَالصَّلَاةُ فَرْضٌ عَلَيْهِ، فَهَذَا اخْتِلَافٌ مُتَفَاوِتٌ.
وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ أَيْضًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي الصِّيَامَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ، وَأَنَّ الْآكِلَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَأَنَّ النَّاسِيَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِذَا ذَكَرَهَا، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ يَسَعُهُ الْإِفْطَارُ إِلَى أَنْ يَصِحَّ، وَهُوَ لَا يُجْزِيهِ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إِلَّا أَنْ يَقْضِيَهَا فِي وَقْتِهَا عَلَى مَا بَلَغَتْهُ طَاقَتُهُ مِنَ الْجُلُوسِ، أَوِ الْإِيمَاءِ.
وَغَيْرُ ذَلِكَ فِي أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا كَثِيرَةٍ يَطُولُ بِهَا الْكِتَابُ، فَأَيْنَ يَذْهَبُ الَّذِي يَقِيسُ الْفَرَائِضَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ عَمَّا ذَكَرْنَا؟ وَمِمَّا يُبَاعِدُ حُكْمَ الصَّلَاةِ مِنَ الزَّكَاةِ أَيْضًا أَنَّ الصَّلَاةَ إِنَّمَا هِيَ حَقٌّ يَجِبُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْعِبَادِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَأَنَّ الزَّكَاةَ شَيْءٌ جَعَلَهُ اللَّهُ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ الْفُقَرَاءِ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ
، وَإِنَّمَا مِثْلُهَا كَالصَّبِيِّ يَكُونُ لَهُ الْمَمْلُوكُ، أَفَلَسْتَ تَرَى أَنَّ نَفَقَةَ الْمَمْلُوكِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ ذَا مَالٍ، كَمَا تَجِبُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ لِهَذَا الصَّبِيِّ زَوْجَةٌ زَوَّجَهُ إِيَّاهَا أَبُوهُ وَهِيَ كَبِيرَةٌ، فَأَخَذَتْهُ بِالصَّدَاقِ وَالنَّفَقَةِ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الصَّبِيِّ فِي مَالِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ضَيَّعَ لِإِنْسَانٍ مَالًا، أَوْ خَرَقَ لَهُ ثَوْبًا، كَانَ عَلَيْهِ دَيْنًا فِي مَالِهِ؟ وَأَشْبَاهٌ لِهَذَا كَثِيرَةٌ.
فَهَذَا أَشْبَهُ بِالزَّكَاةِ مِنَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ، وَلَيْسَتِ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ، أَفَلَا يُسْقِطُونَ عَنْهُ هَذِهِ الدُّيُونَ إِذْ كَانَتِ الصَّلَاةُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ؟ وَفِيهِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا: لَوْ أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابْنةً لَهُ صَغِيرَةً، فَمَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، أَوْ طَلَّقَهَا، كَانَتِ الْعِدَّةُ لَازِمَةً لَهَا بِالطَّلَاقِ وَالْوَفَاةِ جَمِيعًا، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ أَعْلَمُهُ، وَلَوْ زَوَّجَهَا أَبُوهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَانَ نِكَاحُهَا بَاطِلًا، كَبُطُولِ نِكَاحِ الْكَبِيرَةِ فِي الْعِدَّةِ، فَلَا يُسْقِطُ الْحَرَجُ عَنْهَا فِي هَذَا، أَوْ عَنْ زَوْجِهَا أَنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ عَلَيْهَا.
فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَصْحَابِهِ الْبَدْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الصَّبِيِّ فِي مَالِهِ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَأْوِيلِ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَكَذَلِكَ الْمَعْتُوهُ هُوَ عِنْدِي مِثْلُ الصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: أَحْصِ مَا فِي مَالِ الْيَتِيمِ مِنَ الزَّكَاةِ، ثُمَّ أَخْبِرْهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ يَثْبُتُ عَنْهُ عِنْدَنَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ مُجَاهِدًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يُفْتِي بِخِلَافِهِ.
# 1329 - مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَدِّ زَكَاةَ مَالِ الْيَتِيمِ.
# 1330 - وَحَدِيثُ خُصَيْفٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كُلُّ مَالٍ لِلْيَتِيمِ يُنْمَى أَوْ يُضَارَبُ بِهِ فَزَكِّهِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ.
# 1331 - فَلَوْ صَحَّ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُجَاهِدٍ مَا أَفْتَى بِخِلَافِهِ، وَهُوَ مَعَ هَذَا كُلِّهِ لَوْ ثَبَتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، لَكَانَ إِلَى قَوْلِ مَنْ يُوجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ أَقْرَبَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يُحْصِيَ مَالَهَ وَيُعْلِمَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْبُلُوغِ؟ وَلَوْلَا الْوُجُوبُ عِنْدَهُ مَا كَانَ لِلْإِحْصَاءِ وَالْإِعْلَامِ مَعْنًى.
# 1332 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَالزَّكَاةُ عِنْدَنَا وَاجِبَةٌ عَلَى مَالِ الصَّغِيرِ، يَقُومُ لَهُ بِهَا الْوَلِيُّ، كَمَا يَقُومُ لَهُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَا دَامَ صَغِيرًا سَفِيهًا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُؤْنِسَ مِنْهُ رُشْدًا، فَدَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ، فَلْيُعْلِمْهُ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ صَحَّ عَنْهُ حَتَّى يُزَكِّيَهُ الْيَتِيمُ لِمَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ، وَإِلَّا لَمْ آمَنْ عَلَيْهِ الْإِثْمِ كَمَا قَالَ طَاوُسٌ: إِنْ لَمْ تَفْعَلْ، فَالْإِثْمُ فِي عُنُقِكَ.
# 1333 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ يُشَبِّهُ الزَّكَاةَ بِالصَّلَاةِ بِحَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ عُثْمَانَ، وَقَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْحَدِيثَ، وَلَيْسَ مِثْلُهُ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَعْرِفُ أَهْلَ الْعِلْمِ، وَلَا يُدَانُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْإِسْنَادِ
بَابُ صَدَقَةِ مَالِ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ، وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا مِنْهَا وَمَا لَا يَجِبُ
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا لِبَنِي هَاشِمٍ، فَسَأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: إِنَّ لِي مَالًا، أَفَأُزَكِّيهِ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَأَتَصَدَّقُ؟ قَالَ: بِالدِّرْهَمِ وَالرَّغِيفِ
# 1334 - قَالَ: وحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَمْلُوكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا، وَلَا يُعْتِقَ، وَلَا يَتَصَدَّقَ مِنْهُ بِشَيْءٍ، إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَكِنَّهُ يَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَكْتَسِي هُوَ وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ
# 1335 - حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مِثْلَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْأَهْلَ وَالْوَلَدَ
# 1336 - قَالَ: وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: «لَا زَكَاةَ فِي مَالِ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ حَتَّى يُعْتَقَا»
# 1337 - قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
، قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمَمْلُوكِ زَكَاةٌ، وَلَا يُزَكِّي عَنْهُ سَيِّدُهُ إِلَّا زَكَاةَ الْفِطْرِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ.
# 1338 - وَأَمَّا سُفْيَانُ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ فِي مَالِهِ الزَّكَاةَ، يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْعَبْدِ، وَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ مَالًا.
قَالُوا: وَإِنَّمَا هُوَ لِسَيِّدِهِ كَمَا كَانَ، وَالزَّكَاةُ لَازِمَةٌ لَهُ عَلَى حَالِهَا.
# 1339 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدِي فَمَا قَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ، وَهُوَ عَلَى تَأْوِيلِ مَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ: عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ مِلْكٌ لَهُ، وَأَنَّ الزَّكَاةَ سَاقِطَةٌ عَنْهُ؛ لِخُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِ السَّيِّدِ إِلَى الْعَبْدِ.
# 1340 - وَمِمَّا يُثْبِتُ هَذَا الْقَوْلَ سُنَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ: مَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ.
فَأَوْجَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ لَهُ مَالًا بِقَوْلِهِ: وَلَهُ مَالٌ، وَبِقَوْلِهِ: فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، فَنَسَبَ الْمَالَ إِلَى الْعَبْدِ.
وَمِمَّا يَزِيدُهُ عِنْدَنَا بَيَانًا حَدِيثُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآخَرُ فِي الْعِتْقِ
# 1341 - قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لَهُ إِلَّا
أَنْ يَشْتَرِطَ السَّيِّدُ مَالَهُ، فَيَكُونَ لَهُ
# 1342 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَلَا تَرَى أَنَّ سُنَّةَ مِلْكِ الْعَبْدِ مُفَارِقَةٌ لِمِلْكِ الْأَحْرَارِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحُرَّ مُسَلَّطٌ عَلَى مَالِهِ بِالِاسْتِهْلَاكِ وَالْإِتْلَافِ مِنَ الْعِتَاقِ، وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَجْرٌ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْمَمْلُوكَ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا؟ وَقَدْ أَنْكَرَ مَذْهَبَنَا نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، فَقَالُوا: لَا يُعَدُّ هَذَا مِلْكًا، إِذَا كَانَ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى هَلَكَتِهِ كَالْحُرِّ.
فَقُلْنَا: هَذِهِ حُجَّةٌ، لَوْ كَانَتْ أَحْكَامُ الْمَمَالِيكِ كُلُّهَا لَاحِقَةً بِأَحْكَامِ الْأَحْرَارِ، كَانَ لَكُمْ أَنْ تُشَبِّهُوا حُكْمَهُ فِي مِلْكِ الْمَالِ بِهَا، وَلَكِنَّا رَأَيْنَا أَحْكَامَ الْفَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَةً مُتَبَايِنَةً، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْكِحُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا اثْنَتَيْنِ، وَأَنَّ الْأَمَةَ تَبِينُ مِنْ زَوْجِهَا بِتَطْلِيقَتَيْنِ، وَتَعْتَدُّ مِنَ الطَّلَاقِ بِحَيْضَتَيْنِ، أَوْ شَهْرًا وَنِصْفًا، وَمِنَ الْوَفَاةِ بِشَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَيَكُونُ الْإِيلَاءُ مِنْهَا شَهْرَيْنِ، وَأَنَّهُمَا لَا يُجْلَدَانِ فِي الزِّنَى إِلَّا خَمْسِينَ جَلْدَةً، وَفِي الْفِرْيَةِ إِلَّا أَرْبَعِينَ سَوْطًا، فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَقَصَ فِيهَا الْمَمَالِيكُ عَنْ مَرَاتِبِ الْأَحْرَارِ مِنَ الْمَوَارِيثِ، وَالْفَيْءِ، وَالْمَغْنَمِ وَالشَّهَادَاتِ، وَالْإِقْرَارِ بِالدُّيُونِ، وَوُجُوبِ الْحَجِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلِمَ قَصَرَتْ أُمُورُ هَؤُلَاءِ عَنْ مَبْلَغِ تِلْكَ؟ قَالُوا: لِأَنَّ هَذِهِ سُنَّةُ الْمَمَالِيكِ أَنْ تَكُونَ أَنْقَصَ مِنْ سُنَنِ الْأَحْرَارِ
. قُلْنَا: فَكَذَلِكَ مِلْكُهُمْ الْمَالَ أَيْضًا، سُنَّةُ مِلْكِهِمْ أَنْقَصُ مِنْ سُنَّةِ مِلْكِ الْأَحْرَارِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا، وَلَكِنَّهُ مِلْكُ مَصْلَحَةٍ وَتَوْفِيرٍ، وَلَيْسَ بِمِلْكٍ مُهْلِكُهُ قَوِيُّ، فَإِذَا وَهَبَ لَهُ سَيِّدُهُ مَالًا فَهُوَ لَهُ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي جَعَلَتْهُ لَهُ السُّنَّةُ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَنْتَزِعَهُ مِنْهُ السَّيِّدُ أَوْ يَبِيعَهُ، فَيَزُولَ حِينَئِذٍ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَيَرْجِعَ إِلَى رَبِّهِ.
فَاخْتَلَفَ مِلْكُ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ فِي الْمَالِ كَمَا اخْتَلَفَتْ أُمُورُهُمَا وَسُنَّتُهُمَا فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.
نَقُولُ ذَلِكَ اتِّبَاعًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَصْحَابِهِ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَتْ خَلَّةٌ وَاحِدَةٌ كَانَتْ أَحْرَى أَنْ يُتَمَسَّكَ بِهَا وَتُتَبَّعَ فِي حُكْمِ الْعَبِيدِ مِنْ مِلْكِهِمُ الْأَمْوَالَ، وَذَلِكَ أَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ أَمْرِ الْمَمَالِيكِ، وَلَا حُفِظَ عَنْهُ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِهِمْ، سِوَى سُنَّتِهِ فِي الْمَالِ، وَأَمَّا سَائِرُ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُرْوَى عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَأَيُّهُمَا كَانَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ وَالتَّمَسُّكِ بِهِ: مَا جَاءَ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُثْبَتًا مَحْفُوظًا، أَوْ مَا جَاءَ عَمَّنْ سِوَاهُ، وَإِنْ كَانُوا أَئِمَّةَ هُدًى يُقْتَدَى بِهِمْ؟ .
# 1343 - فَأَمَّا الَّذِي عِنْدَنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ مِنَ الْأَقْوَالِ مَا قَالَهُ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ، وَإِمَامُ الْمُتَّقِينَ، حِينَ نَسَبَ الْمَالَ إِلَى الْعَبْدِ، وَأَضَافَهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَهُ لَهُ إِذَا عَتَقَ، وَفِي إِجَابَتِهِ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ، وَفِي قَبُولِهِ الْهَدِيَّةَ مِنْ سَلْمَانَ، وَهُوَ مَمْلُوكُُ، فَكُلُّ هَذَا يُثْبِتُ مَا قُلْنَا.
فَنَحْنُ نَقُولُ بِسُنَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَالِ الْعَبْدِ، ثُمَّ نَصِيرُ إِلَى مَا أَفْتَى بِهِ الصَّالِحُونَ بَعْدُ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ، فَنَحْنُ لَهُ وَلَهُمْ مُتَّبِعُونَ فِي كُلِّ مَا أَتَانَا عَنْهُمْ.
# 1344 - وَمِمَّا يُثْبِتُ لَهُ مَالَهُ أَيْضًا مَا أَرْخَصُوا فِيهِ مِنْ تَسَرِّيهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْفُوظٌ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنُ، وَغَيْرُهُمْ، وَمَعَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى الزَّكَاةَ فِي مَالِهِ وَاجِبَةً
# 1345 - قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: أَعَلَى الْعَبْدِ زَكَاةٌ؟ قَالَ: «أَمُسْلِمٌ هُوَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: «فِي كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَمَا زَادَ فَبِالْحِسَابِ»
# 1346 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا زَادَ مِلْكُهُ تَثْبِيتًا، وَلَمْ يُوجِبِ الزَّكَاةَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي قَالَ الْآخَرُونَ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ، إِنَّمَا الْمَالُ لِسَيِّدِهِ، وَلَوْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ مَا سَأَلَ عَنْهُ أَمُسْلِمٌ هُوَ أَمْ كَافِرٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ مَالَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ سَوَاءٌ، وَإِنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي الْمَالِ عَلَى السَّيِّدِ؟ إِلَّا أَنَّ الَّذِي أَخْتَارُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ الْأَوَّلُ، مَعَ مُوَافَقَةِ قَوْلِ أَبِيهِ وَقَوْلِ جَابِرٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ إِلَّا بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ كَالدِّرْهَمِ وَالرَّغِيفِ، عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ
# 1347 - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ مَمْلُوكٌ، فَقَالَ: إِنِّي أَكُونُ فِي مَاشِيَةِ أَهْلِي، فَيَمُرُّ بِيَ الْمَارُّ، فَيَسْتَسْقِينِي اللَّبَنَ، أَفَأَسْقِيهِ؟ فَقَالَ: لَا.
قَالَ: فَإِنْ خَشِيتُ أَنْ يَهْلِكَ؟ قَالَ: اسْقِهِ مَا يُبَلِّغُهُ غَيْرَكَ، ثُمَّ أَخْبِرْ بِهِ أَهْلَكَ.
فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ رَامٍ