شرح الرسالةصفحات 302-304

كتاب الصيام

صفحات 302-304

وروى سفيان عن أبي سلمة عن الزهري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من صلى رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".
وقوله: إن قام بما تيسر فذلك مرجو فضله، وتكفير الذنوب به، فلأن الصلاة قربة وفعل خير، ومن أفضل الأعمال، وأفعال القرب والطاعات يرجى بها التكفير والعفو.
والأصل في قيام رمضان ما رواه مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا إني خشيت أن تفرض عليكم"، وذلك في رمضان.
وروى داود بن أبي هند عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت الليلة السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل.
قال: "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة" فلما كانت الرابعة لم يقم بنا.
فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح.
قال: قلت: وما

الفلاح؟ قال: السحور.
ثم لم يقم بنا بقية الشهر.
وروى أبو الضحى عن مسروق عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر أحيا ليلة وشد المئزر، وأيقظ أهله.
وروى ابن وهب قال: أخبرني مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا ناس يصلون في ناحية المسجد فقيل: من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن، وأبي بن كعب يصلي بهم، وهم يصلون بصلاته.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أصابوا، ونعم ما صنعوا".
وقوله: إن كانوا في المسجد قياما؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى التراويح بأصحابه في المسجد جماعة وكان هو إمامهم.
وكذلك روى من حديث أبي بن كعب.
وكذلك جمع عمر رضي الله عنه بالناس، وكافة السلف.
وقوله: إن من قوى أن يصليها في بيته فذلك حسن؛ فلما رواه إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثنا ابن أبي أويس عن سالم عن أبي النضر عن بشر بن سعيد عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صلاة المرء في

بيته أفضل من صلاته في جماعة إلا المكتوبة".
وقد نبه الله تعالى على ذلك في آية الصدقة حيث قال: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾.
فكان ذلك أصلا في انتفاء كل ما يفعله الإنسان من التطوع مما ينفرد به دون الناس.
قال أصحابنا: ولأن في ذلك سلامة من الرياء والسمعة؛ فهو أفضل.
وقد روى ما ذكرناه عن جماعة من السلف.
وقال مالك: وليس كل الناس يقوى على ذلك؛ قد كان ابن هرمز ينصرف يقوم بأهله، وكان ربيعة وعدد واحد ينصرف ولا يقوم مع الناس.
فأما المختار من القيام عندنا فهو ستة وثلاثون ركعة سوى الوتر.
قال مالك: بعث إلى في أن ينقص من ذلك فنهيت عن ذلك، ومنعت منه.
وقد كان الناس يقومون بعشرين ركعة، والذي ذكرناه هو فعل أهل المدينة، وذلك أقوى عندنا من غيره، وسيما إذا لم يكن شيئا باجتهادهم.
وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر عن نافع قال: لم أر الناس إلا وهم يقومون تسعا وثلاثين ركعة، ويوترون منها بثلاث.
فأما تطوع النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكر عن عائشة رضوان الله عليها فقد ذكرناه فيما سلف بما يغنى عن إعادته.
وبالله التوفيق.

جارٍ التحميل