شرح الرسالةصفحات 142-181

كتاب الصيام

صفحات 142-181

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: الأصل في الصيام الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾؛ يعني: فرض واجب عليكم كما وجب على من كان قبلكم، فهذه الآية تدل على وجوب الصيام في الجملة من غير تعيين.
ثم فسر الصيام الواجب في الآية الأخرى بقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن...﴾ إلى قوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر...﴾ فأمر بصيام شهر رمضان، وألزم من كان حاضرا صومه، ورخص للمسافر أن يفطره ويقضيه.
وقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ وهذا أمر؛ فهو على وجوبه.
هذا من الكتاب.
وأما السنة: فقوله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت،

وصيام شهر رمضان".
وفي حديث الأعرابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، وأنه صلى الله عليه وسلم قال له: "وصيام شهر رمضان".
قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع".
وأما الإجماع: فمعلوم ضرورة من دين الأمة وجوب الصيام كما أنه معلوم ضرورة من دينها وجوب الصلاة.
فصل فأم المعنى في اللغة فهو: الإمساك عن الطعام والشراب.
ويقال لمن أمسك عن الكلام هو صائم، ومنه قوله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوما﴾؛ أي: صمتا.
ويقال: صام النهار، إذا وقفت فيه الشمس، وصامت الخيل، إذا وقفت عن السير والحركة، ومنه قول الشاعر: خيل صيام وخيل غير صائمة... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما قال القاضي رحمه الله: وذكر أهل اللغة أن الصائم يسمى سائحا؛ لتركه الطعام والشراب.
قالوا وهو تأويل قوله تعالى: {السائحون الراكعون

الساجدون} يريد بقوله [ق/ 29] (السائحون) أي: الصائمون.
وقوله: ﴿عابدات سائحات﴾ يريد: صائمات.
وقال أبو طالب: وبالسائحين لا يذوقون نظرة لربهم... والراتكات العوامل يريد الصائمين.
قالوا: وأصل السائح هو الذاهب في الأرض، الممتنع من الشهوات؛ فشبه الصائم به لامتناعه عن المطعم والمشرب.
فإذا تقرر هذا الصوم في عرف [الشرع] هو: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع بنية في زمن مخصوص فإن لم تقارنه نية فليس بصوم في الشرع.
وهذه جملة كافية في هذا الفصل.
مسألة قال رحمه الله: وصوم شهر رمضان فريضة؛ يصام لرؤية الهلال، ويفطر لرؤيته- كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما- فإن غم الهلال فيعد ثلاثين يوما من غرة الذي قبله ثم يصام، وكذلك الفطر.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: أما قوله: "أن صيام شهر رمضان فريضة".
فلذلك لما ذكرناه من أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوبه؛

فأغنى عن رده.
وقوله: "يصام لرؤية الهلال، وتكمل العدة إن غم الهلال".
فلقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين".
ولا خلاف في وجوب الصوم بهذين الأمرين- أعني: الرؤية وإكمال العدة- لا يجب الصوم بغيرهما عندنا وعند من يعتمد عليه من أهل العلم.
وحكي عن بعضهم أنه أوجب الصوم بقول أهل الحساب وعلم النجوم إذا قالوا إن غدا من الشهر وإن لم تتقدم رؤيا ولم تكمل عدة.
وادعوا أن ذلك معني يجب به الصوم كالرؤية.
وقد ذكرت لهم شبه ذلك فمنها أنهم تعلقوا بقوله تعالى: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾؛ فأخبر أن الهداية تحصل لنا بالنجوم، ولم يخص شيئا دون شيء؛ فكان ذلك عاما في كل شيء إلا ما قام عليه الدليل.
قالوا: بقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن غم عليكم فاقدروا له"؛ وذلك هو الاطلاع عليه في الحساب.
والدلالة على ما قلناه ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن الصباح

قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن [حراش] عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقدموا الشهر حيى تروا الهلال، [أو] تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة"؛ فنص على اعتبار الرؤية والعدد؛ فلم يجز اعتبار ما عداهما.
وروى مالك عن ثور بن زيد الديلي عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"؛ فأمر بالصوم للرؤية، ومع عدمها بإكمال العدة، فسقط اعتبار ما عدا ذلك.
وروى [زائدة] بن [حوالة] عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم، لا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمام فأكملوا العدة ثلاثين ثم أفطروا".

فأما الآية فمعناها أن النجوم يستدل بها على جهات الطرق والقبلة، فأما الصوم ومعرفة أوقاته فلا مدخل لذلك فيه، ويقوي هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "من صدق كاهنا أو عرافا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم" وهذا ينفي الرجوع إليهم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "فاقدروا له" فمعناه: إكمال العدد؛ لأنه قد فسر في الخبر الآخر، وإذا كان كذلك بطل ما قالوه، والله أعلم.
فصل فأما قوله: كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما؛ فلأن الشهر يختلف عدده بالزيادة والنقصان؛ فيكون تارة ثلاثين وتارة تسعة وعشرين، وقد وردت الرواية بذلك؛ فروى شعبة عن الأسود بن قيس عن سعيد بن عمرو عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا أنة أمية لا نكتب ولا نحسب؛ الشهر هكذا وهكذا" وهكذا.
وهكذا تعني تسعا وعشرين يوما وثلاثين، وحبس الراوي أصبعه في الثالثة.
وروى مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر وأيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشهر تسع وعشرون".
وروى عمرو بن الحارث بن أبي ضرار عن ابن مسعود قال: لما صمنا

مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين.
فصل وقوله: "إن غم الهلال عدوا ثلاثين يوما من غرة الذي قبله، ثم يصام"؛ فلما رواه عبد الله بن أبي قيس قال: سمعت عائشة تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لم يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤيته رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام.
وروى سماك عن عكرمة عن ابن [ق/ 30] عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين، قم أفطروا".
وروى مالك عن ثور بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه،

فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
مسألة قال رحمه الله: ويبيت الصيام في أوله، وليس عليه [التبييت] في بقيته".
قال القاضي أبو محمد عبد المهاب بن علي- رحمه الله: اعلم أن هذه المسألة فرع على وجوب النية في شهر رمضان؛ فيجب تقديم الكلام في الأصل؛ لأنه إذا لم يثبت وجوب النية فالقول في وقت وجوبها وتقديمها وتأخيرها أبعد عن الثبوت.
وإذا صح هذا فالنية عندنا واجبة في صوم شهر رمضان، وعند كافة الفقهاء إلا زفر بن الهذيل فإنه كان يزعم أن النية غير واجبة فيه، وأرى أن عبد الملك بن الماجشون وصاحبه أحمد بن المعدل يذهبان إلى شبه بهذا؛ لأنهما قالا فيمن أصبح في أول يوم من رمضان وعنده أنه من شعبان، ولم ينو الصوم ثم لم يأكل حتى بلغه الخبر أن يومه من رمضان إنه يمضي ويجزئه عن صومه.
وهذا يدل من قولهما على ما ذكرناه.
وفرقا بين ذاك بين أن ينوي صيام التطوع ثم يعلم بالشهر بعد أن يصبح فقالا: عليه قضاء ذلك اليوم إذا أصبح نوى به التطوع.

ويجوز أن يكون مرادهما أن نية الإسلام كافية من التجديد ما لم ينقل، فإذا نوى التطوع فقد نقلها؛ فلذلك لزمه القضاء.
وهذا أشبه بأن يكون هو المراد من قولهما لولا أنهما فرقا بين أن يعلم الرؤية بالاستفاضة وما دونها.
فالذي يدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وهذا أملا بالصيام الشرعي؛ فهو يتضمن وجوب النية؛ لأن مجرد الإمساك لا يكون صوما شرعيا إلا بالنية.
وأيضا فإن الأمر بالفعل يقتضي الامتثال، والفعل لا يكون امتثالا إلا بالقصد؛ بدلالة أنه قد يشركه في صورته ما ليس بامتثال، وإنه لا يكون امتثالا إذا وقع ممن لا قصد له كالصبي والمجنون وغيرهما.
وإذا صح هذا فقد تضمنت الآية وجوب النية.
وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل، ولا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل"، ولم يخص شهر رمضان من غيره.
ولأنه صوم شرعي؛ فأشبه ما عدا رمضان.
ولأنها عبادة تجب النية في نقلها؛ فكذلك في فرضها وجميع جنسها؛ اعتبارا بالصلاة والحج.
ولأنه لما لم يجز قضاء رمضان بغير نية مع كونه فرعا له وانخفاض رتبته

عن رتبة أصله كان رمضان بأن لا يجزئ إلا بنية أولى.
واستدل عن زفر بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، والصوم والإمساك، فإذا أتى به فقد امتثل ما أمر به.
ولأنه مستحق العين للصيام فلا تكون النية فيه كالوديعة لما كانت مستحقة العين للرد لم يحتج إلى نية.
ولأن النية إنما يحتاج إليها للتمييز بين ما يؤتى به فرضا ونفلا، وغير رمضان لا يصح إيقال النفل فيها؛ لأنها لا تقع إلا فرضا؛ فلا معنى للنية.
فالجواب: أن الظاهر لا تعلق فيه؛ لأنه دليلنا على ما بيناه.
ورد الوديعة ليس من شرطها أن تقع قربة؛ لأنها من حقوق الآدميين، وحقوق الآدميين لا يحتاج فيها إلى النية؛ بدلالة وقوعها على الوجه الذي كانت عليه قبل الشرع، وإن يصح وقوعها ممن لا تصح منه النية.
واعتباره في ذلك التمييز بين الفرض والنفل باطل؛ لأنه يوجبها مع السفر والمرض مع وجود المعنى المسقط لوجوبها على التمييز الذي ذكره أحد ما تجر له النية.
وليست لا تلزم إلا لهذا الوجه؛ لأنها تجب لكون الفعل قربة وطاعة.
والله أعلم.
فصل ولا يجزئ صيام نفل ولا فرض إلا بنية قبل الفجر ابتداء كان أو قضاء، أداء أو نذرا.
وهو قول أهل الظاهر.
وقال أبو حنيفة: كل صوم تعلق بالذمة ولم يتعلق وقت معين فلا

يجزئ إلا بنية قبل الفجر؛ كالقضاء والنذر والكفارة، وكل صوم غير متعلق بالذمة وإنما يتعلق بوقت معين أو كان نفلا فإنه يجزئ بنية بعد الفجر؛ وذلك كصوم رمضان والنذر المعين وصوم النفل.
وقال الشافعي: كل صوم واجب فلا يجزئ إلا بنية قبل الفجر من غير تفصيل، والنفل من الصوم يجزئ بنية بعد الفجر.
واستدل أصحاب أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾.
ومن صامه بنية بعد الفجر سمي صائما للشهر.
وروي من حديث ابن عمر أنه رأى هلال رمضان؛ فشهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فصام، وأمر الناس بالصيام.
ولو كان التبييت شرطا لأمرهم به.
وروي في خبر العوالي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فرأى قوما فسأل عنهم فقالوا: هم صيام ليوم كان يصومه موسى.
فقال صلى الله عليه وسلم: "نحن أحق بصيامه.. " وأمر الناس بالصيام فقال: "من أكل فليمسك، [ق/ 31 أ] ومن لم يأكل فليتم بقية صومه"؛ فأمر من لم يأكل بالصوم؛ فدل هذا على أن التبييت ليس بشرط في كل صوم مستحق العين.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "وإنما لامرئ ما نوى"، ومن نوى بعد طلوع الفجر فقد نوى صوم هذا اليوم؛ فوجب أن يكون له.
ولأنه ناو لصيامه فأشبه إذا نوى قبل الفجر.

ولأنه صوم لم يتعلق بالذمة؛ فأشبه التطوع.
ولأن النية قد حصلت أكثر نهاره؛ فأشبه من نوى من الليل.
والذي يدل على ما قلناه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل، ومن لم يجمع الصيام قبل الفجر لا صيام له"؛ فعم ولم يخص فرضا من نفل.
وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "الأعمال بالنيات"؛ فيجب ألا يجزئ من العمل إلا ما قارنته النية، وبعض هذا اليوم قد مضى عريا من النية؛ فوجب ألا يجزئ.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "وإنما لامرئ ما نوى"، والإمساك الذي مضى لم ينوه؛ فوجب أن لا يكون له.
وأيضا فلأنها نية ابتدأت بعد مضي جزء من النهار؛ فلم تجز؛ اعتبارا بالنية بعد الزوال.
ولأنه صوم شرعي؛ فوجب ألا يجزئ إلا بنية من الليل.
دليله النذر والقضاء.
ولأن النية شرط في الصوم الشرعي؛ فوجب ألا يجزئ الصوم متى مضى بعض اليوم عريا منها.
أصله: الإمساك.

ولأنها عبادة من شرط صحتها النية؛ فوجب أن تتقدمها النية؛ اعتبارا بالصلاة والحج.
ولأنها عبادة تؤدى وتقضى؛ فوجب أن يستوي وقت النية في الأداء والقضاء؛ اعتبارا بالصلاة.
وأما الظاهر فلا تعلق فيه؛ لأنا لا نسلم أن من أمسك في نهار رمضان بنية بعد الفجر فإنه صائم للشهر.
فإن بينوا ذلك وإلا فوقف الاحتجاج.
وما رووه من حديث ابن عمر لا حجة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالصيام الشرعي، وذلك يتضمن عندنا وجوب النية من الليل.
وحديث عاشوراء لا تعلق فيه؛ لأنه إنما أمرهم بالإمساك فيحصل لهم ثواب الكف عن الأكل؛ لأنهم يكونون بإتمام إمساكهم صائمين؛ ألا ترى أنه قد أمر من أكل أيضا بأن يمسك، ولم يدل ذلك على أنه يصير بإمساكه صائما.
وعلى أنه قد روي: "ومن أكل فليصم" فلم يدل ذلك على أنه أراد الصيام الشرعي؛ لتقدم الإخلاص بأحد شرطي الصوم؛ فكذلك هاهنا.
وأيضا فلو سلم لهم هذا في صيام هذا اليوم أنه صوم شرعي بعد دخول اليوم فاستحال أن تثبت له النية قبل العلم بشروعه؛ فصار محل المأمورين به محل أهل قباء حين أخبرهم المخبر بتحويل القبلة عن الشام إلى الكعبة وهم في الصلاة فاستداروا إلى الكعبة، ولم يوجب ذلك أن القصد

بها عند الدخول فيها لا يلزم كذلك ها هنا.
وأيضاً فإن صوم عاشوراء لما نسخ لم يجز القياس عليه؛ لأن رمضان وغيره يكون حينئذ فرعاً له ومعتبراً به؛ فلا يجوز أن يبطل حكم الأصل ويثبت حكم الفرع.
وتعلقهم بقوله صلى الله عليه وسلم: «وإنما لامريء ما نوى» لا يصح؛ لأن النية إنما تكون في مستقبل الأفعال دون ماضيها؛ لأن الفعل إذا انقضى لم يصح أن ينوى من بعد.
واعتبارهم بالنية قبل الفجر بعلة أنه ناو لصيامه غير صحيح؛ لأنه إذا نوى في بعض اليوم فهذه النية لا تتناول ما مضى؛ فلم يكن ناوياً لصيامه، وينتقض بالنذر والقضاء وبالنية في أمس اليوم وعلى أن المعنى في الأصل تقدم النية على الفعل (المنوي).
واعتبارهم بالتطوع غير مسلم؛ لأن الباب عندنا واحد في الموضعين.
وقولهم: لأن النية حصلت أكثر نهاره كما لو قدمها من الليل غير صحيح؛ لأنه إذا قدمها من الليل لم نقل إنها حصلت أكثر نهاره؛ لأنها قد استوعبت النهار كله، وإنما تغير هذه العبارة ما لم تستوعب، على أن المعنى في ذلك ما ذكرناه من تقدم النية على العمل المنوي، والله أعلم.
فصل واستدل أصحاب الشافعي على جواز ذلك في التطوع بقوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيراً فهو خير له﴾، والنافلة فعل خير.

وما روى طلحة بن يحيى عن عمته عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل علي َّ قال: «هل عندكم من طعام؟» فإذا قلنا: لا قال: «إني صائم».
وروي: «إني إذاً صائم».
وإذا للاستقبال.
وروي: «إني إذاً لصوم».
وروي: «إني ابتديء فأصوم».
وهذه كلها نصوص في موضع الخلاف.
وروى عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح ولم يجمع على الصوم، ثم يبدو له فيصوم.
ولأنها نية لصيام تطوع قبل الزوال؛ فأشبهت النية قبل الفجر.
ولأن [النفل] قد سومح فيه ما لم يسامح في الفرض؛ بدليل سقوط الكفارة عن الفطر عامداً في صيام التطوع ووجوبها في الفرض، وجواز صلاة النفل على الراحلة ومنع ذلك في الفرض.
ولأنها عبادة يجمع جنسها فرضاً ونفلاً يصح الخروج منها بالفساد؛ فوجب أن يفرق بين فرضها ونفلها بشيء من الشرائط والأفعال كالصلاة؛ وذلك أن الصلاة فرق بين فرضها ونفلها في استقبال القبلة والصلاة في الجلوس.

ولا فرق بين تنفل الصوم وفرضه إلا ما ذكرناه في النية.
والأصل في هذا ما قدمناه [ق/ 32 أ] من الظواهر والأقية في صوم الفرض.
وأيضا لأنه صوم شرعي؛ فوجب ألا يجزئ إلا بنية من الليل.
أصله: الفرض.
ولأنها عبادة من شرط صحتها النية؛ فوجب أن يستوي حكم نفلها وفرضها من وقت النية.
أصله: الصلاة والحج.
ولأنها عبادة يفسد أولها بفساد آخرها؛ فوجب ألا تتأخر النية عن بعض فعلها اعتبارا بالصلاة.
فإن قيل: المعنى في الصلاة أنه يجوز التراخي في تقديم النية على فعلها فلم يجز أن تتأخر عنها.
وليس كذلك الصوم.
لأنه يجوز أن يتراخى بين النية وبين وقت فعله فجاز أن تتأخر عن ابتدائه.
قيل له: إن هذا إنما جاز في الصوم من أجل المشقة في مراعاة الفجر، والرخص التي تثبت للمشقة لا يجوز أن يعتبر بها في أحكام تخالف الأصول.
ولأنها نية بعد الفجر فأشبهت النية بعد الزوال.
ولأن النهار لو كان زمانا تصح فيه نية صيام النفل لصحت فيه نية الفرض اعتبارا بالليل لما صح أن ينوي فيه صوم النفل صح أن ينوي فيه

صوم الفرض، فلما لم يصح ذلك في النهار علم أنه ليس بوقت لنية الصيام.
ولأن النهار لو كان وقت لنية الصيام لاستوى جميعه في جواز ذلك فيه كالليل، ولما لم يجز أن ينوى في النهار بعد الزوال على أنه ليس بوقت للنية، ولأن الإمساك لما اختص بأحد جنسي الزمان وهو النهار وجب أن تختص النية بصحة وقوعها بجنس منه بعلة أنهما شرطان في الصوم الشرعي.
فأما قوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيرا فهو خيرا له﴾ فلا دلالة فيه؛ لأن الخير إما أن يكون عبارة عما في فعله ثواب وهو قربة فهذا غير موجود في مسألتنا؛ لأنه مكروه ولا ثواب فيه.
وعلى أنه لم كان فيه ثواب لم يجب أن يكون صياما.
أو يكون اسم الخير مجملا؛ فيجب أن يقف على البيان.
وأما حديث طلحة بن يحيى فإنه منكر عند أصحاب الحديث، على أنه غير ممتنع أن يكون صلى الله عليه وسلم كان قد نوى من الليل ثم سأل عن الطعام، فلما لم يجد آثر استدامة ما كان عليه من الصيام؛ فقال: إني إذا صائم إني مستديم لما كنت عليه من الصيام.
فإن قيل: فهناك لفظ يمنع من هذا؛ وهو قوله: "إني إذا صائم"، فإذا للاستقبال.
قيل له: إن إذا وإن كانت للاستقبال إذا وردت في المواضع التي ذكرها

أهل العرب فإنها في هذا الموضع يراد بها الاستدامة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان قد نوى الصيام من الليل، ثم فكر في الإفطار إن وجد طعاما، فلما لم يجده قال: فإني إذا صائم؛ يعني: مستديم لما كنت عليه.
وهذا مثل من يريد سفرا وهو مقيم ببلده، فسأل عن الطريق فخبر بفسادها وأن السفر شاق فيه؛ فيقول جوابا عن ذلك: فأنا إذا مقيم.
وقد علمنا أن هذا قول صحيح ليس بلغو، وليس يقصد به استئناف إقامة؛ فإنما يريد استصحاب الإقامة واستدامتها، وإبطال ما كان عزم عليه أو حدث نفسه من قطعها؛ فكذلك سبيل قوله: "إني إذا صائم".
فإن قيل: قول هذا القائل: (إني إذا مقيم) معناه: إني مستأنف إقامة غير الأولى.
قلنا: وهذه الإقامة التي يستأنفها هي انتقال إلى شيء غير ما كان عليه فلابد من لا لأنه مقيم في الأول والثاني.
وإذا كان كذلك فهذا معنى الاستدامة التي عنيناها: لأنا لم نرد بقولنا إنها للاستدامة أنه يفعل نفس ما كان يفعله، وإنما أردنا أنه على ما كان عليه غير ناقض له ولا منتقل إلى غيره، وعلى أنهم إن رضوا بذلك فنحن نقول: إنه مستأنف صوما؛ لأن الإمساك الذي يفعله من بعد هو غير الأول.
فإن قيل: لا يصح هذا؛ لأنه أخبر له مستأنف صوما وأنتم لا تقولون الإمساك من وقت قوله؛ فإني إذا صائم يسمى صوما.
قيل له: ليس الأمر على ما قلته؛ لأن هذا الإمساك الذي يستأنفه يسمى صوما إذا اقترن بما قدمه، ولم يقل إني إذا صائم صوما منفردا لا ينضم إليه غيره.

وجواب آخر:؛ وهو أن متساوون في استعمال الخبر؛ وذلك أنا إذا راعينا الاحتمال جوزنا أن يكون صلى الله عليه وسلم نوى من الليل، وجوزنا أن يكون للاستدامة نوى من النهار، وجوزنا أن تكون (إذا) داخلة للاستقبال والاستئناف، وجوزنا أن تكون للاستدامة.
وقد علمنا أن الصيام بنية من الليل أفضل منه بنية من النهار، بل هو إذا نوى له في النهار مكروه.
وإذا كان كذلك فهم منعوا أن يكون نوى من الليل؛ ليسلم لهم أن (إذا) داخلة للاستئناف.
ونحن نقول: إنه نوى من الليل، ونمنع أن يكون نوى من النهار؛ ليسلم فعله من الوجه المكروه، ويحمل على الوجه الأفضل؛ فيجب تساوينا في الخبر؛ بل يكون ما صرنا إليه أولى؛ لأن حراسة فعله من أن يحمل على الوجه المكروه أو على وجه ناقص الفضيلة أولى من حراسة نقل اللفظ من حقيقته إلى مجازه.
فإن قيل: فقد ورد لفظ آخر؛ وهو قوله: "إني إذا أبتدئ فأصوم".
قيل له: هذا لم يسمع إلى هذا الوقت، فإن ثبت [ق/ 33 أ] نظر فيه على أنه لا يمنع أن يكون أراد به الاستدامة أيضا كما يقول المقيم الذي يريد السير ثم يبدو له بما يخبر عنه من فساد الطريق فأنا إذا أبتدئ فأقيم، معناه: أعزم العزم الصحيح على استدامة الإقامة من غير تروية بين قطعها والثبوت عليها؛ فكذلك سبيل قوله: (إني إذا أبتدئ فأصوم)، على أن حقيقة هذا تقتضي أن يكون مستأنفا للصيام من ذلك الوقت، ويكون ما مضى ليس بصيام.

وهذا ليس بصحيح عندنا؛ لأن الإنسان لا يكون صائما في بعض اليوم وغير صائم في بعضه.
فإن قيل: فإن كل هذا الاستعمال غير سائغ على قولكم؛ لأنكم لا تجوزون للمتطوع بالصيام أن يقطع صومه عذر.
قيل له: وليس في الخبر ذكر العذر ولا عدمه، وغير ممتنع أن يكون وجد عذرا جاز له معه قطع الصوم من شدة جوع أو مرض يبيح الفطر، فلما لم يجد الطعام آثر الحمل على نفسه وإتمام الصيام.
وما رووه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح ولم يجمع على الصوم، ثم يبدو له فيصوم فيه لفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون ابن عباس قال ذلك لمذهب له في النية كما حكي أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج من ميمونة وهو محرم؛ لأنه كان يرى أن الإنسان يكون محرما بتقليد الهدى؛ فحكاه على مذهبه؛ فلا يترك بهذا ظواهر النصوص والأخبار وصحيح المقاييس والاعتبار.
ويحتمل أن يكون أراد أنه لم يكن يجمع على الصيام حتى يقارب الإصباح؛ فعبر به عن مقاربته؛ كما قال: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾؛ فعبر باسم الخمر عما يؤل إليها.
وكما قال تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن﴾، وقال: (فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك)؛ معناه قاربت الإتمام.

وتكون فائدة ذلك أنه ليس عليه أن ينوي من أول الليل، وأنه يجوز أن ينوي مع طلوع الفجر.
وقولهم: لأنها نية لصيام تطوع قبل الزوال فأشبهت النية قبل الفجر لا يصح؛ لأن هذه العبارة لا تستعمل في الأصل؛ وذلك أن الفعل الواقع قبل دخول أصل الوقت لا يقال فيه إنه واقع قبل وسطه وآخره.
وإنما يصلح هذا في أبعاض الوقت الواحد.
ألا ترى أن الإنسان لو تنفل قبل الفجر أو قرأ شيئا لم يجز أن يعبر عنه لمن سألته متى فعلت ذلك؟ بأن يقول: إني فعلته قبل الزوال أو قبل العصر أو قبل أن يضحى النهار؛ لأن كل هذه العبارات تفيد أنه فعله بعد الفجر.
وأيضا فإن هذا الوصف لا يؤثر في الأصل؛ لأن النية إذا وقعت قبل الفجر صحت في الفرض والنفل؛ فلا معنى لتقيد صحتها بكونها واقعة لصيام نفل.
وأيضا فإنه ينتقض به إذا نوى لصيام تطوع من أمسه؛ لأنها نية قبل الزوال على ما قالوه.
وأيضا فالمعنى في الأصل أنه وقت لنية صوم الفرض؛ فكان وقتا لنية صوم النفل، وليس كذلك النهار.
أو نقول: لأنها نية تقدمت على إمساك جميع اليوم، وليس كذلك إذا وقعت في بعض النهار.
وقولهم: إن النفل قد سومح فيه ما لم يسامح في الفرض كلام مجمل غير مقرر ولا محصل، ولا يجوز إذا وقعت المسامحة في شيء أن تقع في غيره إلا بدليل، وعلى أن شروط الصحة ثابتة في الموضعين.

وإنما تقع المسامحة في أحكام تجري مجرى الفروع مثل سقوط القضاء والكفارة، واختلاف حال الأداء في الصلاة، وما أشبه ذلك؛ ألا ترى أن هذا الذي قالوه لا يجوز سقوط أصل النية في التطوع ولا يوجب؟ ألا يفسده الوطء والأكل على وجه العمد، وغير ذلك من شروطه؟ فبان بهذا سقوط ما قالوه.
وقياسهم على الصلاة بعلة أنها عبادة يجمع جنسها فرضا ونفلا، يصح الخروج منها بالفساد؛ فوجب أن يفرق بين فرضها ونفلها بشيء من الشرائط والأفعال كالصلاة.
فالجواب عنه: أنه تعليل بحكم مجمل غير محصور ولا محصل؛ فلا يلزم الكلام عليه إلا بعد بيانه وتفسيره.
وعلى أن الصلاة الفرض ليس بينها وبين صلاة النفل فرق في الشرائط، وإنما تفترقان في الأداء وصفته، وهذا المعنى لا يمكن في الصوم؛ لأنه فعل واحد- وهو الإمساك- فلا يمكن أن يخالف بين أدائه.
والصلاة أفعال مختلفة يمكن الخلاف بين أدائها.
وأيضا فإنا نقول بموجب ذلك؛ وهو أن تعيين النية واجب في صوم الفرض، وإطلاقها يلغى في النفل؛ على ما قاله بعض أصحابنا.
وأيضا فإنه ينتقض بالاعتكاف؛ لأن أوصاف العلة موجودة فيه.
ثم لا فرق بين فرضه ونفله في شيء مما ذكروه، وفرضه هو النذر.
وأيضا فإنا نعكس هذه العلة ببعض أوصافها فنقول: لأنها عبادة يجمع جنسها فرضا ونفلا؛ فوجب أن يكون وقت النية في فرضها هو وقت النية

في نفلها.
أصله: الصلاة.
وهذا أولى عما قالوه، والله أعلم.
فصل فإذا ثبت ما ذكرناه عدنا إلى مسألة الكتاب فنقول: إنه إذا بيت من أول الشهر بجميعه أجزأه على شرائط قد ذكرها أصحابنا.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجزئه إلا أن يجدد النية في كل ليلة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم [ق/ 34 أ]: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، والمراد بذلك: الليل الذي يعقبه الصيام؛ فكأنه قال: لا صيام لمن لم يبيته من ليلته.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له".
والألف واللام ها هنا للتعريف والعهد؛ فكأنه قال: قبل فجره.
ولأنه صوم يوم واجب فوجب أن ينوي له من ليلته.
أصله: اليوم الأول.
ولأن الليلة الثانية والثالثة ليلة من رمضان؛ فوجب أن ينوي فيها

لغدها؛ اعتبارا بالليلة الأولى.
ولأن الصوم عبادة تؤدى وتقضى؛ فوجب أن يكون عدد النية في الأداء كالعدد في القضاء.
أصله: الصلاة.
ولأنه صيام أيام؛ فوجب أن ينوي لكل يوم منه من ليلته.
أصله: ما عدا رمضان.
ولأن صوم كل يوم من رمضان عبادة بانفرادها؛ بدلالة أن فساده لا يتعلق بفساد غيره، وأن الصبي إذا بلغ في خلال اليوم لم يلزمه قضاء ما فاته من الشهر.
فإذا كان كذلك وجب أن يفتقر إلى نية مجددة، ولا يجوز أن يجعل الشهر كله عبادة واحدة؛ لما ذكرناه ولأنه كان يجب ألا يجوز تفريق النية على أبعاضه كما لم يجز ذلك في الصلاة الواحدة.
وإذا صح أنه عبادات افتقر إلى نيات بعدده كالصلوات ولأنه لما لم يجز أن يمسك بجميع الشهر الأول كذلك لم يجز تقديم النية له بعلة أنهما شرطان في الصوم الشرعي.
والذي يدل على ما قلناه قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" وهذا يفيد ثبوت حكمها.
والاعتداء بها متى قارنتها النية.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما لامرئ ما نوى".
وهذا نوى صوم جميع الشهر؛ فيجب أن يكون له ذلك.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل"، وهذا قد يبيته من الليل، ولم يفرق بين صيام دون صيام.
وظاهر الخبر يفيد أن كل صيام بيت له من الليل فإنه يجزئ.
فإذا ردوا استدلالهم بالخبر وقالوا: معنى ذلك الصيام الذي يتعقبه الليل؛ لأن الألف واللام للعهد.
قيل لهم: أن قوله: (لا صيام) نفي مطلق، وقوله (من الليل) عام في جنس الليل، وليس بمقصور على ليل دون غيره؛ فالعموم معني في ذلك وما ذكروه في ذلك مدعى لا دلالة فيه، وعلى أن الليلة الأولى معهودة بجميع الشهر أيضا فيدل على ما قلناه أن أيام رمضان لما كانت واجبة مستحقة العين ابتداء ولم يكن بينها زمان يصلح للصيام جاز أن تتقدم النية لجميعها من أول الشهر، وجرت مجرى اليوم الأول في أن النية الواحدة كافية لجميعه إذا تقدمت أوله؛ لما ذكرناه من كونه واجبا مستحق العين ابتداء لا يتخلل أجزاءه وقت آخر يصلح لصيام.
وتحرير هذه النكتة أن يقال: لأنها نية لصوم قدمت عليه بأوقات لا يصلح للعمل غيره من جنسه، أو لا يصلح لصوم غيره؛ فجاز تقديمها عليه في هذه الأوقات.

أصله: أداء اليوم الأول من أول ليلة.
وأيضا فإن صوم كل شهر عبادة واحدة عندنا؛ بدلالة أنه لا يتخلله عمل من جنسه غيره؛ فجرى مجرى الصلاة الواحدة.
وإذا ثبت هذا فالأخبار قد أجبنا عنها.
واعتبارهم باليوم الأول باطل؛ لأنه إنما وجب أن ينوي له من ليلته؛ لأنه لو نوى له في ليلة غير ليلته لكان قد تخلل النية والعمل المنوي زمان يصلح لغيره، وليست كذلك حكم أيام رمضان.
واعتبارهم بالليلة الأولى يجاب بهذا أيضا، ولأن الليلة التي قبلها ليست من رمضان؛ فلا يجوز أن ينوي الشهر قبل دخوله.
وقولهم: يجب أن يكون عدد النية في الأداء كعددها في القضاء غير صحيح؛ لأن اعتبار الأداء بالقضاء لا يصح؛ لما ذكرناه من أن الأداء يقع في زمان لا يتخلله عمل سواه من جنسه، ولا يصلح الزمان لغيره، والقضاء يقع في زمان يصلح لغيره من جنسه، وقد يجوز أن يتخلله ما ليس من جنسه أيضا- وهو الفطر- لأن قضاء رمضان ليس بواجب متابعته.
وأيضا فإن هذه النية عندنا في حكم النيات المجردة على معنى أنها نية لأيام كثيرة.
وقياسهم على ما عدا رمضان باطل بهذه النكتة أيضا؛ وهو أنه وقت يصلح غير المقصود، وليس بمستحق العين ابتداء.
واستدلالهم على بطلان كون رمضان عبادة واجدة بأن فساد بعض الأيام

لا يؤدي إلى فساد غيره غير صحيح؛ لأنا لم نقل أنه عبادة واحدة على هذا التأويل، وإنما أردنا أنه عبادة واحدة في الوجه الذي ذكرنا كالصلاة الواحدة.
ويبطل ما قالوه بالوضوء؛ لأنه عبادة واحدة، وإذا فسدت طهارة الرجلين لخلع الخف لم تبطل طهارة سائر الأعضاء.
وقولهم: كان يجب ألا يجوز تفريق النيات على أبعاضه باطل بالوضوء [ق/ 35 أ] أيضا.
وقولهم: لما لم يجز أن يمسك لجميع الشهر في اليوم الأول لم يجز أن ينوي لهم من أوله كلام محال؛ لأن ما لا يصح وقوعه من المكلف لا يجوز أن يقال له فيه أنه يجوز له فعله أو لا يجوز.
وقد علمنا أن إمساك جزء اليوم لا يصح مع عدم اليوم فلم يصح أن يقال: لا يجوز تقديم الإمساك، وليس كذلك تقديم النية؛ لأنه لا يحتاج إلى مصادفة الزمان ووجوده؛ ألا ترى أنها تجب قبل دخول الوقت المنوي؟ فبطل بذلك ما قالوه.
والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: ويتم الصيام إلى الليل.
وهذا كما قال: الصيام الشرعي: هو إمساك النهار كله، وعليه أن يمسك إلى دخول الليل.

والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا﴾ الآية.
إلى قوله: ﴿ثم أتموا الصيام﴾.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبل الليل من ها هنا أفطر [الصائم] ". ولا خلاف في ذلك.
مسألة قال رحمه الله: "ومن السنة تعجيل الفطر، وتأخير السحور".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: وذلك لما رواه مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".
وروى مالك عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ولم يؤخروه تأخير أهل المشرق".
وروى محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه

قال: "لا يزال الدين ظاهرا ما [عجل] الناس الفطر؛ لأن النصارى واليهود يؤخرون".
وروى الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي عطية قال: دخلت على عائشة- رضي الله عنها- أنا ومسروق فقلنا: يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والأخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة؟ فقالت: أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة قلنا: عبد الله بن مسعود.
قالت: كذلك كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى شعبة عن قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الغداة.
قلنا لأنس: كم كان بين فراغه من سحوره ودخوله في الصلاة؟ قال: ما يقرأ رجل خمسين آية.
قال مالك: سمعت عبد الكريم بن المخارق يقول: من عمل النبوة تعجيل الإفطار، والاستيناد بالسحور.
والمعنى في ذلك أن في تأخير السحور قوة على الصوم، وكذلك في

تعجيل الفطر قوة على الصلاة؛ فكان أولى به.
مسألة قال رحمه الله: "وإن شك في الفجر فلا يأكل".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله-:وهذا لأن إباحة الأكل متعلقة بيقين بقاء الليل، فإذا شك في الفجر لم يجز له الأكل؛ لأنه لا يأمن أن يكون قد أكل في الفجر؛ فيكون قد غرر بصيامه.
فإن أكل ولم يتبين له أنه أكل قبل الفجر أو بعده قال ابن القاسم: عليه القضاء؛ وذلك لما قلناه من أنه ليس على ثقة في إمساك جميع اليوم؛ لجواز أن يكون أكل بعد الفجر.
وخالفنا أهل العراق والشافعي فقالوا: إذا أكل وهو شاك في طلوع الفجر فلا قضاء عليه، وإذا أكل وهو شاك في غروب الشمس فعليه القضاء.
قالوا: لأنه إذا شك في طلوع الفجر فالأصل هو الليل فبنينا الأمر على اليقين، وإذا شك في غروب الشمس فالأصل بقاء النهار؛ فوجب اعتبار الأصل.
قالوا: ولقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، فأباح الأكل إلى أن يتبين الفجر، وهذا أكل ولم

يتبينه؛ فوجب أن يكون فعل ما له أن يفعل.
قالوا: ولأن اليقين لا يسقط بالشك، وإذا صح ذلك وكان الليل ثابتا بيقين لم يجز أن يوجب عليه القضاء بشك، ولا أن يكون شكه في طلوع الفجر يسقط اليقين الذي هو بقاء الليل.
والذي يدل على ما قلناه أنا قد اتفقنا على أنه إذا أكل وهو يشك أن الشمس قد غربت أن عليه القضاء؛ فكذلك إذا أكل وهو يشك في طلوع الفجر.
والمعنى في ذلك أنه أكل في وقت يجوز أن يكون من النهار.
فإن قيل: إذا لزمه القضاء في الأصل؛ لأنه شك طرأ على يقين فاعتبرنا حكم اليقين؛ فيجب أن يكون كذلك في هذا الموضع.
قيل له: إن الأصول مختلفة في اعتبار حكم اليقين؛ فمنها ما يعتبر فيه حكم اليقين ولا يزال بالشك؛ وذلك مثل أن يتيقن الزوجية ويشك في الطلاق، ومثل أن يشك هل صلى ثلاثا أم أربعا.
فهذا كله يبنى فيه على اليقين.
ومنها ما يخالف هذا؛ وهو أن يشك في الحدث بعد اليقين بالطهارة على ما بيناه؛ فإن هذا يلزمه الطهارة عندنا إذا لم يكن في الصلاة.
وكذلك إذا شك هل طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا؛ فإنها تكون ثلاث عندنا، ولا يعتبر اليقين.
وإذا [ق/ 36] كانت الأصول مختلفة لم يجز رد هذا الفرع إلى بعضها إلا بدليل، وعلى أن اعتبار اليقين معنا من الوجه الذي نذكره؛ وذلك أنه إذا كان الأصل أنه لم يصم هذا اليوم، ثم اختلفنا إذا أكل وهو يشك في

طلوع الفجر فقلنا: إنه لا يحكم له بأنه قد صام اليوم، وقالوا: يحكم بأنه صام.
وإذا اعتبرنا حكم اليقين في هذا الموضع كان القول ما قلناه من أنه لم يصم.
فإن قيل: فإذا اختلفنا في هذا الأكل هل هو بعد الفجر أو قبله، وكان الأصل هو الليل وجب ألا يلتفت إلى هذا الشك.
قيل له: وإذا اختلفنا في هذا الإمساك هل هو صيام أم لا، وكان الأصل أنه ليس بصيام وجب أن يرجع في هذا إلى الأصل.
طريقة أخرى: يقال لهم: أتسلمون أنه يحرم عليه الأكل بشكه بطلوع الفجر؟ فإن قالوا: نعم صح ما قلناه؛ لأنه إذا لم يجب البناء على اليقين الذي هو جواز الأكل في الليل هاهنا وجب إذا أكل فيه أن يلزمه القضاء.
وإن قالوا: لا نسلم ذلك قيل لهم: الذي يدل على ما قلناه أن إباحة الأكل متعلقة بالعلم ببقاء الليل أو غلبة الظن القائم مقام العلم يدل على ذلك أن الإباحة لو لم تكن مشروطة بهذا المعنى لم يلزم الإنسان أن يتوقف لينظر هل طلع الفجر أم لا.
وإذا صح ما قلناه ثبت أنه ممنوع من الأكل؛ ويبين ذلك أنا قد اتفقنا على أن عليه أن يمسك جميع أجزاء اليوم.
وإذا صح ذلك وجب ألا يجوز له الأكل مع الشك في الفجر؛ لئلا يكون قد أكل في وقت أخذ عليه الإمساك فيه؛ فصح بذلك ما قلناه.
فأما اعتبارهم بالأصل فقد أجبنا عنه، وأما الظاهر فإنه دليلنا؛ لأنه قال: يتبين لكم وهذا يفيد أن إباحة الأكل متعلقة بالعلم بحصول الليل؛

لأنه شرط معه بأن يتبين الفجر منه، وهذا المعنى لا يصح إلا مع العلم به، فأما مع الشك فلا؛ لأنه لا يتبين معه زوال الليل وطلوع الفجر.
وإذا صح هذا ثبت أن إباحة الأكل مرتفعة مع الشك.
وقولهم إن الشك لا يسقط اليقين يلزمهم عليه ما قلناه في الحكم لهذا الإمساك بأنه صوم.
والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: "ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان، ومن صامه لذلك لم يجزءه وإن وافقه رمضان، ولمن شاء أن يصومه تطوعا أن يفعل".
قال القاضي أبو محمد بن عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: في هذه المسألة أربعة فصول: أحدها: أن الصيام يوم الشك يصح على بعض الوجوه، خلافا لأصحاب داود حيث قالوا: لا يصح صومه أصلا.
والثاني: المنع من صومه على أنه من رمضان.
والثالث: أنه لا يجزئه إن صامه على ذلك، ثم ثبت أنه من رمضان.
والرابع: أن صومه متطوعا ابتداء لا على نية استقبال رمضان جائز.
فأما الكلام في الفصل فهو أن يقول: لأنه يوم من شعبان فصح

صومه.
أصله: ما قبل ذلك من الشهر.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم شهرا قط تاما إلا شعبان، فإنه كان يصومه ويصله برمضان.
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يتقدمن أحدكم صوم شهر رمضان بيوم ولا يومين، إلا أن يكون صوم رجل فليصم ذلك اليوم".
فبطل بهذا كله قولهم أنه لا يصح صومه أصلا.
فصل وأما المنع من صومه على أنه من رمضان، والمنع من إجزائه إن ثبت ذلك، فالخلاف فيه مع أبي حنيفة؛ لأنه يجوزه، ويبنيه على أصله في أن نية رمضان يجوز أن يؤتى بها بعد الفجر، وأن تعيين النية لا يلزم في الصوم.
والدلالة على صحة قومنا ما رواه سماك عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حين ترونه، فإن حال دونه غمام فأتموا العدة ثلاثين".
وروى جرير عن منصور عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، وتكملوا العدة".

ووجه الاستدلال من هذين الخبرين أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن صومه إلا بأحد هذين الشرطين فمتى ما لم يوجدا أو أحدهما فيجب ألا يجزئه؛ لأنه أوقعه على خلاف الوجه المأمور به.
وأيضا فإنه لو شك في طلوع الفجر فصلى ركعتين ينوي بهما صلاة الفجر إن كان الفجر قد طلع أو التطوع إن لم يكن قد طلع، ثم بان له أن الفجر كان قد طلع لم يجزئه؛ فكذلك إذا صام يوم الشك على أنه إن كان من رمضان فقد أدى فرضه وإن لم يكن من رمضان فهو تطوع يجب ألا يجزئه في الصلاة.
وما ذكروه من سقوط تعيين النية وتراخيها عن الفجر لا يصح على أصلنا.
فصل وأما الكلام على أن صومه على وجه التطوع جائز، خلافا لمحمد بن مسلمة والشافعي حيث قالا: يكره صومه إلا أن يوافق صوما كان يصومه، ونكرهه [ق/ 37 أ] ابتداء.
فالدلالة على ما قلناه أنه يوم محكوم له بأنه من شعبان؛ فصح أن يصام تطوعا على كل وجه سواء الاستقبال.
أصله: ما قبل ذلك الشهر.
أو نقول: كل يوم صح أن يتطوع به على وجه صح أن يتطوع به على كل وجه.
أصله: ما ذكرناه.

ولأنه يوم يصح أن يصام عن قضاء رمضان؛ فصح أن يصام نفلا كسائر الأيام، ولأن الفرض آكد من النفل فإذا جاز أن يصام فيه الفرض كان النفل بالجواز أولى.
ولا تعلق لهم بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم الشك؛ لأن معناه أن يصومه على وجه الشك، فأما إذا صامه لا على هذا الوجه بل على وجه التطوع فإن ذلك جائز؛ بدلالة جواز صومه إذا وافق صوما كان يصومه.
ولا يصح احتجاجهم بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقدموا الشهر بيوم ولا يومين"؛ لأن هذا لا يتناول موضع الخلاف؛ لأنا نمنع أن نصومه بنية تقديم الشهر واستقباله على وجه التعظيم، وإنما خلافنا إذا صامه تطوعا ابتداء، لا على هذا الوجه.
ولا معنى لقولهم إذا صام رمضان فرض، وصم يوم شعبان نفل، وإنه يجب أن يحافظ على الفرض بأن يترك صوم هذا اليوم ليقوى على أداء الفرض؛ لأن هذا يسقط به إذا وافق صوما كان يصومه، ولأن في صومه معنى آخر؛ وهو أن يخف عليه صوم الفرض ويسهل عليه ويعتاده؛ فلم يكن منعه بما قالوه بأولى من جوازه بما قلناه.
ولا يصح تعلقهم بما روي أن عمارا أتى بشاة مصلية فقال: كلوا فامتنع القوم، فقال عمار: (من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)؛

لأن ذلك ليس بأكثر من صريح نهيه صلى الله عليه وسلم عن صومه، وقد بينا أن معناه أن يصام على وجه الشك، ولأن هذا يلزم في الموضع الذي يجيزه مخالفنا؛ وهو إذا وافق صوما كان يصومه.
ولأن أكثر ما في هذا أن يكون عمار اعتقد أن صومه على كل وجه لا يجوز فأضاف ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم لاعتقاده.
وفي المسألة خلاف وبإزاد عمار غيره من الصحابة وإذا صح هذا سقط ما تعلقوا به.
مسألة قال رحمه الله: "ومن أصبح [ولم] يأكل ولم يشرب، ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان لم [يجزئه]، وليمسك عن الأكل في بقيته، [ويقضه].
قال القاضي أبو محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله-: إنما لم يجزه؛ لأنه أصبح مفطرا بترك النية وإن لم يكن أكل؛ لأنه يفطر بترك النية كما يفطر بترك الإمساك، والنية عندنا لا تصح بعد طلوع الفجر؛ فلذلك لم يجزئه.
وإذا لم يجزئه وجب أن يقضيه كما لو أكل لكان عليه أن يقضيه؛ لأنه

مفطر في الموضعين.
وإنما أمرناه بالكف في بقية اليوم سواء أكل أو لم يأكل؛ لأنه إذا ثبت أن اليوم من رمضان ولم تكن هناك رخصة في إفطار اليوم مع العلم بكونه أنه من رمضان كان ذلك يقتضي الكف في بقية اليوم؛ يبين ذلك أنه لو علم قبل الفجر بأن اليوم من رمضان لم يكن لهم أن يفطروه مع العلم فإن أكل هذا الذي أمرناه بكف بقية اليوم على وجه التأويل فلا كفارة عليه.
وأما إن أكل على وجه العمد والهتك لحرمة الشهر والعلم بما على الأكل في نهار رمضان من غير عذر فإن ابن القاسم قال: عليه الكفارة، ورواه عن مالك.
وهذا يجب أن يكون استحسانا، وليس بقياس.
وأما القياس: فإنه لا كفارة عليه؛ لأن الكفارة تتعلق بالأكل الذي به يفسد الصوم، لا بالأكل الذي يقصد به الهتك مطلقا؛ يبين ذلك أنه لو أفسد صومه بالأكل من غير عذر لوجبت عليه الكفارة.
فلو أكل ثانية على الوجه الذي أكل عليه أولا من قصد هتك حرمة الشهر لم تلزمه كفارة أخرى؛ لهذا المعنى الذي ذكرناه؛ وهو أن هذا الأكل لم يتعلق به إفساده الصوم فلم تجب به كفارة.
فبان بذلك أن الأمر على ما ذكرناه.
وإنما قلنا: إن عليه أن يقضيه سواء كان نوى التطوع من الليل أو لم ينو أصلا؛ لأنه إن كان لم ينو فقد أصبح مفطرا بترك النية، وإن كان قد نوى تطوعا لم تنبت له عن نية الفرض؛ لأن تعيين النية واجب عندنا.

وفرق عبد الملك بن الماجشون وصاحبه أحمد بن المعدل بين أن يصبح وقد نوى التطوع وبين أن يصبح ولم ينو شيئا فقالا: إن أصبح ولم ينو صوما أتم بقية اليوم وأجزأه، وإن كان قد نوى تطوعا لم يجزئه وعليه القضاء.
وهذا ليس بصحيح- على قول مالك- لوجوب النية في الأصل، ووجوب تعينها على ما ذكرناه.
فصل وتعيين النية في صيام رمضان واجب عندنا، وعند الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجب ذلك، ولو نوى التطوع أو أطلق لأجزأه عن رمضان، سواء كان حاضرا أو مسافرا.
وإن نوى النذر أو الكفارة أجزأه عن رمضان إن كان حاضرا، وعن نذر إن كان مسافرا.
والذي يدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا أمر يقتضي الامتثال، وقد بينا أن الفعل لا يكون امتثالا إلا بالقصد إلى ذلك.
وإذا صح هذا وجب إلا أطلق [ق/ 38] النية ولم يعين أو نوى التطوع ألا يكون ممتثلا؛ لأنه لم يقصد الوجه الذي أمر به؛ لأن الأمر إذا كان بأن يصومه على الوجوب فوجب أن يقصد بالفعل إيقاعه على الوجه

الذي أمر أن يصومه عليه.
فإن قيل: هذا وليلنا لأنه يوجب أن يصام صوما شرعيا، والصوم الشرعي يقع تارة مع تعيين النية وتارة بغير تعيين؛ فيجب أن يجزئه على أي وجه أوقعه على وجه يجوز في الشرع.
قيل له: ليس الأمر على ذلك؛ لأنه لم يؤمر أن يصومه على وجه يجوز في الشرع أن يصام عليه، وإنما أمر أن يصومه على الوجه الذي أمر به على ما بيناه.
فإن قيل: إن الأمر هو بفعل الصوم دون الوقت؛ لأن الوقت لا يتعلق به التكليف؛ فإذا قال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ فكأنه قال: فليفعل الصوم، فيه، وهذا لا يفيد نية الوقت كما لو قال: (صم يوم السبت) لم يتضمن ذلك إيجاب نية يوم السبت في الصوم.
قيل له: إذا أوجب علينا أن نصوم شهر رمضان، واحتجنا إلى الامتثال لزمنا أن نقصد بالفعل الوجه الذي أمرنا أن نصومه عليه.
وهذا ظاهر.
فأما قولهم: إن الوقت لا يتعلق به التكليف فليس هذا مما نحن فيه، وإنما وجه تعلقنا أن يكون قصد الامتثال مطابقا للوجه الذي يتناوله الأمر، ومعلوم أنه إذا أمر بصومه على وجه الفرض فصامه يعتقد التطوع فإنه لم يأت به على الوجه المأمور به.
ويدل على ما قلناه قوله صلى الله عليه وسلم: "وإنما لامرئ ما نوى"،

جارٍ التحميل