فصل فأما قوله: إنه يستلم الحجر بعد الركوع إن قدره؛ فلأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك فعل، وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فركع، ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا إلى الصفا قرأ:} إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴿. وقد روى من غير هذا الطريق أيضًا؛ فلذلك استحببناه.
فصل
فأما قوله أنه يخرج بعد ذلك إلى الصفا فيقف عليه بالدعاء؛ فلأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك فعل؛ فروى ابن وهب وحاتم بن إسماعيل وغيرهما عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف في حجته، ثم رجع فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قال:﴾ إن الصفا والمروة من شعائر الله {؛ نبدأ بما بدأ الله به؛ فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فكبر الله تعالى وحده، وقال: "إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".
ثم دعا صلى الله عليه وسلم بين ذلك وقال مثل ذلك ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا
أنصت قدماه رمل في بطن الوادي حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة فصنع على المروة مثل ما صنع على الصفا حتى كان آخر طوافه على المروة.
وروى مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين خرج من المسجد وهو يريد الصفا وهو يقول: "نبدأ بما بدأ الله عز وجل به" فبدأ بالصفا.
وأنه صلى الله عليه وسلم حين هبط من الصفا مشى حتى إذا أنصبت قدماه في بطن المسيل سعى حتى ظهر منه.
قال: وكان يكبر على الصفا والمروة ثلاثًا ويهلل واحدة.
بن رباح عن أبي هريرة قال: أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل مكة فاستلم الحجر ثم طاف بالبيت ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت، ورفع يديه فجعل يذكر الله تعالى ما شاء أن يذكره ويدعوه.
فلهذا قال بعد الطواف والركوع والاستلام يخرج إلى الصفا للسعي بينه وبين المروة، وأنه يبدأ بالصفا منه إلى المروة، ويحتسب بذلك شوطًا، ثم يرجع من المروة إلى الصفا فيحتسب بذلك شوطًا إلى أن يفرغ من السعي بالشوط السابع وخاتمه المروة؛ فيكون ذلك سبعة أشواط وثماني وقفات؛ أربعًا على الصفا، وأربعًا على المروة.
ولا خلاف في هذا الجملة إلا شيء يحكى عن جرير لا يعتد به لو صح عنه.
فصل
والسعي ركن من أركان الحج، وفرض من فروضه، [ق/ 138] لا ينوب الدم عنه، وبه قال الشافعي - رضي الله عنه -.
وقال أبو حنيفة: هو واجب وليس بركن، وينوب عنه الدم.
واستدل أصحابه بقوله تعالى:} فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴿.
قالوا: ففي هذا الظاهر دليلان:
أحدهما: أن قوله سبحانه: فلا جناح" من ألفاظ الإباحة دون الوجوب؛ كقوله عز وجل:﴾ فلا جناح عليكم فيما فعلن ﴿؛ كذا وقوله عز وجل:﴾ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴿، وما أشبه ذلك.
وإذا صح هذا ثبت أنه مباح غير واجب.
والوجه الآخر أنه قد قرأ:﴾ فلا جناح عليه أن يطوف بهما}.
وروى ذلك عن ابن مسعود، وأبي، وابن عباس، وأنس.
وأقل ما في هذا أن يكون كخبر واحد.
وروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجة".
وظاهر ذلك نفي بقى ركن عليه، إلا أن تقوم دلالة.
قالوا: ولأن السعي لا يثبت له حكم إلا على وجه التبع للطواف؛ بدلالة أنه لا يفعل منفردًا بنفسه، ولا يؤتى إلا عقيب طواف، وأنه ليس له وقت يخصه، وإنما يقف فعله على الفراغ من الطواف؛ يبين ذلك أنه إذا فرغ من طوافه جاز له أن يسعى عقبيه في وقت لو أراد ابتداء الطواف فيه لم يكن له ذلك؛ فبان بما وصفنا أنه تابع للطواف، وما كان من توابع غيره لم يكن ركنًا؛ كالمبيت بالمزدلفة؛ ألا ترى أن الإحرام والوقوف لما كانا ركنين كان لهما حكم أنفسهما، ولم يفعلان تبعًا لغيرهما.
قالوا: ولأن السعي لو كان ركنًا لكان من جنسه ما ينتفل به وليس بركن؛ ألا ترى أن الوقوف بعرفة لما كان ركنًا كان من جنسه ما ليس بركن ويتنفل به وهو الوقوف بالمزدلفة، وكذلك الطواف لما كان ركنًا كان من جنسه ما ليس بركن ويتنفل به؛ وهو طواف الورود والوداع، وفي علمنا
أن السعي لا يتكرر في الحج دلالة على أنه ليس بركن.
قالوا: ولأنه مفعول بعد الإحرام لا يفعل من جنسه غيره فلم يكن ركنًا؛ كالحلق والذبح.
قالوا: ولأنه نسك ذو عدد غير متعلق بالبيت فأشبه رمى الجمار.
ولأنه نسك يفعل في حال الإحرام لا على وجه اللبث؛ فأشبه رمى الجمار.
قالوا: ولأن السعي إنما فعل لإظهار القوة والجلد، ونفى الضعف وما كانت العرب تضيفه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من أن حمى يثرب نهكتهم ووهنتهم - على ما روى في حديث ابن عباس -، وما هذه سبيله فليس بركن.
والدلالة على صحة قولنا: ما رويناه من حديث جابر وأبي هريرة وغيرهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف وسعى بين الصفا والمروة، وأفعاله على الوجوب، وسيما إذا كانت بيانًا، وهذا موضع البيان بقوله: "خذوا عني مناسككم".
ويدل عليه أيضًا ما رواه عطاء عن صفية بنت شيبة عن حبية بنت أبي تجزئه قالت: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الصفا والمروة، ويقول: "اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي"، وأرني موضع إزاره، وإنه ليدور على ساقه من شدة السعي حتى أقول: إني أرى ركبتيه.
ففي هذا الخبر أدلة:
أحدهما: فعله صلى الله عليه وسلم.
والثاني: مورد البيان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم".
والثالث: قوله: "اسعوا" فهذا أمر، وهو على وجوبه.
والرابع: إخباره بإيجاب الله تعالى ذلك علينا بآكد ألفاظ الوجوب وأبلغها؛ وهو المكتوب.
فإن قيل: ليست في الخبر أكثر من أنه واجب، ونحن نقول بذلك.
ولأن خلافنا في أن الدم ينوب عنه إذا تركه أو لا، وليس في الخبر ما ينفى ذلك.
فالجواب عن هذا جوابان:
أحدهما: أن الخبر يفيد وجوب السعي فرضًا مكتوبًا حتمًا، وهم لا يقولون بذلك.
وإذا ثبت كونه فرضًا مكتوبًا اقتطع بذلك ألا يسقط عنه إلا بفعله له، وعندهم أنه يسقط بالدم، وهذا يخرجه عن كونه فرضًا.
والثاني: أنه لو سلمنا أنه يفيد الوجوب فقط لكان إيجابه يقتضي إيجاده، وأن لا يقوم غيره مقامه إلا بدليل.
فإن قيل: إن الخبر يوجب السعي؛ وهو مشى على صفة، وقد اتفقنا على أن المشي على تلك الصفة ليس بركن، وهو الذي ورد به الخبر؛ فسقط التعلق به.
فالجواب: أن السعي المراد بالخبر هو المشي بين الصفا والمروة على صفة
(الهرولة) في بعضه، وإنما سمى الجميع سعيًا باسم بعضه، فإذا سقطت الهرولة لم يسقط؛ لأن اللفظ يتناولها؛ فسقوط الصفة لا يوجد سقوط الموصوف؛ كما روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله عز وجل يأمركم أن ترفعوا أصواتكم بالتلبية"؛ فتضمن هذا وجوب التلبية ورفع الصوت بها، فإذا سقط رفع الصوت لم يسقط أصل التلبية.
ويدل على ما قلناه أيضًا ما رويناه للقاضي إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا على بن المديني قالك حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن عطاء أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة - رضي الله عنها -: "طوافك بالبيت، وسعيك بين الصفا والمروة يجزئك بحجك وعمرتك".
فلما علق به حكم الإجزاء دل ذلك على وجوبه؛ لأن غير الفرض لا يتعلق به الإجزاء.
وأيضًا فلأنه مشى ذو عدد سبع؛ فوجب أن يكون ركنًا في الحج كالطواف.
أو نقول: لأنه مشى يتكرر في مكان واحد كالطواف.
أو نقول: لأنه نسك يتنوع نوعين؛ فوجب أن يكون منه ما هو ركن؛ اعتبارًا بالطواف؛ وذلك أنه يرمل فيه الثلاثة الأشواط الأول، ويمشى الآخرة كما يفعل في الطواف.
أو نقول: لأنه نسك في العمرة ركن؛ فكان ركنًا في [ق/ 139]
الحج؛ اعتبارًا بالطواف.
أو نقول: لأنه معنى يسن فيه الرمل؛ فوجب أن يكون منه ما هو ركن في الحج؛ اعتبارًا بالطواف ولأن كل نسك يؤتي به في الحج والعمرة على هيئة واحدة كان الدم لا ينوب منابه كالإحرام.
ولا يدخل عليه الخلاف؛ لأنه يؤتي به بعد الفراغ.
فأما تعلقهم بقوله تعالى:} فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴿، وأنه ينبئ على كونه مباحًا: فإنه باطل من وجوه:
أحدهما: أن السعي إما أن يكون ركنًا - على ما نقوله -، أو واجبًا - على ما يقولونه -، أو مسنونًا - على ما يقوله بعضهم -، وليس في الأمة من يقول: إنه مباح مخير فيه يستوي فعله وتركه؛ فحمل الآية على هذا لا يصح؛ لإجماع الأمة على خلافه.
والوجه الآخر: أن هذه الآية نزلت على سبب؛ وهو ما روى عروة أن عائشة - رضي الله عنها - قلت لها: أرأيت قول الله عز وجل:﴾ إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما {ما على أحد جناح ألا يطوف بهما؟ قال: فقالت: بئس ما قلت يا بن أخي؛ إنها لو كانت على ما أولتها كانت لا جناح عليه أن لا يطف بهما؛ إنما كان هذا الحي من الأنصار قبل أن يسلموا صلوا لمناة الطاغية، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا، فلما أسلموا سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فقالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة؛ فأنزل الله عز وجل:} إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴿.
وروى الشعبي قال: كان على الصفا وثن يقال له: إساف، وعلى المروة وثن يقال له: نائلة.
فكان المشركون يطوفون بينهما، فملا كان الإسلام قال ناس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أهل الجاهلين كانوا يطوفون بين الصفا والمروة للوثنين؛ فنزلت هذه الآية.
وهذا ليس هو السعي الذي نوجبه نحن، بل هو ما كان المشركون يتعاطونه.
وبما يجاب به عن هذا ما روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في السعي: نبدأ بما بدأ الله عز وجل به، وابدؤوا بما بدأ الله به، وإنه بدأ بالصفا.
وهذا يدل على أن الأمر بالآية يقتضي الأمر بالسعي؛ لأنه أخبر أن ما يفعله إتباعًا للظاهر وامتثالاً له.
ولا يجوز لمن يقول: فعل يفعله نبدأ بما بدأ الله عز وجل به في ظاهر لا يقتضيه ولا يفيده.
وإذا كان كذلك ثبت ما قلنا.
وأجاب بعض من وافقنا عنه بأنه قال قوله عز وجل:﴾ فلا جناح ﴿كلام مستقل بنفسه عائد إلى الحج والعمرة كأنه قال سبحانه:﴾ فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح ﴿ثم استأنف فقال:﴾ عليه أن يطوف بهما {؛ ليفيد وجوب السعي.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن الكلام مرتبط بعضه ببعض؛ فلا يجوز تبعضه، ولأنا أنكرنا عليهم كون السعي مباحًا.
وهذا الجواب يقتضي إباحة الحج والعمرة، وذلك أدخل في الفساد مما قالوه؛ فيجب بطلانه.
فأما تعلقهم بما رواه من قراءة أبي، وابن مسعود وغيرهما فباطل أيضًا؛ لأنها مخالفة للمصحف المجتمع عليه؛ فلا يلتفت إليه.
وقولهم أقل ما فيه أن يكون خبر واحد غير صحيح؛ لأن أخبار الآحاد لا يثبت بها نقل القرآن؛ ويبين ذلك أن عائشة - رضي الله عنها - أنكرت على عروة ما يفضي إلى هذه القراءة فقالت: لو كان ذلك على ما قلت لكانت فلا جناح عليه ألا يطوف بهما؛ فدل هذا أيضًا على أن هذه القراءة لا أصل لها.
فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجة" فمعناه أن المقصود الذي يفوت الحج بفواته هو عرفة، وليس المراد به حقيقة اللفظ؛ لأنه لو وقف بعرفة من غيرهم إحرام لم يكن حاجًا، وكذلك لو لم يطف في الإحرام لم يكن حجه تاما؛ فثبت أن معناه ما قلناه.
فأما قولهم أن السعي تابع للطواف، وما كان تابعًا لغيره لم يكن ركنًا: فليس بصحيح؛ لأنه ليس بتابع بل هو ركن بنفسه.
فأما استشهارهم على ذلك بأنه لا يفعل منفردًا بنفسه ولا يؤتي به إلا عقيب طواف: فإنه باطل؛ لأن هذا لا يوجب أن يكون تبعًا للطواف؛ لأن الشيء قد يكون له حكم نفسه، ولا يكون تبعًا لغيره وإن كان من شرطه أن يتقدمه غيره؛ يبين ذلك أن الوقوف بعرفة لا يصح لا بعد تقدم
الإحرام، ولم يوجب ذلك كونه من توابعه؛ وكذلك السجود لا يفعل إلا بعد ركوع أو جلوس - أعنى السجود الذي هو مر بنية الصلاة - ثم لم يوجب ذلك أن يكون من توابعه؛ فثبت بذلك أن هذا إنما وجب؛ لأنها أفعال ترتيب في الابتداء على هذا الوجه؛ لأن أحدهما تابع للآخر؛ وكذلك طواف الإفاضة لا يكون إلا بعد الوقوف، وليس هو تابع له؛ بل هو ركن بنفسه.
وقولهم: أن فعله معلق على الفراغ من الطواف فكان من توابعه: باطل؛ لأن الطواف في العمرة علق على الفراغ من الإحرام وليس من توابعه.
ثم المعنى فيما قاسوا عليه من المبيت بالمزدلقة والرمي أنها من توابع الوقوف؛ فلذلك لم يكن ركنًا؛ بدليل أنه نسقط بسقوط الوقوف.
وليس كذلك السعي؛ لأنه منفرد بنفسه ليس بتابع في الوجوب لغيره؛ بدليل ما ذكرناه أنه يؤتى به عقيب طواف القدوم وليس بركن.
وأما قولهم أن السعي لو كان ركنًا لكان من جنسه ما ليس بركن كالوقوف بعرفة: فعنه جوابان:
أحدهما: يبتقض بالإحرام؛ لأنه ركن وليس في الحج من جنسه ما لبس بركن.
والآخر: أن من جنس المعنى ما لبس بركن - وهو السعي في بطن محصر بمزدلفة - فقد قلنا بموجب العلة.
فإن قيل: ليس السعي في بطن محصر من جنس السعي بين الصفا [ق/
140] والمروة؛ لأنه ليس فيه أشواط، ولا يفعل على وجه القربة لفضيلة الموضع.
قيل له: هذه الشروط لا يقتضيها تعلييكم؛ لأن قولكم (من جنسه) يقتضي أن يكون مثله في وصفه الأعم.
على أن المييت بالمزدلفة ليس من جنس الوقوف بعرفة؛ لأن اللبث بعرفة ليس من شرطه أن يكون مبيتًا.
والمبيت بالمزدلفة يجري مجرى المبيت بمنى لـ منى.
على أن الطواف من جنس السعي، وهو ركن مثله.
فإن قيل: ليس في الحج ركن يتكرر من جنسه ركن آخر فلم يكن الطواف من جسن السعي.
قيل له: هذا كلام في هل الطواف من جنس السعي فلا يلزمنا؛ لأنا قد بينا كونه كذلك.
فأما قولهم أن الطواف لما كان ركنًا كان من جنسه ما لبس بركن - وهو طواف الوداع -: فليس بصحيح؛ لأن هذا مثله ومن اسمه، وإنما يقال: من جنسه إذا أخذ شبها من وصفه العام.
فأما إذا كان مثله في جميع الجهات فكأنهم قالوا: يجب أن يتكرر على وجه لا يكون ركنًا.
وهذا باطل بالوقوف بعرفة؛ على ما بيناه.
وقولهم أنه مفعول بعد الإحرام من جنسه غيره كالحلق والذبح: ينتقض بالوقوف بعرفة.
فإن قالوا: من جنسه المبيت بالمزدلفة.
قلنا: ومن جنس السعي
الطواف؛ على ما بيناه.
فأما رمي الجمار فإنه تاعب للوقوف؛ بدلالة أن من سقط عنه الوقوف بالفوات سقط عنه الرمي.
واعتلالهم ينتقض بعرفة، ولا يحزرهم منه قولهم: (لا على وجه اللبث)؛ لأن الوقوف ليس من شرطه اللبث؛ يدلك عليه أنه لو اجتاز بعرفة لأجزأه وإن لم يقف بها ما يسمي لبثًا.
وقولهم أن سبب السعي إظهار القوة وإبطال ما ظنه المشركين من عدمها فلذلك لم يكن واجبًا: باطل من وجهين:
أحدهما: أن السعي ليس هذا سببه، وإنما هذا سبب الهرولة والرمل، فأما أصل المشي فليس يتعلق هذا به؛ فأكثر ما في الباب ألا تجب الهرولة، فأما ألا يجب أصل الطواف فلا.
والجواب الآخر: هو أنه لو كان هذا سببه لم يخرجه عن كونه واجبًا، ولا يستحيل أن يكون هذا سبب إيجابه، ونحن لم نرعم أنه كان واجبًا لأجل سببه حتى يقال: إن هذا السبب لا يقتضي وجوبه.
وإذا ثبت ذلك سقط ما ذكره.
وبالله التوفيق.
فصل
وأفعال الحج كلها تجرى بغير طهارة إلا الطواف؛ فإن من شرطه الطهارة؛ فلا يصح من محدث أو جنب أو حائض.
هذا قولنا، وقول
الشافعي.
وقال أبو حنيفة: الطهارة واجبة للطواف، وليست شرطًا فيه.
ومن [أصحابه] من يقول: ليست بواجبه فيه أصلاً، إلا أنهم متفقون على أنها ليست بشرط فيه وأنه إن طاف على غير طهارة أجزأه.
واستدلوا بقوله تعالى ذكره:} وليطوفوا بالبيت العتيق {فأطلق ولم يقيد، والاسم يتناول من فعله محدًا وطاهرًا.
قالوا: ولأنه ركن في الحج لا يتم إلا به؛ فلم يكن من شرطه الطهارة.
أصله: الوقوف.
أو نقول: لأنه غير مشروط فيه ترك الكلام؛ فأشبه الوقوف والصوم.
قالوا: ولأنه الإحرام يوجب هذه الأفعال - وهو بعضها - فإذا لم تكن الطهارة شرطًا فيه كانت بأن لا تكون مشرطًا فيما هو من موجباته أولى.
قالوا: ولأن الطهارة لو كانت شرطًا في ركن من أركان هذه العبادة لكانت شرطًا في جميع أركانها.
طردة الصلاة.
لما كانت الطهارة شرطًا في بعض أركانها كانت شراطًا في جميعها.
عكسه سائر العبادات.
قالوا: ولأنها عبادة ليس من شرطها استقبال القبلة فلم يكن من شرطها
الطهارة.
أصله: الصوم.
عكسه الصلاة.
قالوا: ولأنه مبني على التكرار في الحج فأشبه السعي والرمي.
قالوا: ولأن مفروضات الحج ومسنوناته لا تفتقر إلى طهارة؛ فكذلك الطواف.
والدلالة على صحة قولنا ما روى فضيل بن عياض عن عطاء بن السائب عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير".
ووجه الاستدلال من هذا هو أنه صلى الله عليه وسلم سماه صلاة؛ فلم يخل من أن يكون سماه بذلك لغة أو شرعًا؛ فلا معنى لحمله على أنه سماه بذلك في اللغة؛ لأنه لم يبعث صلى الله عليه وسلم ليعلمهم اللغة؛ لأن اللغة طبعهم ولسانهم؛ فلا يحتاجون إلى تعليمها؛ فثبت أنه سماه بذلك في الشرع.
وإذا كان كذلك وثبت أنه صلاة في الشرع وجب أن تثبت لها أحكام الصلاة في كل شيء إلا ما قام عليه الدليل.
ومن هذه الأحكام ثبوت الطهارة؛ لأن الصلاة الشرعية لا تصح إلا بطهور؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بطهور".
ويبين ما قلناه من أن تسميه الطواف بأنه صلاة قد شمل سائر أحكام الصلاة أنه استثنى إباحة المنطق فيه؛ فأما فأفاد بذلك أن حكمه حكم الصلاة فيما عدا هذا، وأنه لا يفترق في شرائطها إلا في هذا المقدار فقط.
فإن قيل: صحيح هذا الحديث موقوف وليس بمرفوع، وروى وهب عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس قال: "الطواف بالبيت صلاة" الحديث.
قلنا: هذا لا تعلق فيه؛ لأنا قد ذكرنا إسناد الخبر المرفوع ورواته كلهم ثقات، وقد يسند الصحابي الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تارة، ثم يفضي بلفظة أخرى؛ فلا يمتنع ذلك.
وإذا صح هذا لم يكن ذكروه قدحًا في رفعه.
فإن قيل: تسميه الطواف بأنه صلاة مجاز واتساع؛ لأن له اسمًا يختص به وهو الطواف، والشرائط التي تختص بها ليست بموجودة في الطواف؛ من إيقاع تحريم [ق/ 141] له، وتحليل منه، وركوع وسجود، وغير هذا.
وإذا كان كذلك علم أنه سماه صلاة لأجل الدعاء الذي يكون فيه.
قلنا: ظاهر التسمية يفيد الحقيقة فلا يصير إلى المجاز إلا بدليل.
فأما استدلالهم على ذلك بأن له اسمًا يختص فإنه باطل؛ لأن اختصاص نوع من الجنس باسم غير الجنس لا يخرجه عن أن يكون منه؛ ألا ترى أن السلم والعرف نوعان من البيوع، وهما بيع على الحقيقة وإن اختصا بأسماء منفردة؛ فكذلك سبيل الطواف.
فأما قولهم أن للصلاة شرائط ليست موجودة في الطواف فليس بصحيح؛ لأن هذه الشرائط في بعض الصلاة دون بعض؛ ألا ترى أن سجود التلاوة والسهو الذي يكون خارج الصلاة صلاة على الحقيقة وليس فيه ركوع.
وكذلك صلاة الجنازة صلاة على الحقيقة وليس فيها ركوع ولا سجود؛ فبان بهذا أن اختلاف صفات الصلاة لا يخرجها عن أن تكون صلاة شرعية.
فأما قولهم: إن المراد به الدعاء: فباطل من وجهين:
أحدهما: أن هذا معلوم من اللغة؛ فلا فائدة في حمل الخبر عليه.
والثاني: أنه استثنى منه إباحة المنطق، فلو كان المراد به الدعاء لم يكن لهذا الاستثناء معنى.
فإن قيل: لو كان الطواف صلاة على الحقيقة لخرج بفعلها عن النذر.
قلنا: هذا لا يلزم؛ لأن النذر إذا أطلق توجه إلى الصلاة المعهودة؛ ألا ترى أن سجود التلاوة وصلاة الجنازة صلاة على الحقيقة، ولا يخرج بفعله عن النذر.
دليل آخر في أصل المسألة؛ وهو ما روى عن عائشة - رضي الله عنهم - (أن
الوجوب، وسيما إذا كانت بيانًا، وهذا موضع البيان؛ لأنه قال صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم"؛ فدل ذلك على أن الطهارة شرط في الطواف.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قدمت مكة وأنا حائض فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهرين".
ووجه الاستدلال من هذا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منعها من الطواف لعلة الحيض؛ بدلالة أنه أباحها بإياه عند ارتفاعه.
وعلى نحو ذلك ما روى عن صفية في هذا الحديث أنها حاضت فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أحابستنا هي؟ " فقالوا: إنها أفاضت.
قال: "فلا إذا".
فاعتقد صلى الله عليه وسلم أن الحيض هو المانع للطواف؛ فدل ذلك على ما قلناه.
فإن قيل: لا دلالة لكم في هذا؛ لأن الحائض لا يجوز لها دخول المسجد؛ فلم يجز لها أن تطوف لهذا المعنى، لا لأن الطواف لا يصح منها وهي حائض.
قلنا: هذا خلاف الخبر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علل المنع من ذلك بالحيض؛ بدليل أنه علل إباحته بارتفاعه.
وعلى قولهم أن علة المنع امتناعها من دخول المسجد، وهذا خلاف الخبر، ومن سلم منهم أن الطهارة
واجبة للطواف.
قلنا: لأنها عبادة تجب لها الطهارة؛ فوجب أن تكون من شرطها كالصلاة.
وعلى قول من لا يسلمه نقول: لأنها عبادة لها تعلق بالبيت تختص به؛ فكانت الطهارة من شرطها؛ اعتبارًا بالصلاة.
فأما تعلقهم بقوله تعالى:} وليطوفوا {ففيه جوابان:
أحدهما: أن الطهارة واجبة عندهم أو مسنونة؛ فإيقاع الطواف بغير طهارة مكروه من قول الجميع، والأمر لا يتناول الفعل على وجه مكروه.
والثاني: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بين ذلك بقوله: "خذوا عني مناسككم"، وتوضأ وطاف واعتبارهم بالوقوف بعلة أنه ركن: غير صحيح؛ لأن الوقوف لا تجب له الطهارة بالاتفاق؛ فلم يكن من شرط صحته.
وليست كذلك الطواف.
واعتبارهم بالصوم بعلة أنه لم يشترط فيه منع الكلام: باطل أيضًا بما قلناه؛ لأن الطهارة غير واجبة فيه، أو لأنه لا يفعل متوجهًا به للبيت.
وقولهم أن هذه الأفعال من موجبات الإحرام فإذا لم تجب الطهارة للأصل كانت بأن لا تجب لأفعاله أولى محض الدعوى؛ لأنه لا يمتنع أن يكون فعل هذه الأشياء لا يصح إلا بعد تقدم الإحرام، وأن الإحرام نفسه يجزئ بغير طهر وما بعده لا يجزئ إلا بطهر لمعنى يختصه؛ فبطل ما ذكروه وقولهم: لو كانت الطهارة شرطًا في ركن من هذه الأركان لكانت شرطًا في الجميع ينقلب عليهم في الوجوب؛ لأن الطهارة لو كانت واجبة في الجميع.
على أن الصلاة جملتها تتعلق بالبيت؛ فلذلك كانت الطهارة من شروطها.
وليس كل أركان الحج متعلقًا بالبيت؛ فلم تكن الطهارة شرطًا فيما وجد هذا المعنى فيه.
وقولهم: لما لم يكن من شرطها استقبال القبلة كذلك الطهارة: لا نسلمه؛ لأنه لابد أن تكون بجهة من جهاتها.
والعلة في الصوم أنه ليس له تعلق بالبيت، ولأنه يتقلب عليهم في الوجوب.
وكذلك الجواب عن قياسهم على السعي وسائر مفروضات الحج ومسنوناته.
والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: "ثم يخرج يوم التروية إلى منى [فيصلى] بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم يمضي إلى عرفات، ولا يدع التلبية في هذا كله حتى تزول الشمس [من] يوم عرفة، [ويخرج] إلى مصلاه، وليتطهر قبل رواحه فيجمع بين الظهر والعصر مع الإمام، ثم يروح معه إلى موقف عرفة فيقف معه إلى غروب الشمس".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي رحمه الله-: قوله: يخرج يوم التروية إلى منى ليصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ثم يمضي إلى عرفة؛ فلما روى عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه فعل ذلك.
وروى الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-[ق/142] الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة.
وروى عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك أين صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الظهر يوم التروية؟
قال: بمنى.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ركب يوم التروية فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، ثم يغدو إذا طلعت الشمس إلى يوم عرفة.
وقوله: أنه لا يدع التلبية في ذلك كله حتى تزول الشمس يوم عرفة: فقد ذكرناها فيما تقدم، وبينا وجهه بما يغني عن إعادته.
فأما تسميته بأنه يوم التروية بهذا الاسم فقيل فيه: إنه من الري من الماء
كان معدومًا بعرفة وجمع فكانوا يحملون معهم الماء الكثير فيروي به من حضر من الحاج ومن أهل الموضعين.
وروى هذا عن محمد بن الحنفية.
وقوله: إنه يتطهر- يعني: للوقوف بعرفة- فليأتي بالوقوف على أكمل أحواله؛ لأنه أعظم شعائر الحج، وقد ثبت بما قدمناه استحباب الغسل للإحرام؛ فكذلك الوقوف.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية بعرفة.
وقوله: إنه يجمع بين الظهر والعصر مع الإمام ثم يروح معه إلى موقف عرفة؛ فلما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نزل بعرفة حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا، ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف.
وروى ابن وهب عن موسى بن زيد عن ابن شهاب عن سالم قال: إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة يوم عرفة.
فقلت لسالم بن عبد الله: أفعل ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم؟ - فقال: نعم؛ إنما يتبعون سنته.
وقوله: إنه يقف حتى تغرب الشمس فلأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كذلك فعل على ما سنذكره.
ولا خلاف أن هذا هو الأولى والأفضل، وإنما الخلاف في أن ذلك يلزم أو يستحب؛ فعندنا أنه يلزم، وأن الاعتماد في الوقوف بعرفة على الليل من ليلة النحر والنهار من يوم عرفة تبع، والأحسن أن يجمع بين النهار والليل بالوقوف، وإن أفرد الليل بالوقوف أجزأه أي وقت منه وقف أوله أو وسطه أو آخره وإن كان جزءًا يسيرًا، وإن أفرد النهار بالوقوف لم يحزءه حتى يصله بجزء من الليل.
فإن وقف نهارًا، أو دفع قبل الغروب ولم يرجع إلى عرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فأته الحج عندنا، وإن رجع فوقف بها قبل طلوع الفجر أجزأه.
وعند أبي حنيفة والشافعي أن الاعتماد على النهار من يوم عرفة بعد الزوال وأن الليل كله تبع، فإذا وقف جزءًا من نهار يوم عرفة بعد الزوال أجزأه، وكذلك إن وقف جزءا من الليل ليلة النحر ولم يقف شيئا من نهار يوم عرفة أجزأه.
إلا أنهم يقولون: إن أفرد الوقوف بالنهار دون الليل أجزأه وعليه دم لترك الوقوف ليلًا.
واختلف أصحاب الشافعي في تأويل قوله: (إن عليه دم) فمنهم من حمله على ظاهره- وهو الإيجاب-، ومنهم من قال: المراد به الاستحباب لئلا يلزمهم عليه ما يذكره أصحابنا؛ وذلك أن أحد ما يستدل به إذا دفع قبل الغروب ولم يرجع حتى طلع الفجر فإن الحج قد فاته هو أن يقول: إن
وقت الوقوف هو الليل والنهار إنما دخل على وجه التبع؛ بدلالة أن من ذهب إلى جواز الاقتصار على النهار يقول: إن عليه دم لترك الليل.
ولو أفرد الليل بالوقوف لم يكن عليه دم لترك النهار فدل ذلك على أن الدم إنما وجب لترك الوقوف في آكد الزمانين وأولاهما للوقوف، ولا يجوز أن يكون الليل تبعًا والنهار هو المقصود وتأكيد أمره عليه.
وإذا ثبت ذلك صح ما قلناه.
فذكر أصحاب الشافعي أن الدم غير واجب عليه، ولكنه مستحب، والسؤال لازم في الاستحباب أيضًا؛ لأنه لا وجه إلا ما ذكرناه.
فإن قيل: لو كان المقصود بالوقوف هو الليل، والنهار على سبيل التبع لم يكن أكثر الوقوف بالنهار، وأقله الذي منه ينصرف عن الموقف هو الليل؛ لأن ذلك يوجب كون التبع أخص بالحكم من المقصود.
فلما كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يقف نهارًا ويدفع عند غروب الشمس علمنا أن النهار هو المقصود بالوقوف.
قلنا: هذا ليس بصحيح؛ وذلك أن المقصود وإن كان هو الليل فإن الأفضل الجمع بينه وبين النهار وإطالة الوقوف وكثرة الدعاء.
وهناك سنة أخرى لا يمكن تركها؛ وهي الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، فلو لم يكثر الوقوف بالنهار لبطل ما يقصده الإنسان بالوقوف من الدعاء والتفرغ إلى الله عز وجل؛ لأن ذلك يحتاج مهلة من الزمان، وليس ذلك يمكن في الليل؛ لما ذكرناه من أنه يبطل معه سنة مؤكدة لازمة؛ وهي الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، وإذا ثبت ذلك بطل إلزامهم.
ومما يدل على ما قلناه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دفع بعد المغرب، وقد قصد بفعله بيان المناسك؛ روى ذلك جماعة من الصحابة رضي الله عنهم؛ فروى أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن عياش بن الحارث عن يزيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي- رضي الله عنه- قال: أردف- يعني: النبي- صلى الله عليه وسلم- أسامة فجعل صلى الله عليه وسلم يسير على ناقته، والناس يضربون الإبل يمينًا وشمالًا لا يلتفت إليهم، ويقول: "السكينة أيها [ق/143] الناس"، فدفع حين غابت الشمس.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أتى الموقف فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص فذهب فأردف أسامة خلفه.
وروى أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا يعقوب قال: حدثنا أبي عن ابن عباس قال: حدثنا إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد قال: كنت رديف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما وقعت الشمس دفع رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
والاستدلال بهذه الأخبار من وجهين:
أحدهما: أن فعله على الوجوب.
والآخر: قصد به بيان المناسك بقوله: "خذوا عني مناسككم".
فدل ذلك على أن من دفع قبل الغروب يجزئه؛ لخلافه فعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
فإن قيل: إنما دفع بعد الغروب ليستوفى أجزاء النهار، لا انتظار الليل.
قيل له: هذا ليس بصحيح من قبيل أنه لا خلاف أن الأفضل الجمع بين الليل والنهار.
وحمل الخبر على ما قالوا يوجب أن يكون قصد معنى غير الأفضل وترك الأفضل؛ لأنه إذا كان الأفضل هو الجمع بينهما اقتضى ذلك أن يكونا جميعًا مقصودين بالوقوف؛ ولأن أجزاء النهار غير مستغرقة للوقوف؛ فلا معنى لما قالوه.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه ابن وهب عن ابن جريج عمن حدثه من محمد بن قيس عن المسور بن مخرمة قال: خطب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عشية عرفة، ثم قال: "أما بعد فإن هذا [يوم] الحج الأكبر، وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل غروب الشمس حين تعتم بها رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا ندفع بعد غروبها؛ فلا تعجلوا بنا".
ورواه سلمة بن هرام عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة، فإذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال يدفعون، فأخر رسول الله- صلى الله عليه وسلم الدفعة من عرفة حتى
تغرب الشمس.
وروى أصحابنا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "خالفوا المشركين".
قال: لا تدفعوا من عرفة حتى تغرب الشمس".
والاستدلال بهذه الأخبار من وجوه:
أحدهما: إخباره صلى الله عليه وسلم بفعله الذي قصد به بيان المناسك؛ وهو أنه يدفع بعد مغيب الشمس.
والآخر: إخباره بأنه يقصد به خلاف المشركين.
فدل ذلك على أن الوقوف جزء من الليل مقصود؛ لأن المشركين كانوا يدفعون قبل الغروب، ولا يرون الوقوف بالليل؛ فخلافهم إنما يكون بأنه يقف بالليل.
والثالث: تجريد نهيه عن الدفع قبل الغروب، والنهي عن الخطر والمنع.
ويدل على ذلك أيضًا ما أخبرنا به الشيخ أبو بكر الأبهري إجازة عن أبي بكر بن الجهم حدثنا بشر بن موسى حدثنا عفان حدثنا شعبة قال: أخبرني بكير بن عطاء قال: سمعت عبد الرحمن بن يعمر يقول: سئل النبي- صلى الله عليه وسلم- عن الحج فقال: "الحج عرفة؛ من أدرك ليلة جمع قبل صلاة الصبح فقد أدرك الحج".
وأخبرنا أبو بكر عن ابن الجهم قال: حدثنا إبراهيم الحربي قال: حدثنا
أبو الربيع حدثنا عبد الرزاق حدثنا الثوري عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: أتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعرفة، فجاءه نفر من نجد، فأمروا رجلًا فنادى: كيف الحج يا رسول الله؟ فقال: "الحج يوم عرفة؛ من جاء ليلة جمع قبل الصبح فقد تم حجه".
فأردف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رجلًا خلفه فنادى بمثل هذا".
وأخبرنا الشيخ أبو بكر عن ابن الجهم حدثنا أحمد بن الهشيم حدثنا القعنبي حدثناه عمرو بن قيس المكي عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "من أدرك عرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج".
وأخبرنا الشيخ عن ابن الجهم حدثنا أحمد بن أبي عمران حدثنا [سورة] بن الحكم حدثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "من أفاض من عرفات قبل الصبح فقد تم حجه، ومن فاته فقد فاته الحج".
وأخبرنا الشيخ أبو بكر أيضًا عن الجهم حدثنا إبراهيم بن حماد حدثنا أبو عون عمرو بن عون حدثنا داود بن جبير حدثنا رحمة بن مصعب أبو هاشم الفراء عن ابن أبي ليلى عن عطاء، وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته
عرفات بليل فقد فاته الحج، فليهل بعمرة، وعليه حج قابل".
كل هذه الأخبار عن الشيخ أبي بكر، فما فاتني سماعه فهي لي إجازة منه.
والتعلق من هذه الأخبار بصريحها، ومن الأول بدليل الخطاب؛ وهو أنه صلى الله عليه وسلم يعلق فوات الحج بفوات الوقوف ليلًا؛ فدل على ما قلناه.
ويدل على ما قلناه أيضًا من جهة الاعتبار أن نقول: لأنه لم يقف بعرفة جزءًا من ليلة النحر فلم يجزئه؛ اعتبارًا بوقوفه قبل الزوال.
وأيضًا فلأن أول النهار لما لم يكن وقتًا يجرئ فيه الوقوف؛ كذلك آخره؛ ألا ترى أن الليل لما كان وقتًا يجرئ فيه الوقوف استوى أوله وآخره.
وتحريره أن يقال: لأنه أحد نوعي الزمان؛ فوجب أن يستوي أوله وآخره في حكم الوقوف.
أصله: الليل.
أو نقول: إن أول لا يجزئ فيه الوقوف؛ فكذلك أخره؛ اعتبارًا بسائر الأيام.
واستدل من خالفنا بما رواه عروة بن مضرس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "من صلى معناه الغداة بجمع، وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه، وقضى تفثه".
فالجواب أن معنى هذا: من وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا، ودفع بعد الغروب فقد قضى حجه؛ بدلالة ما ذكرناه.
قالوا: وروي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "عرفة يوم يعرفون"؛ فعلق حكم التعريف بالنهار دون الليل.
فالجواب: أن معنى هذا: وقت تعرفون؛ لأن الليل كله وقت للوقوف عندنا، وعند [ق/144] مخالفنا، وليس اليوم كله وقتًا للوقوف عند مخالفنا، وإنما عبد عن ذلك باليوم؛ لأن ابتداء الاجتماع يكون في آخره.
قالوا: ولأن الوقوف بعد الزوال إلى وقت الغروب قد نقل من جهة الاستفاضة والانتشار؛ فلم يجر أن يجعل ذلك تبعًا لوقوف لم يقع بعد، وإنما يقع بعده.
فالجواب: أن الوقوف بعد الغروب قد نقل أيضًا عن جهة الاستفاضة والانتشار؛ لأنه لم يرو أن النبي- صلى الله عليه وسلم- دفع إلا بعد الغروب، وليس يمتنع أن يكون الوقوف بالنهار تبعًا لوقوف يقع بعد- وهو الوقوف بالليل- إذا قام الدليل.
وعلى أن الوقوف بالليل هو المقصود، وأن يكون التابع أسبق من المتبوع وأطول مانًا منه هذا ما لا شيء منع منه.
قالوا: ولأن النبي- صلى الله عليه وسلم- لما أراد الوقوف قصد الموقف نهارًا، ولما أقبل الليل- انصرف من الوقوف؛ فجعل الليل وقتًا للانصراف وترك الوقوف، والنهار وقتًا للوقوف.
وأنتم تجعلون الليل هو المقصود للوقوف.
فالجواب: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قصد الأفضل بجمعه بين الليل والنهار في
الوقوف، وإنما انصرف بعد أن حصل واقفًا جزءًا من الليل؛ لئلا تفوته سنة من شعائر الحج.
ولم يجعل الليل وقتًا للانصراف؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز الوقوف فيه، ولكن ما زاد على زمان الوقوف الذي يحتاج إليه وقصده الوقوف بالنهار لا يوجب أن يكون ذلك هو وقت الوقوف؛ كما أن قصده لصلاة الجمعة قبل الزوال لا يوجب أن يكون هو وقت الصلاة بل لأمور تتقدمها؛ كذلك سبيل قصده الوقوف نهارًا.
قالوا: ولأن الليل وقت لنسك آخر؛ وهو المبيت بالمزدلفة؛ لأن بدخول الليل يدفع من عرفة إلى المزدلفة، وما بعد الزوال من يوم عرفة ليس بوقت لشيء من النسك غير الوقوف؛ فوجب أن يكون هذا الوقت أخص بالوقوف من الليل؛ لأنه فارغ والليل مشتغل فيه بنسك آخر.
فالجواب: أن قولهم أن ما بعد الزوال ليس بوقت لشيء من النسك غير الوقوف: إن عنوا به الوقوف الذي هو المقصود الذي يفوت الحج بفواته: فهذا موضع الخلاف، وإن أرادوا أنه وقت لفضيلة الوقوف: فالفضيلة لا توجب أن يتعلق الإجزاء بوقتها.
وعلى أنا لا نمنع أن يكون الليل مشتعلًا بنسكين يختص بها جميعًا.
واختصاص الليل بالوقوف آكد عندنا من اختصاصه بالمبيت؛ لأن الحج يفوت بفوات الوقوف، ولا يفوت بترك المبيت.
قالوا: ولأنه لبث في مكان مخصوص فجاز أن يفعل نهارًا، وليلة الوقوف بمزدلفة.
قلنا: ما وضع سنته في وقت مخصوص لا يقال فيه: فجائر أن يفعل في ذلك الوقت، ووقت المبيت بالمزدلفة الليل عندنا، فإذا فات في الليل فات الوقت جملة.
وبالله التوفيق
وحكي عن أحمد بن حنبل وغيره أنه جوز الوقوف بعرفة قبل الزوال من يوم عرفة.
وما ذكرناه دلالة على فساد قوله.
وبالله التوفيق
فصل
ويستحب للواقف بعرفة أن يقف راكبًا، وإن وقف راجلًا فلا بأس.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- فعل كذلك؛ فروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نزل بعرفة حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم صلى الظهر والعصر ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل جبل المشاة بين يديه، فاستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس.
وروى مالك عن أبي النضر عن عمير مولى ابن عباس عن أم الفضل بنت الحارث أن ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؛ فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليست بصائم؛ فأرسلت إليه أم
الفضل بقدح فيه لبن- وهو واقف على بعيره- فشرب منه بعرفة.
ولأن الركوب أعون له على الوقوف، وأمكن له في الدعاء، وأروح له من التعب فإن وقف راجلًا فلا بأس.
مسألة
قال رحمه الله: "ثم يدفع بدفعه إلى المزدلفة فيصلي معه بالمزدلفة المغرب والعشاء والصبح، ثم يقف معه بالمشعر يومئذ بها، ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى، ويحرك دابته ببطن محسر".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي رحمه الله-: وإنما قال ذلك لما روى من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دفع من عرفة بعد غروب الشمس حتى إذا أتى المزدلفة فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، ثم صلى الصبح، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام واستقبل القبلة فحمد الله وكبره وهلله ولم يزل واقفًا حتى أسفر جدا، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس.
وروى مالك عن موسى بن عقبة بن كريب مولى ابن عباس عن أسامة ابن زيد قال: دفع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من عرفة حتى إذا كان بالشعب فنزل فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء.
فقلت له: الصلاة.
فقال: "الصلاة
أمامك"، فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصل بينهما شيئًا.
وروى مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة.
وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن عبد الله بن زيد الأنصاري عن أبي أيوب الأنصاري أنه صلى مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا.
فلهذا قال: إنه يدفع من عرفة إلى المزدلفة ويجمع [ق/145] بها بين صلاتي المغرب والعشاء.
وقد اختلف قوله: هل- يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين أو بأذانين وإقامتين، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصلاة.
وهذا الجمع عندنا مسنون، فإن صلى المغرب في وقتها في عرفات والعشاء في وقتها أجزأه إلا أنه ترك السنة، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجزئه إلا أن يجمع بينهما بالمزدلفة.
ودليلنا أنهما صلاتان يسن الجمع بينهما في وقت إحداهما فلم يمنع ترك الجمع بينهما جوازهما.
أصله: الظهر والعصر بعرفة، لا خلاف أن الجمع بينهما مسنون لا يمنع تركه الجواز؛ كذلك هنا فإن قالوا: فقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "خذوا عني منساككم"، ورأينا جمع بينهما.
قلنا: عنه جوابان:
أحدهما: أن المناسك منها السنة والفريضة.
والآخر: أن الجمع من أحكام الصلاة ليست من المناسك؛ لأنه يجوز عندنا للعذر في سفر الحج وغيره فإن قيل: فمن منزلة بمزدلفة يجمع وليس بمسافر.
قلنا: يفعل ذلك تبعًا؛ كما أن من ليس بمعتكف إذ جمع في المسجد معه المعتكفون تبعًا.
ثم لا يمتنع أن يكون الشيء مقصودًا لغيره ويكون واجبًا، أو يجب بترك الدم.
والفرق بين المبيتين أن ليلة عرفة ليس في صدر نهار غيرها نسك؛ لأن وقت الوقوف بعد الزوال، وليلة المزدلفة في صدر نهار غدها نسك؛ فصار المبيت بقرب ما يليه من المناسك منسكًا.
فأما ما روى من خبر العباس أنه رخص له لأجل السقاية فإن ذلك عذر، وكذلك رعاة الإبل وقال أصحابنا: يحتمل أن يكون الإرخاص بشرط الدم.
فصل
والمبيت بالمزدلفة ليلة النحر مسنون، وليس بركن وبه قال كافة الفقهاء.
وحكى عن بعض التابعين أنه فرض وركن من أركان الحج.
والأصل في استحبابه ما رويناه من فعل النبي- صلى الله عليه وسلم-.
وأما سقوط فرضه فلعدم دليل يدل على ذلك، ولكن ما جاز تركه لعذر لم يكن ركنًا؛ اعتبارًا بطواف القدوم والوداع.
ولا نعرف لمن ذهب إلى خلاف هذا شبهة يتعلق بها إلا حديثًا ذكره بعضهم في كتابه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "من لم يبت بمزدلفة فلا حج له"، وهذا حديث باطل، لا شبهة فيه، ولا يجوز تسليمه ولا الكلام عليه.
فصل
فإن لم يبت بها من غير عذر فعليه دم؛ لتركه شيئًا من نسكه وشعيرة من شعائر الحج المسنونة.
وعند أبي حنيفة أنه لا شيء عليه.
قالوا: ولأنه ليس بنسك مقصود فلم يجب لتركه دم.
أصله: ترك الرمل.
قالوا: ولأنه موضع سن فيه المبيت فوجب ألا دم عليه تركه.
أصله: إذا بات بغير منى ليلة عرفة.
والأصل فيما ذكرناه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بات بالمزدلفة ولم يرخص في ترك ذلك إلا للضعفاء ورعاة الإبل؛ فوجب كونه مسنونًا.
وإذا صح ذلك تعلق بتركه وجوب الدم.
ولا نسلم قولهم أنه ليس بنسك مقصود، بل هو مقصود عندنا متأكدًا على غيره.
والمبيت بمنى ليلة عرفة مستحب وليس بمسنون؛ فلم يكن حكمه حكم المبيت بالمزدلفة.
ثم لا يمتنع أن يكون الشيء مقصودًا لغيره ويكون واجبًا وجب بتركه الدم.
والفرق بين المبيتين أن ليلة عرفة ليس في صدر نهار عدها نسك؛ لأن وقت الوقوف بعد الزوال، وليلة المزدلفة في صدر نهار غندها نسك؛ فصار المبيت بقرب ما يليه من المناسك منسكًا.
فأما ما روى من خبر العباس أنه صلى الله عليه وسلم رخص له لأجل السقاية؛ فإن ذلك عذر؛ وكذلك رعاة الإبل.
وقال أصحابنا: يحتمل أن يكون الإرخاص بشرط الدم.
والله أعلم.
فصل
فأما الوقوف بالمشعر الحرام فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم﴾، وفي حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صلى الصبح، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام فرقى فاستقبل القبلة، فحمد الله وكبره وهلله، ولم يزل واقفًا
حتى أسفر جدا، ثم دفع قبل طلوع الشمس.
فأما وقت الدفع من مزدلفة فالإسفار الذي يقرب به طلوع الشمس.
والأصل فيه ما روي في هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم لم يزل واقفًا حتى أسفر الصبح جدا، ثم دفع قبل طلوع الشمس.
وروي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: وكان أهل الشرك يدفعون غداة جمع بعد طلوعها حتى تعتم بها رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم وإنما ندفع قبل طلوعها؛ هدينا مخالف لهدى الشرك والأوثان.
وروي عن عمر- رضي الله عنه- أنه قال: كانت الجاهلية لا تدفع من جمع حتى تطلع الشمس علي، وكانوا يقولون: أشرق ومخالفهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فدفع قبل طلوع الشمس.
فأما قوله: يحرك دابته ببطن محسر؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: "كل مزدلفة موقف، وارتفعوا عن بطن محسر".
وروى سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أوضع في وادي محسر.
وروى ابن وهب عن- يحيى بن عبد الله عن سالم عن عبد الرحمن
ابن الحارث عن زيد بن علي بن حسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دفع من مزدلفة- فجعل يسير العنق والناس يضربون، وهو يلتفت يمينا وشمالًا ويقول: "السكينة أيها الناس" حتى وقف على وادي محسر فقرع راحلته فخبت به حتى خرج عنه، ثم سار بسيره [ق/146] الأول.
مسألة
قال رحمه الله: "فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات مثل حصى الخذف، [ثم] يكبر مع كل حصاة، ثم ينحر إن كان معه هدى، ثم يحلف، ثم يأتي البيت فيفيض فيطوف سبعًا، ويركع ثم يقيم بمنى [ثلاث ليال].
فإذا زالت الشمس من كل يوم منها رمى الجمرة التي منى بسبع حصيات؛ يكبر مع كل حصاة، ثم الجمرتين كل جمرة بمثل ذلك، وكبر مع كل عصاة، ثم يرمي الجمرة العقبة من أسفلها، والجمرتين من زعلاهما، ويقف للدعاء بإثر الرمي في الجمرة الأولى والثانية ولا يقف عند جمرة لعقبة ولينصرف، فإذا في اليوم الثالث- وهو رابع النحر- انصرف إلى مكة وقد تم حجه، وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف، فإذا خرج من مكة طاف للوداع وركع وانصرف".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله:
اعلم أن جملة ما يرميه الحاج من حصى الجمار في يوم النحر وأيام منى سبعون حصاة منها جمرة العقبة يوم النحر بسبع حصيات، وفي أيام منى يرمي كل يوم الثلاث جمار بأحدي وعشرين حصاة؛ لكل جمرة سبع، وهذا إن لم يتعجل.
فإذا تعجل رمى تسعًا وأربعين، وينتقصي رمي اليوم الآخر، وهو إحدى وعشرين حصاة.
وهذا الفصل مشتمل على عدة مسائل، ونحن نبينه أو نوضح القول فيها إن شاء الله.
فصل
فأما دفع الحاج من مزدلفة يوم النحر فأول ما يبدأ به إذا وصل إلى منى أن يرمي جمرة العقبة ويكبر مع كل حصاة منها؛ وذلك لما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دفع من مزدلفة... فذكر إلى أن قال: حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات؛ يكبر مع كل حصاة منها كحصى الخذف.
والمستحب عندنا أن يرميها من بطن الوادي، ولا يرميها من فوقها.
فإن رماها من فوقها كرهنا له ذلك وأجزناه.
والأصل فيما ذكرناه فعل الصحابة رضي الله عنهم، ونقلهم إياه عن النبي- صلى الله عليه وسلم- فروى أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: حججت مع عمر- رضوان الله عليه- سنتين: أحدهما السنة التي أصيب فيها، كل ذلك يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي.