وروى خديج بن معاوية عن أبي إسحاق بن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- يرمي الجمرة من بطن الوادي، ثم قال: والذي [لا إله غيره مقام الذي] أنزلت عليه سورة البقرة لقد رأته يرمي ببطن الوادي صلى الله عليه وسلم.
وروى الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد قال: رمى عبد الله جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات، وكان يكبر مع كل حصاة.
فقيل له: إن ناسًا يرمونها من فوقها.
فقال عبد الله: هذا والله الذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة صلوات الله عليه.
فإن قيل: فقد روى عن عمر- رضي الله عنه- أنه رماها من فوقها.
قيل له: إنما فعل ذلك لعذر؛ وهو شدة الزحام؛ روى ذلك ابن وهب عن الثوري عن حجاج بن أرطاة عن وبرة عن الأسود بن يزيد أن عمر- رضي الله عنه- جاء فوجد الزحام عند جمرة العقبة؛ فرماها من فوقها.
وقد روى من حديث عاصم بن سليمان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يرمي جمرة العقبة وظهره مما يلي الكعبة.
وعلى هذه الصفة إذا حصل مستدبرًا للكعبة كان رميه من بطن الوادي هذا بخلاف فعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه رضي الله عنهم.
وقوله أن يكبر مع كل حصاة يرميها فلأن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يفعل ذلك.
وقد رويناه من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رماها بسبع حصيات، وكان يكبر مع كل حصاة.
وكذلك روى من حديث ابن مسعود أيضً.
وقوله أنه يرمي بمثل حصى الخذف: فكذلك روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رماها بمثل حصى الخدف.
وروى داود بن عمرو حدثنا خالد بن عبد الله عن حميد الأعرج عن محمد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن معاذ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يأمر الناس بالمناسك فقال: "ارموا الجمار بمثل حصى الخذف".
وروى سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال: أفاض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعليه السكينة، وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف.
فصل ولا يجوز عندنا أن ترمى جمرة العقبة قبل طلوع الفجر من يوم النحر، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق، وحكى عن النخعي والثوري أنه لا يجوز أن يرمي إلا بعد طلوع الشمس.
وقال الشافعي: وقت رمي جمرة العقبة من بعد نصف الليل من ليلة النحر، واستحب أن يرمي بعد طلوع الشمس.
واستدل أصحابه بما رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أرسل أم سلمة ليلة النحر فرمت قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت.
وروى ابن جريج عن عطاء قال: أخبرني مخبر عن أم أسماء أنها رمت الجمرة.
قلنا: إنا رمينا الجمرة بليل.
قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وروى عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة (أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمرها أن تعجل الإفاضة فتوافي الصبح بمكة).
وهذا يوجب أن تكون قد رمت بليل لا محالة؛ لبعد ما بينها وبين مكة.
وروى ابن جريج عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر- صلى الله عليه وسلم- قال: دخلنا مع أسماء من جمع لما غاب القمر وأتينا منى ورمينا الجمرة الصبح فقلت: اهنياه رمينا [ق/147] قبل الفجر فقالت: هكذا كنا نفعل مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولأنه رمى نصف الليل وقبل خروج وقت الرمي؛ فأشبه من رمى بعد الفجر.
ولأنه وقت الإفاضة على وجه فأشبه بعد الفجر وذلك أنه وقت لأهل الأعذار على ما ورد به الخبر.
والدليل على ما قلناه: ما حدثنا عبد الوهاب بن محمد بن الحسين حدثنا محمد بن بكر التمار حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن الحسن العربي عن ابن عباس قال: قدمنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على جمرات فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
وحدثنا عبد الوهاب بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا الوليد بن عقبة حدثنا حمزة الزيات عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عباس قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قدم ضعفة أهله بغلس، ويأمرهم ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
فإن قيل فأنتم تجيزون رميها قبل طلوع الشمس؛ فقد خالفتم الخبر.
قيل له: الخبر يتضمن أمرين:
أحدهما: المنع من الرمي قبل طلوع الفجر.
والآخر: المنع منه بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس.
فلما قام الدليل على جواز ذلك قبل طلوع الشمس سلمناه الدليل، وبقى ما عداه على موجب النهي.
ويدل عليه أيضًا ما حدثنا عبد الوهاب بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يرمي يوم النحر ضحى.
فأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس".
وهذا بيان لوقت الرمي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم".
وأيضًا فلأنه حصل راميًا لها بليل فلم يجزئه ذلك؛ اعتبارًا برميها قبل النصف.
فإن قيل: المعنى في النصف الأول أنه تبع لليوم الماضي، والنصف الثاني تبع لليوم الثاني، بدلالة أن النصف الأول وقت يسن فيه التأذين للعشاء، ولم يسن ذلك بعد النصف الثاني، بل يسن فيه الأذان للفجر.
قيل له: هذا يبطل من وجوه:
أحدهما: أن الأذان المسنون هو إلى آخر الثلث؛ لأنه آخر وقت العشاء
عندنا.
والثاني: أن الأصول مختلفة؛ ففي بعضها النصف الثاني تبع للغد، وفي بعضها أن الليلة كلها تبع لليوم الأول؛ ألا ترى أن حكم الوقوف بعرفة مبني على هذا.
والثالث: أن الليل كله وقت للمغرب والعشاء في الضرورة عندنا على الحقيقة والأداء لا على وجه القضاء.
فبطل ما قالوه.
ويمكن أن نقول: لأنه رمى جمرة العقبة قبل دخول يوم النحر؛ فأشبه إذا رماها يوم عرفة نهارًا.
أو نقول: لأن ما قبل الفجر وقت الوقوف بعرفة؛ فأشبه أول الليل على أصل الجميع، وما بعد الزوال من يوم عرفة على أصلهم في الإجزاء وعلى أصلنا في الفضيلة.
ولأن كل حكم مؤقت قائم بنفسه أو متعلقة بعبادة لا تتوقف في بعض الوم؛ فإن أوقات الليل متساوية فيه، فإن جاز في بعضه جاز في سائره، وإن امتنع في البعض امتنع في الباقي؛ اعتبارًا بالوقوف بعرفة وبنية الصوم وبالحلق والنحر؛ ألا ترى أن للوقوف حكم منفرد ليس يشترط في غيره وفعل جائز في كل أوقات الليل، والنية جائزة في كل أوقات الليل أيضًا وإن كانت متعلقة بغيرها لكون ذلك الغير مستغرقًا لليوم لا يتوقف في بعضه- وهو الصوم- فلا يشبه الأذان للفجر ولا العشاء الآخرة؛ لأن ذلك متوقف في بعض اليوم أو الليلة، ولا يلزم عليه لوضوء من حيث عدم التأثير أنه يجوز في كل الليل، فإن كان متعلقًا بما يتوقف في البعض لأن الوضوء ليس له وقت يوقع فيه فوت بفواته، وكلامنا فيما يتوقف.
وكذلك النحر لما لم يجز في بعض الليل لم يجز في جميعه.
وإذا ثبتت هذه الجملة لم يخل الرمي أن يكون حكمًا قائمًا بنفسه؛ فكل وقت قائم بنفسه لم يجز فعله في بعض الليلة لم يجز في جميعه.
أصله: النحر، أو يكون متعلقًا بغيره.
فإذا لم يكن ذلك الغير متبعضًا فحكمه حكم المنفرد بنفسه، فإذا لم يجز في أول الليل لم يجز في آخره.
وأيضًا فلأنه وقت لا تجوز فيه الأضحية؛ فأشبه أول الليل.
ولأنه وقت للوقوف؛ فأشبه الليل.
فأما ما رووه عن أم سلمة أنها رمت قبل الفجر: فيجوز أن تكون فعلت ذلك والنبي- صلى الله عليه وسلم- لا يعلم؛ فلا يدل ذلك على جوازه ويحتمل أن تكون فعلت ذلك لعذر ثم أعادته.
فإذا احتمل ذلك لم يترك به ظاهر النهي وفعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي قصد به بيان المناسك.
وقول أسماء: كذلك كنا نفعل على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم تذكر فيه أنه كان يعلم به فلا ينكره، ومثل ذلك يجوز أن يقع عن غير علمه كما قال أبيّ لعمر- رضي الله عنه- كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؛ فلا تغتسل- يعني: في التقاء الختانين- فقال عمر- رضي الله عنه-: أفأخبرتموه بذلك فرضيه؟ فسكت أبيّ؛ فعلم بهذا أنهم قد كانوا يفعلون على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم أشياء من غير علمه يعتقدون أنه لا ينكرها إذا علم لها، فربما اتفق ذلك وربما لم يتفق.
فأما ما رووه من أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمر أم سلمة أن تعجل الإفاضة فتصلي الصبح بمكة، وهذا يمنع أن
يكون لم يعلم بالرمي: فقد أجاب بعض أصحابنا عنه بأنه لا يمتنع أن يكون أمرها بالتعجيل لتقدم الطواف والسعي على الرمي فتكون قد حلت.
فإن قيل: إن رميها بغلس أولى؛ لأنه أستر لها، وأقل تعبًا.
قلنا: إنما يراعى ذلك فيما [ق/148] تستوي أوقاته.
فأما إذا كان كونه أستر لها يقتضي تقديم الشيء على وقته فلا معتبر به.
وأما قياسهم على الرمي بعد الفجر فالمعنى فيه أنه وقت يجوز النحر في جنسه، وليس كذلك الليل.
وقولهم أنه وقت الإضافة على وجه ينتقض بنصف الليل الأول.
وبالله التوفيق
فصل
فأما من ذهب إلى أنه لا يجوز رميها قبل طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس فحجته ما روي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- نهى عن رمي الجمرة حتى تطلع الشمس.
وما روه جابر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يرمي يوم النحر ضحى فخذا موضع البات؛ لأنه قال: "خذوا عني مناسككم".
ولأنه رمى قبل طلوع الشمس؛ فأشبه الرمي قبل الفجر.
والدلالة على ما قلنا: أنه حصل راميًا لها بعد طلوع الفجر من يوم
النحر؛ فأشبه إذا رماها بعد طلوع؛ فأشبه طواف الإفاضة.
فأما النهي فمحمول على الندب، وما رووه من فعله صلى الله عليه وسلم محمول على الأفضل.
والأولى لما ذكرناه.
وقياسهم على الرمي قبل الفجر فالمعنى في الأصل أنه وقت للوقوف بعرفة، وليس كذلك بعد الفجر.
وبالله التوفيق
فصل
فأما قوله: أنه إذا رمى جمرة العقبة نحر إن كان معه هدى ثم حلق؛ فلما روى من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر بيده ثلاثًا وستين، وأمر عليًا- رضي الله عليه- بنحر الباقي.
وروى سفيان عن هشام عن ابن سيرين عن ابن عباس قال: لما رمى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أتى نسكه فنحره ثم دعا الحلاق فقال له: "ابدأ بالشق الأيمن".
فلهذا استحببنا له تقديم الذبح على الحلق، وتقديم الرمي على الذبح.
فإن قدم الذبح على الرمي أو الحلق على الذبح أجزأه، ولا شيء عليه.
هذا قولنا، وقول الشافعي.
وروي عن الحسن البصري مثل ذلك.
وقال أبو حنيفة: إذا قدم الحلق على الذبح فعليه الدم.
واستدل عنه بقوله تعالى ذكره: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾؛ فمنع من الحلق قبل الذبح.
وإذا ثبت تحريمه عليه كان عليه الدم بالاتفاق.
قالوا: ولما روى أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذبح ثم خلق، وقال: "خذوا عني مناسككم".
والدلالة على ما قلنا: ما روى مالك عن ابن شهاب عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال:
وقف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع بمنى للناس فجاؤوا يسألونه فجاءوا رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح.
فقال: "أذبح ولا حرج".
فجاء رجل آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي.
فقال: "ارم ولا حرج" قال: فما سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج.
وروى أبو داود حدثنا نصر بن علي حدثنا يزيد بن زريع حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان إذا سئل يوم منى فيقول: لا
حرج.
فسأله رجل فقال: إني حلقت قبل أن أذبح فقال: "اذبح ولا حرج"، وقال آخر: نسكت ولم أرم قال: "ارم ولا حرج".
فأما قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ فلا حجة لهم فيه؛ لأن محله هو بلوغه المكان الذي يقع النحر فيه لا ذبحه؛ بدلالة قوله عز وجل: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾.
وما رووه من تقديمه صلى الله عليه وسلم النحر على الحلق فهو المختار والمستحب، إلا أنا قد روينا نصًا في أنه لا حرج في تقديمه عليه.
فإن قيل: ليس في الحديث ما يسقط الدم، وغنما فيه نفي الحرج؛ وهو الضيق.
قلنا: قوله: "لا حرج" يفيد: أنه لا ضيق عليك في هذا الفعل بوجه.
وفي إيجابنا الدم عليه ضيق عليه.
حالة تقديم الحلق على الذبح.
والخبر ينفي الضيق عنه عمومًا، والله أعلم.
هذا الكلام في تقديم الحلق على الذبح.
فأما إن قدم الحلق على الرمي فعليه الدم عندنا: وعند أبي حنيفة والشافعي في ذلك قولان:
أحدهما: أنه يجوز تقديم الحلاق على الرمي.
والآخر: أنه لا يجوز ذلك، وعليه دم؛ بناء على اختلاف قوله في الحلاق هل هو نسك أو إباحة محظور؛ فإذا قال: إنه نسك جوز تقديمه
على الرمي، وإذا قال: إنه إباحة محظور لم يجر تقديمه على الرمي؛ لأنه يستبيح قبل التحلل.
والدلالة على ما قلنا: قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾.
وما روي أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رمى ثم نحر ثم حلق وقصد به بيان المناسك، ولأنه محرم قبل الرمي مع بقاء الوقت فلزمه الفدية.
دليله: إذا حلق ليلة النحر.
ولأنه حلاق صادف إحرامًا منعقدًا.
أصله ما ذكرناه.
ولأن كل وقت لو وطأ فيه لأفسد حجه، فإذا حلق فيه لزمته الفدية.
أصله: قبل الوقوف.
فإن قيل: فقد روي من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن من حلق قبل أن يرمي فقال: ارم ولا حرج.
قيل له: ليس هذا في حديث الحفاظ والثقة، بل المحفوظ ما ذكرناه من تقديم الحلق على الذبح، والذبح على الرمي فقط.
ثم لو ثبت لحملناه على أنه لا يتعلق بإفساد.
فأما الدم فإنه واجب بما ذكرناه.
فإن قيل: ترك الترتيب فيما به يقع التحلل من العبادة ذات التحريم والتحليل لا يوجب جبرانًا.
أصله: التحلل من الصلاة بالتسليم؛ لأنه لو ترك البداية بالتسليم على اليمين ثم سلم على اليسار لم يجب [ق/149] في ذلك جبران.
قيل له: التحليل عندنا يقع بالتسليمة الأولى فقط؛ بدلالة أنه لو أحدث بعدها لم تفسد الصلاة؛ فلم يلزم ما قالوه.
والله أعلم.
فصل
عندنا أن الحلق نسك ثياب فعله، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أصحاب الشافعي: له قولان:
أحدهما: أنه نسك.
والآخر: أنه إباحة محظور، وليس بنسك.
والذي يدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين﴾ فخص دخولهم على هذه الصفة بالذكر ممتنًا عليهم بها وواعدًا لهم بحصولها؛ فدل ذلك على أنها فضيلة وأنها ليست مباحة فقط: لأن ذلك يوجب كونها وكون غيرها من المباحات سواء؛ لأنه لم يقل: لابسين ولا متطيبين.
ويدل على قوله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله المحلقين" ثلاثًا.
قيل: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال في الرابعة: "والمقصرين".
ففي هذا دليلان:
أحدهما: أنه دعاء لهم، وبالغ في ذلك بالتكرار؛ فدل على أن الصفة التي علق الدعاء بها نسك يثاب عليه، وأنها ليست بمباحة؛ ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال: رحم الله اللابسين والمتطيبين والمجامعين والمقلمين أظافرهم وكل شيء تعلق بمجرد الإباحة؛ لأنه ليس في ذلك معنى يقتضي الدعاء ولا الفضل مما تعلق به ثواب.
والوجه الآخر: أنه نبع بتكرار الدعاء للمحلقين وترتيبه على المقصرين على فضيلة الحلق على التقصير وتأكيده على التقصير.
وليس يقع التفصيل بين فعلين إلا والثواب يتعلق بهما؛ فما كان أكثر ثوابًا كان أفضل؛ ألا ترى أنه لا فضيلة للباس على الوطء ولا للوطء على الطيب، ولا يتعلق بشيء من ذلك ثواب؟.
ويدل على ذلك ما رواه ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ليس على النساء حلق؛ إنما على النساء التقصير".
ووجه الدليل أنه أخبر بأن التقصير عليهن؛ فصح بذلك أنه نسك وليس بمباح؛ لأنه وصفه بأنه مباح ينفي أن يكون عليهن.
ويدل عليه أيضًا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حلق رأسه في حجة الوداع.
رواه موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم.
وقد قال: "خذوا عني مناسككم"، وكل شيء فعله قبل الفراغ من الحج فهو من النسك إلا ما قام عليه الدليل.
ويدل عليه أيضًا ما رواه أصحابنا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء"؛ فعلق صلى الله عليه وسلم إباحة الأشياء الممنوعة بالإحرام على فعل الحلق كما علقه بالرمي؛ فدل ذلك على أنه نسك.
وأيضًا فإنه قول عمر، وابن عمر- رضي الله عنهما- ولا مخالف لهما؛ فروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: من ظفر فليحلق، ولا تشبهوا بتلبيد اليهود.
وروى مالك- رضي الله عنه- عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: من عقص أو لبد فقد وجب عليه الحلاق.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه لقى رجلًا من أهله قد أفاض ولم يحلق ولم يقصر، جهل ذلك فأمره عبد الله بن عمر أن يرجع فيحلق أو يقصر، ثم يرجع إلى البيت فيفيض.
واستدل أصحاب الشافعي بأن الأمر بالحلاق ورد عقيب حظر؛ فاقتضى كونه مباحًا.
قالوا: ولأن النسك إذا وقع قبل وقته لم يعتد به، ولم يلزم فيه فدية الرمي وغيره.
وليس كذلك الحلق؛ لأنه لو وقع قبل وقته لتعلقت الفدية به؛ فدل ذلك على أنه ليس بنسك كاللباس والطيب.
فالجواب: أن صيغة الأمر إذا وردت بعد الحظر كانت محمولة على أصلها الذي هو الوجوب.
وعلى أن ورودها بعد الحظر إن كانت علة في كونها على الإباحة فذلك باطل من قبل أنا قد رأينا ما قد أمر به بعد حظر وفيه صفة زائدة على الإباحة؛ ألا ترى أنه ممنوع من أن يفعل في الصلاة سلام التحليل قبل وقته، ومع ذلك فهو شرط.
وكذلك الصائم يثاب على إفطاره وإن كان بعد خطر.
على أنه لا يمتنع أن يكون واردًا بعد حظر، فيدل الدليل على كونه واجبًا أو تدبًا.
واعتلالهم ساقط بما رويناه من الأخبار.
وبالله التوفيق.
فصل وقوله: أنه "إذا رمى الجمرة ونحر وحلق أتى البيت فأفاض"؛ فلقوله
عز وجل: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نحر ثم ركب فأفاض إلى البيت وصلى بمكة الظهر.
وقوله: (يركع)؛ فلأن من سنة كل طواف أن يركع عقيبه.
وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم.
فصل
قد ذكرنا ذلك أنه يرمي يوم النحر جمرة العقبة وحدها، ثم يأتي البيت فيفيض.
فإذا ثبت ذلك فإنه يرجع إلى متى ليبيت بها ثلاث ليال؛ يرمي في كل يوم أحد وعشرين حصاة ثلاث جمرات؛ كل جمرة بسبع حصيات، والجملة ثلاث وستون حصاة.
هذا لمن لم يتعجل.
وصفة التعجيل نذكرها فيما بعد إن شاء الله.
والأصل في ذلك ما رواه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: أفاض رسول الله- من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق؛ يرمي الجمرة إذا زالت
الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها.
ولا يجوز عندا أن يرمي الجمار في أيام منى إلا بعد الزوال.
ولا يجوز قبل الزوال إلا يوم النحر خاصة.
هذا قولنا وقول الشافعي، وروي عن [ق/150] عمر- رضي الله عنه-، وابن عمر، وابن عباس، وخلق كثير من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
وقال أبو حنيفة: القياس لا يجزئ بحال بعد الزوال، ولكنا استحببنا أن يكون في اليوم الثالث قبل الزوال.
وقال عطاء: إن جهل فرد قبل الزوال أجزأه؛ هكذا روى عنه مطلق من غير تفصيل.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر عن عبد الله يقول: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي ويوم النحر ضحى.
فأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس"، وهذا صدر منه صلى الله عليه وسلم على وجه البيان؛ فيجب امتثاله لقوله: "خذوا عني مناسككم".
وروي من حديث عائشة- رضي الله عنها- الذي ذكرناه أنه صلى الله عليه وسلم مكث يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات.
وروى حجاج عن مقسم عن ابن عباس قال: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يرمي الجمار إذا زالت الشمس.
وروى ابن وهب عن ابن أبي ذئب عمن أخبره عن سالم بن عبد الله أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: لا ترموا الجمار حتى تزول الشمس إلا يوم النحر.
وروى مالك عن نافع أن ابن عمر كان يقول: لا ترموا الجمار في الأيام الثلاث حتى تزول الشمس.
وروى ابن وهب عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر كان يقول: لا ترموا الجمار فمن رمى الجمار قبل أن تزول الشمس فليعد فليرم.
ولأنه رمى في أيام التشريق فلم يجز قبل الزوال؛ اعتبارًا مع أبي حنيفة باليوم الأول.
والذي من قول عطاء أنه إذا فعل ذلك مع العلم فإنه لا يجزئه، وقيس عليه من فعله جاهلًا بعلة تقدم الرمي على الزوال.
فإن قال أصحاب أبي حنيفة: لأنه رمى في أحد طرفي الأيام فأشبه الرمي يوم النحر.
قلنا: هذا القياس سقط معه ما ذكرناه من فعل النبي- صلى الله عليه وسلم- والصحابة رضي الله عنهم.
على أن يوم النحر مما انفرد برمي بعض الجمار، وخالف باقي الأيام في ذلك جاز إن خالفها.
وأيضًا فإن يوم النحر يحتاج إلى أشياء لا يحتاج إلى مثلها في أيام منى من الحلق والذبح والعود إلى مكة أجمع لطواف الإفاضة ثم الرجوع إلى
منى للمبيت بها، فلو منعنا الرمي إلا بعد الزوال لشق عليه ذلك وأدى إلى خوف الفوات لضيق الوقت وإلى بعض الأمور المفسر به.
والله أعلم.
والمستحب عندنا أن يرمي يوم النحر راكبًا، وأن يرمي أيام منى ماشيًا؛ لأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كذلك كان يفعل؛ فروى يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر أنه سمعه يقول: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: "خذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه".
وروى عثمان بن عمر حدثنا ابن جريج عن عطاء عن جابر أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يرمي الجمار ماشيًا مقبلًا ومدبرًا معناه من بعد يوم النحر.
وروى أيمن بن نائل عن قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي قال: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يرمي الجمرة يوم النحر على ناقة صهباء لا زجر ولا طرد ولا إليك إليك.
وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرمي الجمار في الأيام الثلاث بعد النحر ماشيًا ذاهبًا وراجعًا.
ويخبر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يفعل ذلك.
وروى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن الناس كانوا يرمون الجمار ذاهبين وراجعين، وأول من ركب معاوية.
فأما قوله: أنه "يقف عند الأولى والثانية للدعاء، ولا يقف عند جمرة العقبة ولينصرف" فالأصل فيها ما روي من حديث عائشة- رضي الله عنها- الذي ذكرناه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يرمي كل جمرة بسبع حصيات، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها.
وروى حجاج بن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أتى جمرة العقبة فرماها ولم يقف عندها.
وذكر مالك- رضي الله عنه- أنه بلغه أن عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- كان يقف عند الجمرتين وقوفًا طويلًا حتى يمل القيام من طول قيامه.
وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقف على الجمرتين الأولتين وقوفًا طويلًا يكبر الله ويسبحه ويحمده ويدعوه، ولا يقف عند جمرة العقبة.
فصل
ولا يجوز أن يجمع بين السبع حصيات في رمية واحدة، فإن فعل كانت كواحدة، ورمى بعدها ستًا.
وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: تجزئه عن السبع.
والدليل على ما قلناه: ما روت عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يرمي كل جمرة بسبع حصيات؛ يكبر مع كل حصاة.
وهذا يدل على أنه أفرد كل حصاة بالرمي، ولم يجمعهن.
وعلى نحو ذلك روى سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه أنها قالت: رأت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة.
وقد وافقنا أبو حنيفة على أنه إذا طرحها من يده طرحًا أنه لا يجزئه فقاربه أصحابنا على ذلك بعلة أنه فارق حصاة دفعة واحدة.
وهذا ليس بصحيح عندي؛ لأنه منع ذلك إنما هو لمعنى يرجع إلى صفة المقارنة؛ لأن الجمع والتفرقة يدلك عليه أنه لو أفرد كل واحدة من الحصى بالرمي على هذه السبيل لم يجزئه؛ لأن ذلك ليس برمي؛ فسبيل الجمع والتفريق واحدة في ذلك والمعتبر على الخبر.
فإن قيل: منزلة ذلك الحد إذا وجب على إنسان فضرب ضربة واحدة بثمانين سوطًا أو بمائة على حسب الحد وعدد أسواطه إن ذلك ينوب عن
إفراد كل سوط بالغرب؛ فكذلك في هذا الموضع.
قيل له: هذا لا يلزمنا نحن [ق/151]؛ لأنا لا نجوز ذلك إنما نلزم أصحاب الشافعي، وقد انفصلوا عنه بأن قالوا: الغرض من الحد إدخال الألم بذلك القدر من العدد، وهذا يمكن في الجمع والتفرقة.
وفي هذا نظر، وقولنا ما قدمناه.
فصل
قوله: إذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف إلى مكة، وقد تم حجة.
فلأنه لم يبق عليه شيء من أحكام الحج لا من فروضه ولا من سننه؛ لأنه قد أتى بجميع ما عليه.
وقوله: إن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف.
فصفة التعجيل أن ينفر ثالث النحر بعد رميه ما لم تغب الشمس فيسقط عنه إذا فعل ذلك الرمي من الغد.
ولا أعلم خلافًا في جواز التعجيل، والأصل في ذلك قوله تعالى ذكره: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى﴾.
وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن عزم عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن علي عن أبيه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رخص لرعاة الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ليومين ثم يرمون
يوم النفر.
فإن قيل: إذا كان التعجيل مباحًا جائزًا فما معنى قوله عز وجل: "فلا إثم عليه"؟
قيل له: معناه ما ورد به التفسير أنه غفر له، وقيل: لا إثم عليه في ترك الأخذ بحقه.
فإن غابت الشمس وهو بمنى أو بمكة لزمه المبيت، ولم يكن له أن ينفر؛ لأنه قد لزمه المبيت بغروب الشمس وعدم النفر، وإنما يكون له ذلك ما لم يدخل الوقت الذي ينفر عنه.
وقد ذكر فيه خلاف عن بعض من تقدم أظنه أبان بن عثمان- رضي الله عنه-.
فصل
وقوله: إذا أراد أن يخرج من مكة طاف للوداع.
فجملة القول فيه أنه مستحب، وليس بواجب ولا مسنون.
وعند أبي حنيفة أنه واجب، وليس بركن.
وعند الشافعي أنه مسنون، وله قولان في وجوب الدم بتركه.
ولا خلاف في أنه ليس بركن.
والأصل في استحبابه ما رواه طاوس عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت".
وروى حجاج بن أرطاة عن عبد الله بن المغير الطائفي عن عبد الرحمن ابن البيلماني عن عمرو بن أوس عن الحارث بن أوس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من حج أو اعتمر فليكن آخر عهده الطواف بالبيت".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يكون آخر نسكه الطواف بالبيت".
ولأنه لما استحب الطواف بالبيت في ابتداء الورود؛ فكذلك عند الخروج.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- قال: لا يصدرن أحدكم من الحاج حتى يطوف بالبيت.
وروى مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- رد رجلًا من مر الظهران لم يكن ودع البيت.
والدليل على أنه ليس بواجب ولا مسنون ما روي أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال في صفية لما قيل له: إنها قد حاضت: "أحابستنا هي؟ " قيل له: إنها قد أفاضت.
قال: "فلا إذًا" ونفر بها؛ فلو كان واجبًا لوجب
أن يحبسها عليه؛ ألا ترى أنه قال: "أحابستنا هي" حين ظن أنها لم تطف الإفاضة.
وأيضًا فلأنه طواف يفعل خارج الإحرام فوجب أن يكون نسكًا ولا واجبًا؛ اعتبارًا بطواف النفل.
فإن قيل: فقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "من حج فليكن آخر عهده بالبيت".
قيل له: هذا محمول على الاستحباب؛ بما ذكرناه.
فإن قيل: فقد روي عن عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- أنه قال: (فليكن آخر عهده بالبيت؛ فإن آخر النسك الطواف بالبيت)؛ فجعله من النسك.
قيل له: لم يجعله من النسك، وإنما أراد أنه آخر أفعال الحج التي هي المناسك.
وقد يعبر بذكر آخر الشيء عما يتصل به وإن لم يكن منه إن كان من الجملة.
فإن قيل: لأنه معنى يؤتى به بعد كمال التحلل؛ فوجب أن يكون نسكًا؛ كالجمار في أيام منى.
قيل: رمي الجمار يجوز تقدمها على ركن من أركان الحج- وهو طوف الإفاضة-؛ فعلم بذلك اختصاصها بالحج ودخولها في جملة المناسك.
على أن كون الشيء مفعولًا بعد كمال التحلل إنما يدل على كونه غير نسك؛ فهو بأن لا يدل على وجوب كونه نسكًا أولى؛ لأن أفعال المناسك موضعها بعد التحلل؛ فليس ترى منسكا مبتدءا بعد التحلل إلا فيما تقدم بعضه وبقي تمامه، وطواف الوداع مبتدأ بعد كمال التحلل؛ فلم يكن
منسكًا.
والدليل على أنه لا دم في تركه: أن الحائض تتركه ولا دم عليها؛ فلو كان من النسك لكان عليها الدم ولكان لا فرق بينها وبين غيرها في ذلك.
ولأنه إذا ثبت أنه ليس بنسك بما قدمناه ثبت أنه لا دم فيه.
فإن قيل: لأنه معنى يؤتى به بعد كمال التحلل فجاز ثبوت الدم؛ كالرمي في أيام منى.
قلنا: ثبوت الدم في ترك الشيء يدل على تأكيده وفوته، الإتيان به بعد كمال التحلل يدل على ضعف الشيء علما على ثبوت الحكم الدال على قوته وتأكيده.
والمعنى في الرمي أنه نسك؛ فلذلك وجب الدم في تركه؛ ألا ترى أنه يجوز تقديمه على ركن من أركان الحج؟.
فصل
فأما الحاج المكي فلا وداع عليه؛ لأن الوداع إنما خوطب به من يريد الخروج، والمكي مقيم؛ فلا معنى لتوديعه مع إقامته.
وقوله: يركع وينصرف: فلأن من سنة كل طواف أن يتعقبه الركوع- على ما بيناه من قبل- فالوداع وغيره سواء في ذلك.
فإذا ركع انصرف؛ لأنه لم يبق عليه شيء يقف لأجله.
وبالله التوفيق.
مسألة
قال رحمه الله: "والعمرة يفعل فيها كما ذكرنا أولًا إلى تمام السعي بين الصفا والمروة، ثم يحلق رأسه، وقد [ق/152] تمت عمرته".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله-: لا خلاف أن من شرط العمرة الإحرام، ثم الطواف والسعي، فإذا أتى بذلك تحلل بالحلاق.
والأصل فيه أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أحرك بالعمرة، وكذلك الصحابة رضي الله عنه.
ولأنها نسك يجب فيه طواف وسعي فكان من شرطه الإحرام كالحج.
وعلى نحو ذلك كانت صفة عمرة النبي- صلى الله عليه وسلم-.
وروى شريط عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: اعتمرنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فطاف بالبيت سبعًا، وصلى ركعتين عند المقام، ثم أتى الصفا والمروة فسعى بينهما سبعًا، ثم حلق رأسه.
وروى أبو داود حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثني سعيد بن مزاحم بن أبي مزاحم قال: حدثنا [أبي] مزاحم عن عبد العزيز عن عبد الله بن أسيد عن محرش بن كعب قال: دخل النبي- صلى الله عليه وسلم- الجعرانة فجاء
إلى (المسجد) فركع ما شاء الله، ثم أحرم، ثم استوى على راحلته فاستقبل بطن سرف حتى أتى طريق المدينة فأصبح بمكة كبائت.
والقول في صفة الإحرام بالعمرة والطواف وأحكام ذلك كله كالقول في الحج، وشروطها واحدة، وقد بيناه في الحج، وسنين ما بقي في موضعه إن شاء الله.
مسألة
قال رحمه الله: "والحلاق أفضل في الحج والعمرة، والتقصير يجزئ".
قال القاضي رضي الله عنه: وقد للنا فيما سلف على أن الحلق والتقصير سنة ونسك من مناسك الحج.
والذي يدل على أنه أفضل قوله تعالى ذكره: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين﴾؛ فبدأ بالحلاق.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "اللهم أرحم المحلقين".
قالوا: والمقصرين؟ قال: "والمقصرين"؛ فثبت بذلك أن الحلاق أفضل.
(وروي) من حديث ابن سيرين [عن أنس] أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما رمى جمرة أتى نسكه فنحره، ثم دعا الحلاق وقال: "ابدأ فيه بالشق الأيمن" فبدأ به فحلقه، ثم الشق الأيسر فحلقه، وناوله أبا طلحة.
فدل ذلك على ما قلناه.
مسألة
قال رحمه الله: "وليقصر من جميع شعره".
قال القاضي رضي الله عنه: وهذا لأنه حكم يتعلق بالرأس في الشرع على وجه العبادة؛ فوجب أن يعم به الرأس؛ اعتبارًا بالمسح.
وقد روى فليح بن سليمان عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "من عقص أو لبد فعليه الحلاق".
والمعنى في ذلك ما قلناه من أن عليه أن يقصر من جميع شعر رأسه، ولا يمكنه ذلك من العقص والتلبيد؛ فلذلك أمره بالحلاق لعيدل إلى ما يعم به الرأس.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: "وسنة المرأة التقصير".
قال القاضي أبو محمد- رضي الله عنه-: وذلك لأن الحلاق من سنة الرجال دون النساء لأنه في النساء شهرة فلا يجوز لهن فعله.
وقد روى ابن عباس- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "ليس على النساء حلق، وإنما على النساء التقصير".
ولا خلاف في ذلك أعلمه.
مسألة
قال رحمه الله: "ولا بأس أن يقتل المحرم الفأرة، والحية، والعقرب وشبهها، والكلب العقور، وما يعدو من الذئاب والسباع ونحوها، ويقتل من الطير ما يتقى أذاه من الغربان والأخدية فقط".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله-: أعلم أنه لا خلاف في أن للمحرم قتل الحية، والعقرب، والزنبور، والفأرة وما أشبه ذلك، والذئب، والكلب العقور.
والأصل في ذلك ما رواه مال عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور".
وروى مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "خمس من الدواب من قتلهن وهو محرم فلا جناح عليه: العقرب والفأرة والكلب العقور والغراب والحدأة".
وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "خمس فواسق يقتلن في الحرم: الفأرة، والغراب، والحدأة، والكلب العقور".
وقد وصله غير مالك فقال: عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فأما الحية: فقد ورد الخبر أيضاً بقتلها؛ فروى شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسبب عن عائشة عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ليقتل المحرم الفأرة، والغراب، والحدأة، والعقرب والكلب العقور، ويقتل الحية".
وروى محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكم عن أبي صالح عن أبي
هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "خمس قتلهن حلال في الحرم: الحية، والعقرب، والحدأة، والفأرة، والكلب العقور".
وقد روى هذا الحديث من طرق كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية.
وروى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى ليلة عرفة فخرجت حية فقال: "اقتلوا اقتلوا" فسيقتنا".
فصل
قال القاضي: وله عندنا قتل السباع العادية المبتدئة بالضرر من الوحش والطير؛ مثل الأسد والذئب والنمر والفهد والكلب العقور، وما أشبه ذلك.
ولا جزاء عليه فيه.
ومن الطير: الغراب والحدأة فقط.
ووافقنا أبو حنيفة في الذئب والكلب العقور والحدأة والغراب؛ فقال: للمحرم قتل جميع ذلك، ولا جزاء عليه فيه سواء ابتدأ بالضرر أم لا.
وقال في السبع والفهد والنمر وغيرها من السباع أنه لا يقتله، فإن قتله فداه.
وقال الشافعي: كل ما يؤكل من الصيد فلا فدية فيه إلا في السبع وهو
المتولد بين الذئب والضبع.
وحكى [ق/153] عنه في الحمار المتولد بين الأهلي والوحشي أنه لا يؤكل، وفي قتله جزاء.
والخلاف مع أبي حنيفة في السبع والفهد والنمر وغيرها؛ فعندنا أن له أن يقتلها ولا جزاء عليه في ذلك، وعنده أنه ليس له قتلها وأن عليه الجزاء في قتلها.
فالدلالة على صحة قولنا: ما رواه أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا هشيم قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد حدثنا عبد الرحمن ابن أبي نعيم البجلي عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل ما يقتل المحرم؟ قال له:" الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمى الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة والسبع العادي".
وهذا نص في قتل كل سبع.
فإن قيل: ليس في هذا دلالة على موضع الخلاف؛ لأن الذي فيه إباحة قتل السبع العادي؛ وهو الذي يريد الإنسان ويعدو عليه، وهذا لا يختلف في إباحة قتله وسقوط الجزاء فيه، إنما الخلاف فيما لم يعدو ولم يرد الإنسان هل يجوز ابتداء قتله أم لا؛ فالخبر غير منتظم له؛ لأنه ليس بعاد.
قلنا: هذا الاعتراض ليس بصحيح من قبيل أن العادي وصف لطبعه وما جبل عليه، سواء وقع منه في تلك الحال أم لا؛ كما وصف السيف بأنه قاطع، والخبر بأنه شائع، والماء بأنه مروٍ، وما أشبه ذلك؛ فكذلك السبع من طبعه أن يكون عاديًا، ولم رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن العدو علة إباحة قتله؛ لأنه لو أراد ذلك لم يكن لتخصيص السبع معنى؛ لأن كل ما عدا على الإنسان فله دفعه عنه وإن أدى إلى قتله - سبعًا كان أو غيره.
ويدل على ما قلناه: ما رويناه من حديث ابن عمر وأبي سعيد وعائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "خمس ليس على المحرم في قتلهن جناح.... " فذكر الكلب العقور.
واسم الكلب ينطلق على الأسد شرعًا، ولغة.
أما اللغة: فاسم الكلب مأخوذ من التكلب، ومنه قوله تعالى ذكره: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ أي: مضربين ومحرضين.
والعقور من العقر.
ولمخ يخص أهل اللغة بهذه التسمية في عين دون عين.
وهذه المعاني في السبع أوجد منها في الكلب؛ فكان بأن يسمى بها أولى.
وأما الشرع: فما روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ سورة النجم فقال عتبة بن أبي لهب: كفرت برب النجم.
فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم-: "أما
تخاف أن يسلط الله عز وجل عليك كلبه؟ " فخرج مع ناس في سفره فأخذه الأسد.
وروى زيد بن أسلم عن عبد ربه عن أبي هريرة قال: الكلب العقور الأسد.
ولا يخلو أن يكون ذلك لغة أو شرعًا، وأيهما كان فهو حجة.
ويدل على ما قلناه أيضًا: أن الكلب العقور لما أبيح قتله، وكذلك الذئب للضرر الذي يلحق من جهته بعدوه وافتراسه الذي يحصل منه ابتداءًا، وكان السبع أدخل في هذه المعاني، وكانت فيه أوجده مضرة أشد وجب أن يكون بالقتل أولى.
ولأن إباحة قتل وسقوط الجزاء لا يخلو أن يكون للعدو الذي فيه ولوجودها حال القتل، أو لكونه مما لا يؤكل لحمه فإن كان لأنه مما لا يؤكل لحمه فذلك باطل بالضبع؛ لأنها غير مأكولة، وليس له قتلها، وفيها الجزاء متى قتلها.
وإذا بطلت هذه الوجوه الم يبق إلا ما قلناه.
فإن قيل: ما أنكرتم من معنى آخر؛ وهو أن البلوى به عامة.
قد قيل له: ليست البلوى به بأعم من البلوى بالأسود والضباع، ولا المراعي أيضًا كثرتها في بعض الطرق؛ لأن السباع أيضًا كثيرة في طرق أخر، وإنما المراعي ما قلناه من الابتداء بالضرر.
ويدل أيضًا على سقوط الجزاء بقتل السبع أنه لا يضمن بمثله في الخلقة ولا بكمال جملة قيمته عند المخالف؛ فلم يكن مضمونًا أصلًا؛ لأن المضمون من الصيد لا يخرج من هذين القسمين.
وأبو حنيفة يقول: إن قيمته إذا زادت على قدر شاة لم يجب عليه كما لها.
وليس له مثل من النعم فيكون مضمونًا به.
فلما خرج عن أقسام ما يضمن سقط أن يكون مضمونًا.
واستدل المخالف بقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾.
والصيد: اسم لجنس الممتنع من وحش البر، وهذا يتناول السبع وغيره؛ ويبين ذلك أن أحدًا لا يمتنع من إطلاق اسم الاصطياد عليه؛ لأنه يقال: اصطاد فلان سبعًا؛ كما يقال: اصطاد ظبيًا.
وإذا صح ذلك ثبت تناول الظاهر به.
وروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خمس يقتلن في الحل والحرم" فذكر الفأرة والحية والكلب العقور والغراب والحدأة؛ فخص إباحة القتل بعدد محصور، فلو ألحقنا غيره لأبطلنا فائدة الحصر وزدنا في الخبر بقياس، وهذا ما لا سبيل إليه.
قالوا: ولأنه سبع متوحش لا يعم الأذى به؛ فأشبه الضبع.
قالوا: ولأنه صيد يحل قتله في الإحلال؛ فجاز تحريم قتله في
الإحرام بوجه كسائر الصيد.
وأعلم أنه ليس في جميع ما ذكروه دلالة على ما ذهبوا إليه.
أما الظاهر: فلا حجة فيه من قبيل أنه لم يرد إلا بتحريم قتل الصيد المضمون بمثله من النعم.
وهذه الأشياء لا مثل لها.
هذا أحد أجوبة أصحابنا.
ولو سَلَّمنا أن الظاهر متناول ما يضمن بمثله من طريق الخلقة ولا يضمن بكمال قيمته؛ لأنهم يقولون: إن زادت قيمته على قدر شاة لم يكن عليه إلا شاة.
على أنا لو سَلَّمنا بتناول الظاهر له لخصصناه بما رويناه.
وأما قولهم أنا لو أبحنا قتل غير ما ورد به الخبر لأبطلنا فائدة الحصر: فإنه باطل؛ لأن القائسين معولهم على معاني النصوص، لا على الأسماء.
فإذا عقلنا معنى ما ورد به النص - وقد تعبدنا بالقياس؛ فعديناه إلى ما سكت عنه-؛ فلا يكون في ذلك إبطال لفائدة الحصر؛ لأن فائدة التنبيه به على ما سكت عنه.
وهذه من شبه مبطلي القياس.
ويقال لهم: وأنتم أيضًا إذا أبحتم قتل الذي وليس في الخبر فقد أبطلتم فائدة الحصر، والسؤال عائد عليكم.
ويقال [ق/ 154] لهم: إنما لم يبطل فإنما لأنا لم نزد عليه وذلك أنا قد بينا تناول الظاهر للسبع بالنص في قوله: "والسبع العادي"،
وبقوله: "عليه السلام: والكلب العقور"، وأوضحناه بما يغني عن إعادته.
وأما اعتلالهم بأنه سبع متوحش لا يعم الأذى به كالضبع: فباطل من قبلي أن الأذى يعم بالسبع أشد من كل شيء.
وليس الاعتبار بقلة وجوده وكثرته؛ لأن ذلك يقف على المواضع المسلوكة؛ ألا ترى أن الذئاب قد تعم البلوى بها وتقل على حسب المواضع التي تكثر بها وتقل في بعضها؟.
وبالله التوفيق
فصل
فأما الشافعي فالخلاف معه في الصقر والبازى والثعلب، وكل متوحش لا يؤكل لحمه مما لا ضرر فيه أو لا يبتدئ بالضرر؛ فعنده أن لا يضمن، وعندنا أنه مضمون ممنوع من قتله.
والدلالة على صحة قولنا قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾، وقوله عز وجل: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾؛ فعم ولم يخص ما يؤكل لحمه مما لا يؤكل.
ولأنا حملنا صيد البر على حقيقته في الاصطياد الذي هو الفعل جائز؛
فكأنه قال عز وجل: وحرم عليكم أن تصيدوا في البر ما دمتم حرمًا.
وهذا على عمومه.
فإن قيل: هذه الظواهر لا تتناول موضع الخلاف من قبيل أن الصيد اسم موضع لما يؤكل، فإذا استعمل فيما لا يؤكل فبقرينة؛ يبين ذلك قوله سبحانه: ﴿لا تقتلوا الصيد﴾ حصر لما كان حلالًا أكله قبل الإحرام.
فأما من كان أصله محرمًا فهو على الأصل.
فعلم بذلك أن اسم الصيد لا يتناول السباع والخنازير والطير التي لا تؤكل.
قلنا: إن الصيد اسم للمتمتع المتوحش في البر، واسم الاصطياد نطق على ذلك كله.
وأهل اللغة لا يفرقون في ذلك بين ما يؤكل وبين ما لا يؤكل؛ ألا ترى أنهم يقولون: اصطاد فلان سبعًا وذئبًا وفهدًا وظبيًا وغزالًا، ولا يقولون: صاد جملًا وشاة؟ وإنما افترق الحكم في ذلك؛ لوجود الامتناع والتوحش في إحدى الجنسين وعدمه في الآخر.
فإن قيل: إنما يقولون ذلك بقرينة؛ لأنهم لا يقولون: صاد سبعًا فقتله، ويقولون: صاد ظبيًا فأكله؛ فعلم أن قولهم صاد سبعًا معناه: قتل سبعًا.
قلنا: هذا باطل من وجوه.
أحدهما: أنهم يقولون: صاد سبعًا ويسكتون على هذا من غير أن