شرح الرسالةصفحات 222-261

كتاب الصيام

صفحات 222-261

عنهم أجمعين.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا كفارة عليه.
والدلالة على ما قلناه: ما رواه مالك عن يحيى بن سعيد بن أبي سلمة عن عائشة قالت: إن كان ليكون على صيام من رمضان فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان.
فأبانت بذلك أن وقت القضاء ما بين الرمضانين.
وإذا صح هذا كان إذا أخره عن هذا الوقت مفرطا؛ فقد أخره عن وقته المجعول له؛ فأشبه من أخر الصوم عن رمضان نفسه، فلزمته الكفارة.
ولا يلزم على هذا أن يستويا في تقدير الكفارة من حيث استويا في أصل الوجوب؛ لاختلاف حرمة الوقتين، وكون زمان رمضان مستحق العين، متأكد الحرقه، بخلاف سائر السنة.
واعترض عليه بأن قيل: إن هذا من قول عائشة، وليس بمروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقولها على انفرادها لا يحتج به.
فالجواب: أن الموضع الذي يروى عنها لا يختلف فيه، وهو انحتام القضاء في طول السنة، والمنع من تأخيره إلى ما بعد من رمضان الثاني.
هذا اتفاق وإن اختلفنا في هل يجب عليه بهذا التأخير شيء أم لا.
وإذا صح هذا بطل ما قالوه.
وقد استدل جماعة ممن وافقنا بقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾

معناه: إذا أفطر.
قالوا: فألزمهم الفدية بتأخيره، وعموم هذا يوجب أن تكون عليهم الفدية سواء قضوه أو لم يقضوه، فقامت الدلالة على أنه لا فدية عليهم إذا قضوه، وبقى ما عداه على عمومه.
قالوا: وروى الحكم عن مجاهد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أفطر رمضان من مرض فصح ولم يصمه حتى أدركه رمضان آخر فليصم ما أدركه ثم ليقض الذي فاته، وليطعم على كل يوم مسكينا " وهذا نص في موضع الخلاف.
قالوا: وروى شريك عن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن مات وعليه رمضان لم يقضه: "أطعم عنه في كل يوم نصف صاع من بر".
وهذان الخبران رأيتهما بهذا الإسناد في كتب جماعة من موافقينا، ولم أرهما في شيء من كتب أهل الحديث.
ومن جهة القياس: لأنها عبادة على البدن تفعل مرة في السنة؛ فوجب إذا أخر قضاءها مفرطا حتى عاد وقتها أن يلزمه مع القضاء الكفارة.
أصله: الحج إذا فاته.
واحتج مخالفنا: بقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾؛ فأوجب بتأخيره القضاء، فلو قلنا: إن عليه الإطعام مع القضاء

فكان ذلك زيادة في النص، والزيادة على النص نسخ عند قوم.
فالجواب: أن هذا لا دلالة فيه على موضع الخلاف؛ وذلك أنه ليس فيه أكثر من أن الفطر يوجب القضاء فقط، ونحن كذلك نقول: إنه لا يجب بالفطر إلا القضاء.
فأما الإطعام فليس يجب بالفطر، وإنما يجب بالتأخير.
فإذا كان الأمر على ما وصفنا فلم يزد في حكم النص.
قالوا: وأيضا فقد روى في حديث أم هانئ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "إن كان من رمضان فاقضه، وإن كان من تطوع فإن شئت فاقضه وإن شئت فلا".
ووجه الاستدلال بهذا أنه أمرها بالقضاء ولم يأمرها بالإطعام مع القضاء.
فالجواب أن يقال: إن هذا أيضا لا تعلق فيه؛ لأنه إشارة إلى ذلك اليوم الذي أفطرت فيه، وليس في الخبر أنه كان آخر يوم من شعبان.
فإذا كان كذلك سقط ما قالوه.
وأيضا فإن أم هانئ رضي الله عنها أفطرت بعذر؛ وهو كراهتها أن ترد أمره صلى الله عليه وسلم، ونحن لا نوجب الكفارة على معذور بالفطر، وإنما نوجبها على مؤخر القضاء إذا كان مفرطا لا عذر له.
قالوا: وأيضا فلأنه صوم واجب؛ فوجب ألا يجب بتأخيره عن وقته كفارة.
أصله: إذا نذر أن يصوم يوما ثم أخره عن وقته.
فالجواب: أن هذا لا يصح على أصلهم؛ وذلك أن وقت القضاء ليس

بمحدود عندهم؛ فلا معنى لقولهم إذا أخره عن وقته على أن المعنى في ذلك الأصل وهو النذر وهو أنه لا يجب بإفساده الكفارة؛ فجاز أن يجب بتأخير القضاء عنه الكفارة.
قالوا: وأيضا ولأن أصل القضاء الذي هو صوم رمضان نفسه آكد حكما هو الفرع الذي هو القضاء، وقد ثبت أنه لو أخر الصوم نفسه عن وقته لم يلزمه بتأخيره كفارة؛ فكان إذا أخر فرعه الذي هو قضاؤه الذي أضعف حكما منه عن وقته بأن لا يلزمه أولى.
فالجواب: أن صوم رمضان إنما لم يجب فيه ما قالوه؛ لأنه يجب بتأخيره القضاء، فلذلك لم تجب به الكفارة، وليس كذلك الحكم في مسألتنا وهو قضاء رمضان؛ لأنه لا يلزمه بتأخيره قضاء؛ فجاز أن تلزمه كفارة بتأخيره.
وإذا كان كذلك ثبت الفرق بين الموضعين؛ فصح ما قلناه.
والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: "ولا صيام على الصبيان حتى يحتلم الغلام، وتحيض الجارية.
وبالبلوغ لزمتهم أعمال الأبدان فريضة؛ قال الله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا﴾ قال القاضي أبو [ق/48] محمد عبد الوهاب بن علي رحمه الله: هذا

لأن عبادة الأبدان لا تلزم إلا الرجال والنساء، دون الأطفال، لأن البلوغ شرط في صحة التكليف.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاث" فذكر الصبي حتى يحتلم.
ولأنها عبادة على البدن؛ فلم تلزم الصبي كالصلاة، ولا تلزم عليه العدة؛ لأنها ليست على البدن، وإنما تجب بمرور الزمان.
فصل حد البلوغ: عند مالك رحمه الله في الذكور الاحتلام أو الإنبات وإن بلغ من السن ما يعلم أن مثله قد بلغ في العادة.
وليس في ذلك حد مقدر، غير أن أصحابنا قالوا: سبع عشرة أو ثمان عشرة سنة.
وهذه الأوصاف هي علاماته في النساء، ويزدن على الذكور بالحيض والحمل.
ولا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة والشافعي في شيء من هذه العلامات إلا في موضعين: أحدهما: الإنبات.
والآخر: حد السن.
فأما الإنبات: فعند أبي حنيفة لا معتبر به في البلوغ، ولا يكون دلالة عليه.
وقال الشافعي: يحكم به في المشركين.
وهل يكون بلوغا فيهما أو دلالة على البلوغ له؟

فيه قولان؛ قال أصحابه: فإذا قلنا إنه بلوغ فيهم فهو بلوغ في المسلمين.
وإذا قلنا: هو دلالة على البلوغ فهل يكون دلالة على البلوغ في المسلمين أم لا؟ فيه قولان.
وأما السن: فاعتبر أبو حنيفة في الذكور تسع عشرة، وفي الإناث سبع عشرة.
واعتبر الشافعي خمس عشرة في الذكور والإناث، وذكره بعض متأخري أصحابنا عن ابن وهب.
فأما الكلام في الإنبات فاستدل من لم يعتبره بقوله تعالى: ﴿ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم﴾، وقال تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾؛ فعلق أحكام البلوغ بالاحتلام؛ فدل تعلقه به دون غيره.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث"؛ فذكر الصبي حتى يحتلم؛ فجعل علة خروجه عن الصبي الاحتلام؛ فانتفى بذلك ما سواه.
قالوا: ولأن نبات الشعر على العانة مختلف بحسب اختلاف أحوال الصبيان وطباعهم؛ فلم تكف فيه دلالة على البلوغ؛ لأنه قد يسرع ويبطئ كغلظ الصوت ودقتة.
قالوا: ولأن شعر الوجه أدل على البلوغ من شعر العانة؛ فإذا لم يكن

دليلا على البلوغ لاختلاف أحوال الصبيان فلما سواه أولى بذلك.
وقالوا: ولأن الشعر نما من البدن على أصل الخلقة؛ فلم يكن دليلا على البلوغ كالسمن وكثرة الشحم.
ودليلنا: ما روى عطية العوضي "عن سعد قال: حكمني رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة.
فكنا نكشف عن مؤتزرهم؛ فمن أنبت منهم قتلناه، ومن لم ينبت جعلناه في الذراري.
فقال صلى الله عليه وسلم: "ما فعلت؟ " فأخبرته فقال: "حكمت بحكم الله".
وهذا نص؛ لأن القتل من أحكام البلوغ.
فإن قيل: متن الحديث مختلف.
قيل: في بعض طرفة: "من أنبت"، وفي بعضها: "ومن اخضر ميزره"، وفي بعضها: "من جرت عليه المواسي".
قيل له: كل ذلك لا يضرنا؛ لأن اخضرار الميزر وجريان المواسي عبارة عن الإنبات؛ فالمعنى واحد وإن اختلف الألفاظ.
فإن قيل: جريان المواسي يقتضى تكرارها.
قيل له: من أين وجب ذلك؟ وقد تقول: جرى الماء في النهر، وجرى الفرس في الميدان؛ فلا يقتضى ذلك التكرار.
فإن قيل: إن اخضرار الميزر وجرى المواسي بعده لا يكون إلا بعد البلوغ، لأن الميزر بين السرة إلى الركبة، ومتى حصل الشعر نابتا فلابد من

تقدم البلوغ.
قيل له: هذا سؤال تدفعه العادات؛ لأن الغالب من أمور الناس نبات الشعر على العانة، وهذا الموضع المعهود له، ولا يراعي النادر؛ وهو الأزب من الرجال الذي يشبح بدنه شعرا.
وعلى أن المخالف لا يعتبر الإنبات ولو كان في جميع البدن؛ فلا معنى فيه لهذا التأويل.
وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجزية على من جرت عليه المواسي" وقد ثبت أنها من أحكام البلوغ؛ فدل على اعتبار الإنبات.
وكذلك كتب عمر رضي الله عنه في أخذ الجزية.
ومثله ما روى عن عثمان رضوان الله عليه في الغلام الذي سرق: (إن كان اخضر ميزره فاقطعوه).
ولأن الأصول تشهد لما نقوله؛ وذلك أنا لو قصرنا البلوغ على السن حتى لا تكون لنا دلالة ظاهرة عليه سواها لكان فيه ذريعة إلى إسقاط الحدود؛ لأن من شأن من يصيب حدا أول بلوغه أن يكتم بلوه ليسقط الحد عنه؛ فكأن يدعى من له خمسة عشر سنة أنه ابن أربع عشرة، وكذلك من له ثمان عشرة يدعى أنه ابن دونها؛ فلا نصل إلى إقامة حد عليه، ولا إلى أمر يدلنا على بلوغه؛ فوجب اعتبار أمر زائد على ذلك ليتوصل به إلى العلم ببلوغه؛ فتوجه الأحكام إليه.

فأما الظاهر فالمراد به: إذا بلغ الأطفال الذي يحتملون عند بلوغهما، ولم يرد وقوع الاحتلام لا محالة؛ وذلك مثل قوله؛ ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ لم يرد إذا أنكحوا، وإنما أراد بلوغ الحال الذي يعاين منهم ذلك.
وكذلك نقول: إن الإنبات إذا حصل وعم الموضع إذا انتشر فيه فإن تلك حال الاحتلام والنكاح.
وعلى أن ليس إذا ذكرا علما من أعلام البلوغ دل أنه لا علم عليه غيره؛ ألا ترى أنه لم يذكر في هذه الآية النكاح ولا السن.
وما رووه من قوله: "حتى [ق/459] يحتلم" فالمراد به: حتى يخرج عن الصبي؛ فعبر عن البلوغ بنوع مما يقع به أو يدل عليه؛ بدليل أنه لم يذكر السن.
ويبين هذا أن الاختلاف ليس بأمر لازم؛ لأنه قد يوجد في الناس من لم يحتلم قط، وقد تختلف أحوال البالغين فيه؛ فيسرع في بعضهم ويبطئ عن بعضهم.
وقولهم: الإنبات يختلف فيسرع تارة ويبطئ فالعبرة في العادة في ذلك؛ ألا ترى أن الاختلاف موجود في الاحتلام ثم لا يمنع اعتباره؟ ولا يصح اعتبارهم بشعر الوجه وسائر البدن؛ لأن ذلك لا دلالة فيها على البلوغ؛ ألا ترى أن العادة جارية بنبات الشعر على العانة للبالغ، وأنه لا يكون إلا وقت البلوغ، ولا عادة في غيره من البدن على أن هذا العضو

أعني الذكر والفرج مما قد يجعل خروج الخارج منه بلوغا؛ فلا يمتنع أن يكون بنات الشعر عليه أو على ما يقاربه بلوغا أو دلالة على البلوغ، وليس كذلك الوجه ولا غيره من الأعضاء.
وقولهم: إن خروجه على الوجه أدل على البلوغ من خروجه على العانة، غلط ودعوى محضة، بل لا دلالة فيه أصلا فضلا عن أن يكون أدل.
وعلى أن هذا رد لاعتبار صاحب الشريعة فوجب سقوطه.
ووصفهم شعر العانة بأنه يخرج بمعالجة غلط على العادات؛ لأن العادة خروجه من غير علاج إلا النادر الذي لا حكم له، ولأن التعالج يكون لاحتسابه لا لإسراعه، فإن ثبت أنه يخرج في اليسير من الناس بعلاج فإن الاعتبار بمن نبت له من غير علاج؛ لأن الأحكام تتعلق بالغالب من العادات لا بنادرها.
وقولهم: إن الشعر نمى على أصل الخلقة كالسمن، والمعنى في السمن أنه لا يخص وقت البلوغ من غيره؛ ألا ترى أنه يوجد في الطفل؛ وكذلك الشعر في غير العانة لا وقت له يختص به، وليس كذلك في مسألتنا.
والله الموفق.
فصل فأما أصحاب الشافعي فاستدلوا للفرق بين المسلمين والمشركين في ذلك بأن قالوا: لأن الكفار لا يتهمون بأن يكونوا عالجوا أنفسهم لإخراج شعر

العانة؛ لأن ذلك يلحقهم بالمقابلة وأخذ الجزية، وليس شيء لأجله يتهمون بذلك، وهم لا يتهمون على أنهم فعلوه لتتوجه عليهم المطالبة بالجزية.
وليس كذلك المسلمون؛ لأنه لا يتعلق ببلوغهم من الأحكام ما يتهمون على أن يكون علاجهم بحصول ما يوجبها من قبول الشهادة، وكمال الحرمة، وفك الحجر، وغير ذلك.
فإذا وجدنا الإنبات سبقت التهمة أن يكون عن علاج ليستفيدوا به هذه الأحكام.
قالوا: ولأن طريق معرفة بلوغ الكافر بالسن متعذرة؛ لأن ذلك لا يعلم إلا من جهة الأب، وأقوال المشركين لا معتبر بها بما يتعلق بالأحكام؛ لأن شهادتهم غير مقبولة؛ فدعت الضرورة إلى اعتبار الإنبات؛ لأنه لا يبقى لنا طريق سواه.
وليس كذلك في المسلمين؛ لأن شهادة المسلمين مقبولة في البلوغ وغيره، فلم تدعنا ضرورة إلى اعتباره.
والذي يدل على وجوب اعتبار جميع ما قدمناه على أصحاب أبي حنيفة؛ فلأن كل ما جاز أن يكون دالا على البلوغ أو بلوغا في الكافر جاز مثله في المسلم.
أصله: السن والاحتلام.
ولأن دلالته على ذلك ليس لمعنى يرجع إلى الدين، وإنما هو لمعنى يتعلق بالعادات، وهذا يستوي فيه المسلم والكافر.
ولأن كل شخص ثبت بلوغه بالاحتلام جاز أن يثبت بالإنبات.
أصله: الكافر.

ولأن قبول الشهادة وغير ذلك من حقوق البلوغ وأحكامه فجاز أن تثبت بالإنبات.
أصله: أخذ الجزية من الكافر.
وأما فرقهم الأول فموجود في المسلم من الطريقين معا أعني وجود التهمة وعدمها.
وأما وجود التهمة: فلأن أكثر ما يتهم المسلم به يوجد في الكافر من فك الحجر عنه، والتمكين من ماله، والتصرف فيه، واستفادة ما يستفيده البالغ منهم.
ولا اعتبار بأداء الجزية، لأن ما يستفيده من غيرها يوفى على الضرر الداخل عليه بأدائها؛ فلا تزول عنه التهمة في ذلك؛ لزوالها في أخذ الجزية كما لا تزول عن المسلم بزوالها في أنه يقصد بذلك إقامة الحدود ووجوب القصاص عليه.
وأما انتفاء التهمة: فلا اعتبار به إذا كان مما تجلبه أكثر مما تنفيه كما ذكرناه في المسلم من إقامه الحدود بالزنا وشرب الخمر والسرقة؛ فبان بذلك ألا فرق بينهما.
هذا إن ثبت أنهم يتعالجون بذلك، وإلا فإن رجعنا إلى العادة لم يكن به من التسوية بينهم وبين المسلمين إما في منع العلاج غالبا أو في حصوله مع اتفاق الأسباب الداعية إليه.
وأما الفرق الثاني فليس بصحيح أيضا؛ لأنا نصل إلى معرفة سنه ممن

يعرفه من المسلمين، وممن كان من قرابته كافرا ثم أسلم؛ فبطل ما ادعوه.
وبالله التوفيق.
فصل فإما الكلام في السن فاستدل أصحاب الشافعي على اعتبار خمسة عشر سنة بما روى عبد الله بن وهب عن نافع عن ابن عمر أنه قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ولى أربع عشرة سنة فلم يجزني فردني ولم يرني بلغت، وعرضت عليه عام الخندق ولى خمسة عشرة سنة فأجازني.
وروى: فأجازني في المقاتلة.
ففي هذا الحديث أدلة: أحدها: [ق/5] أنه علق الإجازة ببلوغ خمس عشرة سنة؛ فدل على تعلق الإجازة بها؛ لأن الحكم إذا قرن بسبب تعلق به؛ كما روى أنه سهى فسجد، وأن ماعزا زنا فرجم.
والثاني: إن الرد تعلق في الأربع عشرة بعدم البلوغ؛ فدل على أن الإجازة في الخمسة عشر؛ لوجود البلوغ.
والثالث: إنه قال: أجازني في المقاتلة، وذلك يفيد أنه حكم ببلوغه؛ لأن المقاتلة من أحكام البلوغ.
قالوا: وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه، وأخذت

منه الحدود".
وهذا نص.
قالوا: ولأنه معنى يتعلق به البلوغ فيشرك فيه الرجال والنساء؛ فوجب أن يستويا فيه.
أصله: الاحتلام.
قالوا: ولأن من استكمل خمس عشرة سنة يصح إسلامه؛ فوجب أن يكون بالغا.
أصله: من استكمل ثماني عشرة سنة.
قالوا: ولأن كل حكم يتعلق بعدد يزيد على العقد الأول ولا يبلغ العقد الثاني وجب أن ينتصف قياسا على أقل الطهر.
والذي يدل على ما قلناه: قوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾ وقوله: ﴿والذين لم يبلغوا الحلم﴾، وقوله: ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾؛ فذكر البلوغ والأدلة عليه، ولم يذكر السن ولا خمس عشرة سنة.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "وعن الصبي حتى يحتلم"، ولم يقل: حتى يبلغ

خمس عشرة سنة.
ولأن جعل الخمس عشرة حد البلوغ لا يخلو أن يكون تعلقا بأكثر ما في العادة أو بأدناه.
وكلا الأمرين باطل؛ لأنا نجد في العادة من سبق لوغه الخمس عشرة ومن يتأخر عنها على صفة واحدة في الوجود غير متفاوته؛ فيجب ألا يكون دلالة على أحد الأمرين دون الآخر.
ولأنا وجدنا الأحكام المتعلقة بالخارج من الفرج إذا لم يكن تعليق الحكم عليها بتوقيف ولا بمقدار لا يختلف أنه يرجع فيها إلى النهاية وإقصاء العادة؛ ولذلك قلنا جميعا: إن الحيض المعتاد إذا أشكل أمره والتبس بالاستحاضة فإنه يحكم له بالبلوغ إلى أقصى مدته وآخر نهايته وهو خمسة عشر يوما، ولا يقتصر على أقله ولا على العادة منه.
وكذلك يجب في الحمل إذا أشكل أمره أن ينتظر به أقصاه؛ وهو أربع سنين أو خمس على حسب اختلاف أصحابنا في ذلك، وأنه لا يقتصر على المعتاد منه وهو تسعة أشهر، ولا على الأقل وهو ستة أشهر.
فكذلك يجب في مسألتنا ألا يتعلق الحكم على أقل ما يمكن من السن وأن ينتهي إلى أقصى ما في ذلك وهو ما يعلم أنه لابد أن يكون من انتهى إليه فقد بلغ إذا لم يجد أمارة دالة على البلوغ سواه.
أما حديث ابن عمر فقد اختلف فيه؛ فروى أنه قال: عرضت عليه عام أحد ولى ثلاث عشرة سنة فردني، وعرضت عليه عام الخندق ولى أربع عشرة سنة فأجازني.
وهذا يعارض ما رووه.

وأيضاً فإن الحكم تعلق بالبلوغ عند مصادفة هذه السن إلا أنها هي السبب والمعنى المؤثر في البلوغ، ونحن لا نمنع أن يكون ابن خمس عشرة سنة قد بلغ؛ ويبين ذلك أن ابن عمر ذكر أن رده إنما كان في الأربع عشرة؛ لأنه لم يره قد بلغ؛ فوجب أن يكون هذا المعنى مضمرا في الخمس عشرة سنة؛ فكأنه قال: وعرضت عليه في العام المقبل فرآني قد بلغت فأجازني، ولو لم يكن كذلك لم يكن لقوله: (ولم يرني قد بلغت) فائدة.
وذكر السن على وجه التأريخ لا على أن الحكم متعلق بها، ويوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأله عن سنه، وإنما ذكره ابن عمر من عند نفسه على وجه التأريخ وبيان سنه في الوقت كما يقول: درست الكتاب الفلاني وأنا ابن عشرين سنة.
وأيضا فإن أكثر ما في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أجازه في القتال، والإجازة في القتال لا تقف عندنا على البلوغ المعتبر في وجوب العبادات؛ لأن للإمام عندنا أن يجيز فيه من الصبيان من يرى فيه القوة والبأس والجرأة على القتال وقد يوجد في المراهقين من يكون ذلك فيه أكثر من البالغين؛ فيحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم رأى ابن عمر أول سنة غير قوي على القتال، ورآه في العام الثاني قويا على ذلك.
ويشهد لهذا التأويل شيئان: أحدهما: أنه ذكر في الحديث القتال، وذكر عقيبه الرد ومنع الإجازة لعدم البلوغ؛ فدل على أن المراد به البلوغ للقتال؛ لا البلوغ المطلق؛ لأن الكلام إذا تقدمه سبب يقتضي تقيده قيد به؛ ألا ترى أنه لو قال لزوجته: اعتدى ابتداء لكان كناية عن الطلاق؟ ولو قال لها عقيب مناولته إياها

دراهم لا تصرف إلى العدد دون الطلاق؟ والوجه الآخر: ما روى عن أبا رافع وسمرة عرضا على النبي صلى الله عليه وسلم فأجاز أبا رافع، ولو صارعه لصرعه؛ فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يصطرعا فصرعه.
فقد دل هذا على ما ذكرناه من أن الإجازة في الحرب لا تتعلق بالبلوغ وحده، إنما تتعلق بالقوة والجرأة على القتال.
فأما الحديث الآخر فلم يسمع من الثقات، ولا يجوز الكلام [ق/51 أ] عليه إلا بعد العلم بصحته، والأقرب بطلانه؛ لأنه لو كان صحيحا لم يخف على أهل الأعصار إلى هذا الوقت.
فأما القياس على الاحتلام فإنه يصلح أن يكون على أهل العراق دوننا؛ لأنهم يفرقون بين الغلام والجارية في حد السن المعتبر في البلوغ على ما حكيناه عنهم.
وهذا القياس هو للتسوية بينهما، ونحن نقول بموجبه؛ لأن السن التي إذا انتهى إليها الإنسان حكم ببلوغه، لا فرق عندنا فيها بين الصبي والجارية.
وقولهم: إن من بلغ خمس عشرة سنة يصح إسلامه.
قلنا: في إسلام المراهق مذهبان:

أحدهما: أنه يصح؛ فلا نفرق بين ثلاث عشرة وخمس عشرة.
والآخر: لا نحكم به؛ فلا نفرق أيضا.
وأما القياس الآخر: فمن المتكلف العب والعقد الذي أرادوه وهو العشرة؛ كأنهم قالوا: حكم تعلق بزيادة على العشرة وأقل من العشرين؛ فيجب أن يكون على النصف من العشرة؛ فيكون خمسة عشر.
وهذا مدخول من وجوه: أحدها: أن أقل الطهر لا يسلم أنه خمسة عشر على أكثر وجوه أصحابنا.
ثم هذا إنما يعتبر فيما كان العدد مقصودا فيه لنفسه.
فأما فيما يراد به الدلالة على غيرة فلا يلزم، ويبطل بالدية؛ لأنها اثنى عشر ألفا فقد زادت على العقد الذي هو عشرة، وقصرت عن العشرين، ولم يعتبر فيها النصف.
فإن قالوا: أردنا عشرة مطلقة، وهذا مقيده.
قلنا: موجب كلامكم يقتضى نوعا من العشرات دون نوع، فالنقص داخل عليه.
وعلى أنا نصير إلى ما يقولونه وينقصه بمقدار السفر الذي تقصر فيه الصلاة؛ لأنه ستة عشر فرسخا، فإذا اعتبرنا الفراسخ لم نقف على النصف.
وكذلك ركعات الصلوات الخمس زيادة على العشرة وأقل من العشرين، وهو زائد على الخمس عشرة.
وبالله التوفيق.

مسألة: قال رحمه الله: "ومن أصبح جنبا ولم يتطهر، أو امرأة حائض طهرت قلب قبل الفجر فلم [تغتسل] إلا بعد الفجر أجزأهما صوم ذلك اليوم.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: فأما من يصبح جنبا فإنه يصح منه صوم ذلك اليوم عندنا وعند كافة فقهاء الأمصار، وسواء كانت جنابته من جماع أو احتلام.
وحكى عن أبي هريرة والحسن أنهما قالا: لا يصح منه صيام ذلك اليوم.
وحكى عن إبراهيم النخعي والحسن البصري أنهما قالا: يجزئه في التطوع، ويقضى في الفرض.
وحكى عن طاوس أنه قال: يتم ذلك اليوم ويقض مكانه إن كان استيقظ فأخر الغسل حتى أصبح، وإن لم يستيقظ فأخر الغسل حتى أصبح، وإن لم يستيقظ حتى أصبح فليس عليه قضاء.
فمن قال: إنه لا يصح منه صيام ذلك اليوم استدل بما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أصبح جنبا في رمضان فقد أفطر".
وقال أبو هريرة: ما قلته أنا؛ قاله محمد ورب البيت.
ولأنه جنب في هذه الحال؛ فأشبه إذا طلع الفجر عليه وهو مولج.

والدلالة على ما قلناه: ما استدل به ربيعة؛ وهو قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ إلى قوله: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾.
فأباح سبحانه الجماع إلى أن يتبين الفجر، ومعلوم أنه إذا كان يجامع فنزعه، ثم طلع الفجر عقيب ذلك فإنه لا يمكنه أن يغتسل إلا بعد طلوعه؛ فدل ذلك أنه يصح منه صوم ذلك اليوم، وأن عليه إتمامه إلى الليل كما قال الله تعالى.
ويدل على ذلك ما رواه مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري عن أبي يونس مولى عائشة عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الباب: يا رسول الله إني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم".
فقال الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا؛ قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ﴿والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما اتقى﴾؛ فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم له أن ذلك لا يمنع من الصوم، وأنه يصيبه ذلك فلا يمتنع لأجله من الصوم.
وروى مالك عن عبد ربه بن سعيد بن قيس، ويسمى مولى أبي بكر جميعا عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عائشة وأم

سلمة زوجتي النبي صلى الله عليه وسلم أنهما قالتا: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم.
ولأن حدثه إذا انقطع فلم يبق عليه أكثر من وجوب الطهارة، وذلك لا يمنع الصيام كالمحدث.
فأما ما رووه عن أبي هريرة فإنه قد ثبت رجوعه عن هذا القول، وظهر منه ما دل على ضعف الحديث؛ فروى يزيد بن هارون قال: حدثنا ابن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رجع عن فتياه: من أصبح جنبا فلا صوم له.
وروى مالك عن سمى مولى أبي بكر أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: [ق/25] كنت وأبي عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة، فذكروا أنا أبا هريرة يقول: من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم فقال مروان: أقسمت عليك يا أبا عبد الرحمن لتذهبن إلى أمي المؤمنين عائشة وأم سلمة فتسألهما عن ذلك.
قال: فذهب عبد الرحمن وذهبت معه حتى دخلنا على عائشة، فسلم عليها ثم قال: يا أم المؤمنين إنا كنا عند مروان بن الحكم فذكر أن أبا هريرة يقول: من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم.
فقالت عائشة: ليس كما قال أبو هريرة يا أبا عبد الرحمن أترغب عما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟ قال: لا والله.
قالت: فأشهد على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان ليصبح جنبا من جماع من غير احتلام ثم يصوم ذلك اليوم.
قال: فخرجنا حتى

دخلنا على أم سلمة فسألها عن ذلك: فقالت كما قالت عائشة، فخرجنا حتى جئنا مروان بن الحاكم فذكر له عبد الرحمن ما قالتا.
فقال مروان: أقسمت عليك يا أبا محمد لتركبن دابتي فإنها بالباب فلتذهبن إلى أبي هريرة فإنه بأرض العقيق فلتخبرنه ذلك.
قال: فركب عبد الرحمن وركبت معه حتى جئنا أبا هريرة فتحدث معه- عبد الرحمن ساعة، ثم ذكر ذلك له.
فقال أبو هريرة: لا علم لي؛ إنما أخبرنيه مخبر.
على أنا نتأول هذه الرواية فنقول: معناها أن من أصبح في حال المجامعة فيكون سبب الجنابة عبارة عن الجنابة، ويكون قد أنزل ولم يتمم إنزاله حتى طلع الفجر وهو ينزل؛ فهذا مجنب في الحقيقة.
فأما قول من يقول: إنه يجزئه في التطوع ولا يجزئه في الفريضة فإنه غير صحيح؛ لأن ما يمنع من انعقاد الصوم لا فرق بين وقوعه لأوجه التفريط أو الغلبة كما ذكرناه فيمن أصبح مولجا.
والله أعلم.
فصل فأما الحائض إذا طهرت قبل الفجر ولم تغتسل حتى طلع الفجر فإن

حكمها عند مالك حكم الجنب؛ يصح صوم ذلك اليوم منها، وتغتسل بعد الفجر.
هذا قول مالك وأهل العراق والشافعي.
وخالف مالكا من أصحابه عبد الملك، ومحمد بن مسلمة؛ فقال عبد الملك فيمن طهرت قبل الفجر فاشتغلت بالغسل من غير تفريط وطلع الفجر ولم يتم غسلها: إنها بمنزلة الحائض لا صلاة عليها ولا صوم ما لم يتم طهرها بالاغتسال، إلا أن يأتي منها تفريط في الغسل.
وهذا الاستثناء منه يعد أن حكمها إذا فرطت بخلاف حكمها إذا لم تفرط، إلا أنه لم يبين ما الحكم في ذلك.
ويحتمل أن يكون أراد ما يذهب إليه محمد بن مسلمة فإن محمد بن مسلمة قال: إذا فرطت في الغسل حتى طلع الفجر ولم تغتسل صامت ذلك اليوم.
قال: لأنه لا يخرجها من الصيام تفريطها، وتقضيه؛ لأنه لم يتم طهرها بالاغتسال قبل الفجر، فدخلت في النهار وهي في حكم الحيض.
قالوا: ولأنه لما لم يجز لزوجها وطئها في هذا الحال لا لمعنى سوى ثبوت حكم الحيض علم بذلك أن حالها حال الحائض التي لم ينقطع دمها.
والدلالة على ما قلناه: أنها محدثة زال حدثها قبل الفجر، ولم يبق لها سوى فعل التطهير؛ فوجب أن يصح صومها اعتبارا بالجنب والبائل؛ فلم نرد بقولنا: (زال حدثها) أن حكم الحدث زال؛ لأن هذا موضع الخلاف، وإنما أردنا بذلك انقطاع الدم.

وقال عبد الملك: المعنى في الجنابة أنها معنى لو طرأ في أثناء النهار على بعض الوجوه لم يفسد الصوم، ولم يمنع صحته؛ كالاحتلام؛ فلذلك لم يمنع وجوب الغسل منه صوم ذلك اليوم.
وليس كذلك الحائض؛ لأنه إذا طرأ في النهار على أي وجه كان أفسد الصوم.
فالجواب: أن افتراقهما في هذا لا يخرجهما عما قلناه؛ ألا ترى أن الذي قاله لا يمنعه من إيجاب قضاء الصلاة عليها إذا تركت الغسل حتى خرج الوقت؟ وأيضا فإن وجوب الغسل إنما ينافي صحة الصلاة، ولا ينافي في صحة الصوم؛ كالجنب والمحدث.
ولا معنى لتفريقهم بين المفرطة وغير المفرطة في أن غير المفرطة لا تصوم ولا تقضي وأن المفرطة تصوم وتقضى؛ لأن الكلام في حكم الشيء نفسه، وقد ثبت أن منعه من صحة الصوم أو عدم منعه لا يقف على تفريطها الاغتسال.
فأما قياسهم على من لم ينقطع دمها فالعلة فيها بقاء الحدث الذي يمنع صحة الصوم، وليس كذلك إذا انقطع دمها؛ لأن الحدث قد زال عنها.
وقولهم: أن زوجها ممنوع من وطئها لأجل حكم الحيض غير صحيح؛ لأنه ممنوع على وجه التنظف وإن ذلك لواجب أن يكون حكمها في منع الصوم حكم الحائد لوجب أن لا يجب عليها قضاء الصلاة، وهذا فاسد.
والله أعلم.

مسألة قال: "ولا يجوز صيام يوم الفطر، ولا يوم النحر".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله: هذا لما رواه سفيان عن الزهري عن أبي عبيد قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فبدأ بالصلاة قبل الخطبة وقال: إن رسول صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام هذين اليومين: يوم الفطر، ويوم النحر.
وروى [ق/53] سعيد بن جليد عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عثمان وعلي رضي الله عنهما فكانا يصليان، ثم يذكران الناس فسمعتهما يقولان: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الأضحى ويوم الفطر.
وروى مالك عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر.

ورواه ابن عمر، وعائشة، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم.
ولا خلاف في ذلك.
مسألة قال رحمه الله: "ولا يصوم اليومين اللذين بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا.
واليوم الرابع لا يصومه متطوع، ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك" قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: أما المنع من التطوع بصيام أيام التشريق فلما رواه ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى ألا تصوموا هذه الأيام؛ فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى.
ورواه مالك عن ابن شهاب مرسلا.
وروى عمرو بن الحارث عن بكير بن عن سليمان بن يسار حدثه أن المسعود بن الحكم حدثه عن أمه قالت: مر بنا راكب ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ينادي في الناس: لا يصومن أحد هذه الأيام؛ فإنها أيام أكل

وشرب.
فقال أخي: هذا علي بن أبي طالب رضوان الله عليه.
وروى مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام أيام منى.
ولا خلاف في منع صومها للمتطوع.
فصل فأما المتمتع إذا لم يجد الهدي، وقد فاته صيام ما قبلها فله أن يصومها عندنا.
وقال أبو حنيفة: لا يصومها متطوع ولا غيره.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا: أنه يجوز للمتمتع أن يصومها.

والثاني: أنه لا يصح صومها عن متعة ولا غيرها، وهي كيومي الفطر والنحر.
واستدل من نصر هذا القول بما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام أيام التشريق، ولم يخص صومها عن تمتع ولا غيره.
قالوا: ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنها أيام أكل وشرب وبعال"، وهذا ينفى أن تكون أيام صيام.
قالوا: ولأن كل زمان لم يصح صومه متطوعا لم يصح تمتعا.
أصله الفطر والنحر.
عكسه: سائر الأيام.
قالوا: ولأنها أيام يصح فيها الرمي؛ فأشبهت يوم النحر.
قالوا: ولأنه لما لم يجز صوم يوم النحر في التمتع وهو أقرب إلى أيام الحج كان بأن لا يجوز صوم ما يليه أولى.
والدلالة أحب إلينا.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: اعلم أن الكلام في هذه المسألة من وجوه:

أحدها: أن المسافر محيز بين الصوم والفطر، على أن عليه القضاء إذا أفطر.
والثاني: أنه إذا صام صح صومه، لم يلزمه قضاؤه.
والثالث: أن الصوم له أفضل من الفطر.
والرابع: أن هذا التخيير معلق ببعض الأسفار دون بعض؛ وهو ما يستباح فيه القصر؛ وهو أربعة برد فما زاد.
فأما الكلام في أنه مخير بين الإفطار والصيام فالدلالة على ذلك قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾؛ معنى ذلك فأفطر؛ كقوله: ﴿أن اضرب بعصاك البحر فانفلق﴾ معناه: فضرب فانفلق، وكقوله: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾؛ معناه: مخلف ففدية.
فألزم جميع من شهد الشهر أن يصومه، وجعل للمسافر أن يفطره ويقضيه.
وروى مالك عن حميد الويل عن نس بن مالك قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم.
وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة بن عمرو

الأسلمي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر".
ولأن الفطر في السفر رخصة؛ فالمترخص بالخيار إن شاء ترخص، وإن شاء رجع إلى الأصل.
فصل فأما وجوب القضاء عليه إذا أفطر؛ فلقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾.
ولأنه أكل في صوم واجب عليه فألزمه القضاء.
أصله: العامد ولا مفطر بعذر مع توجه الخطاب إليه بالنصوص بالصوم؛ فأشبه المريض.
فصل فأما الكلام في أنه يصح صومه فهو قولنا وقول الفقهاء كافة.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يصح صومه، أنه لا فرق بين أن يمسك أو يأكل في أن عليه القضاء في الموضعين.
والدلالة على ما قلناه: قوله عز وجل: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا شاهد له فلزمه صومه.
فإن قيل: فقد عقب ذلك بقوله: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾.

قيل له: عندنا جوابان: أحدهما: أنه ليس في ذلك منع من الصيام، وإنما فيه إيجاب صيام آخر، وذلك غير مناف للأول.
والثاني: أن فيه ضميرا معناه: فأفطر فعدة من أيام أخر.
ويبين ذلك أن هذا الضمير مشترط في ذكر المريض أيضا؛ لأن المريض لو حمل على نفسه فصام لم يلزمه القضاء، وصح [ق/4 هـ] صومه.
فإن قيل: كذلك نقول في المريض أنه لا يصح صومه في المرض أعني صوم رمضان.
قيل له: إذا قلتم ذلك خرقتم الإجماع، ولم يلتفت إلى قولكم.
ويدل على ذلك ما رواه مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر فأفطر الناس معه، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: فهذه القرينة في الحديث تدل على أنه متروك.
قيل له: قد اتفق المسلمون على أنه ينسخ ذلك، وإنما الفائدة أن المسلمين كانوا يقتدون به صلى الله عليه وسلم في أفعاله المباح منها والمندوب، ويتأسون به.
ويدل على ذلك أيضا: ما رواه مالك عن سمى مولى أبي بكر بن

عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، وقال: "وتقووا لعدوكم"، وصام رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقيل لرسول الله: إن طائفة من الناس قد صاموا حين صمت يا رسول الله، فلما كان بالكديد دعا بقدح فشرب فأفطر وأفطر الناس.
ففي هذا الحديث دليلان: أحدهما: أنه صلى الله عليه وسلم صام رمضان في السفر.
الآخر: أنه أمرهم بالفطر، وعلل ذلك بأن فيه تقوية لهم على العدو.
ومخالفنا يزعم أن العلة في ذلك أن صومهم لا يصح.
وهذا خلاف تعليل النبي صلى الله عليه وسلم ويدل على ذلك ما رواه مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.
وروى مالك عن هشام بن عروة عن عائشة أن حمزة بن عمرة الأسلمي قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصوم في السفر وكان كثير الصيام فقال: "إن شئت صم، وإن شئت فأفطر".
وروى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: حججت مع

رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فقال لي: "ماذا صنعت في سفرك؟ " قلت أتممت فأقصرت، وصمت فأفطرت، فقال: "أحسنت".
ولقد اعترضوا على هذه الأخبار بشيئين: أحدهما أن قالوا: إن الخلاف بيننا في المسافر إذا صام هل يجزئه أم لا؟ وهل عليه القضاء أم لا؟.
وليس في هذه الأخبار إلى مجرد الفعل، وذلك لا يتضمن الإجزاء ولا سقوط القضاء.
فالجواب عن هذا أن إخبارهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم قد صاموا، ورؤيته إياهم صائمين وتركه الإنكار، وإقرارهم على ذلك دلالة على صحة صومهم.
وفي ذلك سقوط القضاء؛ لإجماع الكل على أنه لا يجب عليهم الجمع بين صوم الأصل وبين القضاء.

والاعتراض الآخر أن قالوا: ليس في هذه الأخبار أنهم صاموا على أنه رمضان، ويجوز أن يكونوا نووا بصيامهم نذرا أو قضاء أو تطوعا أو غير ذلك.
ونحن لا نمنع من أن نصوم رمضان على هذه الوجوه، وإنما نمنعه أن نصومه على أنه من رمضان.
وهذا الذي قالوه باطل من وجوه: أحدهما: أنه لا يجوز صوم رمضان عندنا عن غيره على وجه؛ لأن رمضان مستحق العين للصيام؛ فلا يصح صومه عن غيره، وليس لهم أن يحملوا الخبر على أصولهم التي تخالف أصولنا.
والوجه الآخر: أن في ذلك تركا للظاهر؛ لأن القائل إذا قال: صمت في رمضان فظاهر هذا وإطلاقه يفيد أنه صامه عن رمضان، ولا يحمل على ما عدا ذلك إلا بدليل؛ لأنه حمل له على خلاف الظاهر.
هذا لو ثبت أن صومه على أنه قضاء أو نذر أو تطوع أو غير ذلك لم يصح.
والجواب الآخر: هو أن الفطر في رمضان رخصه، والرخصة تنافي الفروض وتمنع من ألا يجزئ أصلها؛ ألا ترى أنه لو كان ترك صوم رمضان عن رمضان فرضا لخرج عن أن يكون رخصة.
والوجه الآخر: هو أنه إذا صح أنه لا يجوز له صومه على الوجه المأمور به كان بأن لا يصومه عن غيره أولى؛ لأن إيقاع النذر والقضاء والتطوع في رمضان ليس بأوكد من صومه على الوجه المفترض.

وإذا كان لا يصح صومه على وجه ما افترض عليه ووضع الزمان له كان بأن لا يصح صومه على خلافه أولى.
فيبطل ما قالوه من هذه الوجوه.
ومن جهة الاعتبار: لأنها حال يضح فيها صوم غير رمضان؛ فيصح فيها رمضان نفسه أعني السفر؛ فأشبه ذلك الحضر.
ولأن الفطر رخصة بدليل أنه لا يكون إلا لعذر من مرض أو سفر.
وما كان طريقه طريق الرخصة فإن الإنسان مخير فيه أن يفعله أو يتركه؛ كالصلاة قاعدا مع القدرة على القيام أعني في النفل أو في الفرض هل هذه العلامة مكانها هنا؟ مع عذر المرض، إلا أنه لو حمل على نفسه وصلى قائما لأجزأه وأن لحقه في ذلك مشقة؛ فكذلك الصيام في السفر.
واستدل المخالف بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ قالوا: ففي هذا دليلان: أحدهما: أن هذا الظاهر يفيد وجوب العدة، سواء صامه أو لم يصمه.
وإذا ثبت أن عليه القضاء على كل وجه ثبت أن صومه لا يصح.
والآخر: أنه جعل فرض شاهد الشهر ممن ليس بمريض ولا مسافر أن يصوم عينه، وجعل فرض المريض والمسافر عدة من أيام أخر؛ فإذا صام عين الشهر فقد صام غير فرضه يجزءه.
[ق/55] فالجواب أن يقال: أما الفصل الأول فإن إيجاب العدة لا ينفي

دخول المسافر في عموم قوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ لأنه لا يمتنع أن يكون هذا الأمر شاملا للحاضر والمسافر ويكون الخطاب الذي بعده بقوله: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر﴾ مفردا لها بهذا الحكم من جملة من شملة الخطاب الأول.
وإذا صح ذلك لم يكن لهم أن يستدلوا على منع صومه بإيجاب القضاء عليه عموما إلا ولنا أن نستدل بأن الأمر بالصوم يدل على سقوط القضاء.
فإن قيل: قوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ معناه: إلا أن يكون مريضا أو على سفر؛ بدلالة ما بعده.
قيل له: أما المريض: فسبيله ألا يدخل في هذا؛ لأنه لا خلاف أنه يصح صومه إن تكلف.
وغير هذا القول خروج عن الإجماع؛ فلا يرتفع به.
وأما المسافر: فما الفصل قال فيه إن قوله: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ فيه ضمير معناه: فأفطر، ويكون هذا أولى الأمور.
أحدهما: أن مثل هذا اللفظ قد أضمر هذا الإضمار؛ فعلم أنه من مفهومه؛ كقوله: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية﴾ معناه: فحلق ففدية.
وكقوله: ﴿أن اضرب بعصاك البحر فانفلق﴾ معناه: فضرب

فانفلق.
فكذلك في هذا الوضع لا بالقياس لكن بمفهوم اللفظ.
والأمر الآخر: أن مثل هذا الاستعمال قد ثبت في قوله: ﴿ومن كان مريضا﴾.
واللفظ متساو في المريض والمسافر، بل هو لفظ واحد فكان ما قلناه أشبه بأن يكون هو المراد.
وأما الفصل الثاني فلا تعلق فيه؛ لأن قوله: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة﴾ لا ينفي دخولهما تحت عموم قوله: فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، وإنما كان ينفيه لو قال: "ومن كان مريضا أو على سفر فلا يصمه".
فأما إذا ورد بحكم غير ما تقدم فلا ينفيه، وقد بينا ما في ذلك.
واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس من البر الصيام في السفر".
فالجواب: أن لفظ البر مجمل يحتمل أن يريد به الفضيلة، ويحتمل أن يريد به ما هو شرط في إجراء الفعل؛ فيجب الوقوف إلى أن يتبين المراد به.
وعلى أنه خارج على سبب وهو أنه صلى الله عليه وسلم مر برجل قد أجهده الصوم وبلغ منه وهو في السفر، فلما رآه على تلك الحال قال: "ليس من البر

الصيام في السفر؛ إن الله يحب أن يؤخذ برخصه".
وهذا نقول به؛ وهو أن من كان في مثل حال هذا الإنسان فالفطر أولى.
واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر".
وهذا أشد ما يوردونه.
والجواب عنه: أنه ضعيف عند أهل النقل، وقد قالوا: إنه موقوف على أبي هريرة.
على أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم شبهه به في حكم لم يذكره، ولا يجوز إدعاء العموم فيه.
على أنه معارض بقوله لحمزة بن عمرو الأسلمي: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر"، محمول على أن من صام في السفر معتقدا أن الرخصة فيه فيكون كالمفطر في الحضر.
والله أعلم.
فصل فأما الفصل الثالث: وهو الصوم أفضل من الفطر لمن قرى عليه.
وذهب آخرون إلى أن الفطر أفضل.
والذي قلناه هو قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما.
والدلالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾، وذلك يفيد المبادرة إلى فعل ما يوجب المغفرة من الفروض، وفي الفطر تأخير له إلى وقت القضاء.

ولأنه إذا أفطر فقد أخر الفرض عن وقته، والإتيان بالفروض في أوقاتها أفضل؛ ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أفضل الأعمال قال: "الصلاة في وقتها"؛ فنبه بذلك على فضيلة المبادرة والسبق إلى أداء الفروض.
هذا بتساوي وقت المبادرة والتأخير فيه في كون الفعل في جميع ذلك أداء فبأن تثبت الفضيلة في ذلك بين وقت الأداء ووقت القضاء أولى.
ولأنه إذا صام فقد أمن من الفوات، وسقط الفرض عنه، وحصل الثواب عليه.
وإذا أخره لم يأمن زمن اعتراض ما يمنعه من جميع ذلك أو من بعضه؛ فكان التقديم أولى.
وما يقوله من أنه لا يأمن أن يضعف لا معنى له؛ لأن المقيم أيضا لا يأمن أن يضعف ويمرض.
ولأنه إذا كان سفره يحتاج معه إلى القوة وكثرة الأكل، وتلحقه فيه المشقة بالصوم كان الإفطار أفضل له.
وهذا غير موضوع خلافنا؛ لأنا لا نمنع من أن يكون الفطر أولى من الصوم على بعض الوجوه، وإنما يمنع ذلك مع تساوي الأمرين.
والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في رمضان: "أفطروا تقووا على عدوكم"، فأخبر بأن ما احتيج به من الأسفار إلى القوة وتوفيرها فإن الصوم غير مستحب فيه، بل الفطر أولى؛ فصار ذلك أصلا في أمثال هذه المواضع.

واعتبارهم بالفطر لا معنى له؛ لأنه يكون به مؤديا لفرضه في وقته، وإنما أسقط عنه الفرض.
وليس كذلك الفطر؛ لأنه لم يزل به فرض الصوم عن الذمة، وإنما أرخص له في تأخيرهن والله أعلم.
ويدل على ما قلنا أيضا: ما رواه أبو داود حدثنا مؤمل بن الفضل حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال: حدثنا إسماعيل بن عبيد الله قال: حدثتنا أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول [ق/56] الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته في حر شديد حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه أو كفه على رأسه من شدة الحر، ما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة.
فهذا يدل على فضيلة الصوم على الفطر؛ لأنه لولا ذلك لم يتكلف هذه المشقة العظيمة في شيء غيره مما هو أيسر منه وأخف وأقرب وأفضل منه وأكثر ثوابا؛ فبان بذلك فضل الصوم على الفطر في السفر.
ويدل على ذلك أيضا: ما رواه أبو داود عن عقبة بن مكرم الغمي عن أبي قتيبة عن عبد الصمد بن حبيب بن عبد الله الأزدي عن حبيب بن عبد الله قال: سمعت سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي يحدث عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت له حمولة تأوى إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه".

جارٍ التحميل