شرح الرسالةصفحات 133-141

واحتج من خالفنا بأن الناس صلوا على رسول [ق/ 27] الله صلى الله عليه وسلم أفواجا؛ فدل ذلك على جواز إعادة الصلاة على الميت.
وما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة مسكينة.
ولأنه قول عمر وعلي رضوان الله عليهما، وأبي موسى وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم، ولا مخالف لهم.
ولكن من جاز أن يصلى على الميت قبل دفنه، فإذا لم يصل جاز أن يصلى عليه بعد الدفن.
أصله إذا صلى عليه غير الولي.
فالجواب: أن ما ذكروه من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لا حجة لهم فيه؛ لأن كل واحد كان مسقطا للفرض عن نفسه؛ لأن الصلاة عليه كانت واجبة على كافتهم.
ولأن خلافنا في الموضع الذي يتعلق به حكم الولاية، وهذا غير موجود في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يكن في الصلاة عليه ولاية.
وما رووه من صلاته صلى الله عليه وسلم على القبر لا دلالة فيه؛ لأنه مخصوص بذلك لعلة لا توجد في غيره؛ وهو قوله: "إن هذه القبور مملوءة ظلما حتى أصلي عليها"، وهذا معلوم في غيره صلى الله عليه وسلم.
وأيضا: فإنه ما دام موجودا متمكنا من الصلاة فالفرض لا يسقط بصلاة غيره.

وما رووه عن الصحابة رضي الله عنهم فينظر فيه ولا يسلم ما قالوه من أنه لا مخالف فيه.
فأما إذا صلى عليه غير الولي، فإن قلنا: إن الصلاة لا تعاد فسقط السؤال.
وإن قلنا: إنها تعاد؛ فلأن الغرض لا يسقط إلا بقيام من له الحق، وهذا الموضع الحق فيه للأولياء؛ فلا يسقط بقيام غيرهم.
والله أعلم.

مسألة قال رحمه الله: ويصلى على أكثر الجسد، واختلف في الصلاة على مثل اليد والرجل.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: لا خلاف في أنه يصلى على أكثر الجسد؛ لأن حكم الأكثر حكم الجميع، وإنما الخلاف في العضو الواحد كالأصبع واليد والرجل.
فعندنا وعند أبي حنيفة لا يصلى عليه.
وعند الشافعي أنه يصلى عليه.
قال عبد العزيز بن أبي سلمة: يصلى على ما وجد منه، وينوى بذلك الميت قليلا كان الموجود أو كثيرا.
واستدل من نصر ذلك بأنه قال: إجماع الصحابة رضي الله عنهم لما روى أن طائرا ألقى يدا في وقعة الجمل فعرفت بالخاتم فصلى الناس عليه- قيل: كان أصبع طلحة- رضوان الله عليه، وقيل: عتاب بن أسيد رضي الله عنه، وذلك بمحضر الصحابة رضي الله عنهم والمهاجرين فلم ينكر أحد منهم ذلك.
وروى أن أبا عبيدة بن الجراح- رضوان الله عليه- صلى على رؤوس

بالشام، وعمر- رضوان الله عليه- صلى على عظام بالشام.
قالوا: ولأنه بعض من خلقة الأصل من جملة يصلي عليها؛ فوجب أن يصلي عليه اعتبارا بأكثر البدن.
قالوا: ولأن حرمة الجزء القليل كحرمة الجزء الكثير؛ ألا ترى أنه ممنوع من إتلاف القليل كما هو ممنوع من إتلاف الكثير.
والدلالة على ما قلناه: أن هذه المسألة مبنية على أن الصلاة على الميت لا تعاد، وإذا صح هذا كنا لو قلنا إن اليد والرجل يصلى عليها قائلين بما منعنا منه لا به إذا وجد باقي أعيدت الصلاة.
وأيضا: فلأنه جزء من البدن يسير؛ فوجب ألا يصلى عليه بانفراده.
أصله: السن والظفر والشعر.
فإن قيل: يصلى على هذا عندنا.
قيل له: لا يحفظ هذا عن أحد؛ فهو خرق الإجماع.
فإن قيل: المعني في الأصل أنه ليس بخلقة الأصل، وليس كذلك هذا؛ لأنه من خلقة الأصل.
قيل له: هذا لا يؤثر في منع الصلاة عليه؛ ألا ترى أنه يصلى عليه إذا كان مع أكثر البدن وإن لم يكن خلقة الأصل؟ فأما دعواهم الإجماع فباطل؛ لأنه قد روي عن ابن عباس أنه قال:

(لا يصلى على عضو من الميت)؛ فسقط ما قالوه، على أنه لم يذكر أن الذين صلوا على اليد التي ألقاها الطائر من الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن المدينة إذ ذاك خالية من الصحابة رضي الله عنهم بتفرقهم مع علي ومعاوية، والأقرب أن يكون الذين صلوا عليه من غير الصحابة؛ فلا يكون فعلهم حجة.
فأما أذا وجد أكثر البدن، فإنه إذا صلى عليه لم يؤد ذلك إلى الصلاة على الميت مرتين، وليس كذلك في الجزء اليسير.
وأيضا: فلأن اعتبار الأكثر بالأقل لا يصح؛ لأن حكم الأكثر حكم الجملة في غالب الأصول، وقياسهم على ذلك ينتقض بالسن والظفر.
والله أعلم.

باب في الدعاء للطفل [وغسله] والصلاة عليه

مسألة قال رحمه الله: تثني على الله تبارك وتعالى، وتصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم تقول... إلى آخر الفصل.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: قد ذكرنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم في الدعاء في الصلاة على الجنازة في الجملة، وقد دخل هذا في جملة ما رويناه عنهم، وذلك مغن عن إعادته.
فأما ذكره الاستعاذة من فتنة القبر فكذلك روي عن الصحابة رضي الله عنهم.
وروى مالك بن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: صليت [ق/28] وراء أبي هريرة على صبي لم يعمل خطيئة قط.
قال: سمعته يقول: اللهم وأعذه من عذاب القبر.
مسألة قال رحمه الله: ولا يصلى على من لم يستهل صارخا، ولا يرث، ولا يورث.

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا يخالفنا فيه أبو حنيفة والشافعي؛ لأن من مذهبهما أنه إذا تحرك ثم مات صلى عليه، وعندنا أنه لا يصلى عليه إذا لم يكن غير الحركة.
والأصل في هذا أنه إنما يصلى على من كان حيا ثم مات؛ بدلالة أنها لو وضعته ميتا لم يصل عليه، وإذا صح هذا فدلالة حياته الصراخ أو ما يقوم مقامه؛ لأن الذي لا روح فيه لا يصيح ولا يستهل، وإذا فقدت دلالة الحياة لم تجز الصلاة عليه، والحركة لا تدل على حياته؛ لأنها قد كانت موجودة فيه حال كونه في بطن أمه، ولا اعتبار بها.
وأيضا ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان؛ فيستهل صارخا من نخسه إلا ابن مريم وأمه صلى الله عليهما".
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل إنسان تلده أمه بلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها صلى الله عليهما".
ألا ترى أن الصبي إذا سقط من أمه كيف يصيح فذلك حين يلكزه الشيطان.
وروى سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن جابر بن عبد الله- رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يرث الصبي حتى يستهل".

والاستهلال الصياح والبكاء.
وروى عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استهل المولود صارخا صلى عليه، ووجب ميراثه، ووجبت ديته".
وروى حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع أن ابن عمر قال: (إذا تم خلق الصبي وصاح صلى عليه، وورث).
مسألة قال رحمه الله: ويكره أن يدفن السقط في الدور.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لأنه من جملة موتى المسلمين؛ فوجب أن يدفن في مقابر المسلمين.
ولأن حرمته ثابتة- وإن ولد ميتا- فكان كسائر الأموات.
مسألة قال رحمه الله: ولا بأس أن يغسل النساء الصبي الصغير ابن ست سنين [و] سبع.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: لأنه يجوز لهن أن ينظرن إلى بدنه؛ لقوله تعالى: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾؛ فلذلك جاز له غسله.
والله أعلم.

مسألة قال رحمه الله: ولا يغسل [الرجل] الصبية.
واختلف [فيها] إن كانت [ممن] لم تبلغ أن تشتهي.
والأول أحب إلينا.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: أما إن كانت ممن تشتهى فلا يجوز للرجال أن يغسلوها؛ لأنهم ممنوعون من لمسها والنظر إليها للذة؛ فكان حكمها حكم النساء البوالغ.
وإذا كانت ممن لا يشتهى مثلها- مثل ابنة ثلاث سنين وما قارب ذلك- فالأولى أن يجوز لهم غسلها كما جاز غسل ابن ثلاث سنين وأربع.
والله أعلم.

جارٍ التحميل