فأما اعتبار ذلك ثمانية وأربعون ميلا فقياسا على الفطر؛ لأن كل واحد منهما سفرا اعتبر في فرض عبادة، ولأن ذلك هو قدر سير اليوم التام على المألوف من السير؛ فوجب ألا يتغير الفرض إلا به.
وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصلاة.
مسألة
قال رحمه الله: "ومن سافر أقل من أربعة برد وعليه القضاء".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: أما وجوب القضاء: فلحصوله مفطرا في صوم واجب عليه، ولا خلاف في ذلك.
وأما سقوط الكفارة عنه فلأنه ليس بهاتك؛ وإنما أفطر بتأويل غير صحيح، والكفارة تتعلق بالهتك دون التأويل في الصوم؛ على ما سنبينه إن شاء الله.
مسألة
قال رحمه الله: "وكل من أفطر متأوله فلا كفارة عليه".
قال القاضي: رحمه الله: وهذا لما ذكرناه من أن الكفارة تتعلق بالهتك دون التأويل؛ لأن المتأول ليس بهاتك، اللهم إلا أن يكون سبب التأويل لم يحصل بعد؛ فذلك لا يسقط الكفارة؛ مثل من يفطر لإرادته السفر ثم يسافر، أو تفطر من النساء متأوله أنها تحيض في ذلك اليوم ثم تحيض، أو من ينتظر على عادته مرضا في يومه فيفطر ثم يمرض.
فكل هؤلاء عليهم الكفارة من غير أن يسقطها تأويلهم.
وعبد الملك يرى أن من أراد سفرا فأكل ثم خرج إلى سفره فلا كفارة عليه وإن هو نزع عن سفره وكسل عنه فعليه الكفارة.
وقول مالك أصح وأوضح.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: "وإنما الكفارة على من أفطر بأكل أو شرب أو جماع، مع القضاء".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: أما وجوب الكفارة بالجماع وغيره فإنها متعلقة بالإفطار دون غيره من الصيام في سائر الزمان؛ فلا كفارة في إفساد صيام نذر أو نفل أو قضاء أو غير ذلك.
هذا قولنا وقول كافة الفقهاء.
وحكي عن قتادة أنه كان يوجب الكفارة في قضاء أو غير ذلك.
هذا قولنا وقول كافة الفقهاء.
وحكي عن قتادة أنه كان يوجب الكفارة في قضاء رمضان قال: لأن كل صوم أفسد بمعصية تعلقت به الكفارة؛ اعتبارا برمضان.
قال: ولأن كل معنى استحق بصفة الإفطار فإنه يستوي فيه رمضان وقضاؤه؛ اعتبارا بالقضاء.
قال: ولأنه لو قتل صيدا في إحرامه ألزمه الجزاء في حجة النفل والفرض؛ كذلك الكفارة تجب في صوم الفرض وغيره.
والدلالة على ما قلنا: أن الكفارة إنما وجبت في رمضان لهتك حرمة زمانه، وليس لما عداه من الزمان حرمة كحرمته؛ فلذلك لم يلزم بإفساد الصوم فيه كفارة.
ولأن المحفوظ عن قتادة في قضاء رمضان وحده دون غيره من أنواع الصيام.
فإذا كان كذلك قسنا قضاءه على صوم النفل فنقول: لأن صيام غير رمضان لا تتعلق به الكفارة.
وأما القياس الأول فإنه ينتقض بالنفل والنذر.
واعتبارهم بالقضاء باطل؛ لأن القضاء يراد لإسقاط الفرض، والفرض يستوي فيه رمضان وغيره.
وليس كذلك الكفارة؛ لأنها تتعلق بالهتك، وذلك يختص بحرمة الزمان دون إسقاط الفرض.
واعتبارهم بقتل الصيد ساذج بغير علة على أن طريق ذلك معتبر بالإتلاف لا لحرمة مجرد الإحرام.
وليس كذلك الكفارة؛ لأن اعتبارهم يرجع إلى حرمة الزمان.
والله أعلم.
وأما إيجاب الكفارة بالجماع في الفروج على وجه العمد فهو قولنا وقول كافة الفقهاء.
وحكي عن الشعبي والنخعي أنه لا كفارة في ذلك ولا في غيره، وأن الخبر الوارد بوجوب الكفارة مخصوص بمن ورد فيه.
والدلال على ما قلنا: ما رواه الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رجلا أتي النبي صلى الله عليه وسلم ينتف لحيته ويلطم وجهه فقال: هلكت
قال: "مالك؟ " قال: وقعت على أهلي وأنا صائم في رمضان.
فقال صلى الله عليه وسلم: "أتجد رقبة؟ " قال: لا قال: "أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا.
قال: "أتستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ " قال: لا.
فبينما هو كذلك إذ أوتي النبي صلى الله عليه وسلم بعزق من تمر قال: "خذ هذا فتصدق به" فقال: على أفقر من أهلي؟ والله ما بين لأبيتها أحوج من أهلي؛ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، وقال: "أطعمه أهلك ويحك".
وروى يحيي بن سعيد بن محمد بن جعفر عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم [ق/57] فقال: احترقت.
وقال: "وما ذلك؟ " قال: وقعت على المرأة في رمضان.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بمكتل فيه طعام.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أين المحترق؟ " فجاء فقال: "خذ هذا فتصدق به".
وروى مالك عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب أنه قال: جاء أعرابي إلى رسول صلى الله عليه وسلم يضرب نحره وينتف شعره ويقول: هلك الأبعد.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ " قال: لا.
قال: "فاجلس".
قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق تمر فقال: "خذ هذا فتصدق".
فقال: ما أجد أحوج مني.
فقال.
"كله، وصم
يوما مكان ما أصبت".
ووجه الاستدلال من هذه الأخبار فهو أمره له بالكفارة، والأمر على الوجوب.
فإن قالوا: ليس في هذا اللفظ عموم.
قيل له: فيه جوابان:
أحدهما: قوله صلى الله عليه وسلم: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة.
وهذا يفيد أن الكفارة تجب على كل من كان مثل الأعرابي.
والوجه الآخر: أن تعلق الحكم بسبب يقتضي أن يكون متعلقا به حيث كان.
والله أعلم.
وأما إيجاب القضاء عليه ولع من شركه في الإفطار، ووجوب الكفارة فهو أيضا قولنا، وقول فقهاء الأمصار.
وحكي عن الأوزاعي أن عليه الكفارة دون القضاء.
والذي يدل على ما قلناه: ما رواه ابن أبي أويس حدثنا أبي أخبرنا ابن مسلم عن حميد عن أبي هريرة أنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أفطر في رمضان أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا.
فقال: يا رسول الله ما أجد أحوج مني إليها؛
فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: "كله، وصم يوما".
وروي عبد الجبار بن عمر عن ابن شهاب عن حميد عن أبي هريرة، وعبد الجبار عن يحيي بن سعيد وعطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للواطئ في رمضان: "اقض يوما مكانه".
ورواه مالك عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وفي الخبر: "فصم يوما مكان ما أصبت".
ولأن القضاء أكد من الكفارة؛ بدلالة أنه يجب على المعذور، والكفارة لا تجب على المعذور؛ فكان بأن يجب في الموضع الذي تجب فيه الكفارة أولى.
والله أعلم.
فصل
وأما ما تجب به الكفارة في أصله هو الاعتماد للفطر في رمضان من غير اعتبار بما به يقع الفطر ولا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة في أن الكفارة تجب بالأكل والشرب والجماع في الفرج، إلا أنه قال: إن كان الجماع دون الفرج فلا كفارة فيه، وإن كان الأكل والشرب مما لا يقع الاغتذاء به فلا
كفارة فيه.
وقال الشافعي: إنما تجب الكفارة بجماع في فرج.
فحصل الخلاف بيننا وبينه في الأكل والشرب والجماع فيما دون الفرج وسائر ما يقع به الإفطار عدا الجماع في الفرج.
واستدل أصحابه بأن قالوا: لأنه أفكر بسبب لا يحد به الحد بحال؛ فوجب ألا تجب عليه الكفارة.
أصله: إذا قاء عامدا.
قالوا: ولأنه أفطر بمعنى ينفرد به الشخص الواحد؛ فوجب ألا تلزمه الكفارة.
أصله: القئ، أو الأكل في السبب المباح كالسفر.
قالوا: ولأنه مفطر بغير جماع؛ فلم تلزمه الكفارة.
أصله: إذا بلغ لؤلؤة، أو حصاة.
قالوا: ولأن الأصل في الكفارة هو الخبر؛ وإنما ورد بجماع تام في صوم تام.
وقد اتفقنا على أنه إذا كان جماع تام في صوم غير تام وهو النذر والكفارة فإنها لا تتعلق به كفارة؛ فكذلك يجب إذا كان جماع غير تام في صوم تام فيجب ألا تجب به كفارة.
قالوا: ولأنه مفطر بأكل في صوم؛ لأنهم لا يسمون الأكل ناسيا مفطرا.
قالوا: ولأنه صوم شرعي فوجب ألا تجب بالأكل فيه كفارة.
أصله: صوم النذر والتطوع.
قالوا: ولأن كل موضع حرم فيه الوطء وغيره كان للواطئ مزية على غيره؛ ألا ترى أن الأجنبية يحرم على الرجل وطئها وقبلتها وغير ذلك، ثم إذا وطئها حد، وإذا قبلها أو لمسها فلا حد عليه؟ وكذلك الحج إذا أفسده بالوطء فعليه الكفارة، وإذا فعل غيره من القبلة والملامسة لم يفسده؟ فكذلك في مسألتنا يجب أن يكون للوطء مزية على غيره.
وليس ذلك اختصاصه بالكفارة؛ لأن سائر ما يجب به من إفساد الصوم وإيجاب القضاء وغير ذلك فالوطئ فيه مساو لغيره فيه.
والأصل في هذا ما استدل به أصحابنا؛ وهو ما روى مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا.
ووجه الاستدلال من هذا هو أن الراوي نقل الحكم وسببه؛ فوجب تعليقه به.
فإن قيل: إذا كان السبب من عند الراوي، ولم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن السائل ما يدل على تعلق الجواب به لم يكن به اعتبار، [ق/58] ويحتمل أن يكون هذا المفطر أفطر بجماع أو بأكل، وليس يجوز أن يكن له حمله على الأكل إلا ولنا حمله على الوطء، وليس في الخبر لفظ عموم يتعلق به.
قيل له: هذا غير صحيح؛ لأن السبب إذا نقل مع الحكم وجب تعليقه به، سواء كان من عند الراوي أو من عند صاحب السبب؛ ألا ترى أنه تعلق حكمه بصيام اليومين من رمضان بقول الراوي: جاء الأعرابي فذكر انه رأى الهلال فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يصوموا من الغد؟ وكذلك يقولون في أن محرما وقصته ناقته إن هذا نقل الحكم بسببه.
وكذلك روى أن ماعزا زنا؛ فرجم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم سهى فسجد.
إن كل ذلك تعليق الحكم بسببه مع احتمال ما قلتموه؛ فكذلك سبيلنا في الاحتجاج بما ذكرناه.
وأوضح من ذلك مما لا يتوجه هذا السؤال عليه ما رواه زيد بن الحباب عن عمر بن عثمان بن المخزومي عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أفطر في يوم رمضان.
فقال صلى الله عليه وسلم: "اعتق رقبة، أو صم شهرين، أو أطعم ستين مسكينا".
ووجه الاستدلال من هذا هو أن السبب ذكر مطلقا، وورد الجواب مطلقا من غير استفصال؛ فصار كأنه قال: من أفطر يوما من رمضان فليعق رقبة.
وهذا أحد أقسام العموم.
ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من أفطر في رمضان عامدًا
فعليه ما على المظاهر".
فإن قيل: الكفارة إنما تجب على العائد، وإطلاق اسم المظاهر لا يتناول العائد.
قيل له: المظاهر على ضربين: عائد، وغير عائد.
والخبر يوجب الكفارة على المفطر عامدا كما هي على المظاهر؛ فأي شيء وجب على المظاهر فهو واجب على المفطر إلا ما قام عليه الدليل.
وأيضا فلأن الأكل قاصدا الإفطار في نهار رمضان على وجه الهتك وعدم العذر؛ فوجب أن تلزمه الكفارة.
أصله: المجامع عامدا.
فإن قالوا: ينتفض بالمستقئ عامدا.
قيل لهم: من قال من أصحابنا أنه يفطر بالاستقاء ويكون القضاء واجبا قال: إن عليه الكفارة.
ومن قال: إن القضاء استحباب فليس بمفطر عنده؛ فالواصف غير موجود على أصله.
فإن قيل: ينتقض بمن بلع حصاة عامدا.
قيل له: الذي ذكره مالك رحمه الله في "المختصر" أن عليه القضاء، ولم يحد صاحب المختصر شيئا في الكفارة.
وكان شيخنا أبو بكر الأبهري رحمه الله يقول: القياس على مذهبه أن تلزمه الكفارة.
وهذا هو الصحيح على ما قلناه.
قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾.
وظاهر هذا يقتضي جواز صيام أيام منى للمتمتع.
وروى الزهري عن سالم عن أبيه قال: رخص النبي صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدى ولم يصم أيام العشر أن يصوم أيام التشريق.
وهذا نص.
ولأن كل يوم لا تصلى فيه صلاة العيد فإنه يصح صومه مع سلامة الصائم.
أصله: سائر الأيام.
فأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق فمخصوص في غير المتمتع.
وقوله: "إنها أيام أكل وشرب وبعال" لا ينفي أن يصومها المتمتع بدليل.
والمعنى في يوم الفطر والنحر أنه يوم تصلى فيه صلاة العيد، وليس كذلك أيام التشريق.
وقولهم لما لم يجز صوم يوم النحر وهو إلى الحج أقرب كانت أيام
التشريق بأن لا تصام أولى غير صحيح؛ لأن يوم النحر إنما لم يجز صومه لمعنى يختص به؛ وهو أنه تصلى فيه صلاة العيد، وأيام التشريق ليس فيها هذا المعنى.
والله أعلم.
وعلى أنه لا يجوز أن يعبر جواز صوم الواجب في الزمان بصيام التطوع؛ لأن الأصول قد فرقت بين الواجب والتطوع فيما يرجع المنع فيه إلى الزمان؛ ألا ترى أن التطوع ممنوع بعد العصر وبعد الصبح ولو ذكر فرضا عليه القضاء في هذه الأوقات؟.
فكذلك يجوز له أن يصوم عن تمتعه أيام منى وإن لم يجز له أن يبتدئ التطوع فيها.
والله أعلم.
فصل
فأما اليوم الرابع من النحر فإنه أخف حكما مما قبله؛ لأن اليومين قبله أحكام النحر قائمة فيهما من جواز النحر والتكبير في الصلوات، وليس كذلك في اليوم الرابع؛ لأنه ينقطع فيه هذا أجمع؛ لأنه لا تجوز فيه الأضحية، وينقطع فيه التكبير عقيب كل صلاة من صلاة الفجر؛ فجاز أن يصوم الناذر وصاحب التتابع، ولم يجز للمتطوع؛ لما بيناه من أن الوجوب أكد حالا من التطوع؛ فجاز في الواجب ما لم يجز في التطوع.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: "ومن أفطر في نهار رمضان ناسيا فعليه القضاء فقط".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: وهذا كما قال مذهبنا أنه إذا أفطر في نهار رمضان ناسيا فقد بطل صومه، ولزمه القضاء، سواء كان إفطاره بأكل أو شرب أو جماع.
وقال أبو حنيفة: القياس أنه يجب عليه القضاء، والاستحسان أن لا قضاء عليه.
وقال الشافعي: إذا أكل أو جامع ناسيا فصومه صحيح لم يفسد، وليس بمفطر، ولا قضاء عليه.
واستدل أصحابه بما رواه محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الذي يأكل في رمضان [ق/59] ناسيا: لا قضاء عليه ولا كفارة.
وهذا نص.
قالوا: ولقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان".
والمراد بذلك الحكم، لا الفعل نفسه لا يرفع.
قالوا: وروى أبو هريرة أن رجلا أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أكلت وشربت ناسيا وأنا صائم.
فقال: "الله أطعمك وسقاك".
ففيه دليلان:
أحدهما: أنه نفى عنه الفعل، وأضافه إلى الله تعالى؛ فعلم أنه لا يتعلق عليه حكم.
والثاني: أنه موضع البيان؛ فلو كان قد أفطر وعليه القضاء لبينه له.
قالوا: وروى ابن وهب عن جرير بن حازم عن أيوب السختيان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نسى وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه؛ فإنما الله أطعمه وسقاه".
فلما سماه صائما وأمره بإتمام الصوم علم أنه لم يفطر.
قالوا: وروى الحسن البصري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نسى الصوم فأكل وشرب فلا يفطرن؛ فإن الله أطعمه وسقاه".
قالوا: ولأن كل عبادة يفسدها الأكل عمدا لم تفسد بوقوعه فيها سهوا.
أصله: الصلاة.
قالوا: ولأنه معنى يقع في أثناء الصوم يختص عمده بإفساده الصوم؛ فوجب أن لا يفسده خطؤه وسهوه.
أصله: القئ.
قالوا: ولأن وقوع الأكل والشرب والجماع في الصوم على وجه السهو مما لا يمكن الاحتراز منه وما هذه سبيله فهو معفو عنه؛ ألا ترى أن الكلام سهوا لا يفسد الصلاة؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه.
والدلالة على صحة قولنا أنه قد ثبت من أصلنا أن الأكل ناسيا مفطرا كله، فإن سلموا هذا فقد صحت المسألة؛ لأن أحدا لا يوجب الفطر ويمنع من وجوب القضاء؛ لأن علة وجوب القضاء هو الإفطار.
وإن لم يسلم دللنا عليه بأن نقول: لأنه أكل في نهار صوم؛ فوجب أن يكون مفطرا بأكله، أو يجامع في صوم فكان مفطرا بجماعه.
أصله: إذا فعل ذلك عامدا.
فإن قيل: المعنى في العمد أنه يمكن الاحتراز منه، وليس كذلك النسيان؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه.
فالجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن ما تفسد به العبادات لا يقف على ما يمكن الاحتراز منه دون ما لا يمكن ذلك فيه؛ ألا ترى أن غلبة الحدث مفسدة للوضوء والصلاة إذا وقع في خلالها وإن كان ذلك مما لا يمكن الاحتراز منه.
وكذلك لو وطأ ناسيا في الحج لأفسده وإن كان ذلك مما لا يمكنه الاحتراز منه.
والثاني: أنه يمكنه الاحتراز من وقوع الأكل على وجه السهو بأن يتحفظ ويستديم الاهتمام له والتذكر له؛ لأن النسيان ليس يكاد يلحق في الغالب إلا بضرب من التفريط، وترك التوقي والتحفظ.
والثالث: أنه لو كان الأمر على ما ذكروه لوجب ألا يفسد الصوم من الحيض؛ لأنها لا تتمكن من الاحتراز منه، ومع ذلك فإن العبادة تفسد به.
وتنتقض أيضا بمن لحقه العطش؛ فإن له إذا خاف على نفسه التلف أن يشرب الماء ويفسد صومه مع ذلك وإن كان ما لحقه مما لا يمكن الاحتراز منه.
وعلى أن عدم تمكن الاحتراز منه إن كان لأجل النسيان استوى في ذلك الأكل والنية، وقد ثبت أنه لو نسى النية لبطل صومه وإن كان لا يمكنه على ما زعموا الاحتراز منه.
فبطل ما قالوه.
ويدل على ذلك أيضا أن كل عبادة لم تصح مع جنس فعل من الأفعال إذا وقع فيها عمدا على كل وجه؛ فلذلك أفسدها سهوه.
أصله: الحدث في الطهارة والصلاة؛ لأن الطهارة والصلاة لا يصحان مع عمد الحدث على كل وجه؛ فلذلك أفسدهما سهوه.
كذلك الصوم لما لم يصح مع عدم الأكل على وجه لم يصح مع سهوه.
ولا يلزمه عليه الكلام سهوا في الصلاة؛ لأن الصلاة تصح مع جنس
الكلام في العمد على وجه.
ويدل على ذلك أنه ليس بين أن يكون الإنسان صائما أو مفطرا منزلة ثالثة.
وإذا ثبت الصائم ثبت ما قلناه، والذي يبين ذلك قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾.
والصيام ها هنا هو الإمساك عن الأكل والشرب بطلوع الفجر؛ فوجب إذا أكل في تضاعيف اليوم ألا يكون صائما؛ لأن إتمام الصوم لم يحصل منه؛ لأن الأكل ينافي الإمساك؛ فلم يحصل منه إتمام الصوم.
فإن قيل: إن هذا الأكل لم يكن يقصد منه.
قيل له: إلا أنه قد منع حصول إتمام الصيام.
وهذا هو الذي أردناه.
ولأنه أكل في صوم مفترض لا يسقط بالمرض؛ فوجب أن يلزمه القضاء.
أصله: العامد.
ولأن الصائم لا يكون صائما في الشريعة إلا بالإمساك كما لا يكون صائما إلا بالنية، ثم قد ثبت أنه لو نسى النية لم يجزئه؛ كذلك إذا نسى الإمساك.
ولأن كل معنى على وجه السهو؛ كترك النية.
وإذا ثبت هذا فالجواب عن الخبر الأول أنه يحتمل أن يكون نفى الواجب على الفور أو اجتماع القضاء والكفارة؛ بدلالة ما ذكرناه.
ويحتمل أن يكون الراوي نقله على معنى قوله: "الله أطعمك وسقاك" معتقدا أنه يقتضي سقوط القضاء.
وقوله: "رفع عن أمتي الخطأ [ق/60] والنسيان" مفهومه: رفع المأثم والحرج دون غيره.
هذا إن سلمنا أن له عادة في الاستعمال، ولم نقل إنه مجمل لا يعقل المراد به.
واعتبارهم العموم في جميع ذلك باطل؛ لأن الحكم ليس بمذكور في اللفظ، والعموم لا يدعي في المضمرات.
وقوله لمن سأله: "الله أطعمك وسقاك" لا حجة فيه؛ لأن ظاهره في الفعل، والفعل واقع منه؛ فلم يكن حمله على سقوط القضاء إلا من حيث أمكن فعله على سقوط المأثم، ولا يجوز حمله على العموم؛ لما ذكرناه، ولا على مفهوم عادة في استعماله، لاتفاقنا على أنه لو خاطب كل معذور بذلك لساغ؛ ألا ترى أنه لو قال له رجل: إني مرضت فأكلت، أو لحقني العطش أو الجوع فأكلت؛ فقال: (الله أطعمك وسقاك) لساع ذلك ولم يستحل؛ فبان بذلك ما قلناه.
وقولهم: إن ذلك موضع البيان؛ فلو كان القضاء واجبا لذكره.
فالجواب عنه أنه ليس في الخبر ذكر للحكم الذي سأل عنه، ويحتمل أن يكون سأل عن حكم مخصوص فأجابه بجواب مخصوص؛ فسقط ما قالوه.
وتعلقهم بقوله: "فليتم صومه" معناه: إمساكه؛ بدلالة ما ذكرناه.
وقوله: "لا يفطرن" لا يستديم الفطر.
واعتبارهم بالصلاة في أن الأكل سهوا لا يفسدها لا نسلمه على الإطلاق؛ لأنه إن كثر فيها أفسدها.
وقولهم في الأكل: إن عمده يختص بإفساد الصوم باطل؛ لأن سهوه يفسده عندنا؛ فالعمد غير مختص؛ لأن الخطأ والسهو مشارك له أيضا.
ولأن عمد القيء مختلف بين أصحابنا في فساد الصوم به.
وينتقض بالردة إذا فعلها في أثناء الصوم ناسيا لصومه.
فإن قالوا: المنع من الردة لا يختص بالصوم؛ لأنه ممنوع منها في الصوم كما هو ممنوع منها في الفطر.
قلنا: وكذلك عمد الأكل لا يختص بالصوم؛ لأنه يمنع منه في الصلاة.
فأما سقوط الكفارة عنه؛ فلأن الكفارة تجب في اعتماد الهتك لحرمة الصوم وعدم العذر، والناسي معذور وليس بهاتك؛ فلم تجب عليه الكفارة.
مسألة
قال رحمه الله: "و [كذلك] ومن أفطر [فيه] لضرورة من مرض فعليه القضاء، ولا كفارة عليه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي رحمه الله: أما وجوب القضاء فلا خلاف فيه أعلمه، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ معناه: فأفطر فعدة؛ فأوجب القضاء على المريض إذا أفطر.
ولأنه حصل أكلا في صوم واجب فأشبه العامد، والعذر لا يسقط القضاء.
وأما سقوط الكفارة عنه فلأنه ليس بهاتك؛ والعذر يسقط الكفارة عن المفطر.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: "ومن سافر سفرا تقصر فيه الصلاة فله أن يفطر وإن لم تنله ضرورة، وعليه القضاء والصوم [أحب إلينا] ".
ومن متأخري أصحابنا من قال: إن بلغ الحصاة لا يفطر؛ لأنها لا تغذي ولا؛ فهذا القاتل لا يلزمه النقض؛ لأن الكفارة لا تكون إلا على
مفطر، والإفطار غير موجود هاهنا.
فإن قيل: ينتقض بالمرتد.
قيل له: لا يلزم ذلك من وجهين:
أحدهما: أنا قلنا قاصدا للهتك بالإفطار، والمرتد لم يقصد بارتداده إفساد الصوم خاصة، وإنما قصد هتك حرمة الإسلام، وجر ذلك إلى إفساد صوم رمضان.
فأما القصد والغرض فليس هو رمضان.
والثاني: إن قلنا بالإفطار في رمضان، ووصف العلة لا يلزم عليه إلا ما تناوله إطلاق الاسم، والردة ليست بإفطار، وإنما هو شيء يفسد الصوم بوقوعها فيه.
وليس كل ما أفسد الصوم كان إفطارا كما أنه ليس كل ما أفسد الصلاة كان حدثا فبطل ما قالوه.
فإن قيل: المعنى في الجماع أنه يفتقر إلى شخصين، وليس كذلك الأكل.
قيل له: هذا ليس بشيء؛ لأن وجوب الكفارات في الأصول لا يعتبر فيه كون ما يتعلق به مما يفتقر إلى شخصين أو شخص واحد؛ ألا ترى أن الحنث في كفارة اليمين تتعلق به الكفارة، سواء كان الفعل المحلوف عليه يحتاج إلى شخصين أو مما لا يحتاج إلى ذلك؛ فكذلك في هذا الموضع.
وأيضا فيجب أن يفرق بين الموضعين بما له تأثير في الحكم، وعلما أن كون الفعل مما يحتاج إلى شخصين أو إلى شخص واحد لا يؤثر في وجوب
الكفارة ولا في سقوطها.
وأيضا فإن هذا ينتقض بالوطئ دون الفرج؛ لأنه لا يكون إلا بين شخصين، ولا تجب به كفارة عندهم.
فإن قالوا: الوطء لا يحصل إلا من الوطئ فقط.
قيل له: إلا أن الفعل نفسه لا يقع إلا من شخصين كان الفعل منهما أو من أحدهما؛ لأن الذي يفهم من قول القائل: إن الفعل يفتقر إلى شخصين أنه لا يقع من الواحد، وهذا موجود في الوطء دون الفرج.
وعلى أن الوطء في الفرج بهذه المنزلة؛ لأن الفعل إنما من الوطء، والمرأة لا يحصل منها إلا التمكن فقط؛ فالأمر واحد في الموضعين.
ويبين ما قلناه أيضا أن وجوب الكفارة لا يخلو أن يكون معتبرا بحال المفكر من كونه هاتكا وقاصدا لإفساد الصوم من غير عذر، أو بحال ما يفطر به من كونه أكلا وجماعا وغير ذلك، أو بهما جميعا.
فإن كان المعتبر هو بحال المفطر وجب ألا يعتبر بما به الصفة المطلوبة في الإفطار أن تتعلق عليه الكفارة.
وإن كان المعتبر بما به يقع الفطر بانفراده فذلك باطل من قول الجميع.
وإن [ق/61] كان المعتبر بالأمرين جميعا فذلك خلاف الأصول؛ لأنا قد وجدنا حكم الكفارة متعلقا بحال المفطر؛ فأنها تجب بمعنى؛ إذا سقط ذلك المعنى سقط وجوبها.
وقد علمنا أن المراعي في إسقاط الكفارة هو بحال المفطر لا بما به وقع
الفطر؛ ألا ترى أن الجماع الذي يتفق على أنه يؤثر في الكفارة إذا وجدناه غير موجب لها لم يكن ذلك إلا لأمرين يرجع إلى المفطر من كونه غير هاتك ومعذورا، وما أشبه ذلك؛ فبان بما قلناه أن الاعتبار في وجوب الكفارة وسقوطها بحال المفطر لا بما به يقع الفطر.
وهذا يصلح أن يجعل دليلا مبتدءا وجوابا عن سؤالهم.
وكذلك حال الكفارات في غير الصوم أيضا.
ويوضع ذلك أيضا أن الكفارة في هذا الموضع طريقها التغليظ والعقوبة، ووقوع الفطر على وجه ممنوع بأمر ممنوع محظور أولى بأن يتعلق به وجوب الكفارة من وقوعه بأمر مباح لو لم يكن على هذا الوجه.
وقد ثبت أن الإفطار بجماع الزوجة والأمة الذي هو مباح في غير الصوم أخف حكما من الإفطار بشرب الخمر، فإذا كانت الكفارة واجبة به كانت بأن تجب بشرب الخمر أولى.
فأما وقوع الفعل من شخصين فلا مدخل له في تغليظ ولا تخفيف؛ فسقط اعتباره.
وأيضا فلما أوجب مخالفنا الإطعام على الحامل والمرضع وإن كانتا معذرتين بالإفطار لكونهما مفطرتين من أجل غيرهما لا من أجل نفسيهما، وكان هذا عنده أمرا مؤثرا في وجوب الإطعام مع كونه عذرا يبيح الإفطار كان الأكل عامدا قاصدا للهتك أولى بذلك؛ لأنه ابعد عن العذر ممن ذكرناه.
فأما قولهم: إنه أفطر بسبب لا يجب عليه الحد بحال والمستقئ عامدا فلا يؤثر على قولهم؛ لأن شرب الخمر وغيره من المسكر يوجب الحد عندنا وعندهم، ولا كفارة عليه عندهم.
ولفظ العلة ينتقض بوطء الزوجة والأمة، إلا أن يريدوا أن الحد لا يجب بشيء من جنس ذلك الفعل.
ولأن الاستقاء مختلف في وجوب الفطر به بين أصحابنا، ووجوب الكفارة هو فرع لذلك، ومن قال منهم بأنه يفطر أوجب فيه الكفارة.
وقولهم: أفطر بمعنى ينفرد به الشخص الواحد؛ فأشبه إذا استقاء أو إذا أكل في السفر قد أجبنا عنه وبينا أن اعتبار الفطر بوقوع الفعل من شخص واحد أو من شخصين لا تعلق له بالكفارة، وأن المستقئ عامدا إذا كان مفطرا فعليه الكفارة.
وعلى أن اعتبار إسقاط الكفارة في السفر بالأكل لكونه إفطارا إنما ينفرد به الشخص الواحد لا تأثير له؛ لأن الاعتبار بكون الحال عذرا يبيح الفطر بدلالة أنه لو أفكر بما يشترك فيه الشخصان لم تلزمه كفارة، وأن سقوط الكفارة بالإفطار في السبب المباح بما يقع مع الشخصين على حد سقوطها بما يقع من الشخص الواحد؛ لاشتمال حال العذر على الموضعين.
وقولهم لأنه مفطر بغير جماع؛ فأشبه إذا بلع حصاة أو لؤلؤة فالجواب عنه أن بالع الحصاة إذا كان مفطرا عامدا فعليه الكفارة على ما ذكرناه عن أصحابنا، وإنما منع من ذلك من يقول: إنه لا يفطر.
وليس لهم أصل يقيسون عليه؛ لأن الإفطار حيث حصل في رمضان مع عدم العذر فالكفارة متعلقة به عندنا.
وقولهم: إن الخبر ورد بجماع تام، فلما كان الجماع التام إذا ورد في صوم غير تام لا تجب به كفارة؛ كذلك الجماع غير التام إذا كان في صوم
تام فلا كفارة فيه.
فالجواب عنه أن يقال: ما الذي أردتم بقولكم: في صوت تام؟ فإن قالوا: أردنا في صوم رمضان فقط قلنا: وما الذي يفيده وصفكم لصوم رمضان بأنه وصف تام.؟ فإن قالوا: إنه واجب فقط لزم ذلك في النذر والقضاء.
وهم لا يقولون بذلك، ولا نحن أيضا.
وإن قالوا: إنه أعلى الصيام منزلة ورتبة؛ لأنه وجب ابتداء من قبل الله تعالى.
قيل لهم: ما طريقة الفضيلة والحرمة وهو مساو لغيره في صفة الأداء، وشروطه لا تقتضي كون غيره ناقصا عنه.
وإنما جاز أن يعبر عن الوطء فيما دون الفرج بأنه غير تام؛ لأنه ليس بوطء من وجه آخر، وهو كونه وطئا في الفرج، فنفس الفعل مختلف في الأداء، وليس كذلك الصوم؛ لأن شرط الأداء في جميعه واحد؛ لأن أداء صوم رمضان والنذر والقضاء والنفل على حد واحد غير مختلف؛ فيبطل ما قالوه.
فيقال لهم: إذا كنا نحن وأنتم نقول بالقياس فما الذي يمنع من قياس الجماع الذي هو غير تام على الجماع التام بعلة تقتضي الجمع بينهما كما فعلنا جميعا ذلك في تحريم التفاضل في التمر والبر وغيرهما واحد من القياسين لا يعترض على قائس في إلحاق غير المنصوص عليه به مع العلة؛ لأنه يكون معترضا على نفسه.
فأما الجماع التام إذا وجد في الصوم غير التام فإنا لم نوجب فيه كفارة؛ لعدم الدليل على إلحاقه بالمنصوص، وهذا ظاهر في بطلان ما قالوه.
واعتبارهم بالأكل ناسيا باطل؛ لأنه معذور بإفطاره عندنا، وإنما الكفارة على من ليس بمعذور؛ هذا على أصلنا.
فأما على أصلهم فالأكل ناسيا غير مقطر؛ فالكفارة لا تجب إلى على مفطر؛ فشرط [ق/62] وجوبها لم يحصل.
وقولهم: إنه صوم شرعي؛ فلم تجب بالأكل فيه كفارة كالنذر باطل، لأن النذر والنفل لا تجب فيه كفارة لا بالأكل ولا بغيره؛ فتقيد سقوط الكفارة فيه الأكل لا معنى له.
ويجوز أن يعلل بأنه صوم لا تجب الكفارة بالجماع فيه؛ فلذلك لم تجب بالأكل.
وأيضا فإن الكفارة متعلقة بحرمة الزمان الذي وقع فيه الفطر، وليس لغير رمضان حرمة رمضان؛ فلذلك لم يساوه في تعلق الكفارة به.
وقولهم إن الوطئ إذا اجتمع مع غيره كان للوطء مزية عليه باطل غير صحيح عندنا، ولعل على أصلهم وسائر ما ذكروه من الأحكام التي تختص بالوطء فليس ذلك لمزية الوطء؛ بدلالة أنا لو فرضنا تحريم الوطء خاصة وتحليل سائر ما حرم معه لكان ذلك الحكم ثابتا للوطء وإن لم يكن هناك ما يقتضي مزية عليه؛ فبان أن ذلك إنما وجب لقيام دليل عليه.
وبالله التوفيق.
مسألة
قال رحمه الله: "والكفارة في ذلك إطعام ستين مسكينا؛ لكل مسكين بمد النبي صلى الله عليه وسلم فذلك أحب إلينا.
وله أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: لا خلاف أن الكفارة في الصيام هي الإطعام، والعتق، والصيام.
والأصل فيه ما رويناه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم لمن ذكر له أنه أفطر في رمضان بأن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا.
إنما الخلاف في أنها مرتبة أو مخير فيها؛ فعندنا أنها على التخيير دون الترتيب.
وعند أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما أنها على الترتيب؛ فإن كان يقدر على رقبة الإعتاق فلم يجز له التكفير بالصيام ولا بالإطعام.
فأن لم يقدر على رقبة لزمه الصيام.
فإن لم يقدر فالإطعام.
واستدلوا بما رواه سفيان بن عيينة عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: أتي رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت.
قال: "ما شأنك؟ " قال: وقعت على امرأتي في رمضان.
قال: "فهل تجد ما تعتق رقبة؟ " قال: لا.
قال: "فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ " قال: لا.
قال: "اجلس... " الخبر.
وروى الأوزاعي عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
للذي أفطر: "اعتق رقبة" قال: لا أقدر.
قال: "فصم شهرين".
قال: لا استطيع.
قال: "أطعم ستين مسكينا".
قالوا: ففي هذا دليلان:
أحدهما: إنه قال له: اعتق رقبة؛ وذلك يفيد وجوبها وانحتامها.
والثاني: إنه قال: لا أجد؛ فقال له: صم شهرين؛ تقديره: إذا لم تجد رقبة فصم شهرين؛ فدل على أن الكفارة مرتبة.
قالوا: وروى مجاهد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الذي أفطر في رمضان بكفارة المظاهر.
قالوا: ولأنها كفارة فيها صوم وبدل؛ فوجب أن تكون مرتبة اعتبارا بكفارة الظهار.
ويريدون بقولهم: صوم بدل أن الإطعام بدل عن الصيام ينوب منابه.
قالوا: ولأنها كفارة لا تجب إلا على مأثم؛ فوجب أن تكون مترتبة كالظهار.
قالوا: ولأنه صوم تبع العتق شرعا؛ فوجب أن يكون مرتبا عليه.
أصل ذلك الصوم في كفارة القتل.
قالوا: قولنا: تبع العتق شرعا أن الأخبار وردت بأنه صلى الله عليه وسلم أمر الذي أفطر في رمضان بالصوم بعد أن أمره بالعتق.
قالوا: ولأن الكفارة إذا كانت على الترتيب بدئ فيها بالأغلظ، وإذا كانت على التخيير بدئ فيها بالأخف، ووجدنا كفارة الصيام بدئ فيها بالأغلظ وهو العتق؛ فعلم بذلك أنها على الترتيب ككفارة الظهار.
ألا ترى أن كفارة اليمين لما كانت على التخيير بدئ فيها بالأخف؛ وهو الإطعام؟
والدلالة على صحة قولنا: ما رواه مالك عن ابن شهاب عن حميد ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان؛ فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا.
ولفظ (أو) يقتضي التخيير؛ فوجب أن تكون الكفارة على التخيير.
فإن قالوا: خبرنا أولى؛ لأن من روى الترتيب أكثر ممن روى التخيير؛ لأن الذي روى التخيير عن الزهري: مالك وابن جريج، والذين رووا الترتيب: سفيان بن عيينة ومعمر والأوزاعي، والخبر يترجح بكثرة الرواة؛ لأن ذلك أبعد من الغلط، وأقرب إلى التواتر.
قلنا: الأمر على ما قلتم في أن كثرة رواة الخبر مما يرجح به على ما هو أقل رواة منه، لكن هذا قد أخطأتم في قولكم إن رواة التخيير عن الزهري: مالك وابن جريج فقط؛ لأن رواة التخيير عنه أكثر من رواة الترتيب؛ وذلك أن التخيير رواه عنه: مالك، وابن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو أويس، وعمر بن عثمان المخزومي.
فأما حديث مالك، وابن جريج فقد تقدم ذكرهما.
وأما حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي أويس: فروى أبو بكر ابن الجهم قال: حدثنا أبو إسماعيل الترمذي قال: حدثنا أيوب بن سليمان
ابن بلال قال: حدثنا عبد المجيد بن أبي أويس قال: حدثنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: أخبرنا ابن شهاب عن حميد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أفطر أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا.
قال أبو بكر: وحدثنا العباس بن الفضل قال: حدثنا أبي أويس قال: حدثنا أبي أن ابن شهاب أخبره [ق/63] عن حميد أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أفطر في رمضان بمثل حديث يحيى بن سعيد تاما.
وأما حديث مليح: فرواه أبو بكر عن محمد بن سعد الصيرفي عن أبيه عن مليح عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا؛ وذلك لأنه وقع على امرأته.
وأما حديث المخزومي: فرواه أبو بكر أيضا قال: حدثنا إبراهيم الحرمي عن عبد الله بن عمر بن أبان عن زيد بن الحباب قال: حدثنا عمر ابن عثمان المخزومي قال: حدثنا الزهري عن حميد عن أبي هريرة أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أفطر في يوم من رمضان؛ فقال: "اعتق رقبة، أو صم شهرين أو أطعم ستين مسكينا".
فثبت بما ذكرناه أن رواة التخيير أكثر من رواة الترتيب؛ فوجب بذلك
ترجيح أخبارنا على أخبارهم.
فإن قالوا: من روى الترتيب فقد ذكر لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، ومن روى التخيير فإنما نقل فعله، ورواية من روى القول أولى.
قلنا: إذا كنا نتفق أن قول الصحابي: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، ونهى عن كذا) في لزوم الحجة به بمنزلة أن ينقل اللفظ الذي به أمر سقط ما قلتم.
على أن من رواة التخيير من ذكر لفظ النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهو ما ذكرناه من حديث عمر بن عثمان المخزومي.
هذا مع تسليم أن أخبارهم مرتبة، وإلا فالوجه منع ذلك؛ لأن للترتيب حروفا تختص به: كالفاء، وثم، وغير ذلك.
وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، وإنما قال الأعرابي: لا أجد؛ فقال: فافعل كذا، ولم يقل صلى الله عليه وسلم: إن لم تجد كذا فكذا.
فإن قيل: تقديره كأنه قال: إن لم تجد العتق فصم شهرين.
قيل له: لم وجب أن يكون هذا تقديره وهذه دعوى لا دليل عليها؟
فإن قيل: يحتمل خبركم أن يكون صلى الله عليه وسلم علم ما آل أمره إليه؛ وهو أنه لا يقدر على العتق ولا الصوم فأمره بالإطعام؛ بدلالة خبرنا.
قيل له: هذا باطل؛ لأنه خيره بين الجمع على حد واحد، ومن ليس بقادر على العتق لا يقال له:
إن شئت فأعتق.
فإن قيل: من ليس هو من أهل العتق إذا تطوع بالعتق أجزأه.
قيل له: إن كان قادرا عليه وجب عليه عندكم، وإن كان غير قادر عليه لم يصلح أن يقال: إن شاء تطوع؛ لأنه لا يتطوع بما لا يقدر عليه.
ومما يدل على ما قلناه: ما رواه ابن وهب قال: أخبرنا عمر بن الحارث أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه أن محمد بن جعفر حدثه أن عباد ابن عباد بن عبد الله حدثه أنه سمع عائشة رضي الله عنها تقول: أتى رجلا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أصبت أهلي.
فقال: "تصدق" قال: والله ما لنا شيء، وما أقدر.
قال" "اجلس" فجلس....
ووجه الاستدلال منه: أنه أمره بالتصدق، ولم يأمره بالإعتاق؛ فبطل بذلك الترتيب.
ومن جهة القياس: أنها كفارة وجبت عن غير عود ولا إيلاف؛ فكانت على التخيير؛ اعتبارا بكفارة اليمين.
فأما الأخبار فقد أجبنا عنها، وأما ما رووه بأن عليه ما على المظاهر فمصروف إلى الأصناف التي تجب على المظاهر.
وأما قياسهم على كفارة الظهار بأن فيها صوما هذا بدل ففيه خلافنا؛ لأن وجوب الإطعام كوجوب الصيام عندنا، وترتيبه كترتيبه؛ فليس ببدل له.
على أن كفارة الظهار لا تجب بنفس الظهار، بل بأمر آخر وهو العود، وليس كذلك مسألتنا؛ لأن الكفارة هاهنا تجب بنفس الفطر.
وقولهم: لأنه صوم تبع العتق شرعا لا نسلمه.
وقولهم: أردنا به ورود الأخبار بالصوم بعد العتق باطل من وجهين:
أحدهما: إن هذا لا يوجب أن يكون الصوم تبعا للعتق.
فإن قالوا: هذا الذي أردناه.
وقيل لهم: لا ننكر أن تكونوا أردتم شيئا وعبرتم عنه بغير عبارته وبما يفيد غير معناه؛ فلا يلزمنا قبوله.
والوجه الآخر: إن الأخبار قد وردت أيضا بالتساوي بين الصوم والعتق؛ فلم يكونوا بأن يقولوا: إن الصوم تبع العتق في الشرع لأجل أخبارهم بأولى منا أن نقول: لأنه ليس بتبع له؛ لأخبارنا.
وقولهم: إن الكفارة إذا بدئ فيها بالأغلظ كانت على الترتيب؛ فالبداية إذا لم تكن بحرف الترتيب لم توجب الترتيب.
ويبطل بكفارة الصيد؛ لأنه بدئ فيها بالهدى، وهو أغلظ من الصيام والإطعام، وهو مع ذلك على التخيير.
والله أعلم.
فصل
فأما اختيار الإطعام: فلأنه أعم منفعة؛ لأن العتق يخص المعتق فقط، والصيام لا منفعة فيه غير الصائم، والإطعام يسقط الفرض وتعم منفعته جماعة المساكين؛ فلذلك استحبه.
وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للذي سأله: "تصدق"؛ فأمره بالإطعام.
مسألة
قال رحمه الله: "وليس على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا كفارة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: وهذا لأن الكفارة إنما تجب لانتهاك حرمة الشهر.
وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وأشبعنا القول فيه.
مسألة
قال رحمه الله: "ومن أغمي عليه ليلا، فأفاق بعد طلوع الفجر فعليه قضاء الصوم".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله: وهذا لأن عليه أن يدخل في الصوم من حيث يعلمه، ويشعر به، فإذا منعه عن [ق/64] ذلك مانع غير معتاد، ولا مشقة تلحق فيه كالنوم وجب أن لا يصح دخوله فيه؛ لأن النوم معتاد لا يزيل حكم التكليف على الإطلاق، وتلحق المشقة في صرفه، وانتظار طلوع الفجر.
وليس كذلك الإغماء.
ويبين ذلك أن الإغماء لا يلزم معه قضاء الصلوات الفوائت.
وليس كذلك النوم؛ فثبت أنه أخف حكما من الإغماء.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: "ولا يقضي من الصلوات إلا ما أفاق في وقته".
قال القاضي- رحمه الله: قد ذكرنا هذا في كتاب الصلاة، وبيناه بما يغني عن إعادته.
مسألة
قال رحمه الله: "وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه، ويعظم من شهر رمضان ما عظم الله سبحانه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله: وذلك لما رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الصيام جنة؛ فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث، ولا يجهل.
فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم".
وروى المقبري عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله فيه حاجة أن يدع طعامه وشرابه".
وروى عمرة بن أبي عمرة عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش،
ورب قائم حظه من قيامه السهر".
فثبت بهذه الأخبار أن الإنسان مأمور بحفظ لسانه من الكذب، والغيبة، والنميمة، والزور، وقول الهجر، وغير ذلك مما في معناه.
فإن فعل شيئا من ذلك فقد أساء، وصومه ماض، وهو قول كافة الفقهاء، إلا ما حكي عن الأوزاعي إن صح عنه أنه قال: إن فعل ذلك فقد أفطر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "خمس يفطرن الصائم"؛ فذكر فيهن الغيبة والنميمة والكذب.
وهذا عندنا على وجه التغليظ والمجاز.
ومعناه، سقوط الثواب بذلك عليه إن كان جنس لا يفطر المباح منه لم يفطر محظوره؛ كالقبلة، واللمس باليد، وكذلك الضرب باليد، وما أشبهه.
ويشهد لذلك من العكس أن كل ما أفطر مباحه فطر محظوره كالزنا ووطء الزوجة.
وقد ثبت أن مباح الكلام لا يفطر؛ فكذلك محظوره.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: "ولا يقرب الصائم النساء بوطء ولا بمباشرة ولا قبلة للذة في نهار رمضان، ولا يحرم ذلك في ليله".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: أما الوطء: فلا يجوز للصائم بوجه كما لا يجوز له الأكل والشرب؛ لأن ذلك لو جاز لجاز له الفطر.
فأما ما دون الوطئ من المباشرة للذة بالتقبيل وغير ذلك فإنه يكره له أيضا؛ لأنه من دواعي الوطئ؛ فلا يؤمن أن يؤديه إلى إفساد الصوم فإن فعل ذلك وسلم فلا شيء عليه وغن كان قد غرر؛ لأن ما يخاف منه إفساد الصوم فقد سلم منه.
وقد روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: كان رسول الله يقبل بعض أزواجه وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وتضحك.
وروى الأغمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، ولكنه كان أملك لإربه.
وكان مالك يقول: بلغني أن عائشة كانت تقول إذا ذكر لها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم: وأيكم أملك لإربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد روي كراهة ذلك عن قوم من الصحابة والتابعين.
وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عباس سئل عن القبلة للصائم فرخص فيها للشيخ، وكرهها للشاب.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان ينهي عن القبلة والمباشرة للصائم.
وذكر مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: لم أر القبلة تدعو إلى خير.
فأما قوله: ولا يحرم ذلك عليه في ليله: فلأنه ليس بمعتكف ولا محرم، وإنما يستوي منع ذلك في الليل والنهار للمعتكف والمحرم، إلا أن المحرم لا يبطل إحرامه بالقبلة والمباشرة للذة إذا سلم، والمعتكف يبطل اعتكافه بذلك؛ وبين ذلك قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله ﴿فالآن باشروهن﴾ فقال أهل التفسير: إنه كان في أول الإسلام إذا صليت العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء إلى الليلة الأخرى.
وقالوا: إن رجلا وطئ امرأته وكان قد أعفى، وفيه نزلت هذه الآية
مسألة
قال رحمه الله: "ولا بأس أن يصبح جنبا من الوطء".
قال القاضي رحمه الله: قد ذكرنا هذا فيما تقدم، وأشبعنا القول فيه.
مسألة
قال رحمه الله: "ومن التذ في نهار رمضان أو قبلة فأمذى لذلك فعليه القضاء".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: أصحابنا يقولون: إن هذا استحباب، وليس بإيجاب.
ووجهه هو جواز أن تكون القبلة حركت المني عن موضعه.
فأما إن سلم من ذلك فلا شيء عليه؛ لما ذكرنا، ولأن ما يوجب الوجوء لا يقع به الإفطار كاللمس للذة والبول.
مسألة
قال رحمه الله: "وإن تعمد ذلك [ق/65] حتى أمنى فعليه الكفارة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: وهذا لأنه قاصدا للإفطار في رمضان من غير عذر فكان كالواطئ.
وقد ذكرنا هذا؛ فلا معنى لإعادته.
مسألة
قال رحمه الله: "ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".
وإن قمت فيه بما تيسر فذلك مرجو فضله، وتكفير الذنوب به.
والقيام فيه في مساجد الجماعات بإمام، ومن قام في بيته [وهو] أحسن لمن قويت نيته وحده.
وكان السلف يقومون فيه في المساجد بعشرين ركعة، ثم يوترون بثلاث، ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام.
ثم صلوا بعد ذلك ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر.
وكل ذلك واسع.
ويسلم من كل ركعتين.
وقالت عائشة رضي الله عنها: ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي رحمه الله: أما الفصل الأول: فإنه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم رواه مالك وغيره عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، ثم يقول: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك في خلافة أبي بكر رضي الله عنه وصدر من خلافة عمر رضي الله عنه.