شرح الرسالةصفحات 330-348

كتاب الاعتكاف

صفحات 330-348

عدل ذلك صيامًا}، و (أو) موضوعة للتخيير إذا وردت في أمر أو إباحة في جنس؛ كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين.
وقوله تعالى ذكره في النهي: ﴿ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا﴾ أي: لا تطع هذا الضرب.
وإذا صح ذلك ثبت أنها في هذا الموضع للتخيير؛ كقول القائل: أعط زيدًا ثوبا أو درهمًا أو عبدًا.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون قوله عز وجل: ﴿أو كفورًا﴾ عائدًا على الصيد الذي لا مثل له، أو يكون قوله تعالى ذكره: ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ من الصيد الذي له مثل.
قيل له: أنكرنا ذلك؛ لأنه خلاف الظاهر فلا نصير إليه إلا بدليل.
وأيضًا فإن الصيغة في هذا الموضع كهى في قوله عز وجل في فدية الأذى ﴿ففدية من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ﴾، فلما كانت هنالك للتخيير كذلك هاهنا.
[ق/ 181] أو يجمع بينهما من جهة المعنى فنقول: لأنه حق وجب بإتلاف كان ممنوعًا منه لحرمة الإحرام؛ فوجب أن يكون على التخيير.
أصله: كفارة الأذى.
واستدل لمن ذهب إلى أنها على الترتيب بأن يقال: لأنها كفارة لنقص

تعلق بالإحرام؛ فأشبهت كفارة التمتع والقران.
ولأنه تكفير وتعلق بإتلاف نفس؛ فأشبهت كفارة قتل الآدمى.
فالجواب: أن القياس الأول يبطل بفدية الأذى، والثاني يدفع النص على أن اللفظ ورد به مرتبًا؛ فوجب ترتيبه على أنها مغلظة، وليس كذلك جزاء الصيد.
والله أعلم.
فصل ويلزم التحكيم في كل قتل، وفيما حكمت فيه الصحابة، وما لم تحكم.
وهو قول أبى حنيفة.
وقال الشافعي: يكتفي في ذلك إلى ما حكمت به الصحابة، ولا يحتاج إلى التحكم.
واستدل عنه بقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾، وعدالة الصحابة متحققة، وعدالة غيرهم مشكوك فيها؛ فكان الرجوع إلى من تحققت عدالته أولى.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾؛ فشرط حكم العدلين على كل قاتل لصيد.
ولأن كل صيد لزم بقتله الجزاء فلابد من التحكيم فيه.
أصله: ما لم

يضمن فيه حكومة.
فأما قولهم أن عدالة الصحابة رضي الله عنهم متحققة، وعدالة غيرهم مشكوك فيها: فلا معنى له؛ لأنا لسنا نقول: إنه يحكم عليه لجواز أن يحكم عليه في النعامة بغير البدنة، وإنما ذلك عبادة عندنا.
والله أعلم.
فصل فأما قوله: إن محله منى إن وقف به بعرفة، وإلا فبمكة؛ فلما قدمناه أن المنحر في الحج منى وفي العمرة مكة.
والأصل أن ذلك يكون بمكة، إلا إنها نزهت عن ذلك في أيام الحج؛ لكثرة الدماء فيها؛ فجعل الذبح بمنى.
وقوله: إن وقف به بعرفة؛ فلما ذكرناه من قبل أنه لا ينحر بمنى إلا ما وقف به بعرفة، فإن لم يقف به بعرفة نحر بمكة؛ لأن النحر لا يكون في الحج والعمرة إلا بمنى أو بمكة.
فإذا لم يوجد فيه شرط الذبح بمنى كان بمكة.
وقوله: يدخل به من الحل؛ لأنه هدى، وقد بينا أن الهدى لا يجوز إلا أن يجمع فيه بين الحل والحرم.
فصل فإما قوله أنه إن اختار التكفير بالإطعام قوم الصيد بالطعام لا المثل؛

فلأنه الله تعالى قال: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾، وظاهر ذلك يقتضى أن يكون الإطعام جزاء عن المقتول معتبرًا به دون المثل، ولا الصيد هو المتلف دون المثل؛ فوجب أن يكون هو المقدم؛ اعتبارًا بسائر المتلفات.
ولأن الإطعام بدل عن نفس المتلف؛ فوجب أن يكون معتبرًا به لا بغيره.
أصله: المثل من النعم.
ولأنه طعام أخرج في جزاء الصيد؛ فوجب أن يكون معتبرًا بقيمة الصيد.
دليله: كفارة ما لا مثل له من النعم.
ومخالفنا في هذه المسألة الشافعي، لأنه يقول: يقوم المثل لا الصيد.
وقد استدل عنه بقوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ على القراءة بالخفض؛ وذلك يفيد أن الكفارة بالإطعام جزاء لمثل الصيد المتلف.
وإذا ثبت ذلك صح أن المعتبر بقيمة المثل لا بقيمة الصيد نفسه.
والجواب: أنه لا دلالة في هذا؛ لأنه فسر الجزاء بأنه هدى يبلغ به

الكعبة، ثم قال عز وجل مستأنفًا: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾؛ فسقط ما قالوه.
قالوا: ولأنه لما وجب اعتبار الصيام بالإطعام الذي هو بدل؛ كذلك يجب اعتبار الطعام بالمثل.
فالجواب: أنه إنما اعتبرنا الصيام بالإطعام؛ لأنا أقمنا مقام كل مد يومًا، فدعت الضرورة إلى أن نعتبر بما يقدر بالأمداد، والصيد لا يمكن أن يقدر أمداد، ولا أن يجزأ الصوم على عدد أجزائه، ولم تدعنا ضرورة مثل هذه في الإطعام؛ فلم يجب أن يكون كالصيام.
فصل وإذا ثبت أنه يقوم الصيد لا المثل؛ فالمختار أن يقوم الصيد نفسه بالطعام، وإن تقوم بالدراهم ثم قوم بالطعام جاز.
والاختيار الأول، وإنما قلنا ذلك لما بيناه أن الإطعام بدل عن الصيد؛ فوجب أن يقع التقويم به، وإنما يقوم بالدراهم إذا كانت هي المأخوذة في القمة.
هذا هو المختار، فإن لم يفعل ذلك جاز على ما بيناه.
فصل وإذا اختار الصيام صام عن كل مد يومًا، وبه قال الشافعي.

وقال أبو حنيفة: يصوم بدل كل مدين يومًا.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن الصوم المبدل عن الإطعام في العبادات فد أقيم في الشرع عن كل مد يومًا؛ بدلالة أن النبي -صلى الله عليه وسلم -جعل في كفارة الفطر في رمضان إطعام ستين مسكينًا أو صيام شهرين متتابعين.
وفدية الأذى مخصوصة بأن جعل فيها مكان كل أربعة أمداد يومًا.
وهذا غير معتبر في هذا الموضع باتفاقنا.
فلم يبق إلا ما قلناه.
فإن قيل: ففي كفارة الظهار قد جعل بدل كل مدين يومًا فهلا اعتبرتموه بالظهار؟.
قيل له: اعتباره بما قلنا أولى؛ لأنه صيام وجب لحرمة عبادة، وليس كذلك كفارة الظهار.
على أن كفارة الظهار مغلظة؛ بدلالة أنه اعتبر فيها الترتيب، وليس كذلك كفارة الصيد؛ لأنها مخففة؛ بدلالة سقوط الترتيب فيها؛ فكانت بكفارة الصيام أشبه.
والله أعلم.
فصل فأما قوله: أن يصوم لكسر مد يومًا كاملاً؛ فلأنه لا يخلو من ثلاثة أمور:

إما أن يصوم يومًا كاملاً: فهو ما قلناه.
أو أن يصوم بحسابه من اليوم: فذلك باطل؛ لأن الصوم لا يتبعض في اليوم.
أو أن لا يصوم أصلاً: وذلك غير جائر؛ لأن عليه أن يصوم بدلاً عن جملة [ق/ 182] الإطعام.
والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: "والعمرة سنة مؤكدة؛ مرة في العمر".
قال القاضي رضي الله عنه: هذا قولنا وقول أبى حنيفة، وقال الشافعي: هي فرض كالحج، وإليه ذهب أبو بكر بن الجهم.
والدلالة على صحة قولنا ما رواه محمد بن المنكدر عن جابر قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم -عن الحج أفريضة هو؟ قال: "نعم".
قيل: والعمرة؟ قال: "لا، وأن تعتمر خير لك".
فنص على كون العمرة غير فريضة، وفرق بينهما وبين الحج، ونفى

وجوبها نفيًا مطلقًا؛ فدل ذلك على ما قلناه.
فإن قيل: رواى هذا الحديث الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف.
قيل له: لم نقل فيه أكثر من أنه مدلس، وهذا لا يسقط حديثه؛ لأن الأعمش وغيره من كبار أصحاب الحديث يدلسون ومع ذلك فلا يترك حديثهم.
فإن قيل: يحتمل أن يكون نفى وجوب العمرة.
قيل له: إن السؤال صدر عن العمرة على حد ما صدر عن الحج، فلما بطل أن يحمل السؤال على ذلك؛ فكذلك في العمرة.
على أن هذا ترك للظاهر؛ فلا يصادر إليه إلا بدليل.
فإن قيل: يحتمل أن يكون السائل سأل عن حال نفسه، وكان قد اعتمر.
قيل له: الظاهر غير هذا؛ لأن السؤال صدر مطلقًا، وكذلك الجواب؛ فلا يجب تقييدهما والاقتصار بهما على صفة دون صفة إلا بدليل.
فإن قيل: يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "ولأن تعتمر خير لك"، فلو كان السؤال عنه وعن غيره لكان يقول: ولأن تعتمروا خير لكم.
قيل له: التعلق بهذا ضرب من الانقطاع والعجز؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم -وفي الجواب حقه، وإنما قصد بهذا القول الإبانة عن فضيلة النافلة أنها وإن لم تكن فرضًا حتمًا ففعلها خير من تركها.

ولا فرق بين أن يخاطب بذلك من سأله مفردًا وبين أن -يجمعه وغيره في الخطاب.
فما في هذا مما يدل على أنه علم من حاله أنه كان قد اعتمر لولا النحر.
ودليل آخر: وهو ما روى يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن عمر عن أبى الزبير عن جابر قال: قلت: يا رسول الله العمرة كفريضة الحج؟ قال: "لا، ولكن تعتمر خير لك".
اعترض أبو بكر بن الجهم عن هذا الحديث بثلاثة أشياء: أحددهما: أن قال: أما يحيى بن أيوب فغيره أثبت منه، وعبيد الله بن عمر فليس محله محل أخيه.
وهذا الجنس من اعتراضات أصحاب الحديث، وأما الفقهاء فلا يرتفعون به.
وإن جاز أن يقع الترجيح به في بعض المواضع فيقال: ليست من شرط قبول نقل الراوي أن يكون أحفظ أهل عصره وأثبتهم، ولا يجوز سقوط عدالته ورد حديثه لكون غيره أضبط منه وأثبت؛ فبطل ما ظننته معترضًا على الخبر.
ثم قال: قد روينا عن جابر نحوه من الضعيف، وروى عن إبراهيم بن حماد عن الفضل بن العباس الرازي عن قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة عن جابر -رحمه الله -أن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: "الحج والعمرة فريضتان

واجبتان".
واعلم أنه ليس في طريق هذا الحديث ضعف على طريقة الفقهاء؛ لأن عطاء عن جابر لا ارتياب به، وابن لهيعة رجل مشهور بالنقل وقد نقل عنه الثقات والأثبات، وإن غمز عليه بعضهم فلا يلتفت إلى مجرد غمزه، ولم يصح ما حكى أنه اضطرب حفظه آخر عمره.
ومن بعده إلى أبى بكر بن الجهم ثقات.
ولكنه سلك في تضعيفه النحو الذي بيناه.
ونحن نحمله على أنهما واجبان على الداخل فيهما؛ بدلالة خبرنا.
ثم قال: الإسناد الصحيح عن جاب حدثناه أبو قلابة حدثنا الأنصاري... إلى أن ذكر عن ابن الزبير عن جابر قال: ليس من مسلم إلا وعليه حجة وعمرة من استطاع إليه سبيلا.
فكيف يزعم أن العمرة واجبة ويدع ما رواه عن النبي -صلى الله عليه وسلم -؟ هذا بعيد.
فيقال له: ليس من شرط صحة الحديث أن يصير الراوي إلى موجبه؛ أنه قد يتركه؛ لأنه لا دليل عنده فيه، ولأن غيره عارضه أو نسخه، أو لغير ذلك.

على أن جابر لم يبين هل هي على كل مسلم من طريق السنة أو الحتم، وإن كان وجوبها عن طريق الفرض أظهر فتحتمل السنة أيضًا.
ودليل آخر: وهو ما روى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "الحج جهاد، والعمرة تطوع".
رواه طلحة بن موسى عن عمه إسحاق بن طلحة عن طلحة بن عبيد الله أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم -يقول: "الحج جهاد، والعمرة تطوع".
فنص على أنها تطوع؛ فانتفى وجوبها.
ودليل آخر: وهو ما روى مكحول عن أبى أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال: "من مشى إلى مكتوبة فهي كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فهي كعمرة تامة".
وروى القاسم عن أبى أمامة عن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: "من مشى إلى مكتوبة متطهرًا فأجره أجر الحاج، ومن مشى إلى تسبيح الضح فأجره كأجر المعتمر".

فنبه على أن العمرة نفل حيث شبهها بالنفل، وشبه الحجج لما كان فرضًا بصلاة الفرض.
ومن طريق الاعتبار: لأنه نسك ليس له وقت معين؛ فوجب ألا يكون فرضًا.
أصله: طواف القدوم.
فإن قيل: قولنا: نسلك عبارة عن جملة أفعال الحج.
والطواف.
فلا يقال: إنه نسك.
قيل له: قد ينطلق اسم النسك على جملة الحج وعلى أبعاضه؛ بدلالة قوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ يريد: متعبداتكم وأفعال حجكم؛ فسماه مناسك؛ فثبت أن كل فعل منه منسك.
واستدلال أصحابنا بأن قالوا: إنا وجدنا عبادات الأبدان التي هي فرائض على الأعيان تتعلق بأوقات معلومة لاسيما ما تعلق منها بمكان.
وذلك كالصلاة [ق/ 183] والصيام والحج، فلو كانت العمرة من قبيلها لتعلقت بوقت معلوم، فلما لم تتعلق بذلك بل كانت جائزة في كل الأوقات لحقت بالنفل الذي لا يتعلق بوقت معلوم وإنما هو على حسب ما يختار المتنفل أن يوقعه في أي وقت شاء.
ولا يلزم عليه الإيمان؛ لأن وقت وجوبه معلوم وهو البلوغ.
ولأنه لا يتعلق بمكان مخصوص، وإنما ذكرنا ما يتعلق بمكان.
واستدلوا أيضًا أن اسم الحج يقع عليها؛ لأنه سميت في الشرع الحجة الصغرى.

وإذا صح ذلك فالذي يدل على سقوط وجوبها ما روى أن الأقرع بن حابس قال للنبي -صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع"؛ فأخبر أنه مرة واحدة؛ فانتفى بذلك ما زاد عليه العمرة وغيرها؛ لأنه نفى بذلك وجوب ما زاد على الحجة الواحدة، والسؤال صدر عن جنس الحج؛ فثبت بذلك ما قلناه.
واستدل من خالفنا بأشياء منها: قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾.
قالوا: إن التعلق من هذه الآية من وجوه أحدهما: أنه روى أن عبد الله بن مسعود كان يقرؤها: "وأقيموا الحج والعمرة لله"، وهذه القراءة وإن كانت شاذة فإنها تجرى مجرى خبر الواحد؛ فأقل ما يجب أن تكون بمنزلة أن يروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "وأقيموا الحج والعمرة لله".
وقوله: (أقيموا): أمر؛ فهو على الوجوب.
فالجواب: أن هذا ليس بصحيح؛ لأن كل قراءة تخالف المصحف المجمع عليه وما أشهر عن الأئمة فلا يعتد لها، ولا يلتفت إليها، ولا يثبت حكم بها، سيما وما روى عن ابن مسعود وأبى مما يخالف المصحف مما لا يعتد به جميعًا.

وإذا كان الأمر على هذا وجب إطراحها جملة، وألا تنزل منزلة الخبر الواحد ولا غيره.
وإنما يعتد بخبر الواحد إذا ورد مفردًا لا في حكم يقابله إجماع، أو بغير قراءة ثابتة في المصحف المجمع عليه؛ فسقط ما قالوه.
قالوا: والوجه الآخر أنه تعالى قال: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، واسم الإتمام ينطلق على الابتداء بالشيء وعلى إتمام ما دخل فيه.
فأما دخوله للبناء على ما دخل فيه فإنه بين مستغن عن إقامة دليل عليه.
وأما ما وردوه في الابتداء فبدلالة قوله عز وجل: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ قيل: فأتى بهن.
وقول على بن أبى طالب -رضي الله عنه -: إتمامهما: أن تحرم من دويرة أهلك.
وإذا كان كذلك كان الأمر عامًا في الابتداء والبناء.
قالوا: على أنه لو ثبت أن الحقيقة في الإتمام البناء لم يمتنع أن يراد بهذه الدلالة الابتداء؛ بدليل وهو ما روى عن عمر وعلى -رضي الله عنهما -أنهما قالا: إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك.
والصحابي إذا فسر شيئًا من القرآن لم يخل أن يكون فسره من طريق اللغة أو التوقف، فإن كان من حيث اللغة فقد ثبت ما قلناه.
وإن لم يكن من اللغة كان من التوفيق فكأن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: ابتدؤوا

الحج والعمرة؛ وذلك يقتضى وجوبهما.
فالجواب أن حقيقة الإتمام في اللغة هو البناء على ما فعل بعضه.
فإذا استعمل بمعنى الابتداء كان ذلك مجازًا واتساعًا، والمجاز يحتاج إلى دليل، وما أوردوه من قول الصحابة رضي الله عنهم لا يوجب كونه حقيقة فيه، لأنه إذا ثبت كونه حقيقة فيما ذكرناه امتنع كونه حقيقة فيما ذكروه.
على أنا لو سلمنا أنه حقيقة لكان الظاهر هو البناء.
فأما الابتداء فلا يعقل من ظاهره، وقد صاروا إلى أنه معقول بالدليل، وهو ما روى عن الصحابة رضي الله عنهم.
وليس ذلك بدليل؛ لأنه ليس كلامًا يقوله الصحابي في تفسير القرآن لا يكون إلا لغة وتوفيقًا، بل يقوله لأنه يرى الحكم بالقراءتين، والدليل على غير ذلك.
وقد روى عن بعضهم أن ذلك في البناء دون الابتداء، وقاله مجاهد وغيره.
والوجه الآخر: أنا لو سلمنا أن الإتمام هو الإتمام هو البناء لو يمنع ما قلناه؛ لأن ذلك لا يوصل إليه إلا بالابتداء؛ فوجب أن يكون الابتداء واجبًا؛ لأنه مما لا يتم الأمر إلا به، وبذلك احتج ابن عباس في وجوب العمرة.
والجواب: أن موجب هذا الاستدلال يقتضى أن الابتداء غير مقصود با وجوب، وأنه إنما يراد لغيره لا لنفسه.
وهو الإتمام؛ لأن هذا سبيل كل ما ورد من هذا الباب إذا لم ينص عن النبي بل فهم الأمر به من الأمر بغيره؛

كقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ أن ذلك يوجب طلب ما يتخطى إلي أخذ الماء، وليس هذا سبيل الابتداء بالعمرة.
على أنا نحمله على الندب بما ذكرناه.
واستدلوا بما روى عن عطاء عن جابر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قال: "الحج والعمرة فريضتان واجبتان".
وروى عن عائشة -رضي الله عنه -أنها قالت: أعلى النساء جهاد يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم الحج والعمرة".
وهذا مستند لما رويناه من الأخبار في سقط وجوبها.
أن نحمله على الداخل فيها، والخبر الآخر على الندب؛ لأن الندب المتأكد قد يوصف بأنه على الإنسان كما يوصف الفرض بذلك، ولكن بدليل غير الظاهر.
واستدلوا بما روى أبو رزين أن رجلاً سأل النبي -صلى الله عليه وسلم -فقال: إن أبى لا يستطيع الحج والعمرة.
فقال: "حج عن أبيك واعتمر" وهذا السؤال لا يصح على أصلنا؛ لأن حج الإنسان عن الإنسان غير واجب ولا ثابت، وإنما هو {ق/ 184] تطوع، ولا يسقط به فرض.
واستدلوا بما روى أن سراقة أو الأقرع قال للنبي صلى الله عليه وسلم -: أعمرتنا هذه لعامنا أو للأبد؟.

فلو لم تكن واجبة لم يسأل عن تكرر وجوبها؛ لأن تكرر الوجوب فرع للوجوب.
وهذا غلط من المستدل؛ لأنه ليس في الخبر أن السائل سأل عن تكرر الوجوب، وإنما سأل عن تكرر الفعل، وقد يتكرر المسنون كما يتكرر المفروض؛ فلا طائل لهم في ذلك.
واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام أن تحج وتعتمر".
فالجواب: أن الإسلام يشتمل على المفروض والمسنون، وقد روى: "الإيمان بضع وسبعون خصلة: أعلاها الشهادة، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق".
قالوا: ولأنها نوه عبادة من شرطها الطواف؛ فوجب أن يكون من جنسها واجب بأصل الشرع كالحج.
ولأنه أحد نسكى القران؛ فأشبه الحج.
ولأن العمرة كالحج في كثر الأحكام من وجوب الإحرام، والطواف، والسعي، ومنع الصيد والطيب واللباس وغير ذلك؛ فكذلك في الوجوب.
فالجواب: أن المعنى في الحج تعلقه بوقت مخصوص، وليس كذلك العمرة.

فإن قيل: هذا لا ينفى الوجوب؛ لأن الطواف والإحرام واجبان، وليس لهما وقت مخصوص، وكذلك الكفارت.
قلنا: أما الطواف فله وقت معلوم، وهو يوم النحر؛ لأنه لو أتى به قبله لكان قد أتى به في غير وقته، وإنما جوز له تأخيره توسعة.
والإحرام أيضا وقته معلوم، وهو أن يكون بعد الزوال من يوم عرفة أو قبل طلوع الفجر من ليلة النحر.
هذا وقت تضييق وجوبه.
فأما الكفارات فإنها من حقوق الأموال فليست مما نحن فيه.
قالوا: ولأنها عبادة تجب في إفسادها الكفارة؛ فوجب أن فيها نفلاً وفرضًا كالصوم.
فالجواب: أن وجوب الكفارة بالإفساد لا يدل على الوجوب بدلالة العمرة الثانية، والحجة الثانية، وإنما يدل على تأكد العبادة.
على أن المعنى في الأصل ما قلناه من تعلقه بوقت مخصوص.
والله أعلم.
فأما قوله: إنها تكفى في العمر؛ فلما رويناه من سؤال السائل النبي -صلى الله عليه وسلم -أعمرتنا أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد".
ولأن المشقة فيها كما في الحج؛ فكانت مثله تكررها.

مسألة قال رحمه الله: "ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن على -رحمه الله: هذا لما روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه كان يقوله؛ فلذلك استحببناه.

جارٍ التحميل