شرح الرسالةصفحات 93-132

أو البيع والاستخدام وغير ذل.
وإذا صح هذا لم يكن في إباحة غسلها والنظر إليها جمع بينها وبين أختها؛ لأن إباحة النظر إلى أختها هو من طريق الاستمتاع والالتذاذ وليس كذلك النظر إليها في الغسل.
واستدلوا على هذا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله من نظر إلى فرج امرأة وابنتها".
والجواب: أن معنى هذا على وجه الاستمتاع بدلالة ما ذكرناه.
قالوا: ولأن كل من جاز له العقد على أخت زوجته لم يجز له النظر إليها.
أصله: إذا طلقها قبل الدخول.
فالجواب أن ما لم يجز له النظر إليها لأنه لا يجوز لها النظر إليه، وليس كذلك في الموت؛ لأن نظرها إليه حائز؛ فكذلك نظره إليها.
قالوا: ولأن المعنى الذل له جاز أن ينظر إليها هو النكاح، وقد ارتفع بالموت فوجب ارتفاع ما ثبت به، والدلالة على ارتفاعه جواز العقد على أختها، ولو كان حكم النكاح باقيا لم يجز ذلك له، ألا ترى أنه لو طلقها طلاقا رجعيا لم يجز له أن يتزوج؛ لبقاء حكم النكاح.
فجواب: ذلك أنه ينتقض بموت الزوج.

فإن قيل: إذا مات الزوج حكم النكاح باق في حقها وهي العدة.
قيل له: ينتقض بالمطلقة ثلاثا؛ لأنه ليس لها أن تغسل مطلقها، وأن حكم النكاح باقيا في حقها وهو العدة، وأيضا فإن النكاح باق في حق الزوج وهو الموارثة.
فإن قالوا: إن الموارثة إنما تستحق عقيب الموت والنكاح يزول بنفس الموت.
قلنا: وكذلك العدة تجب عقيب الموت فلا فصل.
قالوا: ولأنها فرقة يتعلق بها جواز العقد على الأخت وجب أن تمنع المس والنظر.
أصله: انقضاء العدة بالطلاق.
فالجواب: أن المعنى في ذلك أنها فرقة يحرم بها على الزوجة النظر إلى زوجها، وليس كذلك الموت.
وبالله التوفيق.
مسألة قال-رحمه الله: والمرأة تموت في السفر لا نساء معها ولا [ذو] محرم من الرجال فلييمم رجل وجهها وكفيها.
ولو كان الميت رجلا يمم النساء وجهه ويديه إلى المرفقين، إن يكن معهن رجل يغسله، ولا امرأة من محارمه، فإن كان امرأة من محارمه غسلته وسترت عورته.
وإن كان مع الميتة ذو محرم [منها] غسلها من فوق ثوب يستر جميع

جسدها.
قال القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر- رحمه الله: والأصل في هذا أنه لا يجوز لأجنبية أن تمس بدن أجنبي، وكذلك الرجل لا يجوز له أن يمس بدن امرأة أجنبية منه.
وإذا كان كذلك وجب إذا مات من ليست معه إلا امرأة أجنبية أو ليس معها إلا أجنبي أن يقتصر من غسلها على التيمم.
وإنما جاز ذلك لأن النظر إلى الوجه والكفين مباح وما سوى هذا من المرأة عورة لا يجوز للأجنبي أن ينظر إليه ولا أن يلمسه.
والمرأة تيمم الأجنبي إلى المرفقين؛ لأن هذا الموضع ليس بعورة منه.
وإنما وجب أن يعدل إلى التيمم؛ لأن كل غسل وجب في حرمة عبادة متى عدم فيه عين الماء أو وجده لكن لا طاقة له على استعماله فإنه يعدل منه إلى التيمم.
فأما إذا كان مع أحد من هؤلاء ذو محرم فإن له أن يغسله؛ لأنه لا يجوز له النظر إلى بدنه من غير أن يطلع على عورته.
مسألة قال- رحمه الله: [ويستحب] أن يكفن الميت في وتر: ثلاثة أثواب أو خمسة أو سبعة، وما جعل له من أزرة وقيص وعمامة فذلك محسوب في عدد الأثواب الوتر.
وقد كفن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية، أدرج فيها إدراجا

صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: أما استحبابه أن يكفن في وتر؛ فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في وتر؛ فروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة.
وروى مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: بلغني أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لعائشة رضوان الله عليها وهو مريض: في كم كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية.
قال أبو بكر رضي الله عنه: خذوا هذا الثوب- لثوب قد أصابه مش أو زعفران- فاغسلوه، ثم كفنوني فيه مع ثوبين آخرين.
وروى من غير هذا الطريق أنه كفن في ثوبين.
وروى هشام بن عروة عن أبيه أن حمزة- عليه السلام- كفن في ثوب واحد.
قال هشام: كفن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- في ثوب واحد.
وقوله: يستحب المئزر والقميص في العدد.

فلأن المستحب أن يكون عدد أثواب الكفن وترا، وكل ثوب حكمه حكم نفسه؛ لا يضاف إلى غيره مسألة قال- رحمه الله: ولا بأس أن يقمص الميت ويعمم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: وروى مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في قميصه الذي مات [ق/19] فيه.
وروى مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: الميت يقمص، ويؤزر، ويلف بالثوب الثالث.
فإنه لم يكن إلا ثوب واحد كفن فيه.
مسألة قال- رحمه الله: وينبغي أن يحنط، ويجعل الحنوط بين أكفانه وفي جسده ومواضع السجود منه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لأن

رسول الله صلى الله عليه وسلم حنط، وكذلك فعل بالصحابة رضي الله عنهم؛ فروى أن عليا رضي الله عنه أوحى أن يجعل في حنوطه مسك، وقال: هو فضل حنوط النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى أن سعيد بن زيد حنط بمسك.
وروى حميد عن أنس أنه جعل في حنوطه صرة من مسك فيه شعر من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويستحب أن يجعل الحنوط في مغابن جسده وفي موضع السجود منه؛ لأن ذلك أشرف موضع في الجسد؛ قال الله تعالى ذكره: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾، وقال عز وجل: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾.
مسألة قال رحمه الله: ولا يغسل الشهيد في المعترك، ولا يصلى عليه، ويدفن في ثيابه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله: هذا قولنا وقول الشافعي.
ووافقنا أبو حنيفة في أنه لا يغسل وخالفنا في الصلاة؛ فقال: يصلى

عليه.
وحكي عن سعيد بن المسيب والحسن أنه يغسل ويصلى عليه.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن [جابرا] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ويسأل أيهما أكثر أخذا بالقرآن فيقدمه في اللحد.
وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة"، فأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلهم.
وروى ابن وهب عن أسامة بن زيد عن ابن شهاب عن أنس أن شهداء أحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يصل عليهم.
وروى عثمان بن عمر عن أسامة عن الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- مر بحمزة- عليه السلام- وقد مثل به- يعني: فصلى عليه ولم يصل على أحد من الشهداء غيره.
وأيضا فإن الغسل متعلق بالصلاة؛ يجب بوجوبها ويسقط بسقوطها؛ اعتبارا بالأصول كلها كالمسلم والكافر والطفل المستهل والجنين الذي لم يستهل، وليس في الأصول غسل ميت بغير صلاة ولا صلاة بغير غسل.

وإذا ثبت ذلك وكان الشهيد لا يغسل ثبت أنه لا يصلى عليه.
واحتج المخالف بما رواه يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- كان يوضع بين يديه يوم أحد [أحد عشر- رجلا فيصلي عليهم وعلى حمزة]، ثم ترفع العشرة ويبقى حمزة، ثم يوضع العشرة فيصلى عليهم وعلى حمزة.
وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين من مقتلهم صلاته على الميت.
ولأن وجوب الصلاة على الميت متعلقة بالموالاة؛ بدلالة أن انقطاعها متعلق بالبراءة وقطع الموالاة اعتبارا بسائر الأصول.
ولأنه ميت من أهل الإسلام والطاعة فأشبه غير الشهيد.
ولأنه ليس قتله في المعترك أكثر من كونه شهيدا، والشهادة لا تمنع الصلاة عليه كسائر الشهداء.
فأما الحديث الأول فالجواب عنه أنه ضعيف السند؛ لأن يزيد بن أبي زياد مطعون عليه عند أهل النقل.
ومقسم فقد تكلم فيه أيضا.
وحكى عن أبي داود الطيالسي أنه قال: قال لي شعبة: ألا ترى إلى هذا المجنون جرير بن حازم يسألني ألا أتكلم في الحسن بن عمارة، كيف لا أتكلم فيه وهو يروي عن الحكام بن عينية عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد.
وهذا حماد بن أبي سليمان حدثنا عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد.

وأيضا فإن أصحاب أبي حنيفة لا يمكنهم الاحتجاج بهذا الخبر؛ لأن من أصلهم أن ما تعم البلوى به لا يقبل فيه خبر الواحد، وصلاته على الشهداء مما تعم البلوى به؛ فيجب ألا يثبت بهذا الخبر.
وأيضا فإنا قد روينا أنه لم يصل عليهم ولم يغسلهم، والخبران إذا تعارضا وأحدهما قد أجمع على استعمال شيء منه فإنه يسقط ما لم يجمع على استعمال شيء منه، وقد أجمع في خبرنا على استعمال ترك الغسل؛ فسقط به خبرهم.
وأيضا فإنا نستعمل خبرهم على أحد أمرين: إما على الصلاة التي هي الدعاء، أو على الصلاة المعروفة في غير المقتول في المعترك؛ بدليل خبرنا.
فإن قيل: يستعمل أيضا خبركم فنقول: إن ما روى أنه لم يصل على قتلى أحد معناه: لم يتول ذلك بنفسه.
قيل له: هذا لا يصح؛ لأنه لم يكن يتولى الصلاة على الجنائز في وقته صلى الله عليه وسلم أحد غيره؛ ألا ترى في قصة المسكينة أخبروني لأصلي عليها [ق/20].
فإن قيل: خبركم ناف وخبرنا مثبت؛ فالمثبت أولى من النافي.
قلنا: إن النفي إذا ضامه إثبات كان كالإثبات المجرد الذي لا نفي معه.
وأيضا فإن الترجيح معنا من وجهين.
أحدهما: أن خبرنا ناقل، وذلك أن الأصل في الموتى أنه يصلى

عليهم، فإذا ورد خبر أنه لا يصلى عليهم فذلك ناقل، والناقل أولى من النافل.
والوجه الآخر: أن راوينا شاهد الحال، وراويهم نعلم أنه لم يشاهد الحال؛ لأن إثبات الصلاة على الشهيد لم يروه إلا ابن عباس، وكان له يوم أحد سنتان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات وله تسع سنين، وكانت أحد قبل موته صلى الله عليه وسلم بسبع سنين؛ فعلم أنه لم يشهد الحال.
فأما حديث عقبة بن عامر فالمراد به الدعاء؛ لأن الصلاة على الموتى بعد ثمان سنين لا تجوز، ولأن ذلك قد فسر في حديث آخر رواه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى قتلى أحد بعد ثمان سنين فسلم عليهم.
وقولهم يتعلق بالموالاة ينتقض بالغسل؛ لأنه أيضا يتعلق بالموالاة، ومع ذلك فلا يفعل بالشهداء.
فإن قالوا: الغسل لا يتعلق بالموالاة؛ لأن المسلم يغسل أباه الكافر.
قيل له: لا يغسله عندنا؛ فسقط هذا.
واعتبارهم بغير الشهيد باطل؛ لأنه ميت يلزم غسله وليس كذلك الشهيد.
وقوله: ليس في قتله في المعترك أكثر من كونه شهيدا أو الشهادة.
لا تمنع الصلاة.
لا معنى له؛ لأنا لم نقل أنه لا يصلى عليه لمجرد كونه شهيدا فقط، لكن لكونه مقتولا في المعترك على نصرة أعلى الأمور منزلة وأعظمها قدر وخطرا- وهو التوحيد، لا لكونه شهيدا على الإطلاق؛

فسقط ما قالوه، وبالله التوفيق.
فصل فأما إذا حمل فعاش بعد ذلك ثم مات فإنه يغسل ويصلى عليه؛ لأنه بمنزلة سائر الشهداء الذين عدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المبطون وصاحب الهدم وغيرهما.
وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على عبيدة بن الحارث وكانت قطعت ساقه فبرئ منها فمات.
فأما المطعون وسائر الشهداء فإنهم يغسلون ويصلى عليهم، وليسوا كالمقتول بين الصفين؛ لأن ذلك حرمة منهم لما بيناه.
وقد قيل: أكثر الصحابة رضي الله عنهم شهداء فغسلوا وكفنوا وصلى عليهم؛ منهم عمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم.
مسألة قال رحمه الله: ويصلى على قاتل نفسه، ويصلى على من قتله الإمام في حد أو قود، ولا يصلى [عليهم] الإمام.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لما رواه

ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله"؛ فعم ولم يخص.
ولأن هذه الأفعال لا تخرجه عن أحكام المسلمين، ألا ترى أنهم يورثون ويدفنون في مقابر المسلمين فكذلك حكمهم في الصلاة عليهم.
وإنما لم يصل الإمام على المقتول في حد أو قود؛ ليرتدع غيرهم عن مثل أفعالهم؛ إذ رأى الأئمة وأهل الفضل قد امتنعوا من الصلاة على من فعل فعله.
ولأن الإمام كأنه خصم له؛ فوجب أن يصلى عليه غيره.
وقد روى أبو [برزة] الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل على ماعز ابن مالك، ولم ينه عن الصلاة عليه.
وروى سماك [عن] جابر [بن] سمرة أ، رجلا مرض فصيح عليه.
وفي الحديث: أن جارا له رآه قد نحر نفسه بمشقص معه، فانطلق

فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إذا لا أصلي عليه".
فأما إذا جلد الإمام رجلا في زنا أو شرب فمات من ذلك فإنه يصلى عليه؛ لأن الإمام لم يقتله، وإنما مات من مرض وهم ألم السياط.
وغنما يمتنع الإمام من الصلاة على من قتله دون من فعل به، وربما أدى إلى القتل وربما لم يؤد إليه.
مسألة قال- رحمه الله: ولا يتبع الميت بمجمرة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتبعالميت بصوت ولا نار"؛ فكره التجمير عنده من أجل النار.
مسألة قال- رحمه الله: والمشي أمام الجنازة أفضل.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: هذا قولنا وقول الشافعي- رحمه الله- وقال أبو حنيفة- رحمه الله: المشي خلف الجنازة

أفضل.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه سفيان بن عيينة عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر- رضوان الله عليهما- يمشون أمام الجنازة.
ورواه مالك عن ابن شهاب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي أمام الجنازة، وأبو بكر، وعمر، وعبد الله بن عمر، والخلفاء إلى هلم جرا، رضوان الله عليهم.
ولفظة (كان) تفيد المداومة والتكرار، ومعلوم أنهم لا يداومون إلا على أفضل الأعمال.
فإن قيل: لا دلالة له فيما ذكرتم لأنه ليس فيه بيان موضع [ق/21] الفضيلة، ونحن لا ننكر إباحة المشي أمامها وإ، قلنا: إن المشي خلفها أفضل.
قلنا: لا معنى لهذا الاعتراض، لأنا لم نستدل بمجرد فعله وإنما استدللنا بمداومته عليه، وقلنا: إنه لا يداوم على أفضل الأعمال؛ لأن ما يفعله ليدل به على الإباحة والتعليم إنا يفعله مرة في العمر.
وأيضا فإنا قد علمنا من قصد الراوي أنه أراد أن يخبر عن عادتهم في المشي وما كانوا يداموا عليه.

فإن قيل: هذا [معارض] بما روى يونس عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي أما الجنائز وخلفها.
قلنا: هذا لا يعارض خبرنا؛ لأن خبرنا يفيد فضيلة المشي أمامها لمداومته عليه، وخبركم ليس يفيد أن المشي خلفها أفضل وإنما يفيد تساويهما، وهذا المعنى ساقط بالاتفاق؛ لأن أحدا لا يساوي بينهما وإذا كان ما يقتضيه الخبر متروكا لم تقع به معارضة.
فإن قيل: لفظة (كان) إنما تفيد الماضي دون المداومة والتكرار.
قلنا: في مثل هذا الموضع تفيد التكرار والمداومة بالعرف؛ لأن القائل إذا قال: كان فلان يتصدق ويصوم ويقرى الضيف.
لم يفهم منه أنه فعل ذلك مرة في عمره، بل فهم منه أنه يداوم على هذه الأفعال إلى أن مات، وإنما انقطع بموته.
ويدل على ما قلناه أيضا ما رواه محمد بن المنكدر عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه أخبره أنه رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه تقدم الناس أما زينب بنت جحش رضوان الله عليها.
فأما من جهة العبرة فقد ذكر فيه أشياء.
أحدها: أن حامل الجنازة لما كان أفضل من الماشي معها بدلالة أن لحاملها أجرين وللماشي أجر واحد، ثم كان الحامل لها من قدام أفضل من

المؤخر؛ كان كذلك الماشي.
وقيل أيضا: إن في مشي الناس أمامها إذنا بها؛ ليتأهب للصلاة عليها، وهذا معدوم في المشي خلفها؛ لأن الناس لا يعلمون ذلك إلا بعد جوازها فربما فتتهم أو ضاق عليهم التأهب للصلاة عليها.
وقيل أيضا: إن الناس إذا تقدموا الجنازة سارت على حسب سيرهم؛ فلم يلحقهم تفاوت في المشي، وإذا ساروا خلفها ساروا بسيرها؛ فربما أبطأ الثقيل المشي عن اللحوق بها.
وقيل أيضا: عن في تقدمهم ضربا من التسلية لأهل المصيبة؛ لأنهم لا يشاهدون الجنازة وحمل ميتهم، وفي كونهم خلفها تجديد المصيبة عليهم ولزومها لهم [كلما] شاهدوها ورأوها.
واحتج من خالفنا بما رواه عبد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال أبو سعيد الخدري لعلى بن أبي طالب- عليه السلام: يا أبا الحسن أخبرني عن المشي مع الجنازة أي ذلك أفضل أمامها أم خلفها، فقال علي- عليه السلام: إن فضل المشي خلفها على المشي أمامها كفضل صلاة المكتوبة على التطوع.
قال: يا أبا الحسن أبرأيك تقول أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجنازة متبوعة وليست بتابعة".
قالوا: والمتبع للشيء هو التأخر عنه لا المتقدم أمامه.
وروى عن علي رضي الله عنه أنه كان يمشي خلفها.
وكان أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما يمشيان قدامها.
فقيل له في ذلك فقال: إنهما ليعلمان أن المشي خلفها أفضل، ولكنهما سهلان يسهلان على الناس.
ولأن الجنازة إنما تتبع تعظيما للميت، والمشي خلفها أبلغ في التعظيم؛ فيجب أن يكون أولى وأفضل.
ولأن المشي معها للصلاة عليها فإذا كان الوقوف للصلاة عليها خلفها كان كذلك المشي معها.
ولأن المشي خلفها أبلغ في الموعظة ولتتذكر من المشي أمامها؛ لأنه يراها فيتجدد له برؤيتها الخشوع والاتعاظ فكان أفضل.
فالجواب: أن ما رووه من حديث أبي سعيد قد قيل: لا أصل له، ومن أقرب ما يدل على ذلك أن الصحابة والأئمة رضي الله عنهم لو عملت صحته لم تكن لتخالفه وتعدل عنه، على أن خبرنا أولى؛ لأنه خبر عن مداومة فعله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: الجنازة [متبوعة] وليست بتابعة.
لا دلالة فيه؛ لأنه ليس معنى اتباعه لها أن يكون خلفها؛ لأن المتبع قد يكون أما المتبع وخلفه على حسب العادة في ذلك.

وما رووه عن علي في [باب] أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فالأقرب أنه يكون باطلا؛ لأنه يوجب أنهما تركا الأفضل لا لمعنى يقتضي تركه؛ لأنه ليس في المشي خلفها تثقيل على الناس ولا مشقة [ق/22] حتى يدعاه إلى ما هو أقل ثوابا منه، وعلى أن قد روينا عن عمر رضوان الله عليه خلاف ذلك، وأنه كان يحث الناس على المشي أمام الجنازة فلا ينتقل عن هذا الظاهر بظن عليهم أن مذهبهم خلافه.
وقولهم- المشي خلفها أبلغ في التعظيم- دعوى لا حجة معها؛ لأن المشي أمام الشيء المتبرع قد يكون أبلغ في تعظيمه وذلك على حسب ما جربت به عادة الناس في وجوه ما يتعاطونه من التعظيم، وما مضى عليه من وهم، وليس المرجع في هذا إلى المذاهب واعتبارهم المشي بالوقوف للصلاة باطل؛ لأن ذلك من شروط الصحة، وما تنازعناه فطريقه الفضيلة.
وقولهم: إن المشي خلفها عظة وتذكار.
فبإزائه أن في المشي أمامها تسلية وتخفيفا عن أهل الميت، والموعظة مع ذلك لازمة غير مزايلين لها، والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن، وينصب عليه اللبن.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لما

رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أشرف المجالس ما استقبل به القبلة".
وقد روينا عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين أنهم أوصوا أن يفعل ذلك بهم حال النزع وحال الدفن.
فإن لم يتمكن من ذلك فعلى ظهره مستقبل القبلة بوجهه.
فإن لم يمكن فعلى حسب الإمكان.
وقوله: ينصب عليه اللبن؛ فلأن ذلك هو بعد استقرار دفنه، وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحد لابنه إبراهيم، ونصب اللبن على لحده.
مسألة قال رحمه الله: ويقول حينئذ: اللهم إن صاحبنا نزل بك، وخلف الدنيا وراء ظهره، وافتقر إلى ما عندك؛ اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا [تبتليه] في قبره بما لا طاقة له به، [محمد صلى الله عليه وسلم] وألحقه بنبيه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لأن ذلك الوقت أحوج ما يكون إلى [الدعاء] ليصحبه عند نزوله إلى قبره؛ فلذلك استحب.
ومهما قاله من الدعاء جاز، ويستحب ما ذكره؛ لأنه أشبه، وروى عن السلف رضي الله عنهم مثله وما في معناه.

مسألة قال رحمه الله: ويكره البناء على القبور وتجصيصها.
قل القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تجصيص لقبور.
وروى ذلك أيوب عن أبي الزبير عن جابر- رحمه الله- أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقعد على القبر، وأن يجصص، وأن يبنى عليه.
وروى أن ابنا لزيد بن أرقم مات فجاء غلامه بجص وآجر لتجصيص قبره ويبنيه.
فقال زيد: لا يقربه شيئا مسته النار.
مسألة قال رحمه الله: ولا يغسل المسلم أباه الكافر، ولا يدخله قبره إلا أن يخاف أن يضيع فليواره.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لأن الغسل تابع للصلاة فلما لم يصل عليه لقطع الولاية بينهما فيجب لذلك ألا يغسله، ولأن الغسل إنما جعل للمسلم طهارة له، والكافر ليس من أهل الطهارة فلم يغسل.
وروى أن عليا- عليه السلام- جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أن أباه أمت فقال: "اذهب فواره"، ولم يأمره بغسله.

وقد روى بعضهم أنه أمره بغسله.
وليس له أصل.
فأما إذا خاف أن يضيع فإنه يواريه؛ لأنه إنما يتركه إذا ناب عنه غيره فيه، فإذا لم يكن له من يكفيه ذلك تعين عليه القيام بأمر مواراته.
مسألة قال رحمه الله: واللحد أحب إلى أهل العلم من الشق؛ وهو أن يحفر للميت تحت الجرف حائط قبله القبر، وذلك إن كانت تربة صلبة لا تتهيل وتنقطع، وكذلك فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللحد لنا، والشق لغيرنا".
وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحد لابنه إبراهيم عليه السلام، ونصب اللبن على لحده.
وهذا إذا كانت أرضا تحتمل ذلك، فأما إذا كانت رخوة يخاف أن تتهيل وتنقطع جاز الاقتصار على الشوق للعذر، والله أعلم.

باب في الصلاة على الجنائز

والدعاء للميت

مسألة قال رحمه الله: والتكبير على الجنازة أربع تكبيرات.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا قولنا وقول كافة فقهاء الأمصار.
وروى عن عمر وعلي رضي الله عنهما، وابن مسعود وأنس وابن عمر وابن عباس، وابن أبي أوى، وأبي هريرة، وعمير بن سعيد، وواثلة بن الأسقع وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
وحكى عن [عبد الرحمن] بن أبي ليلى أن التكبير [ق/23] على الميت خمس، وإليه ذهب الشيعة.
وعن بعض المتقدمين أنه ثلاث، وعن آخرين أن أقله ثلاث وأكثره سبع.
والدليل على ما قلناه السنة والإجماع.
فأما السنة: فروى مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى

المصلى فصفهم، وكبر عليه [أربع] تكبيرات.
وروى مالك عن أبي أمامة بن سهل، ووصله غير مالك عن أبيه سهل ابن حنيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على مسكينة، فكبر أربعا.
وروى أحمد بن حنبل عن هشيم عن عثمان بن حكيم الأنصاري عن خارجة بن زيد بن ثابت [عن يزيد بن ثابت] قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما أوردنا البقيع فصفنا خلفه فكبر أربعا.
وروى سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أمه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة فكبر عليها أربعا.
ورواه ابن عباس وجابر وغيرهم.
وروى ابن وهب وابن عبد الحكم جميعا عن ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلوا على الميت أربع تكبيرات في الليل والنهار سواء.
وروى بعض من وافقنا عن ابن عباس وابن أبي أوفى أنهما قالا: آخر

ما كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنازة أربعا.
وهذا ينسخ كل ما تقدمه مما يخالفه.
هذا من السنة.
وأما الإجماع: فما روى عامر بن شقيق عن أي وائل قال: جمع عمر رضي الله عنه، الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة؛ فقال بعضهم.
كبر النبي صلى الله عليه وسلم سبعا، وقال بعضهم: خمسا، وقال بعضهم: أربعا.
فحملهم عمر- رضوان الله عليهم- على أربع كأطول الصلاة.
وفي حديث آخر أنه قال: [انظروا] أمرا نجتمع عليه، فاجتمعوا على هذا.
وروى الأعمش عن إبراهيم قال: سئل عبد الله عن ذلك فقال: كل ذلك قد صنع، ورأيت الناس قد اجتمعوا على أربع.
وفي هذا أشياء: أحدها: أنه توقيف على الإجماع وأخبار ثبوته.
والثاني: أن ما روي مما يخالف هذا إنما كان قبل الإجماع.
وأما الاعتبار: فقال أصحابنا: لأن التكبير على الجنازة جعل بإزاء عدد ركعات الصلاة، فلما كان أكثر ذلك أربعا كان التكبير على الجنازة مثلها.
وهذا متى سئلنا عن دلالته لم يكن لنا طريق إليه إلا ما رويناه عن عمر

-رضوان الله عليه- أنه جعله أربعا كأطول الصلاة، وذلك بمحضر الصحابة رضي الله عنهم فلم ينكر أحد عليه؛ فيعود الأمر إلى الإجماع الذي قلناه.
واستدل من خالفنا بما رواه شعبة عن [عمرو] بن مرة عن ابن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا، وغنه كبر على جنازة خمسا، فسألته فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبرها.
وروى عن علي- رضوان الله عليه- أنه كبر على سهل بن حنيف خمسا.
ولأن حكم جملة الصلاة على الجناة حكم الركعة الواحدة؛ فوجب أن يكون فيها من عدد التكبير مثل ما في الركعة.
ولأن الأخبار لما اختلفت وجب الأخذ بأزيدها.
فالجواب أن ما رووه عن زيد بن أرقم لا تعلق فيه من وجهين: أحدهما: أنا قد روينا أن آخر فعله صلى الله عليه وسلم كان الاقتصار على أربع، وهذا ينسخ المتقدم.
والآخر: هو أنه إذا روى أمران وتقرر الإجماع على أحدهما كان ما استقر الإجماع عليه مسقطا لما عداه.
وقد بينا الإجماع على ما قلناه.
وما رووه عن علي- رضوان الله عليه- فقد روينا عنه خلافه، وأنه صلى على يزيد بن المكفف فكبر عليه أربعا؛ فتعارضت الروايتان؛

فسقطتا.
وعلى أن ما رووه مقدم، وما رويناه هو المتأخر؛ لما روي عن عبد خير أنه قال: (قبض علي- رضوان الله عليه- وهو يكبر أربعا) فكان هذا ناسخا لما قبله.
وعلى أنه لو لم يثبت عنه رجوعه لكان غيره من الصحابة بإزائه في الخلاف؛ فيجب النظر.
وقولهم: إن حكم حمله الصلاة على الجنازة حكم الركعة الواحدة باطل؛ لأنه دعوى لا دليل عليها بل حكمها حكم عدد ركعات أطول الصلوات، وهذا الاعتبار أولى؛ لأنه اعتبار الصحابة رضي الله عنهم على ما بيناه.
وقولهم: إن الأخذ بأزيد الأخبار أولى.
فهذا إذا لم يكن منسوخا، ولا في مقابلته إجماع، والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: يرفع يديه في أولهن، وإن رفع في كل تكبير فلا بأس.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: قد اختلف قول مالك في ذلك؛ فروى ابن عبد الحكم عنه أنه استحسن أن ترفع الأيدي في الصلاة على الجنائز.
قال ابن القاسم: وصليت معه على جنازة فلم أره رفع يديه لا في تكبيرة الإحرام، ولا في ما عداها.

وروي عنه أن اليدين ترفع في تكبيرة الإحرام دون ما سواها.
فوجه قوله: "أنها ترفع في كل التكبيرات".
ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ق/24] كان يرفع يديه في كل تكبيرة، ولأنها تكبيرة في القيام؛ فأشبهت تكبيرة الإحرام، ولأنها تكبيرة متوالية؛ فأشبهت تكبيرات العيد.
ووجه قوله: "أنه لا يرفع يديه أصلا".
قوله صلى الله عليه وسلم: "كفوا أيديكم في الصلاة"، وقوله في حديث ابن عباس: "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن"، ولم يذكر تكبيرات الجنازة.
ولأنها تكبيرات في صلاة لا ركوع فيها؛ فأشبهت التكبير في سجود التلاوة.
ووجه قوله: "أنه يرفعهما في تكبيرة الإحرام دون ما سواها".
هو أنها صلاة شرعية تشتمل على تكبيرة الإحرام وغيرها من التكبيرات؛ فكان المستحب رفع اليد مع تكبيرة الإحرام، وترك ذلك فيما بعدها، واعتبارا بسائر الصلوات.
مسألة قال رحمه الله: وغن شاء دعا بعد الأربع ثم [يسلم] وإن شاء

سلم بعد الرابعة مكانه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لأن القيام كله موضع للدعاء في صلاة الجنازة، فإن شاء دعا بعد الرابعة، وإن شاء سلم ولم يدع؛ لأنه قد دعا [فيما] تقدم.
مسألة قال رحمه الله: ويقف الإمام في الرجل عند وسطه، وفي المرأة عند منكبيها.
[وهذا على جهة الاستحباب، فلو عكس صحت الصلاة].
قال القاضي أبو محمد- رحمه الله: وهذا لأن ذلك مروي عن جماعة من الصحابة والسلف رضي الله عنهم؛ فاستحب الاقتداء بهم فيه.
وقد رويت فيه أخبار مرفوعة مختلفة بهذا وغيره، إلا أن المستحب ما ذكرناه.
مسألة قال رحمه الله: والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة خفيفة للإمام والمأموم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: قوله: "إنها واحدة" فلأنها تحليل من الصلاة؛ فأشبهت سائر الصلوات.
وأما استحباب إخفائها فكذلك روى عن الصحابة رضي الله عنهم،

وروي أن عليا- رضي الله عنه- صلى على يزيد بن المكفف بتسليمة خفيفة، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وابن أبي أوفى، وخلق كثير من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين.
مسألة قال رحمه الله: وفي صلاة على الميت قيراط من الأجر، وقيراط في حضور دفنه، وذلك في التمثيل مثل جبل أحد ثوابا.
قال القاضي أبو محمد بعد الوهاب- رحمه الله: روى ذلك أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اتبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان؛ أصغرهما مثل أحد، أو أحدهما مثل أحد".
ولا خلاف أن وقت استحقاق القيراط الأول هو الفراغ من الصلاة.
وأما وقت استحقاق القيراط الثاني فيجب أن يكون بالفراغ من الدفن وما يتبعه من صب الماء وغير ذلك.
ولأصحاب الشافعي في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يستحق بوضع الميت في اللحد.
والثاني: أنه يستحق بدفنه، وضم التراب عليه.
والثالث: أنه يستحق بالفراغ [الكلي] منه ومن أموره.
والدلالة على ما قلناه قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن تبعها حتى تدفن فله

قيراطان"، وظاهر هذا يقتضي الفراغ من الدفن وتوابعه، والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: ويقال في الدعاء على الميت [محدود] غير شيء وذلك كله واسع، ومن مستحسن ما قيل في ذلك أن يكبر ثم يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيى الموتى، له العظمة والكبرياء والملك والقدرة والثناء، وهو على كل شيء قدير.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كلما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته ورزقته وأنت أمته وأنت تحييه، وأنت أعلم بسره وعلانيته، [جئنا] شفعاء له فشفعنا فيه.
اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له؛ إنك ذو وفاء وذمة.
اللهم قه [من]، فتنة القبر ومن عذاب جهنم.
اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه.
اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز [عن سيئاته].
اللهم إنه قد نزل بك وأنت خير منزول به فقير إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه.
اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا [تبتليه] في قبره بما

لا طاقة له به.
اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده.
نقول هذا بإثر كل تكبيرة، [ونقول] بعد الرابعة: اللهم اغفر لحينا، وميتنا [وحاضرنا]، وغائبنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا إنك تعلم متقلبنا ومثوانا، ولوالدينا، ولمن سبقنا بالإيمان، وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، وأسعدنا بلقائك، وطيبنا للموت واجعل فيه راحتنا [ومسرتنا].
ثم يسلم.
وإن كانت امرأة قلت: اللهم إنها أمتك... ثم [يتمادى] بذكرها على التأنيث، غير إنك لا [تقل]: وأبدلها زوجا خيرا من زوجها؛ لأنها قد تكون زوجة [في الجنة] لزوجها في الدنيا، ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبقين بهم بدلا.
والرجل يكون له زوجات كثيرة [ق/25] في الجنة، ولا يكون للمرأة أزواج.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: أما سقوط التوقيف في الدعاء فلأن الأدعية المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله

عنهم في ذلك مختلفة، ولم يرد توقيف على شيء منها معين، بل ورد الأمر بالدعاء والإخلاص فيه مطلقا؛ قروى أبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء"، وإذا كان الأمر كذلك وجب أ، يكون أي ذلك فعل حسنا.
والأدعية المروية في هذا هي التي ذكرها صاحب الكتاب ونحوها.
ونحن نذكر جملة منها إن شاء الله، فروى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم على جنازة فقال: "اللهم أغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وكذلك وأنثانا وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده".
وروى علي بن شماخ قال: شهدت مروان سأل أبا هريرة كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة: اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بشرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر لها.
وروى حبيب بن عبيد عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك قال:

رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى على ميت فقال: "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خير من زوجه، وأدخله الجنة، ونجه من النار، وقه عذاب القبر".
وروى هشام بن عروة عن أبية عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الصلاة على الميت: "اللهم اغفر له، وصلى الله وبارك له، وأورده حوض نبيك".
وروى الوليد بن مسلم عن مروان بن جناح قال: سمعت يونس بن مسيرة قال: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في صلاته على رجل: "اللهم إن فلانا في ذمتك وحبل جوارك فقه من فتنة القبر وعذاب النار؛ إنك أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم".
هذا بعض ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
فأما ما روي عن الصحابة رضي الله عنهم: فروى أن أبا بكر الصديق- رضوان الله عليه- كان إذا صلى على جنازة قال: (اللهم عبدك أسلمه الأهل والمال والعشيرة، والذنب عظيمي [وأنت] غفور رحيم).

وروى سعيد بن المسيب قال: كان عمر- رضوان الله عليه- يقول في الصلاة عليه إن كان مساء: أمسى عبدك، وإن كان صالحا: أصبح عبدك قد تخلى من الدنيا وتركها لأهلها، واستغنيت عنه وافتقر إليك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك صلى الله عليه وسلم فاغفر له ذنبه.
وروى أبو الأحوص عن منصور عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى قال: كان علي- رضوان الله عليه- يقول في الصلاة على الميت: اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا، وألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيتنا، واجعل قلوبنا على قلب خيارنا، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم ارجعه إلى خير ما كان عليه.
وروى عن مالك عن سعيد المقبري أنه سأل أبا هريرة كيف يصلي على الجنازة؟ فقال: أنا- لعمر الله- أخبرك؛ أتبعها من أهلها، فإذا وضعت كبرت، وحمدت الله جل وعز، وصليت على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم أقول: اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه.
اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده.
وروي ذلك عن عبد الله لن أبي أوفى وغيره، والألفاظ تتقارب.
وإنما لم نقل في المرأة: وأبدلها زوجا خير امن زوجها؛ لما ذكر من أن نساء الجنة مقصورات على أزواجهن، والرجل تكون له زوجات كثيرة، وقوله: إنه يسوق لفظ الدعاء لها على التأنيث؛ فلأن الخبر بذلك ورد،

وقد ذكرناه، ولأنه لما كانت الإشارة بالدعاء إليها وجب أن يكون بكنايتها كما كان الدعاء للرجل بكنايته.
وبالله التوفيق.
مسألة وقد ذكرناه، ولأنه لما كانت الإشارة بالدعاء إليها وجب أن يكون بكنايتها كما كان الدعاء للرجل بكنايته.
وبالله التوفيق.
مسألة قال رحمه الله: ولا بأس أن [يجمع] بين الجنائز في صلاة واحدة، ويلي الإمام الرجال إن كان فيهم نساء، وإن كانوا رجالا جعل أفضلهم مما يلي الإمام، وجعل من دونه أو الصبيان والنساء من وراء ذلك [إلى القبلة] ولا بأس أن يجعلوا صفا واحدا ويقرب الإمام أفضلهم.
قال القاضي- رحمه الله: أما جواز الجمع بين الجنائز في صلاة واحدة فلأنه لا فضل بين ذلك وبين أفراد كل واحدة بالصلاة؛ لأن سائر الشروط التي تفعل في الإنفراد في الصلاة تفعل في حال الاجتماع؛ وقد روي عن [ق/26] جماعة من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين أنهم جمعوا بين جماعة جنائز في صلاة واحدة.
فأما استحبابه أن يلي الإمام الرجال ثم الصبيان ثم النساء إلى القبلة، فهذا قولنا وقول كافة الفقهاء.
وحكى عن الحسن البصري أن الرجل يجعل مما يلي القبلة والمرأة مما يلي الإمام.
قال: لأن من سنة الرجال أن يقرب من القبلة؛ ألا ترى أن الرجال والنساء إذا اجتمعوا خلف الإمام جعل الرجال مما يلي الإمام لقربهم من

القبلة، والنساء أبعد؟ والدلالة على ما قلناه الإجماع والنظر.
فأما الإجماع: فما روي عن عثمان- رضي الله عنه- وعمار أنهما كانا يجعلان الرجل مما يلي الإمام.
وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي- رضوان الله عليه- وابن عمر وأبي هريرة أنهم كانوا يجعلون الرجل مما يلي الإمام.
وروى سفيان الثوري عن عثمان بن وهب قال: شهدت ابن عمر وأبا هريرة صليا في جنازة رجل وامرأة، فجعل الرجل مما يلي الإمام.
وروى ابن وهب عن أسامة بن زيد عن نافع مولى ابن عمر قال: وضعت جنازة أم كلثوم وابنها زيد والإمام سعيد بن العاص- فوضع الغلام مما يلي الإمام، وفي الناس ابن عباش وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة؛ فقالوا: هي السنة وروى إسماعيل بن عياس عن عمر بن مهاجر قال: صليت مع واثلة بن الأسقع على ستين جنازة من الطاعون فجعل صف الرجال مما يلي الإمام.
هذا ما روي عن الصحابة رضي الله عنهم، ولا مخالف لهم.
وروى أبو الزناد عن المشيخة السبعة وغيرهم من نظرائهم أنهم كانوا يقولون: يقدم النساء إلى القبلة، ويجعل الرجال مما يلي الإمام.

وروى ابن وهب عن القاسم وسالم وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم مثله.
وأما من وجهة النظر: فلأن كون النساء أبعد من الرجال أستر لهن، وهذا أمر معتبر في النساء؛ فوجب أن يكون ذلك هو السنة فيهن.
ولأنه لا خلاف أن الحال التي تلي الإمام أشرف وأفضل؛ فيجب أن يكون الرجال أولى بها من النساء؛ لفضيلتهم عليهن.
ولأن الرجال والنساء إذا اجتمعوا في الصلاة خلف الإمام كان الرجال أولى مما يلي الإمام؛ كذلك إذا اجتمعوا للصلاة عليهم.
وبهذا ينتظم الجواب عما قالوه، والله أعلم.

مسألة قال رحمه الله: وأما [في] دفن الجماعة في قبر واحد فيجعل أفضلهم مما يلي القبلة.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لما روي جابر- رحمه الله- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ويسأل أيهما كان أكثر أخذا للقرآن فيقدمه في اللحد.
ولأنه لما كان القرب من القبلة أشرف وجب أن يكون من هو أفضل أولى به كما أنه كان في الصلاة القرب من الإمام أشرف كان أفضلهم أقرب إليه.

مسألة قال رحمه الله: ومن دفن [و] ووري ولم يصل عليه فإنه يصلى على قبره.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: هذا لأنه لا يجوز أن يدفن بغير صلاة، ولا يجوز نبشه بعد دفنه، فإذا فاتت الصلاة عليه بدفنه صلى على قبره؛ لأن هذا حكم من لم يسقط الفرض بالصلاة عليه حتى يدفن.
والأصل في ذلك ما روي في حديث المسكينة التي ماتت، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعلامه بها، فخرجوا بها ليلا وكرهوا أن يوقظوه، فلما أصبح صلى الله عليه وسلم صف بالناس على قبرها، وكبر أربع تكبيرات.
أرسل هذا الحديث مالك عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل.
ووصله غيره عن أبيه سعل بن حنيف.
وقد ذكرناه.
فيما تقدم.

مسألة قال رحمه الله: ولا يصلى على من قد صلي عليه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: هذا قولنا وقول أهل العراق.
وقال الشافعي: تعاد الصلاة على الميت قبل الدفن وبعده.
والدلالة على ما قلناه: أن الصلاة على الميت من فروض الكفايات؛ فإذا قام بها البعض سقط عن الباقين، وإذا ثبت ذلك سقط الفرض بهذه الصلاة؛ فكان ما بعدها نفلا، والنفل غير جائز على الميت.
وأيضا: فإن الميت إذا غسل غسلا واحدا لم يغسل ثانية؛ فكذلك الصلاة؛ لأن كل واحد منهما حكم وجب فيه بالموت، ولا يلزم عليه التكفين إذا كفن في ثوب أنه يكفن في ثان؛ لأن ذلك كله كفت واحد.
ونفرض الكلام في أنه لا يصلى على القبر، والدلالة على ذلك أنه لو جاز ذلك لكان أولى من فعل به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن في الصلاة عليه من الفضل والبركة ما ليس في الصلاة على غيره، وفي ترك المسلمين الصلاة على قبره دلالة على منع ذلك.
وأيضا فلو لم يكن دفن الميت مانعا من الصلاة عليه لم يكن لذلك غاية ينقطع إليها؛ لأنه ليس بعض الأوقات في ذلك بأولى من بعض.

جارٍ التحميل