مجوس أهل هجر- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمكث عنده، ثم خرج فسأله ما قضاء الله ورسوله فيكم؟ قال: شر.
فقلت: مه.
قال: الإسلام أو القتل.
قال: وقال عبد الرحمن بن عوف: قبل الجزية منهم.
قال ابن عباس: فأخذ الناس بقول عبد الرحمن، وتركوا ما سمعت أنا من الأسبذي.
وروى عثمان بن عمر عن يونس عن الزهري عن سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، وأن عمر أخذها [ق/92] من مجوس السواد، وأن عثمان أخذها من البربر.
وروى عن حذيفة أنه قال: لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها منهم.
ولا خلاف في ذلك.
فصل
وإنما الخلاف في أنهم أهل كتاب أم لا، فعندنا إنهم ليسوا بأهل كتاب، ولا كانوا أهل كتاب.
وللشافعي قولان:
أحدهما: أنهم أهل كتاب، ولكن رفع كتابهم.
والآخر: أنهم ليسوا أهل كتاب.
واستدل أصحابه على أنهم أهل كتاب بقول عمر بن الخطاب: ما أدري ما أصنع في أمر المجوس.
فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
فلولا أنهم أهل كتاب، وإلا لم يقل: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
وروى عن علي رضوان الله عليه أنه قال: أنا أعرف الناس بأمر المجوس، كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه، ثم إن ملكهم وقع على أخته أو ابنته فرآه بعض أهله.
فلما أضحى اجتمع أهله ليقيموا الحد عليه فامتنع، وقال: لا أعرف دين خير من دين آدم، إنه زوج بناته من بنيه وأنا لا أرغب بكم عن دينه.
ثم أمر أهله فقاتلوا القوم، فأسرى بكتابهم، ورفع من بين أظهرهم، ومحى العلم من صدورهم.
ولأنها طائفة تقر على دينها بأخذ الجزية، فوجب أن تكون من أهل الكتاب، اعتبار باليهود والنصارى أو نقول: فوجب أن تحل مناكحم وذبائحهم كاليهود.
والدلالة على ما قلناه قوله تعالى: ﴿أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾.
والطائفتان هم اليهود النصارى.
ولو كان المجوس أهل كتاب لكانوا ثلاث طوائف.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" فدل ذلك على أنه لا كتاب لهم.
فإن قيل: لولا أنهم أهل كتاب لم يقل: سنوا بهم سنة أهل الكتاب.
قيل له: هذا بالعكس من الواجب لولا أنهم ليسوا بأهل كتاب لم يقل: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، لأن هذه العبارة تفيد أنهم من أجروا مجراه.
فإن قيل: فائدة ذلك أن بلدانهم كانت بائنة عن بلدان العرب، ولم تكن العرب تعرف أن لهم كتاب، فلذلك قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" أي: الذي تعلمون أن لهم كتاب.
قيل له: العبارة عن هذا المعنى أن يقول: سنوا بهم سنة غيرهم من أهل الكتاب، أو أمثالهم.
وجملة الأمر أن هذا خلاف الظاهر، فلا سبيل إلى حمل اللفظ عليه إلا بدليل.
وقد استدل في ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كتاب إلى ملوك الكفر، فكتب إلى ملوك قيصر: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ الآية.
ولم يكتب بذلك إلى كسرى، فدل على أن المجوس لا كتاب لهم.
وأيضاً ما روي أن أبا بكر والصحابة رضي الله عنهم كانوا يفرحون لغلبة الروم لفارس، والمشركون يغتمون لذلك، ويحبون أن تغلب فارس الروم.
ولم يكن ذلك إلا لأن الروم أهل كتاب وأن المجوس لا كتاب لهم.
وروى عن حذيفة أنه قال: لولا أن أصحابي أخذوا الجزية من المجوس لم آخذها منهم، لأنهم ليسوا من أهل الكتاب، وإنما أمر الله أن تؤخذ الجزية من أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ الآية.
وإن احتجاجهم بالخبر فقد أجبنا عنه.
وما رووه عن علي فطريقه ضعيف، على أ، بإزائه غيره من الصحابة.
على أن حكم كتابهم قد بطل برفعه، فخرجوا على أن يكونوا أهل كتاب.
وقياسهم ينتقض- على أصلنا- بعبدة الأوثان.
ولو سلم لكان المعنى في الأصل بقاء الكتاب، وليس كذلك المجوس، لأن كتابهم رفع عند من يزعم أنم من أهل الكتاب.
والله أعلم.
فصل
وقوله: تؤخذ الجزية من نصارى العرب، فلعموم الآية.
ولأنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من نصارى نجران، ولأنهم لا فرق بينهم وبين نصارى الروم، لاجتماعهم في التدين بالنصرانية من غير تحرم بالإسلام.
فصل
ويجوز عندنا أخذ الجزية من كل مشرك غير مرتد، ولا من هو في حكم المرتد من اهل الكتاب وعبدة الأوثان وغيرهم.
وقال الشافعي- رحمه الله- لا يجوز أخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، أو من له شبهة، لقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، فعم.
ولأنه قياس على مشركي قريش.
ولقوله تعالى: ﴿من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾، فدل على أن ما عدا أهل الكتاب بخلافهم.
ودليلنا أن نقول: لأنه كافر غير مرتد، فأشبه الكتابي.
ولقوله صلى الله عليه وسلم في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، فنبه بذلك أن أخذ الجزية غير مقصور على أهل الكتاب.
فأما الظواهر فمخصوصة، ولا يسلم لهم بالأصل الذي قاسوا عليه.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: "والجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وأربعون درهما على أهل الورق.
ويخفف عن الفقير".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: وهذا لأن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فرضها هذا المقدار على أهل الذمة بمحضر من الصحابة، ولم يحتفظ نكير عليه من أحد [ق/93] منهم، فلذلك قدره بهذا القدر.
فإن كان فيهم من يضعف عنه خفف عنهم منه، لأنه على الاجتهاد.
وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر معاذ أن يأخذ من كل حالم دينارا فيحتمل أن يكون من كان هناك لا يتمكن إلا من ذلك فقط.
مسألة
قال رحمه الله: "وتؤخذ ممن تجر منم من أفق إلى أفق عشر ثمن ما يبيعونه، وإن اختلفوا في السنة مرارا".
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: أما إيجابه أخذ العشر منهم فلما رواه عطاء بن السائب عن جرير عن عبد الله عن جده أبي أمه عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما العشر على اليهود
والنصارى، وليس على المسلمين عشور".
وروى مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد قال: كنت عاملا مع عبد الله بن عتبة بن مسعود على سوق المدينة في زمان عمر بن الخطاب، وكنا نأخذ من النبط العشر.
قال مالك: سألت ابن شهاب على أي وجه أخذ عمر بن الخطاب من النبط العشر؟ فقال: كان ذلك يؤخذ منهم فني الجاهلية، فألزمهم ذلك عمر بن الخطاب.
وقوله: إنه يؤخذ منهم وإن اختلفوا مرارا في السنة: فالمخالف فيه أهل العراق والشافعي، لأنهم يقولون: إنه لا يؤخذ منهم إلا مرة واحدة في السنة، اعتبارا بالجزية، وهذا خطأ، لأن المعنى في أخذ العشر لو لبسطهم في بلاد الإسلام، وانتفاعهم بالتجارات، وحفظ الطرق لهم، فوجب أن يكون على حسب اختلافه في السنة.
ويفارق الجزية، لأنها مقدرة بحقن دمه، لأن ما من أجله أخذت مقدر معروف، فلذلك يقدر وقت أخذها.
وقد روى عن عمر- رضوان الله عليه- ما ظاهره يدل أنه يؤخذ مرة
واحدة.
وفي الحديث ما ينبئ عن غيره، وهو أنه كان يؤخذ منهم العشر عند إقبالهم، ويثنى عليهم عند رجوعهم فمنعهم عمر- رضوان الله عليه- من ذلك فهذا وجهه.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: "وإن حملوا الطعام خاصة إلى مكة والمدينة خاصة أخذ منهم نصف العشر من ثمنه".
قال القاضي رحمه الله: هذا لما رواه مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن عمر- رضي الله عنه- كان يأخذ من النبط من الحنطة والزيت نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة، ويأخذ من القطنية العشر.
وقد بين في الحديث المعنى في ذلك، وهو إرادة كثرة الحمل عليهم، لضيق شيء عنهم.
والله أعلم.
قال رحمه الله: "ويؤخذ من تجار الحربين العشر، إلا أن ينزلوا على أكثر من ذلك".
قال القاضي رحمه الله: هذا لأن المعنى الذي له أخذت من أهل الذمة موجود في تجار أهل الحرب، بل هم أولى به، وعموم الخبر ينتظمهم، فلذلك أخذ منهم.
فإن بدلوا أكثر منه جاز أخذه.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: "وفي الركاز- هو دفن الجاهلية- الخمس على من أصابه".
قال القاضي رحمه الله: وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم: "المعدن جبار، في الركاز الخمس".
فأوجب أن يؤخذ منه الخمس، وأخبر أنه غير المعدن، لأنه لو كان هو المعدن لكان مكررا للكلام من غير فائدة.
وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، فأغنى عن إعادته.
وبالله التوفيق.
باب في زكاة الماشية
مسألة
قال القاضي أبو محمد- رحمه الله: قد دللنا على وجوب الزكاة في الجملة بظواهر من الكتاب والسنة وما ذكرناه من إجماع الأمة، والكلام على تفصيل ذلك يأتي في أعيان المسائل، ووجوب الزكاة في الماشية داخل فيما قدمناه.
ومن الدليل على ذلك أيضا: ما رواه ابن جريح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كانت له إبل أو بقر أو غنم لم يؤد زكاتها بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها على ما نفذت أخراها عادت عليه أولادها".
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: القاع: المكان المستوي ليس فيه ارتفاع، ولا انخفاض.
قال أبو عبيدة: وهو القيمة أيضا، قال الله عز وجل: ﴿كسراب بقيعة﴾، القيعة جمع قاع، القرقر: المستوى.
أيضا قال عبيد بن الأبرص يصف الإبل:
هذلا مشافرها بما حناجرها... تزجي مرابعها في قرقر ضاحي
فالقرقر: المكان المستوي.
والضاحي: الظاهر البارز للشمس.
وقد روى في بعض الحديث: "بقاع قرقر" وهو مثل القرقر في المعنى.
مسألة
قال رحمه الله: "ولا زكاة في الإبل في أقل من خمس ذود، وهي خمس من الإبل: ففيها جذعة أو ثنية من جل غنم أهل ذلك البلد من ضأن أو معز إلى تسعة.
ثم في العشرة: شاتان إلى أربعة عشر.
ثم في خمس عشرة: ثلاث شياه إلى تسع عشرة.
فإذا كانت عشرين: فأربع شياه إلى أربع وعشرين.
ثم في خمس وعشرين بنت مخاص- وهي بنت سنتين، فإن لم تكن فيها فابن لبون ذكر- إلى خمس وثلاثين.
ثم في ستة وثلاثين بنت لبون- وهي بنت ثلاثين سنين- إلى خمس وأربعين.
ثم في ست وأربعين حقة- وهي [ق/94] التي يصلح على ظهره الحمل، ويطرقها الفحل، وهي بنت أربع سنين- إلى ستين.
ثم في إحدى وستين جذعة- وهي بنت خمس سنين- إلى خمس
وسبعين.
ثم في ست وسبعين ابنتا لبون، إلى تسعين.
ثم في إحدى وتسعين حقتان، إلى عشرين ومائة.
فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون".
فقال القاضي أبو محمد بن علي- رحمه الله: أما نفيه الصدقة عما دون الخمس من الإبل فلما رواه مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة".
وروى مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني عن أبي سعيد الخدري أن رسولا لله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة".
ولا خلاف في ذلك.
وأما إيجاب الصدقة فيها على الترتيب الذي ذكره، فلتواتر الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فروى يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن، فذكر إلى أن قال:
"وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعا وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر، إلى أن تبلغ خمسا وثلاثون، فإذا زادت على خمس وثلاثين واحدة ففيها بنت لبون، إلى أن تبلغ خمسا وأربعين، فإذا زادت على خمس وأربعين واحدة ففيها حقة طروقة الفحل، إلى أن تبلغ ستين، فإذا زادت على الستين واحدة ففيها جذعة، إلى أن تبلغ خمسا وسبعين، فإذا زادت خمس وسبعين واحدة ففيها بنتا لبون، إلى أن تبلغ تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان طروقتا الفحل، إلى أن تبلغ مائة وعشرين، فما زاد ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة الفحل".
ورواه ابن وهب عن أبي لهيعة عن عمارة بن عونة عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أن هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر نحوا من لفظ الحديث الأول.
وروى حماد بن سلمة قال: أخذت من ثمامة بن عبد الله بن أنس كتابا زعم أن أبا بكر كتبه لأنس، وعليه خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه مصدقا، وكتبه له فإذا فيه: "هذه فريضة الصدقة".
وقد روى مسندا متصل السند من غير طريق حماد: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى المالكي قال: حدثنا القاضي أبو عبد الله الحسين ابن إسماعيل الباهلي قال: حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا محمد بن
عبد الله بن المثنى الأنصاري قال: حدثنا أبي عبد الله بن المثنى قال: حدثنا ثمامة أن أنسا حدثه أن أبا بكر الصديق- رضي الله عنه- كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض الله على المسلمين التي أمر الله عز وجل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سأل فوقها فلا يعطها: في أربعة وعشرين من الإبل فما دونها الغنم، في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم تكن فيها بنت مخاض أنثى فابن لبون وليس معه شيء.
فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون.
فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل.
فإذا بلغت واحدا وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة.
فإذا بلغت ستة وسعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون.
فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل.
فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة... " وذكر باقي الحديث.
وروى الزهري عن سالم عن أبيه قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض فقرنه بسيفه فعمل به أبو بكر- رضي الله عنه- حتى قبض، ثم عمل به عمر- رضي الله عنه- حتى قبض، وكان فيه: من خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى
خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإن كان الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون.
وقد رويت على هذا الترتيب أخبار كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية.
ولا خلاف أنه لا شء فيما دون الخمس من الإبل وإن كان في الخمس شاة وفي العشر شاتين، وفي الخمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه.
والدلالة [ق/95] عليه ما قدمناه من الأخبار.
فصل
وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وهو قول الفقهاء كافة، وحكى عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- أنه كان يقول: في خمس وعشرين خمس شياه.
وذكر أهل الخلاف أنه قول الشعبي وشريك، فروى أبو بكر بن الجهم قال: حدثنا بشير بن موسى قال: حدثنا أبو نعيم عن سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال: في كل خمس وعشري خمس شياه.
قال: وحدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا أبي قال أبو نعيم بهذا الحديث، ثم قال فيه قال سفيان: كان علي أفقه من أن يقول هذا.
قال لي موسى: أتراه اتهم أبا أسحاق؟ ما وقعت التهمة إلا على عاصم.
واستدل لهذا القول بحديث روى بهذا الإسناد عن علي عن النبي صلى الله عليه سلم أنه قال: "خمس وعشرين من الإبل خمس شياه".
ولأن الخمس التي فوق العشرين نصاب وقصه أربع، فوجب أن يكون فرضه شاة.
أصله: الخمسات التي قبل العشرين، وإن شئت قلت: كل فرض يتغير بخمس من الإبل، فالواجب فيها شاة اعتبار بما دون العشرين.
ودليلنا: ما رويناه من حديث عمرو بن حزم، وابن عمر، وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيها: في خمس وعشرين بنت مخاض.
فدل ذل على ضعف ما رووه.
على أنه مقابل بالأخبار التي رويناها، ونرجحها بأنه لم يختلف على رواتهان وبعلم الأئمة والخلفاء وكافة أهل العلم، وبشهادة الأصول أيضا لها، وذلك أنهم ليس في أصول صدقة الماشية اتصال فرضين من غير
وقص يتخللهما، فإيجاب هذا خلاف الأصول.
وإذا جعلنا في خمس وعشرين خمس شياه، وفي ستة وعشرين بنت مخاض فقد أوجبنا خلاف الأصول.
فاما قياسهم على الخمس قبل العشرين فالمعنى فيه أنه يليه نصاب هو خمس، فلذلك كان فيه شاة، وليس كذلك الخمس الزائدة على العشرين.
والله أعلم.
فأما قوله: إن الشاة التي تؤخذ في الإبل من غالب أغنام أهل ذلك البلد، فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أطلق ولم يعين فقال: "في خمس من الإبل شاة" لم تكن الشاة مأخوذة من مال له موجود وجبت فيه معتبر به وجب أن يرجع فيها إلى غالب أغنام أهل ذلك البلد، لأنه ليس إلا هذا.
وتكليفه الأعلى فيكون في ذلك إضرار به، فكان العدل ما قلناه.
إذا ثبت أن في خمس وعشرين بنت مخاض فإن وجدها الساعي في إبله أخذها، فإن لم توجد في إبله فابن لبون ذكر.
وإنما قلنا ذلك لما رويناه في حديث عمرو بن حزم، وأنس وابن عمر أن في خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون ذكر.
فأما وجه قيام ابن لبون مقام بنت مخاض من وجهة المعنى فقد قيل فيه: إن ابن لبون فيه شرف من وجه ونقص من وجه، كما أن في بنت مخاض شرفا من وج ونقصا من وجه، فشرفها الأنوثية، ونقصها قصورها أن ترعى من الإبل أو ترد الماء لصغرها.
وأما فضيلة ابن لبون فتكمنه من ورود الماء مع الإبل، لأنه أكبر سناً من
بنت مخاض، ونقصه كونه ذكرا.
فكان في النظر والعدل جعله بدلا منها.
فصل
إذا وجد في مال رب المال بنت مخاض لم يكن للساعي أخذ ابن لبون ولا غيرهن وبه قال الشافعي.
وقال ابن حنيفة: يجزئه إخراج ابن لبون مع وجود بنت مخاض إذا تساوت قيمتها.
وبناه على أصله في جواز اخذ ابن لبون موقوفا على عدم بنت مخاض لوجب اعتبار عدمها من ملكه وعدم ما يشتريها به، واعتبارا بسائر الأبدال لما اعتبر في جوازها عدم الأصل اعتبر أيضا عدم القدرة على شرائه، ألا ترى أن القادر على شراء رقبة في الكفارة كالمالك لها، وكذلك القادر على ابتياع ماء في الطهارة كالمالك له.
وفي اتفاقنا على جواز أخذ ابن لبون مع القدرة على شراء بنت مخاض دلالة على أن جواز أخذه غير موقوف على عدمها.
قالوا: ولأن ابن لبون لما كان فرضا ينوب مناب فرض مقدر في الصدقات لم يقف جواز أحدهما على عدم الآخر.
دليله: المائتان من الإبل إذا اجتمع فيه الفرضان.
قالوا: ولانه لما تعتبر القدرة على بنت مخاض لم يعتبر وجودها في ملكه، اعتبارا بسائر أنواع الحيوان.
والدلالة على ما قلنا ما رويناه من حديث عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن.
وفي الحديث: "فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها بنت مخاض، فإذا لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر".
وفي حديث أبي بكر الذي كتبه لأنس: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فذكر إلى أن [ق/96] قال: فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر.
وكذلك في حديث ابن شهاب في الكتاب الذي استنسخه عمر بن عبد العزيز.
والاستدلال بهذه الأخبار من وجهين:
أحدهما: أنه أوجب في خمس وعشرين بنت مخاض، فهي واجبة سواء أخرج ابن لبون أم لا.
وإذا صح أن وجوبها باق ثبت أن ابن لبون لا يجزئ إخراجه مع وجودها.
والوجه الآخر: أنه شرط في إخراج ابن لبون عدم بنت مخاض في المال، فقال: "فإن لم توجد فابن لبون"، وهذا لفظ الشرط بلا خلاف.
وإذا ثبت ذلك وجب إذا أخرجه مع جودها ألا يجزئه، لعدم الشرط الذي جوز إخراجه معه.
وأيضا فلأن كل حق تعلق بمال ونقل منه إلى غيره بشرط عدم المنقول عنه فلا يجوز الانتقال إليه مع وجود أصله، اعتباراً بالكفارات.
فأما قولهم: لو كان عدمها شرطا لكان عدم ثمنها شرطا: فدعوى عارية عن حجة، على أن يبطل على أصلهم بالقادر على أن يتزوج حرة، لأن له عندهم أن يتزوج أمه وإن كان قادرا على الحرة، وليس له ذلك إذا كانت الحرة تحته.
فقد فرقوا بين وجود العين وبين القدرة عليها.
على أن الفرق بين الزكاة والكفارة تتعلق بالذمم دون الأعيان، والزكاة تتعلق بعين المال دون الذمة، فاعتبر وجود المبدل في المال دون غيره.
وأيضا فإن عدم القدرة إنما يشترط في موضع تمكن، فأما إذا لم يمكن فلا يصح.
ومن معه خمس وعشرون من الإبل فمعلوم أنه قادر على شراء بنت مخاض، فلا يجوز أن يقال: إنه لو كان عدمها شرطا لكان عدم القدرة عليها شرطا، لأن عدم القدرة هاهنا لا يصح، ويبين ذلك أنه لو صرح فقال: من كان عنده خمس وعشرين، وليس معه بنت مخاض، ولا يمكنه شراؤها فليخرج ابن لبون لكان ذلك مناقضة، فبان بذلك أن ما اعتبروه لا يصح في هذا الموضع.
فأما بناؤهم ذلك على جواز أخذ القيم في الزكاة فإنا نخالفهم فيه، ونحن نتكلم عليه في موضعه إن شاء الله.
فأما اعتبارهم بالمائتين إذا اجتمع فيها الفرضان: فباطل، لأن الواجب فيها أخذ السنين على التخيير، فليس كذلك في مسألتنا، لأن الواجب فيها على طريق للبدل والترتيب دون التخيير.
واعتبارهم بسائر الحيوان باطل، لأنه لا مدخل له في ذكل، لا بوجوب ولا بغيره.
والله أعلم
فصل
فأما قوله: "في ست وثلاثين بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا كانت ستا وأربعين ففيها حقة إلى ستين، فإذا كانت إحدى وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا كانت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإذا كانت إحدى وتسعين ففيهما حقتان إلى عشرين ومائة".
فلا خلاف فيه بين أهل العلم أنه على هذا الترتيب.
ويدل عليه أيضا الأخبار التي رويناها، وهي واردة على هذا السياق والنظام.
فصل
وقوله: "وما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون".
فالخلاف فيه من وجوه: فأما أبو حنيفة فإنه يقول: يستأنف الفريضة على ما كانت عليه في الابتداء، فيكون في مائة وعشرين حقتان، وفي ثلاثين ومائة حقتان وشاتان، وفي خمس وثلاثين ومائة حقتان وثلاث شياه، وفي أربعين ومائة حقتان وأربع شياه، وفي خمس وأربعين ومائة حقتان وبنت مخاض، وفي خمسين ومائة ثلاث حقاق، وفي خمس وخمسين ومائة ثلاث حقاق وشاة على هذا الترتيب، وليس في ذلك بنت لبون إلا ما يجئ في الفريضة على حسب الابتداء.
وعلى مذهب مخالفنا لا تتكرر بنت لبون قبل المائة وخمسين وتتكرر بعد ذلك.
وحكى عن حماد بن سليمان، والحكم بن عتبة أن في مائة وخمس وعشرين حقتين وبنت مخاض.
وذهب ابن جرير إلى أن الساعي بالخيار إن شاء أخذ حقتين، وإن شاء أخذ حقتين وشاة.
وعندنا وعندن الشافعي وأهل الظاهر أنه يؤخذ منها على حساب كل خمسين حقة، وكل أربعين بنت لبون على اختلاف بيننا في كمية الزيادة على المائة والعشرين سنذكره فيما بعد.
واستدل أهل العراق بما رواه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن جده عن عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في كتاب الصدقات: فإذا كانت الإبل مائة وعشرين ففيها حقتان، فإذا كان أكثر من ذلك فاعدد في كل خمسين حقة.
وما كان أقل من خمس وعشرين ففي كل خمس شاة.
فلا يخلو أن يكون أراد أن ذلك حكم الابتداء أو حكم الزيادة على مائة وعشرين، ولا يجو أن يكون أراد به الابتداء؛ فإنه تقدم ذكره مفسرا حمل ما بعد ذلك عليه يسقط فائدته.
ولأن من حق الكلام أن يرجع إلى ما يليه، ولا يحمل على ما تقدمه إلا بدليل.
وإذا بطل هذا صح أنه أراد به ما زاد على المائة والعشرين [ق/97]
قالوا: وروى الحصيب بن ناصح عن حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن أبي بكر بن عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لجده عمرو بن حزم ذكر فرائض الإبل، وفيه: فإذا كانت الإبل أكثر من عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة فما فضل فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل، فما كان أقل من خمس وعشرين ففيه الغنم؛ في كل خمس ذود شاة.
قالوا: وروى زهير وشريك عن أبي إسحاق عن عاصم بن حمزة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة".
قالوا: ولأنه سن يتكرر قبل المائة؛ فوجب أن يتكرر بعد المائة.
أصله: الحقاق، وبنات اللبون.
قالوا: ولأنكم إذا قلتم أن في المائة وأحد وعشرين حقتين وثلاث بنات لبون فلستم تنفكون من مخالفة الخبر الذي رويتموه ومن مخالفة الزكاة؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب في كل أربعين بنت لبون.
وعلى قولكم في كل أربعين ثلاث، وهذا خلاف الخبر.
وإن أوجبتم بنات اللبون في المائة والعشرين دون الواحدة الزائدة خالفتم أصول الزكاة؛ لأن أصول الزكاة مبينة على أن كل ما تغير به الفرض فإنه الفرض متعلق به ومأخوذ منه؛ يدل على ذلك الخامسة والعشرون، والسادسة والثلاثون وغير ذلك.
قالوا: وروى ما قلناه عن عمر، وعلين وابن مسعود ولا مخالف لهم.
والدلالة على صحة قولنا: ما رواه الزهري عن أبي بكر عن عبد الله بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض، فذكر إلى أن قال: "فإذا زادت واحدة- يعني: على تسعين- ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زاد ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة طروقه الفحل".
وما رويناه من حديث أنس بن مالك أن أبا بكر كتب له حين بعثه مصدقا بكتاب فيه: هذا فريضة الصدقة التي فرضها الله على عباده، وفيه: فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
وما رواه الزهري عن سالم عن أبيه قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقة، فذكر إلى أن قال: "فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، وإن كان الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون".
ووجه الاستدلال من هذه الأخبار هو أنه لا يخلو أن يكون أراد في كل أربعين وكل خمسين تزيد على المائة والعشرين دون المائة دون المائة والعشرين فهذا يوجب أن يكون في مائة وستين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وسبعين ثلاث حقاق.
وهذا فرق الإجماع.
أو أن يكون أراد في الجميع في الزيادة والمزيد على معنى بحساب أن في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
فهذا نص قولنا، وخلاف قول أبي حنيفة، لأن أبا حنيفة يقول: في
مائة وثلاثين حقتان وشاتان، والأخبار التي رويناها توجب أن فيها حقة وابنتا لبون، فما قالوا خلاف الخبر.
ويدل على ما قلناه ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا ابن المبارك عن يونس عن يزيد عن ابن شهاب قال: هذه نسخة كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه في الصدقة وهي عند آل عمر بن الخطاب- رضي الله عنه.
قال ابن شهاب: أقرأنيها سالم بن عبد الله فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وسالم بن عبد الله بن عمر.
فذكر الحديث وقال: فإذا كانت أحد وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعا وعشرين ومائة، فإذا كانت أربعين ومائة ففيها حقتان وبنت لبون حتى تبلغ تسعا وأربعين ومائة، فإذا كانت خمسين ومائة ففيها ثلاث حقاق إلى ستين ومائة ففيها أربع بنات لبون، فإذا كانت سبعين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون وحقة حتى تبلغ تسعا وسبعين ومائة، فإذا كانت ثمانين ومائة ففيها حقتان وبنتا لبون حتى تبلغ تسعا وثمانين ومائة، فإذا كانت تسعين ومائة ففيها ثلاث حقاق وبنت لبون حتى تبلغ تسعا وتسعين ومائة، فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون.
أي السنين وجدت أخذت.
وأيضا ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حبيب بن أبي حبيب حدثنا عمرو بن حرام قال: حدثنا محمد بن عبد
الرحمن الأنصاري قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز أرسل إلى المدينة يلتمس كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقات، وكتاب عمر بن الخطاب، فوجد عند آل عمرو بن حزم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد عند آل عمر بن الخطاب كتاب عمر مثل كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقات فنسخا له.
قال محمد بن عمرو بن هريم أنه طلب آل محمد بن بد الرحمن أن ينسخه ما في ذانيك الكتابين [ق/98] نسخ له ما في هذا الكتاب من صدقة الإبل والبقر والغنم والذهب والورق والتمر أو الثمر والحب والزبيب: إن الإبل ليس فيها شيء حتى تبلغ خمسا، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة حتى تبلغ تسعا، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ أربع عشرة، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ تسع عشرة فإذا زادت واحدة ففيها أربع إلى أن تبلغ أربع وعشرين... فذكر إلى أن قال: فإذا بلغت الإبل عشرين ومائة فليس فيما زاد فيها دون العشرة شيء، فإذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها بنتا لبون وحقه... وذكر الحديث.
وهذان الخبران نصان في موضع الخلاف من عدة وجوه.
على أنه لو اقتصر في الاستدلال على موضع الخلاف كفى.
وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: "خذ الإبل من الإبل، والبقر من البقر، والشاة من الغنم".
وهذا يدل على أنه لا يؤخذ من الإبل إلا منها، إلا أن يقوم دليل.
وأما من جهة الاعتبار فهم أنا وجدنا ما قبل المائة والعشرين من النصب أقرب إلى النصب التي تجب فيها الغنم مما دون المائة والعشرين، فلما لم تعد الشاة فيما قبل المائة مع كونها أقرب كانت بأن لا تعود فيما يعدها أولى.
وأيضاً فإن أصول الزكاة مبنية على أن المأخوذ من الشيء من جنسه لا من غير جنسه، ألا ترى أن الواجب في الغنم والبقر والذهب والورق من جنسها لا من غيرها.
وإذا صح ذلك ثم وجدنا الإبل تؤخذ في أوائلها من غير جنسها- وهو الغنم- اعتبرنا المعنى في ذلك فإذا أنه من أجل الضرورة، وهو أن الخمس من الإبل مال قليل لا يحتمل المواساة منه، وكذلك العشرة والعشرون لا يحتمل أنه يؤخذ منها الخمس أو العشر.
ثم إذا كثرت الإبل واحتملت أن يؤخذ منها أخذ منها، وزال هذا المعنى.
وإذا ثبت ما قلناه، وكان ما زاد عن المائة والعشرين من الكثرة حيث يحتمل المواساة منه، وأن يخرج من جنسه، وجب أن يؤخذ منه ولا يعود إليه شيء من غير جنسه، لزوال المعنى الموجب لذلك.
وأيضا فإن المأخوذ من جنس الشيء آكد حكما من المأخوذ من غير جنسه، لأن الأخذ من الجنس هو الأصل، والأخذ من غيره إنما يكون لمعنى بعرض من ضرورة أو غيرها.
وإذا ثبت ذلك ثم وجدنا الجذعة لا تعود بعد المائة والعشرين وهي من جنس الإبل كانت الغنم التي ليست من الجنس بأن لا تعود أولى.
وأيضا فإنا نعلل على رواية ابن القاسم، وابن عبد الحكم وهو أن الفرض يتغير بزيادة الواحدة على المائة والعشرين فنقول: لأن ما زاد على أحد وتسعين إلى مائة وعشرين وقص حد في الشرع بحد في جنس يتغير الفرض فيه بزيادة السن والعدد، فوجب أن يتغير الفرض في بزيادة الواحد عليه، اعتبارا بسائر الأوقاص، ألا ترى أن الوقص الزائد على العشرين أربع لم يتغير الفرض بزيادة الخامسة فتكون فيها بنت مخاض إلى خمس
وثلاثين، ثم يتغير الفرض بزيادة واحدة إلى بنت لبون، وكذلك سائر الأوقاص بعده.
فإن قيل: لسنا نسلم أن وقص الحقتين محدود في الشرع.
قيل له: الذي يدل على أنه محدود قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا كانت أحد وتسعين ففيها حقتان إلى عشرين ومائة" فجعل المائة والعشرين حدا له، فبطل ما قالوه.
فأن قيل: ينتقض بأوقاص الغنم، لأن في المائتين شاة ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، ثم لا يتغير الفرض إلا بزيادة مائة أخرى.
قيل له: لا يلزم هذا على ما قلناه، لأنا قد احترزنا منه بأن قلنا: في جنس يتغير الفرض فيه إلى زيادة السن تارة والعدد أخرى، وهذا في الإبل دون الغنم، ألا ترى أن في الخمس وعشرين بنت مخاض، ثم يتغير الفرض إلى زيادة السن، وهو بنت لبون وحقة وجذعة، ثم يتغير بعد إلى زيادة عدد، وليس كذلك الغنم، لأن الفرض لا يتغير فيها إلى زيادة سن، وإنما يتغير إلى زيادة العدد فقط.
وأيضا فإنا نقيس بنت مخاض على الجذعة فنقول: لأنها سن لا تتكرر قبل المائة فوجب ألا تتكرر بعدها، اعتبارا بالجذعة.
فإن قيل: لا تأثير لهذا، لأن ما يتكرر قبل المائة أيضا لا يتكرر عندكم، وهي الغنم.
قيل له: قد وجدنا التأثير في بنات اللبون والحقاق، فكفى في ذلك، ولو قلنا: سن من الإبل لزال هذا الاعتراض.
وأيضا فلأنها عدد من الإبل بل قد أخذ منها من جنسها فوجب ألا يؤخذ منه من غير جنسها، اعتبارا بالمائة والعشرين.
وإذا ثبت هذا فالكلام على أخبارهم من طريقين:
أحدهما: الترجيح.
والآخر: الاستعمال.
فأما الترجيح: فهو أن أخبارنا أصح سندا، وأثبت نقلا، وما رووه مختلف في وفي عدالة ناقليه.
أما ما رووه عن عمرو بن حزم فقد عارضه من طريقه ما رويناه.
وحديث قيس بن سعد فيه من الضعف ما تغني شهرته عن ذكره.
وحديث عاصم عن علي قد ضعف راويه، وقيل: إنه أخطأ فيه.
واختلف أيضا فيه هل هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم- أو من قول علي- رضوان الله عليه.
وفيه أيضا حكم [ق/99] قد اتفقنا على خلافه، وهو قوله: "في خمس وعشرين خمس شياه".
وليس في أحاديثنا ما ضعف نقلته واختلف في سنده أو اختلف على راويه.
وأيضا فلأن الأئمة عملت بأخبارنا، روي ذلك عن أبي بكر وعمر- على ما ذكرناه- وروي عن علي- رضوان الله عليه- عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما قلناه.
وأيضا فإن خبرنا متفق على استعمال بعضه- وهو ما دون المائة
والعشرين- ومختلف في بعضه.
وخبرهم متفق على ترك بعضه- وهو إيجاب الشاة في خمس وعشرين- ومختلف في البعض- وهو موضع الخلاف.
وأما الاستعمال فهو أن نقول: أما الحديث الذي رويتموه أولا عن عمرو بن حزم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "وما كان أقل من خمس وعشرين ففي كل خمس شاة" قيل فيه مثل ما لكم، وهو قوله: "فما زاد على المائة والعشرين فاعدد في كل خمسين حقة"، وقد ثبت أنه لم يرد بذلك الزيادة وحدها، وإنما أراد الزيادة والمزيد عليه، فحملنا قوله: "وما كان أقل من خمس وعشرين" على الابتداء.
فإن قالوا: لا يصح هذا، لأنه قد ورد في الابتداء مفسرا، فلا يجوز أن يقال بلفظ مجمل.
قلنا: ولا يجوز أن نزيل قوله: "في كل خمسين حقة" عن ظاهره.
وإذا لم يمكنهم استعمال هذا اللفظ على العموم حملوه على ما زاد على الخمس والعشرين، لأجل قوله: "وما كان أقل من خمس وعشرين ففي كل خمس شياه" جاز لنا نحمل هذا على الابتداء ليسلم عموم اللفظ الآخر.
فإن قالوا: ليس في استعمالنا إسقاط لفائدة أحد اللفظين، وفي استعمالكم إسقاط لفائدة لفظنا حمله على التكرار.
قلنا: إذا كان في حمله على الابتداء سلامة لعموم اللفظ في كل زيادة ساغ ذلك كما ساغ لكم تخصيص لفظنا ليسلم لكم حمل لفظكم على الاستئناف.
على أن في حمله على الابتداء فائدة، وهي التأكيد وإيراده
فلفظ مجموع وليس ذلك في أول الخبر.
فأما قوله: فما زاد استؤنفت الفريضة: فمعناه: استؤنفت الفريضة بترتيب آخر، وفرض مستأنف، وهو في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون.
فإن قالوا: نحن أيضا نستعمل فنقول: قوله: "في كل أربعين بنت لبون" على سبيل القيمة.
قلنا: هذا باطل من وجوه:
أحدها: أن إخراج القيمة في الزكاة غير جائز.
والثاني: أن القيمة تنوب عن المنصوص، ولابد أن يبين المنصوص حتى تخرج القيمة عنه، والمنصوص هو ابن لبون وحقة، فلم يجز أن يكون هو القيمة.
والثالث: أن هذا المقدار من العدد لا يختص بالقيمة، فلا معنى لحمله عليه، ولا لبنات لبون أيضا اختصاص بالقيمة حتى لا يجزئ إخراج غيرها.
فبطل ما قالوه.
ومن الترجيح أيضا إسناد أخبارنا إلى عموم قوله: "خذ الإبل من الإبل"، وما ذكرناه من شهادة الأصول، لكون المأخوذ من الجنس هو الأصل، وأنه آكد حكما من غيره.
وأما قولهم: إنه سن يتكرر قبل المائة فوجب أن يتكرر بعدها اعتبارا بالحقاق وبنات اللبون فغير صحيح، لأنا قد بينا أن ما كان من جنس الشيء فهو آكد حكما من الذي ليس من جنسه، لأن الآخذ من الجنس هو
الأصل، والآخذ من غيره ليس بأصل، وإنما يكون لعلة أو سبب مراعي، فلم يمتنع تكرار ما هو آكد حكما، ولا يجب لذلك أن يكون الأضعف مثله.
وأما قولهم: إنكم لا تنفكون من مخالفة الخبر أو الأصول، لأنكم إن أوجبتم في كل أربعين وثلاث بنت لبون خالفتم الخبر، وإن أوجبتم في الأربعين وحدها وجعلتم الواحدة وقصا خالفتم الأصول فعنه جوابان:
أحدهما: أنا نقول: إن فرض الحقتين باق إلى أن تكون ثلاثين ومائة على رواية عبد الملك وأشهب عن مالك، وهي القياس عند أصحابنا، فالسؤال غير لازم على هذه الرواية.
والجواب الآخر: هو أنا إن قلنا: إن الفرض يتغير بزيادة الواحدة لم يلزم أيضا ما قالوه، لأنه ليس في ذلك مخالفة الخبر كما نقول: إن في أحد وتسعين حقتين، ولا نقول: إن في كل خمس وأربعين ونصف حقة، بل نوجب ذلك جملة لا تفصيلا.
وليس في ذلك مخالفة الأصول، لأنه قد وجد ما يعتبر به الفرض، ولا مدخل له فيه، وهو الأخوان مع الأبوان يحجبان الأم عن الثلث إلى السدس، ولا يرثان شيئا.
فإذا ثبت ذلك بطل ما قالوه.
وبالله التوفيق.
فصل
فأما الزيادة التي يتغير فيها فرض الحقتين فقد اختلف أصحاب مالك فيها، واختلف أيضا عن مالك، فروى ابن القاسم، وابن عبد الحكم أن الفرض يتغير بزيادة واحدة، فيكون الساعي مخيرا إن شاء أخذ حقتين، وإن شاء أخذ ثلاث بنات لبون.
وقاله من أصحابنا عبد العزيز بن أبي حازم، وابن دينار، ومطرف، وأصبغ.
وهو قول عبد الملك بن حبيب، وروي عنه أن الفرض لا يتغير إلا بزيادة عشرة، فإذا مكث ثلاثين ومائة ففيها حقة وبنتا لبون.
وهي رواية أشهب وعبد اللملك بن الماجشون، وإلى ذلك ذهب المغيرة وعبد الملك.
فوجه رواية ابن القاسم: ما روى في حديث عمرو بن حزم وأنسب أن في أحد وتسعين حقتين إلى [ق/ 100] عشرين ومائة، فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، فأطلق الزيادة ولم يقيدها، فوجب أن يتعلق الحكم بأي زيادة كانت.
وفي حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: هذه نسخة كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب- رضي الله عنه أقرأنيها سالم بن عبد الله... فذكر إلى أن قال: فإذا كانت أحد وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون.
ولأنه وقص حد في الشرع بحد في جنس يتغير الفرض فيه بالزيادة في
السن والعدد، فوجب أن يتغير فرضه بزيادة الواحدة.
أصله: سائر الأوقاص.
ولأن الوقص لا يلي وقصا، فلو اعتبرنا المائة والعشرين عشرا أخر كنا قد اعتبرنا وقصا بعد وقص، وهذا خلاف ما بنيت عليه أوقاص الإبل وفرائضها.
ووجه رواية عبد الملك وأشهب وهو ما رويناه من حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتاب الصدقة.
فذكر الحديث إلى قوله: "ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون" فاعتبر في تغيير الفرض على المائة والعشرين أن تكثر الإبل عنها، وزيادة الواحدة لا تكثر بها المائة والعشرون.
وأيضا ما رواه محمد بن عبد الرحمن الأنصاري أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف أرسل إلى المدينة يلتمس كتاب النبي- صلى الله عليه وسلم وكتاب عمر في الصدقات، فنسخا له.
فذكر الحديث إلى قوله: "فإذا بلغت الإبل عشرين ومائة، وليس فيما زاد فيما دون العشرة شيء، فإذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها بنتا لبون وحقة"
وهذا نص.
ولأن أصول الزكاة موضوعة على أن كل زيادة غيرت فرضا كانت داخلة فيه، فلو قلنا: إن الفرض يتغير بالواحدة والاثنين لكان في ذلك مخالفة الخبر، وإيجاب لبنت لبون في كل أربعين وثلاث وذلك خلاف الخبر.
وإن قلنا: إن الفرض يتغير بها ولا تدخل فيه كان في ذلك خلاف
الأصول.
فإن قيل: نقول في هذا كما نقول في أحد وتسعين أن فيها حقتين في الجملة ولا نفصل.
قيل له: لا يصح ذلك، لأن في أحد وتسعين تعلق الفرض بالجملة، فلم يحتج إلى التفصيل، وفي أحد وعشرين ومائة تعلق الفرض بالتفصيل، لأنا نأخذه منها على حسب كل أربعين.
وإذا كان كذلك بان سقوط ما ذكروه.
فأما قوله: (فما زاد على ذلك)، وتعلقهم بأن إطلاق الزيادة تتضمن الواحدة والعشرة: فإنه دليلنا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر الحساب بهذين العددين، فوجب أن يشترط في ذلك عددا يصح فيه، وليس ذلك إلا في ثلاثين ومائة دون ما دونها.
فإن قيل: ولم قلتم ذلك وما أنكرتم من حمل قوله: (وإن زادت) على العموم في القليل والكثير؟
قلنا: من قبل إنه صلى الله عليه وسلم لما قال: ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون نبه بذلك على عدد يكون أربعينات وخمسينيات.
فإن قيل: إنما أراد بحساب كل خمسين وكل أربعين بنت لبون.
قلنا: يجوز أن يكون أراد الحساب مفردا من غير اعتبار عدد المال، ولكن الظاهر أنه أراده في مال لم يكن ذلك فيه، ويبين ذلك أنه لم يذكر حكم الوقص الباقي عنها بشيء كما بين حكمه فيما قبل المائة، فدل ذلك على أن العدد الذي اعتبره لا وقص فيه.
وأما ما رووه من قوله: (فإذا زادت واحدة): فليس بمحفوظ من طريق صحيح.
ولو صح لكان معارضا بما ذكرناه، ومرجحا عليه بأن خبرنا وارد بلفظين: صريح، وكناية وهو قوله: (فإذا كثرت الإبل) والمعنى في سائر الأوقاص دخولها في الفرض، فلذلك غيرته وليس كذلك الواحدة الزائدة على المائة والعشرين.
وقوله: (الوقص لا يلي وقصا): ينتقص بزكاة الغنم، لأن في المائتي شاة وشاة ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فما زاد على ذلك ففي كل مائة شاة شاة، ثم لا شيء في الزيادة حتى تكمل مائة.
ويمكن أن يقال: لأنه وقص محدود يعتبر الفرض بعده بحساب عدد علق عليه، فوجب ألا يعتبر الفرض فيه إلا بحصول عدد لا وقص فيه، اعتبارا بالغنم، لأن الوقص بعد المائتين والشاة هو إلى الثلاثمائة ثم ما زاد على ذلك وقص إلى المائة، كذلك ما بعد الأحد والتسعين إلى المائة والعشرين، وما زاد على ذلك إلى المائة والثلاثين.
وبالله التوفيق.
فصل
إذا أجبنا برواية ابن القاسم أن الفرض يتغير بزيادة الواحدة فإنه يتغير إلى تغيير الساعي بين حقتين والثلاث بنات لبون.
وذهب ابن القاسم والشافعي إلى أن فيها ثلاث بنات لبون من غير تخيير، وهو قول الزهري.
واستدلوا بحديث ابن شهاب أنه قال: هذه نسخة كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقة أقرأنيها سالم بن عبد الله... وقد ذكرناه فيما تقدم: "وإن كانت أحد وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون" وهذا نص [ق/ 101].
فالدلالة على ما قلناه قوله صلى الله عليه وسلم في سائر الأخبار: فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون.
فإذا اعتبرنا تغيير الحكم بزيادة الواحدة ورجعنا إلى الحساب كان فيه إما ثلاث بنات لبون لثلاث أربعينيات، أو حقتان لخمسينيتين، فلذلك كان الساعي مخيرا.
وإذا جمعنا بين خبرهم وخبرنا لم يتنافيا فنقول: ثلاث بنات لبون بخبرهم، والتخيير بخبرنا.
والله أعلم.
فصل
إذا زاد على المائة والعشرين بعض بعير لم يتغير الفرض، وبه قال أصحاب الشافعي، وحكي عن بعضهم أنه يتغير الفرض بزيادة الجزء وكما يتغير بالبعير الكامل.
قال: لقوله صلى الله عليه وسلم: "فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة" فعم.
واعتبارا بزيادة التغير الكامل.
والدلالة على ما قلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة" والكثرة لا تكون بزيادة بعض بعير.
وما رويناه من حديث ابن شهاب أنه قال: أقرأني سالم بن عبد الله كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقات، وفيه: "إذا كانت أحد وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون"، فلم يحكم بتغير الفرض إلا بزيادة واحدة.
ولأنها زيادة كسر في ماشية فوجب ألا يتغير بها فرض، اعتبارا بالبقر والغنم.
ولأنه وقص حد في الشرع بحد فوجب ألا يتغير الفرض فيه بزيادة دون الواحد، اعتبارا بسائر الأوقاص.
فأما قوله: (فما زاد) فمحمول على البعير الكامل، بدلالة ما قلناه.
واعتبارهم بالبعير الكامل باطل بما ذكرناه.
والله أعلم.
فصل
فأما صفة الأسنان المأخوذة في صدقة الإبل فقد ذكره أصحابنا منهم: الفضل بن المعدل، وعبد الملك بن حبيب، وغيرهم.
ونحن نذكر جملة مما ذكروه ومما قال أهل العربية فيه: قالوا: إذا استكمل الفصيل الحول، ودخل قي الثاني فهو ابن مخاض، والأنثى بنت مخاض، وإنما سمي بذلك، لأنه لما فصل عن أمه لحقت أمه بالمخاض- وهو الحمل- وسواء حملت أو لم تحمل فلا يزال موصوفا بابن مخاض حتى يستكمل السنة الثانية.
فإذا دخل في الثالثة فهو ابن لبون، والأنثى بنت لبون.
وإنما سمي بذلك، لأن أمه أرضعته في السنة الأولى ثم حملت في السنة الثانية ثم وضعت، فصارت لبونا في السنة الثالثة، فلا يزال كذلك حتى يستكملها.
فإذا دخل في الرابعة فالذكر حق، والأنثى حقة وإنما سمي بذلك لاستحقاقه أن يحمل ويركب، فلا يزال كذلك حتى يدخل الخامسة فيصير جذع والأنثى جذعة.
وليس في الصدقة ما يزيد على ذلك من السن، فلذلك اقتصرنا عليه.
مسألة
قال رحمه الله: "ولا زكة في البقر في أقل من ثلاثين، فإذا بلغتها ففيها تبيع: عجل جذع قد أوفى سنتين ثم كذلك حتى تبلغ أربعين ففيها مسنة، ولا تؤخذ إلا أنثى وهي بنت أربع سنين، وهي ثنية.
فما زاد ففي كل أربعين مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع".
قال القاضي رحمه الله: أعلم أن هذه الجملة لا خلاف فيها بين فقهاء الأمصار والمعتمد عليهم من أهل العلم.
وقد وردت روايات متضادة أكثرها من طرق ضعيفة، ولا يثبت بمثلها حكم بأحكام مختلفة، ففي بعضها أن حكم البقر حكم الإبل في خمس شاة، وفي بعضها في كل عشرة شاة، وفي بعضها في كل خمس وعشرين بقرة تبيع.
ونحن نذكرها لتعرف.
فمن ذلك ما روي عن عكرمة بن خالد أنه قال: استعملت على صدقات عك فلقيت أشياخا من صدق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختلفوا علي، فمنهم من قال: اجعلها مثل صدقة الإبل، ومنهم من قال: في كل ثلاثين تبيع، ومنهم من قال: "في كل أربعين مسنة".
وروي عن عكرمة بن خالد أيضا [عن رجل] حدثه عن مصدق أبي