شرح الرسالةصفحات 13-52

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آلة وسلم.

باب صلاة العيدين

قال القاضي الجليل أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله-: الأصل في صلاة العيدين قوله تبارك وتعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾؛ قاله سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم.
واختلف في تأويل قوله عز وجل: ﴿وانحر﴾؛ فروي عن علي وابن عباس أن المراد بذلك وضع اليد في الصلاة، وروى أيضا عن الشعبي وأبي الجوزاء.
قال أكثر التابعين: إن المراد به نحر البدن وغيرها يوم النحر.

وقوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾.
قيل: معناه: أخرج زكاة الفطر، ثم غدا إلى المصلى لصلاة العيد.
وروى حماد عن حميد عن أنس بن مالك قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "ما هذان اليومان؟ ". قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أبدلكم الله بهما خيرا منهما؛ يوم الأضحى، ويوم الفطر".
ومعنى العيد في اللغة: هو الوقت الذي يعود فيه الفرح والسرور والحزن.
قال الشاعر: عاد قلبي من المليحة عيد... واعتراني من حبها تسهيد

أي: عاد بشوقي [مرة أخرى].
مسألة قال رحمه الله: وصلاة العيد سنة واجبة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي-رحمه الله-: يريد أنها من مؤكدات السنن؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاها، ودعا الناس، وجمع لها، وخطب لها؛ فوجب بذلك كونها سنة مؤكدة.
وحكى عن بعض [أصحاب] الشافعي أنها فرض على الكفاية واستدلاله أن قال: لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة؛ فوجب أن تكون فرضا على الكفاية كالجهاد.
ولأنها صلاة تجتمع على تكبيرات متواليات في القيام؛ فكذلك فرضا على الكفاية؛ اعتبار بصلاة الجنازة.
وهذا غير صحيح.
والذي يدل على ما قلناه أنها صلاة تشتمل على ركوع وسجود، وليس من سنتها الأذان بوجه؛ فوجب أن تكون نافلة غير فرض الكفاية، ولا على الأعيان.
أصله: سائر النوافل.
وإنما قيدناها بذكر الركوع والسجود؛ احترازا من صلاة الجنازة، ومن الطواف.
وإنما قلنا: ليس من سنتها لأذان؛ احترازا من صلاة الفائتة.

ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود ليست بفرض على الأعيان؛ فوجب ألا تكون واجبة على الكفاية كسائر النوافل.
وإذا ثبت هذا فقياسهم الأول ينتقض بصلاة الكسوف والاستسقاء؛ لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة.
وقولهم أنها ذات تكبيرات في القيام غير مسلم في الأصل الذي هو صلاة الجنازة؛ لأنها تحتاج إلى الدعاء بين كل تكبيرتين، وليس كذلك التكبير في صلاة العيد؛ لأنه ليس بين التكبيرتين قول من دعاء ولا غيره، لا واجب ولا مسنون، والله أعلم.
مسألة قال: ويهرج لها الإمام والناس ضحوة قدر ما إذا وصل حانت الصلاة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله-: هذا لأن وقتها إذا برزت الشمس وأشرقت؛ لأن ذلك هو الوقت الذي كان يصليها فيه النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده رضي الله عنهم.
قال مالك" بلغني أن سعيد بن المسيب يغدو إلى المصلى بعد أن يصلي الصبح.
وهذا يترتب على حسب المسافة وبعدها من الموضع الذي يمضي منه إلى المصلى فعمل في البكور والإصباح على حسب ذلك.

مسألة قال رحمه الله: وليست فيها أذان، ولا إقامة.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: وهذا لا خلاف فيه بين فقهاء الأمصار، ولا في الصدر الأول.
وحكى عن أبي قلابة أن أول من أبدع الأذان في العيدين عبد الله بن الزبير.
وعن سعيد بن المسيب أن أول من فعل ذلك معاوية.
والذي يبين ما قلناه ما رواه ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن طاووس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيدين بلا أذان ولا إقامة.
وروى الأحوص عن [سماك] بن حرب عن جابر بن سمرة قال/ صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين العيد بغير أذان ولا إقامة.
وروى سالم بن عبد الله عن أبيه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم [عيد فبدأ] فصلى بغير أذان ولا إقامة، ثم خطب.

قال مالك: سمعت غير واحد من علمائنا يقول: لم يكن في الفطر والأضحى نداء ولا إقامة منذ زمان النبي صلى الله عليه وسلم.
قال مالك: وتلك السنة التي لا [خلاف] فيها عندنا ولأنها صلاة نفل فأشبهت سائر النوافل.
مسألة قال رحمه الله: فيصلى ركعتين؛ يقرأ فيهما جهرا ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، ﴿والشمس وضحاها﴾ ونحوهما.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله-: أما قوله: إن صلاة العيد ركعتان؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها ركعتين، ولا خلاف في ذلك.
وأما اختياره أن يقرأ فيها ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ونحوها؛ فلما نقل عن [ق/أ] النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ فيها بذلك.
وروى جرير بن عبد الحميد عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في

العيدين [وفي الجمعة]، ب ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾.
وروى سفيان الثوري عن معبد بن خالد عن زيد بن عقبة عن سمرة ابن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ب ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾، وروى مالك وسفيان بن عيينة عن ضمرة ابن سعيد المازني عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عمر ابن الخطاب- رضوان الله عليه- سأل أبا واقد الليثي بأي شيء قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم العيد؟ فقال: ب ﴿ق والقرآن المجيد﴾، ﴿واقتربت الساعة﴾.
قال القاضي أبو محمد بن نصر: الاختيار عنده العمل على الحديثين

الأولين.
وقوله: إن القراءة فيها جهرا؛ فأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر فيها؛ على ما رويناه؛ ولا خلاف في ذلك، وأيضا فلأنها صلاة من سنتها الخطبة كانت القراءة فيها جهرا كالجمعة والاستسقاء، ولا تلزم عليها صلاة الكسوف ولأنها لا خطبة لها.
مسألة قال رحمه الله: ويكبر في الأولى سبعا قبل القراءة يعد فيها تكبيرة الإحرام.
وفي الثانية خمس تكبيرات يع دفيها تكبيرة القيام.
وفي كل ركعة.
سجدتين.
ثم يتشهد ويسلم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي رحمه الله: اعلم أن صلاة ركعتي العيدين كسائر الصلوات إلا زوائد التكبير في العيد قد اختلف الناس فيه.
فقال أصحابنا: إن التكبير في الأولى سبع تكبيرات الإحرام، وفي الثانية خمس سوى تكبيرة القيام؛ فجعلوا الزوائد ستا في الأولى وخمسا في الثانية.
وخالفنا الشافعي في تكبير الأولى فجعل الزوائد سبعا سوى تكبيرة

الإحرام، ووافقنا فيما عدا ذلك.
والذي قلناه قول المشيخة السبع وكافة أصحابنا، وروى عن بن عمر وأبي هريرة.
قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يكبر بعدها ثلاثا، فإذا قام للثانية كبر تكبيرة القيام ثم كبر بعدها ثلاثا، إلا أنه يقرأ عقيب تكبيرة القيام، فإذا فرغ من القراءة أتى بالتكبيرات الزوائد ووصلها بتكبيرة الركوع.
هكذا حكاه الطحاوي؛ فجعل الزوائد في كل ركعة ثلاثا.
هذا هو المحفوظ من قول الفقهاء السبعة فأما ما روى عن الصحابة رضي الله عنهم ما يخالف هذه الأقاويل فروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضوان الله عليه أنه كان يكبر يوم العيد إحدى عشرة تكبيرة؛ يفتتح بتكبيرة واحدة، ثم يقرأ، ثم يكبر خمسا يركع بإحداهن، ثم يقوم فيقرأ، ثم يكبر خمسا يركع بإحداهن.
وكان يكبر في الأضحى خمس تكبيرات: ثلاثا في الأولى، وثنتين في الثانية؛ يبدأ بالقراءة فيهما، ويعتد بتكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع من تكبيرات العيد.
وإذا اعتبرنا هذه الرواية وجدناها تدل على أن الزوائد أربع في كل ركعة، وفي الأضحى تكبيرة واحدة في الأولى ولا زائدة في الثانية.
وقد روى عن ابن عباس ما يخالف هذا؛ فروى قتادة عن عكرمة من

ابن عباس رضي الله عنه (من شاء كبر سبعا، ومن شاء كبر تسعا، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة).
فأما أهل العراق فاحتجوا بما رواه زيد بن الحباب عن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه عن مكحول قال: أخبرني أبو عائشة- جليس لأبي هريرة- أن سعيد بن العاص سأل [أبا] موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الفطر والأضحى؟ فقال أبو موسى: (كان يكبر أربعا؛ تكبيره على الجنائز)، فقال حذيفة: صدق.
قال أبو موسى: وكذلك كنت أكبر بالبصرة حيث كنت عليهم.
قال أبو عائشة: وأنا حاضر سعيد بن العاص.
قالوا: وروى الطحاوي عن علي بن عبد الرحمن ويحيى بن عثمان قد حدثانا عن [عبد الله] بن يوسف عن يحيى بن حمزة عن ابن عطاء أن القاسم أبا عبد الرحمن أخبره قال: حدثنا بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عيد فكبر أربعا، ثم أقبل علينا بوجهه حين انصرف فقال: "لا [تسهوا] كتكبير الجنائز"، وأشار بأصابعه،

وقبض إبهامه).
قالوا: ولأنها تكبيرات متواليات في حال القيام؛ فوجب أن تكون أربعا كتكبيرات الجنائز قالوا: ولأنه ثناء دون عدو في ركن مخصوص؛ فوجب جواز الاقتصار منه على ثلاثة؛ دليله تسبيحات الركوع والسجود.
والدلالة على صحة قولنا ما رواه أشهب عن عروة عن عائشة رضى الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر والأضحى؛ في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات).
وروى أبو [الأسود] عن عروة عن عائشة رضي الله عنها وأبي واقد الليثي (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالناس يوم الفطر والأضحى [ق/3 أ] وكبر في الأولى سبعا، وكبر في الآخرة خمسا).
وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يكبر في العيدين في الركعة الأولى سبع تكبيرات وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات قبل القراءات).

وروى عبد الله بن عامر الأسلمي عن نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنه كان يكبر في العيدين في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة خمس تكبيرات قبل القراءات).
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما".
وروى القاض أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا أبو ثابت محمد بن عبد الله قال: حدثنا عبد الرحمن بن سعيد المؤذن عن عبد الله ابن محمد بن عمار وعفان بن حفص المؤذنين عن آبائهم عن أجدادهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الأولى سبعا، وفي الآخرة خمسا.

وإذا ثبت هذا، فأخبارنا أولى من أخبارهم بضروب من الترجيح: أحدها: أن رواة أخبارنا أكثر عددا؛ لأنا رويناها من طريق عائشة رضي الله عنها، وابن عمر، وعبد الله بن عمر، وأبي واقد الليثي، وعمرو بن عوف وغيرهم من نقل أهل المدينة.
خلفا عن سلف وأخبارهم مروية عن أبي موسى، وقيل: ابن مسعود.
والثاني: أن ما ذكرناه من نقل أهل المدنية خلفا عن سلف على ما حكيناه.
وهذا القدر لو انفرد لكان حجة، وقد عضده ما قدمناه.
والثالث: أن أخبارنا أزيد وخبرهم أنقص، والزائد من الخبرين أولى من الناقص.
فإن قالوا: أخبارنا أولى؛ لأنها حكاية قول، وأخباركم حكاية فعل.
قلنا: ليس في أخباركم إلا الفعل دون القول.
فإن ذكروا قوله: "لا تسهوا كتكبير الجنائز" فهذه الإشارة راجعة إلى الفعل المتقدم، وليست بفعل مبتدأ.

على أنا قد روينا أيضا نصا في موضع الخلاف؛ فقد ساويناكم في القول، وما رويناه أولى؛ لأنه ابتداء حكم وتعليم شرع.
واعتبارهم بصلاة الجنازة غير صحيح؛ لأن التكبير فيها أقيم مقام الركوع، وليس كذلك تكبير العيد.
واعتبارهم بالتسبيح في الركوع والسجود باطل أيضا؛ لأنه ليس بمقدر بثلاث ولا غيرها، ولأنه لما جاز الاقتصار على أقل من ثلاث والزيادة عليها جاز الاقتصاد عليها، وليس كذلك ها هنا، والله أعلم.
فصل فأما الكلام على الشافعي فهو أنه لما روى أنه صلى الله عليه وسلم كبر سبعا في الأولى، وخمسا في الآخرة وجب أن يكون ذلك بتكبيرة الإحرام؛ لأنه لو كان هذا سوى تكبيرة الإحرام لكان قد كبر ثمانيا، وهذا خلاف الخبر.
وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "التكبير في الفطر سبع في الأولى"، وأشار إلى كل التكبير المفعول في الأولى، فلم يبق تكبير سواه.
فإن قيل: لا يخلو هذا من أن يكون إشارة إلى التكبيرات الزوائد أو إلى جميع التكبير في الركعة الأولى، فلما بطل أن يكون إشارة إلى جميع التكبيرة في الركعة الأولى لأنها تشتمل على أكثر من هذا؛ لأن فيها تكبيرة للركوع وأخرى للسجود وغير ذلك ثبت أنه إشارة إلى الزوائد.
فالجواب: أنه قد خلى إلى أقسام أخر زيادة على ما ذكروه؛ وهو أنه إشارة إلى التكبيرة حال القيام، أو إشارة إلى التكبير الذي يؤتى بعده

بالقراءة، وعلى أن في الخبر ما يدل على أن الإشارة راجعة إلى هذا؛ وهو قوله: "والقراءة بعدهما كلتيهما"؛ فنبه بذلك على أنه إشارة إلى التكبير الذي بمقدم القراءة، لا إلى الزائد، والله أعلم.
فصل فأما تكبيرة الإحرام فإنها الأولى من التكبيرات، وذلك لأنها لو لم تكن الأولى لكان ما وقع من التكبير قبلها واقعا في غير صلاة؛ لأنه لا يكون داخلا في الصلاة إلا بالإحرام؛ فما قبل ذلك من الأفعال فهو واقع قبل الصلاة، وهذا باطل؛ فوجب أن تكون تكبيرة الإحرام هي الأولى.
فصل قال الشافعي- رحمه الله: إذا كبر تكبيرة الإحرام فإنه يقول: ﴿وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض..﴾ الآية.
ووافقنا على أن القراءة بعد انقضاء التكبير.
قال: وإنما قلت: إنه يستفتح بالتوجيه عقيب الإحرام؛ لأنه استفتاح في الصلاة؛ فوجب أن يكو تعقيب الإحرام؛ أصله سائر الصلوات.

وهذا ليس بصحيح، وذلك لأن الأصل عندنا أن تكبيرة الإحرام لا يستحب أن يليها غير القراءة في كل الصلوات فلم يسلم لهم هذا الأصل على أن المعنى في توجيه سائر الصلوات أنه توجيه يليه القراءة، وليس كذلك هاهنا.
فصل ووافقنا أبو حنيفة وأصحابه في أن القراءة في الركعة الأولى بعد التكبير كله، وخالفونا في الركعة الثانية؛ فقالوا: يقرأ قبل التكبيرات الزوائد، فإذا فرغ من القراءة أتى بالتكبيرات ووصلها بتكبيرة الركوع، واستدلوا بما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى بين القراءتين، والموالاة بينهما لا تقع إلا على ما يقول إنه يؤخر [ق/4 أ] القراءة في الأولى عن التكبير، ويقدمها في الثانية.
قالوا: ولأنه ذكر في الركعة الثانية؛ فوجب أن يكون محله بعد القراءة.
أصله القنوت، ويعنون بالذكر: التكبيرات الزوائد.
قالوا: ولأن كل صلاة يؤتى في الركعة الأولى منها بالتكبير قبل القراءة

وبالثانية يبدأ بالقراءة؛ فكذلك صلاة العيد.
والدلالة على صحة قولنا ما رواه يزيد بن أبي حبيب ويونس بن زيد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم الفطر والأضحى في الأولى سبعا، وفي الثانية خمسا قبل القراءة.
وقد روينا من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الثانية، والقراءة بعدهما" وهذا نص في موضع الخلاف.
وروى من طريق آخر رواه سليمان بن حبان عن أبي يعلي الطائفي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر في الأولى سبعا، ثم يقرأ، ثم يقوم فيكبر، ثم يقرأ، ثم يركع.
وفي حديث عمرو بن عوف أنه صلى الله عليه وسلم كبر في الثانية خمس تكبيرات قبل القراءة.
وفي حديث عبد الله بن عمر: أن التكبيرات معا قبل القراءة.

ولأنها تكبيرات زوائد في صلاة عيد فوجب أن تكون قبل القراءة؛ اعتبارا بتكبيرة الأولى، ولأنها ركعة لا قنوت فيها؛ فوجب أن لا يلي القراءة فيها إلا تكبيرة الركوع؛ اعتبارا بسائر الصلوات، ولأن كل ذكر تكرر في الركعات [كان] الثاني محل الأول؛ اعتبارا بالسورة الزائدة، وقد ثبت أن محل القراءة في الركعة الأولى بعد التكبير؛ فوجب أن يكون كذلك في الركعة الثانية.
وإذا ثبت هذا فما رووه أنه صلى الله عليه وسلم والى بين القراءتين لا يصح لهم التعلق به؛ لأن الموالاة بين الشيئين هي المتابعة بينهما من غير فصل، وهذا غير موجود في مسألتنا؛ لأن بين القراءتين أفعال كثيرة وأذكار أو تكبيرات.
فإن قالوا: فلا فائدة في نقله إذا لم يصح ما نقوله.
قلنا: يجوز أن يكون أراد به [أنه] أتى بالقراءة بعد التكبير في الركعتين معا، على أن الذي رويناه أولى؛ لأنه نص لا يحتمل، وخبرهم محتمل، وعلى أنا روينا قولا وفعلا، وهم رووا الفعل دون القول؛ فكان ما رويناه أرجح من هذه الوجوه، وما ذكروه من الأقيسة مدفوع بالنص الذي هو قوله صلى الله عليه وسلم: "والقراءة بعد التكبير في كلتيهما"، وغير ذلك مما رويناه على أن المعنى في القنوت أ، هـ جنس لا يتقدم على القراءة- وهو الدعاء-؛ لأن موضع الدعاء بعد القراءة في الصلاة كلها؛ وليس كذلك

التكبير في القيام؛ لأن موضعه قبل القراءة؛ اعتبارا بالركعة الأولى، وقياسهم الآخر غير صحيح؛ لأنه يؤتى بالتكبير في الثانية قبل القراءة، وهو التكبيرة التي يرفع بها من السجود؛ لأنها واقعة في الركعة الثانية، والله أعلم.
مسألة قال القاضي عبد الوهاب: ويرفع يديه في تكبيرة الإحرام دون غيرها.
قال مالك- رحمه الله-: وليس فيما بعدها سنة لازمة من شاء رفع.
ومن شاء لم يرفع.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يرفعهما في الإحرام وفي التكبيرات الزوائد، واختلفا في تكبيرة الركوع؛ فقال أبو حنيفة: لا يرفعهما في تكبيرة الركوع.
وقال الشافعي: يرفعهما فيها.
قالوا: لأن ذلك مروي عن عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه، ولا مخالف له.

وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ترفع اليد إلا في سبعة مواطن"؛ فذكر العيدين، ولأنه تكبير حال القيام فأشبه تكبيرة الإحرام.
وهذا ليس بصحيح؛ لأنا لم نمنع من فعل ذلك لأن الخلاف بيننا في أنه سنة كتكبيرة الإحرام، وليس في حديث عمر- رضوان الله عليه ما يدل عليه، وما ذكروه من رواية ابن عباس غير معروف، ولو صح لم تكن فيه دلالة؛ لأنه استثناء من حصر؛ فأكثر ما يفيد أنه غير محظور، وخلافنا في وصف زائد على إباحته، والمعنى في تكبيرة الإحرام، هـ تستفتح بها الصلاة، وليس كذلك ما بعدها، والله أعلم.
فصل قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله-: قال مالك- رحمه الله: وليس بين التكبير صمت إلا قد رما يكبر الناس.
وقال في موضع آخر: وليس بين التكبير موضع لدعاء ولا غيره من الأذكار.
وقال الشافعي- رحمه الله-: يقف بين كل تكبيرتين مقدار آية لا طويلة ولا قصيرة، ويحمد الله عز وجل فيها ويكبره ويهلله؛ لما روي عن

ابن مسعود أنه كان يحمد الله- تعالى- ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين.
ولا مخالف له.
ولأنها تكبيرات زوائد حال القيام؛ فوجب أن تتضمن بين كل تكبيرتين ذكرا أصله تكبيرات الجنازة.
ولأن كل تكبيرتين يجوز أن يكون ما بينهما ذكرا كتكبيرة السجود والرفع من السجود.
ولأنه ليس في الصلاة موضع للسكت.
والأصل في هذا أنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم [ق/5 أ] توقيف في ذلك؛ فوجب ألا يثبت كونه مسنونا ولا غيره إلا بدليل، ولأن تقدير ذلك بقدر آية لا طويلة ولا قصيرة تقدير له بما لا دليل له ولا توقيف فيه؛ فلا فصل بينه وبين ما سواه من المقادير، وما رووه عن ابن مسعود فليس فيه أكثر من أنه كان يفعل ذلك، وهذا القدر لا يثبت كونه مسنونا، ولأنه ليس في الخبر أنه كان يقف الوقوف الذي قدروه أيضا.
واعتبارهم بتكبيرات الجنازة باطل؛ لأنه لا معنى لقولهم زائد لأنها موضوعة على هذا الترتيب ابتداء، وليس كذلك صلاة العيد؛ لأنها على بنية سائر الصلوات إلا أنها مخالفة لها في هذا المقدار فقط؛ فصح أن يقال: إن التكبيرات فيها زوائد.
وقولهم: في حال القيام.

لا تأثير له في الأصل أيضا؛ لأنه لا حال للصلاة على الجنازة إلا حال

القيام، وأيضا فإن المعنى في ذلك أن صلاة الجنازة تتضمن الذكر والدعاء، فلو لم يجعل ذلك في حال القيام لأدى ذلك إلى بطلانه؛ لأنه ليس فيها موضع سوى القيام، وهو ما بين التكبيرات، والمعنى في التكبيرات الركوع والسجود أنه خارج من ركن إلى ركن يخالفه.
وقولهم: ليس في الصلاة موضع للسكت.
فلسنا نقول: إن السكوت سنة وأصل، وإنما يفعله انتظارا لفراغ من خلفه إن كان إماما، أو لا إمام إن كان مأموما، والله أعلم.
فرع قال القاضي عبد الوهاب- رحمه الله-: قال مالك رحمه الله: إذا سها الإمام فقرأ قبل التكبير أتى بالتكبير، ثم أعاد القراءة، وسجد بعد السلام.
وهذا ما لم يركع.
وقال الشافعي رحمه الله: في القديم، يعود إلى التكبير ويركع.
قال أصحابه: لأن التكبيرات هيئات في الصلاة، وترك الهيئات لا يوجب العود إليها إذا جاوز محلها؛ أصله إذا ترك السورة مع الحمد حتى ركع، ومحل التكبيرات قبل القراءة كما أن محل القراءة قبل الركوع.
وهذا الذي قالوه ليس بصحيح؛ وذلك لأن محل القراءة في صلاة العيد بعد التكبير، فإذا أتى بها قبله ولم يفت محل التكبير- الذي هو القيام- وجب أن يأتي به، ألا ترى أن محل السورة هو بعد قراءة الحمد فإذا أتى بها قبلها أتى بالحمد؛ فكذلك هاهنا، ولا معنى لتفريقهم بين الموضعين بأن قراءة الحمد من شرط صحة الصلاة وليس كذلك التكبير؛

لأن ذلك لا يخرجه عما قلناه من وقوع كل واحد منهما في غير محله.
وقولهم: إن ترك الهيئات لا يرجع إليها إذا جاز محلها.
فكذلك نقول، ولكن ما لم يركع فمحل التكبير باق، وليس يخرجه عن بقاء محله تقديم القراءة في غير موضعها.
فرع قال القاضي أبو محمد بعد الوهاب- رحمه الله: إذا أتى بالتكبير أعاد القراءة، ولم يعتد بالقراءة الأولى، وفيه خلاف على مذهب الشافعي، وإنما قلنا ذلك؛ لأن محل القراءة باق عندنا ما لم يركع؛ فيجب أن يأتي بها لبقاء محلها.
وأما سجود السهو فلأنه تارك لمسنون- وهو التكبير- فيلزمه السهو.
وإنما قلنا: إنه بعد السلام؛ لأنه سهو زيادة، ألا ترى أن القراءة الأولى غير معتد بها وإنما الاعتداد بالقراءة الثانية.
فإن لم يذكر حتى ركع مضى وسجد قبل السلام لتركه التكبير.
فرع قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله- قال عبد الملك بن عبد العزيز: إذا جاء المأموم وقد كبر الإمام بعض التكبير كبر بتكبيره، ولم يقض ما فاته من التكبير، وإن كان بين تكبيرات الإمام من الفرج ما يمكنه أن يقضي الفائت فيه فليس ذلك عليه، فإن فاته التكبير كله كبر للإحرام فقط.

قال: لأن التكبير الذي فاته بعد الافتتاح بمنزلة القراءة، فلما كان لا يقضي ما فاته من القراءة فكذلك التكبير.
فرع قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: إذا أدرك مع الإمام ركعة فإنه يكبر فيها للإحرام، ثم يكبر بتكبير الإمام.
وكيف يقضي التي فاتته؟ هل يقضيها بتكبير أم لا؟ اختلف أصحابنا في ذلك، فذكر القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق أنه قد روى عن مالك أنه يقضي بتكبير.
وقال عبد الملك: يقضى بالقراءة بغير تكبير.
قال عبد الملك: وقد قال بعض أصحابنا: يقوم فيكبر ستا، ثم يقرأ بأم القرآن وسورة جهرا.
قال عبد الملك: ولست أقول به.
قيل له: أفيكبر سبعا؟ قال: لا، هذا لم يقله أحد؛ لأنه إذا فعل ذلك صار مفتتحا للصلاة مرتين، وافتتاحه مع الإمام لا يقضى، ألا ترى لمن فاته شيء من سائر

الصلوات فإنما هذا إذا قضى حين يقوم بالقراءة ولا بعد الافتتاح.
ثم عدنا إلى الكتاب.
مسألة قال رحمه الله: ثم يرقى المنبر، ويخطب، ويجلس في أول خطبته ووسطها، ثم ينصرف.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: قوله: إن الخطبة بعد الصلاة في العيدين معا؛ فذلك لما رواه ابن جريج عن عطاء عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يوم الفطر فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم خطب الناس [ق/6 أ] صلى الله عليه وسلم.
وروى شعبة عن أيوب عن عطاء قال: أشهد على ابن عباس، وشهد ابن عباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج يوم فطر فصلى، ثم خطب وروى ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن طاووس عن ابن عباس قال: شهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر، ومع عمر رضي الله عنهما فبدؤوا بالصلاة قبل الخطبة.
وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر

وعمر رضوان الله عليهما كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة.
ورواه البراء بن عازب، وجندب بن عبد الله من الصحابة رضي الله عنهم.
وروى سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي عبيد مولى بن أزهر قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم شهدت العيد مع عثمان بن عفان رضي الله عنه، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم شهدت العيد مع علي بن أبي طالب- رضي الله عنه، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة.
قال: وأول من أحدث تقديم الخطبة على الصلاة بنو أمية ثم رجع الأمر في ولاية بين العباس إلى ما كان عليه.
وروى عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري أنه أقبل هو ومروان ابن الحكم يوم العيد إلى المصلى، فذهب مروان يريد المنبر قبل أن يصلي، فجذبه أبو سعيد، فقال له: الصلاة، فقال مروان: ترك ما تعلم يا أبا سعيد، فقال أبو سعيد: [كلا] والله لا تأتون بخير [مما] أعلم؛ فبدأ مروان بالخطبة.

فصل وقوله: (إذا صعد المنبر جلس، ثم قام فخطب) فهو إحدى الروايتين عن مالك، وعنه رواية أخرى:: أنه إذا صعد المنبر خطب ولم يجلس، بخلاف الجمعة رواه عبد الملك عنه.
فوجه هذه الرواية هو أن الجلوس في الجمعة إنما يكون لأجل الأذان، وهذا المعنى معدوم في العيد؛ فلم يكن للجلوس معنى.
ووجه الرواية الأولى هو أن الجلوس هاهنا لمعنيين: أحدهما: الاستراحة من تعب الصعود.
والآخر: وهو أحسن من هذا- ليأخذ الناس مجالسهم؛ لأن العبادة جارة بأن الناس يزدحمون ويكثر اجتماعهم إلى جهة المنبر؛ لاستماع الخطبة، فلو خطب وقت صعوده لفاتهم سماع بعض الخطبة، وهو القدر الذي يأتي به قبل أخذهم مواضعهم، فإذا جلس حتى يأخذوا أمكنتهم وتستوي لهم مواضعهم سمعوا جميع الخطبة، ولم يفتهم شيء منها.
وهذه الرواية أولى من الأولى.
والجواب عن ما ذكرناه.
هو أنه لا فائدة للجلوس إلا انتظار الأذان؛ لأن له فوائد سواه، وهو ما ذكرناه.
وعلى أنا لم نعتبر قياسا على الجمعة حتى إذا افترق المعنى في الموضعين بطل الاعتبار، وإنما اعتبرنا ذلك بالمعنى الذي بيناه، والله أعلم.

فصل وقوله: (يجلس بين الخطبتين) فكذلك روى في صفة خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى أنه كان يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم صلى الله عليه وسلم فيخطب.
رواه ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم.
ولم يفضلوا بين العيدين والجمعة والاستسقاء؛ فوجب حمله على الأمرين.
ولأن الخطب واحدة في الأعياد والجمع والاستسقاء.
مسألة قال رحمه الله: ويستح أن يرجع في ريق غير الطريق التي أتى منها.
والناس كذلك.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لأن

رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يفعل؛ فاستحب الاقتداء به؛ فروى عبد الله العمري عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيد من طريق ويرجع من آخر.
وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم العيد في طريق ويرجع في غيره.
قال مالك- رحمه الله: وأدركنا الأئمة رضي الله عنهم يفعلون ذلك.
وقد ذكر الناس في فوائد هذا الفعل [أشياء] بعضها يقرب من الإمكان، ويحتمل أن يقال: وكثير منها دعاوى فارغة واختراعات غثة، ونحن نذكر بعض ما قيل في ذلك؛ فأقوى ما ذكر فيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ليعم الله بركته صلى الله عليه وسلم من كل جهة، ويراه في الطريق الذي رجع فيه من لم يره صلى الله عليه وسلم في الطريق الذي غدا منه.
وقيل أيضا: مراده بذلك أن يتسع الطريق على الناس، وتقل الزحمة، ويخف الجمع؛ فلا تتأذى الناس بكثرة الزحام.
وقيل أيضا: إن مراده صلى الله عليه وسلم بذلك أن يعم الناس بالصدقة؛ لأنه قد يكون في الطريق الذي رجع فيه من الفقراء من لا يمكنه الحركة، فإذا رجع من ذلك تصدق عليهم، وإذا رجع من الطريق الذي أتى منها لم تلحقهم صدقته صلى الله عليه وسلم.
وقيل: إنه كان يفعل ذلك لأنه كان يسأل صلى الله عليه وسلم عن أشياء من أحكام

الشريعة، فكان يرجع في غير الطريق التي خرج منها، ليسأله من لم يكن سأله.
وهذا والذي قبله سواء [ق/7 أ].
وقال بعضهم: فائدة ذلك أن يساوي بين الطرق؛ لأن الطريق الذي يمشي فيه له مزية وفضيلة على غيره، فأراد أن يرجع في غيره للتسوية بين الطريقين.
وهذا ليس بشيء.
وقال هذا القائل: يحتمل أن يكون فعل ذلك لجواز أن يكون اليهود كمنت له كمينا.
وهذا أيضا لا معنى هل؛ لأن الأخبار واردة بتكرر هذا الفعل منه.
واحتمال ما ذكروه بعيد أن يتفق أبدا.
ولأن هذا الاحتمال ليس له أماره تقتضي تخصيصه بالعيد دون غيره من أوقات مشيه وجموعه؛ فيبطل التعلق به.
وكان أقوى ما يذكر في ذلك ما قدمناه.
مسألة قال رحمه الله: وإن كان في الأضحى خرج بأضحيته إلى أن يأتي المصلى فيذبحها، أو ينحر ما ينحر؛ ليعلم ذلك الناس فيذبحون بعده.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: وهذا لأنه لا يجوز لأحد عندنا أن يذبح قبل أن يذبح الإمام؛ فيجب أن يخرج بأضحيته إلى المصلى ليقف الناس على ذبحه، فإذا علموا ذلك ذبحوا بعده.

مسألة قال رحمه الله: وليذكر الله تعالى في خروجه من بيته في الفطر والأضحى جهرا حتى يأتي المصلى؛ يفعله الإمام والناس وكذلك، فإذا دخل الإمام للصلاة إلى المصلى قطعوا ذلك.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رضي الله عنه: اعلم أن الذي قاله هو قولنا، وقول الشافعي- رحمه الله: وقال أبو حنيفة- رضي الله عنه: لا يكبر يوم الفطر في الممشى، ولا في الجلوس؛ لما روي أن ابن عباس سئل عن رجل كبر في يوم الفطر فقال: كبر الإمام؟ قيل: لا.
قال: ذلك رجل أحمق.
والأصل في هذا قوله تعالى... ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾.
قال ابن عباس: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا الله- عز وجل- حتى يفرغوا من عيدهم؛ لأن الله- تعالى- يقول: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾.
وروى [يزيد] بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر فيكبر حين يرخج من بيته حتى يأتي

المصلى، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير.
رواه بعض من وافقنا مسندا عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى صلاة فطر والأضحى رافعا صوته بالتكبير.
ورواه عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غدا إلى المصلى أمرنا أن نلبس أجود ما نقدر عليه من الثياب، وأن نخرج وعلينا السكينة والوقار، وأن نجهر بالتكبير.
وروى أن سحن بن علي- رضي الله عنه- خرج يوم العيد على بعله فكبر حتى أتى المصلى.
وروى يحيى بن سعيد بن القطان عن ابن عجلان عن نافع أن ابن عمر [كان يغدو] إلى العيدين فيكبر حتى يأتي المصلى.

وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد الليثي عن نافع عن انب عمر كان يجهر بالتكبير يوم الفطر إذا غدا إلى المصلى حتى يخرج الإمام فيكبر بتكبيره.
وروى الأعمش عن تميم بن سلمة قال: خرج ابن الزبير يوم النحر فلم يرهم يكبرون، فقال: ما لهم لا يكبرون، أما والله لئن فعلوا ذلك لقد رأيتني في العسكر ما يرى طرفاه فيكبر الرجل الذي ليله حتى يرتج العسكر، وإن بينكم وبينهم كما بني الأرض السفلى إلى السماء العليا.
وأيضا فلأنه يوم عيد لا يتكرر في السنة؛ فأشبه يوم الأضحى.
وما رووه عن ابن عباس فيحتمل أن يكون أنكر تكبيرهم والإمام على المنبر؛ لأن الواجب ألا يكبروا في تلك الحال إلا بتكبير الإمام، بل نقل ذلك؛ فروى معن بن عيسى عن ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس قال: كنت مع ابن عباس في المصلى فسمع الناس يكبرون والإمام يخطب فقال ابن عباس: ما للناس كبروا؟ أكبر الإمام؟ قلت: لا.
قال: مجانين الناس.
فبان بذلك ما قلناه.
مسألة قال رحمه الله: ويكبرون بتكبير الإمام في خطبته، وينصتون فيما

سوى ذلك.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: أما وجوب الإنصات له في الخطبة فلأن عليهم استماعها؛ لقوله تعالى ذكره: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾.
قيل: نزلت في القراءة في الصلاة، وفي الخطبة، واعتبارا بالخطبة في الجمعة.
فأما التكبير فيها؛ فلما رواه مالك عن سليمان بن يسار وعطاء بن يسار أنهما قالا: إذا صعد الإمام على المنبر بين العمودين فليكبر.
قال أبو سهيل: وذلك الذي أدركت عليه الناس.
وروى معن بن عيسى عن بلال بن أبي مسلم قال: سمعت عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه بدأ بالتكبير حين صعد المنبر يوم العيد.
فلهذا قال مالك: إنه يكبر في الخطبة.
قال مالك: وليس في التكبير عدد معلوم؛ وذلك لأن الروايتين عن التابعين مختلفة في عدده، ولم يرد فيه نص ولا حكاية فعل عن النبي صلى الله عليه وسلم فمهما فعل من ذلك جاز؛ فروى سفيان الثوري عن محمد بن عبد الرحمن القارئ عن عبد الله بن بعد الله بنعتبة قال: من السنة أن يكبر

الإمام على المنبر في العيدين [تسعا] [ق/8 أ] قبل الخطبة وسبعا بعدها يكبر في الخطبة الثانية.
وروى حماد بن زيد عن الحسن بن أبي الحسناء [عن الحسن] البصري قال: يكبر يوم العيد على المنبر أربع عشرة تكبيرة.
وروى عن الشعبي- رحمه الله قال: التكبير على المنبر يوم العيد سبع وعشرين تكبيرة.
فأما تكبير الناس بتكبير الإمام على المنبر فقد اختلف مالك والمغيرة فيه؛ فقال مالك رحمه الله: يكبر الناس بتكبير الإمام وينصتون له إذا انقطع التكبير.
وقال المغيرة: ينصتون له في حال التكبير، ولا يكبرون بتكبيره.
وحكاه عنه عبد الملك.
قال: وكان يرى أن التكبير من الإمام في الخطبة خطبة يجب أن ينصت لها.
فوجه قول مالك ما رواه معن بن عيسى عن أبي ذب عن شعبة مولى ابن عباس أنه سمع الناس يكبرون والإمام يخطب فقال لي ابن عباس: ما للناس كبروا؟ أكبر الإمام؟ فقتل: لا.
فقال: مجانين الناس.
فدل هذا على أن لهم أن يكبروا إذا كبر.

وقد روى ابن وهب قال: حدثنا عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد الليثي عن نافع أن ابن عمر كان يكبر يوم الفطر إذا غدا إلى المصلى حتى يخرج الإمام فيكبر بتكبيره.
ولأن التكبير بتكبير الإمام كأنه بأمر الإمام؛ لأن التكبير في هذا اليوم مشروع للناس كلهم، فكأن الإمام إذا كبر فقد استدعى ذلك من الناس.
واحتج المغيرة بأن قال: لأن شروع الإمام في الخطبة يقطع الكلام جملة.
أصله في غير التكبير، وقول مالك أولى؛ لما ذكرناه، والله أعلم.
مسألة.
قال رحمه الله: فإن كانت أيام النحر فليكبر الناس دبر الصلوات من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح في اليوم الرابع منه، وهو آخر أيام منى؛ يكبر إذا صلى الصبح، ثم يقطع.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: اختلف الناس في وقت التكبير خلف الصلوات وانقطاعه؛ فمذهب أصحابنا ما وصفه في الكتاب من التكبيرات، وهو قول ابن عمر.
وقال أبو حنيفة: أول التكبير صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر.

وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: من وقت صلاة فجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدها: مثل قولنا.
والثاني: يبتدئ ليلة النحر بعد المغرب، ووافقنا في آخره.
والثالث: مثل قول أبي يوسف.
والدلالة على ما قلناه أن الله تعالى ذكره خاطب بالتكبير أهل منى؛ فكان الناس تبعا لهم؛ فقال عز وجل: ﴿واذكروا اسم الله﴾، وقال الله سبحانه: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾.
وقد ثبت أن أول التكبير هو عيد النحر بعد رمي جمرة العقبة، فأول صلاة تلي ذلك هي الظهر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق.
وروى ما قلناه عن ابن عمر وغير من الصحابة رضي الله عنهم.
مسألة قال رحمه الله: والتكبير دبر الصلوات: الله أكبر، الله أكبر.
فغن جمع مع التكبير تهليلا وتحميدا فحسن، يقول إن شاء ذلك: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

وقد روى عن مالك هذا، والأول، [وكل [واسع.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: هذا لأن كل ذلك قد روى عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والسلف، فأي ذلك فعل كان واسعا؛ فالأول هو نفس التكبير مجردا وله أصل في الشريعة؛ وهو التكبير في الصلوات، والثاني أحسن؛ لأنه يجمع تجميدا وتهليلا وهو كالتكبير في الخطبة؛ فلذلك كان الجميع واسعا.
وروى الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه أنه كان يكبر في أيام التشريق: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
وروى نحوه عن أبي سعيد.
وروى حميد عن الحسن البصري: كان يكبر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر؛ ثلاث مرات.
وقد روى فيه لفظ آخر ذكره عبد الملك؛ فرواه يزيد بن زريع عن النهاش بن قهم عن عطاء أنه كان يكبر أيام التشريق: الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، والله أمبر على ما هدانا.
مسألة قال رحمه الله: والأيام المعلومات: أيام النحر الثلاثة، والأيام

المعدودات: أيام منى؛ وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: تحصيل هذا أن من هذه الأيام ما هو معلوم غير معدود، ومنها ما هو معدود غير معلوم، ومنها ما يجتمع فيه الأمران؛ فأما المعلوم الذي ليس بمعدود يوم النحر، والمعدود الذي ليس بمعلوم رابع النحر، والمعدود المعلوم ما بينهما.
وهذا الذي كرنا هو مذهب ابن عمر.
وقال الشافعي: الأيام المعلومات أيام العشر كلها.
والدليل على أن يوم النحر معلوم أن النحر يقع فيه، والنحر لا يقع إلا في يوم معلوم.
والدليل على أنه ليس بمعدود أن النفر لا يجوز في غده، ولو كان معدودا لجاز النفر في غده؛ لأن النفر لا يجوز في الثاني من المعدودات.
وهذه المسألة ترد مستفاضة في كتاب الضحايا إن شاء الله [ق/9 أ].
مسألة قال رحمه الله: والغسل للعيدين حسن، وليس بلازم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لما رواه شعبة عن عرو بن مرة عن زاذان أن [رجلا سأل] [على] بن أبي

طالب رضي الله عنه عن الغسل فقال: اغتسل كل يوم إن شئت.
فقال: لا؛ بل الغسل الذي هو الغسل؟ فقال: يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم عرفة.
وروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو.
وفي رواية عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يغتسل للعيدين ولأنه يوم عيد؛ فوجب أن يستحب فيه الغسل كالجمعة.
وهذا التعليل قد ورد به الخبر؛ فروى مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن [السباق] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع: "يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عز وجل عيدا للمسلمين؛ فاغتسلوا فيه".
وعلى أن الغسل له لكونه عيدا؛ فكان كل عيد مثله؛ ولأن ما له استحببنا ذلك في الجمعة موجود في العيدين؛ وهو التنظف وإزالة الأوساخ والروائح كما روى في الحديث أن الناس كانوا عمال أنفسهم، وكانوا

جارٍ التحميل