وهذه الإضافة تدخل لأمرين:
أحدهما: اتحاد الفعل وإيقاعه.
والآخر: الاحتساب والاعتداد به.
وقد علمنا أن المراد به في هذا الوضع أن الاعتداد بالفعل يقع بالنية.
وإذا صح هذا وجب متى لم ينو لصوم رمضان أنه على الواجب عليه وأنه تطوع ألا ينوب له عن فرضه؛ لأنه لم ينوه به.
فإن قيل: إن هذا دليلنا؛ لأنه يوجب أن يكون له ما نواه، وهذا قد نوى الصوم؛ فيجب أن يعتد به.
قيل له: هذا لا يصح من جهة النطق، ولا من جهة الدليل؛ وذلك أن من نوى بصوم رمضان التطوع فعندهم أنه يكون له عن رمضان ولا يكون تطوعا؛ فقد بطل أن يكون له ما نواه بنص الخبر، ودليله يوجب أنه إذا لم يصمه بنية الفرض أن لا يكون له عن الفرض؛ لأنه لم ينوه.
ويدل على ما قلناه أن صوم رمضان عبادة يلزم تعيين النية في قضائها؛ فوجب أن يلزم في أدائها؛ اعتبارا بالصلاة.
وأيضا فلأنه صوم واجب؛ فوجب أن يفتقر إلى تعيين النية، أو فوجب ألا يجزئ بنية النفل.
أصله: النذر والقضاء.
واحتج من خالفنا بقوله صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، ولم يفرق بين صيامه بنية النفل أو الفرض.
فالجواب أنا نقول بموجب هذا الخبر، ولكنا نمنع أن يكون من أمسك رمضان بنية التطوع صائما لرمضان؛ فبطل الاحتجاج، ولأن في ضمن هذا القول أن يصومه على الوجه الذي أمر به فيجب أن يثبتوه في مسألتنا.
واستدلوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أهل العوالي يأمرهم بصيام عاشوراء ولم يأمرهم بتعيين النية.
فالجواب أنه لا دلالة في هذا على سقوط تعيين النية من حيث لم تكن فيه دلالة على سقوط النية على أن أمره لهم إنما كان بالصوم الشرعي، وذلك يتضمن عندنا تعيين النية.
واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل"، وهذا يبيت الصيام.
فالجواب أن هذا دليل لنا؛ لأنه لا يخلو أن يكون أراد أنه لا صيام لمن يبيت الصيام على الوجه المأمور به، فإن أراد على الوجه المأمور به وجب بذلك أن من بيت التطوع لصيام رمضان ألا صوم له وهذا ما نقوله، وإن كان أراد لا صيام لمن لم يبيته على خلاف الوجه المأمور به وجب ألا يجزئ من بيت صيامه على الوجه المأمور به وهذا خلاف قول الأمة.
فإن قيل: بين هذين منزلة؛ وهي أن يبيته مطلقا.
قيل له: هذا أيضا يوجب أن من بيته معينا لم يكن له صوم، وهذا باطل عند كل أحد.
واعتلوا بأنه مستحق العين فأشبه رد الوديعة.
وهذا باطل؛ لأن الوديعة لا تحتاج إلى نية أصلا فضلا من تعينها
فكيف يعلل لسقوط تعين النية ما لا تحتاج إلى أصل النية؟
قالوا: ولأن النية إنما يحتاج إليها لتمييز إمساك العبادة من إمساك العادة، فإذا ميزت بالنية لم يحتج إلى تعين.
وهذا ينتقض بالمسافر وبالنذر والقضاء.
وعلى أنه إذا احتيج إلى النية لتمييز إمساك العبادة من إمساك العادة احتيج أيضا إلى تعينها لتمييز كل إمساك عبادة من إمساك غيرها.
قالوا: ولأن تعيين الله تعالى آكد من تعيين المكلف؛ لأن ما عينه الله لا يمكن تغييره، وهذا يؤدي إلى سقوط أصل النية بهذا الاعتبار، فإذا كان ما ذكروه لا يؤثر في ذلك فكذلك في التعيين [ق/ 139].
مسألة
قال رحمه الله: "وإذا قدم المسافر مفطرا أو طهرت الحائض نهارا فلهم الأكل في بقية يومهما".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا قولنا، وقول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: عليهما أن يمسكا بقية اليوم؛ قالوا: لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء يأمر من لم يكن أكل أن يصوم، ومن أكل أن يتم بقية يومه؛ فأوجب عليهم إمساك بقية يومهم.
قالوا: ولأن كل معنى إذا صادف أول الصوم لزم معه صوم اليوم، فإذا وجد في تضاعيف اليوم لزم به إمساك ما بقى منه.
أصل ذلك: إذا أصبح وعنده أن اليوم من شعبان ثم تبين أنه من رمضان.
وبيان هذا أن الإقامة والصحة لو صادفا اليوم لزم معهما الصوم؛ كما أن العلم بكون اليوم من رمضان لو صادف أول اليوم لزم معه الصوم، فإذا وجد ذلك في بعض اليوم لزم معه الإمساك كما يلزم في الموضع الآخر.
قالوا: ولأنه صحيح مقيم في نهار رمضان؛ فوجب عليه الإمساك.
أصله: إذا دخل من الليل، أو نسى النية.
قالوا: ولأن كل معنى أوجب الصوم في المستقبل أوجب إمساك بقية اليوم؛ اعتبارا ببلوغ الصبي أو إسلام الكافر.
والدلالة على ما قلناه أن كل من له أن يفطر أول اليوم في الظاهر والباطن فله أن يأكل بقية نهاره، ولا يلزمه الإمساك ما بقي من يومه.
أصله: إذا أصبح مسافرا أو استدام سفره إلى الليل، وكذلك المريض.
عكسه: إذا أصبح وعنده أن اليوم من شعبان، ثم ثبت أنه من رمضان فإنه يمسك بقية يومه؛ لأنه وإن كان له في الظاهر أن يأكل في أول النهار فليس له ذلك في الباطن.
فإن قيل: ينتقض بالصبي إذا بلغ في بعض اليوم؛ لأنه ممكن كان له أن يفطر في أول اليوم ثم مع ذلك يلزمه الكف.
قيل له: لا يلزم ذلك؛ لأنا نقول: إنه يجب عليه الكف بل يستحب
له، وعلى أنا قلنا أفطر وله أن يفطر، وهذا يفيد أن الإفطار مباح له.
والصبي لا يدخل في هذا؛ لأنه من لا يلزمه حكم العبادات، ولا يقال له إنه أبيح له أو حظر عليه.
فأما حديث عاشوراء فلا حجة فيه؛ لأن الأمر بالإمساك عندنا فيه كان على الندب دون الوجوب.
وقياسهم على من أكل وعنده أن اليوم من شعبان ثم تبين أنه رمضان باطل؛ لأنه أفطر، وفي الباطن الفطر غير مباح له؛ فلذلك الإمساك وليس كذلك في مسألتنا.
وكذلك اعتبارهم بمن نسي النية، واعتبارهم ببلوغ الصبي لا نسلمه على ما بيناه.
مسألة
قال رحمه الله: "ومن أفطر في تطوعه عامدا، أو سافر فيه فأفطر [في سفره] فعليه القضاء.
وإن أفطر ساهيا فلا قضاء عليه، بخلاف الفريضة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: أعلم أن هذا الفصل يشتمل على عدة مسائل:
أولها: من دخل في صوم التطوع فليس له الخروج منه من غير عذر.
والثانية: أنه أفطر من غير عذر لزمه القضاء.
والثالثة: أنه إن أفطر لعذر فلا قضاء عليه.
والرابعة: بيان الأعذار التي تبيح الخروج منه.
ونحن نبين ذلك، ونستوفي الكلام عليه إن شاء الله.
فصل
فأما وجوب إتمام الصوم المتطوع به على الداخل فيه، وإيجاب القضاء على من أفطره بغير عذر فهو قولنا وقول أبو حنيفة، إلا أن أبا حنيفة يزيد علينا فيقول: إن عليه القضاء إذا أفطر بعذر وغير عذر، ونحن نسقط القضاء مع العذر، على اختلاف بين أصحابنا في صفة العذر سنذكره.
وذهب الشافعي إلى أن الصائم المتطوع بالخيار بين إتمامه وبين قطعه، ولا قضاء عليه، سواء أفطر لعذر أو لغير عذر.
فنبدأ بالكلام على الشافعي؛ لأن أصل الكلام معه، والكلام في الفصلين يتقارب.
والذي يدل على أن على الداخل في صيام التطوع إتمامه وإنه ليس له الخروج منه من غير عذر قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾؛ فأمر كل عاقد على نفسه عقدا أن يفي به، والأمر على الوجوب.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾؛ فنهى عن إبطال العمل، وفي تركه إتمام الصيام إبطال له؛ فوجب أن يكون ممنوعا منه.
فإن قيل: ليس في إفطاره إبطال لم مضى من الإمساك؛ لأن ثوابه قد حصل له.
قيل له: ليس الأمر كذلك؛ لأنه إذا اختار قطعه سقط ثوابه عليه، وصار كأنه لم يفعل شيئا، وإنما حصول الثواب له مشروطا بتمام العمل.
ويدل على ما قلناه أيضا قوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾؛ فذم من ألزم نفسه طاعة الله عز وجل ابتداء ثم تركها ولم يرعها، وألحق الوعيد به؛ فكان في ذلك أقوى التنبيه على وجوبه.
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾؛ فالتعلق في عموم هذا الظاهر في كل صيام وكل صوم في [ق/ 40 أ] وجوب إتمام إلى الليل فرضا كان أو نفلا.
ويدل على ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي حيث سأله عن الإسلام فذكر له الصلاة والصيام.
فقال: هل علي غيرهن؟ قالا: "لا إلا أن تطوع"، وهذا يدل على أن من تطوع به فقد صار عليه، وإذا صار عليه لزمه إتمامه، ولم يجز له تركه إلا بدليل.
فإن قيل: إن هذا دليلنا؛ لأن الأعرابي لما سأل عما فرض الله عليه لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم في جواب ذلك: وصيام التطوع إذا دخلت فيه.
فالجواب أن هذا لا يلزم من وجهين:
أحدهما: أن الأعرابي إنما سأل عما أوجبه الله عليه ابتداء بأصل الشرع لا عن غيره، ولم يسأل عما يصير واجبا بغير ذلك؛ ألا ترى أنه قال: (والله لا زدت عليهن ولا نقصت منهن)؛ فلذلك اقتصر به على القدر الذي ذكره.
ويبين ذلك أنه لا خلاف في لزوم النذر وإن لم يذكره في الواجبات؛ للمعنى الذي قلناه من أنه اقتصر به على ما أوجبه الله تعالى ابتداء.
والوجه الآخر: هو أنه قد ذكر ذلك في سياق الخبر، فكان بمنزلة قوله: وما دخلت فيه من التطوع.
فإن قيل: فقد قال الأعرابي: (والله لا زدت عليهن ولا نقصت منهن) فقد أفلح إن صدق؛ وهذا ينفي وجوب ما عدا ذلك.
قيل له: هذا لا تعلق فيه؛ لأنه إنما ينفي وجوب ابتداء ما عدا الصلوات الخمس وابتداء ما سوى صوم رمضان.
فأما إتمام ما دخل فيه من التطوع فواجب بقوله: "إلا أن تطوع"؛ ويدل على ذلك ما رواه شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصم المرأة يوما من غير شهر رمضان وزوجها شاهد إلا بإذنه".
ورواه عبد الرازق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصومن المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه غير رمضان، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه".
والمعنى في ذلك أنها تمنع زوجها من وطئها؛ وهذا يدل على أن عليها إتمام التطوع إذا دخلت فيه؛ لأنه لو لم يكن ذلك عليها لكان للزوج أن يفرطها للحق الذي له في وطئها؛ ولما كان يضره أن تصوم من غير إذنه لأنه لا حرج عليه في قطع ذلك عليها.
وقد روي هذا الذي قلناه في بعض طرق الحديث؛ فروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس.
قال: وصفوان عنده؛ فسأله عما قالت: فقال: يا رسول الله أما قولها (يضربني إذا صليت) فإنها تقرأ سورتين وقد نهيتها فقال صلى الله عليه وسلم: "لو كانت سورة واحدة لكفت الناس".
قال: وأما قولها: (يفطرني إذا صمت) فإنها تطلق فتصوم وأنا رجل شاب فلا أصبر.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: "لا تصومن امرأة إلا بإذن زوجها"، وذكر ما في الحديث.
فإن قيل: ليس في هذا دلالة على وجوب إتمام ما دخلت فيه عليها؛ لأنه يحتمل أن يكون نهيه عن ذلك لأن زوجها يكره أن يقدم على قطعها عن إتمام الصوم وإن كان محتاجا إليها.
قيل له: قد أجبنا عن هذا في نفس الاستدلال حيث قلنا: إنه لو كان له أن يفطرها ولو كان لها الإفطار وترك الإتمام لم يكن لإيقاف الصوم على
إذنه معنى؛ لأنه كان يصلي إلى حاجته، ولم يكن دخولها في الصوم مانعا لها من ذلك، وليس يجوز أن يكون الأمر واجبا من أجل ما ليس بواجب.
وإذا صح هذا بطل ما قالوه.
ويدل على ذلك ما رواه ابن وهب عن الحارث بن نبهان عن عبد [الواحد] بن زيد عن عبادة بن نسي قال: دخلت على شداد وهو يبكي قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت في وجهه شيئا؛ فقلت يا رسول الله: ما هذا الذي أرى في وجهك؟ فقال: "أمران أتخوفهما على أمتي من بعدي: الشرك، والشهوة الخفية؛ أما إنهم لا يعبدوه شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا، ولكنهم يراءون بأعمالهم".
قلت: يا رسول الله، أشرك هذا؟ قال: نعم.
قلت: وما الشهوة الخفية؟ قال: "يصبح أحدهما صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيواقعها ويدع صومه".
ووجه الاستدلال من هذا الخبر هو أنه حذر من ترك الصوم اختيارا، وأخبر عن شدة خوفه عنه على من يفعله.
وهذا أقوى دليل في المنع منه؛ لأنه لو كان مخيرا بين إتمامه وقطعه لم يكن يحذر منه كما لا يحذر من ترك سائر المباحات أو المندوبات، وإنما يشتد الخوف بترك الواجبات.
وإذا صح هذا ثبت ما قلناه.
ومن جهة القياس؛ لأنها عبادة مقصودة لنفسها فوجب إذا دخل في فعلها أن يلزمه إتمامها؛ اعتبارا بالحج والعمرة.
فإن قيل: المعنى في ذلك أن نفعله كفرضه في تعلق الكفارة به؛ فلذلك ساواه في لزومه بالدخول فيه.
وليس كذلك الصوم؛ لأن نفله ليس كفرضه في تعلق الكفارة به فلم يلزمه إتمام نفله.
فعن هذا أجوبة:
أحدها: أن وجوب الكفارة بإفساد العبادة لا يؤثر في لزوم إتمامها كما لا يؤثر في ابتداء إيجابها؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال: إن الحجة الثانية لما ساوت الأولى في وجوب الكفارة بإفسادهما وجب لذلك أن تكون واجبة ابتداء؛ فكذلك لا يجب إذا ساوتها في ذلك أن [ق/ 41 أ] يكون إتمامها واجبا.
والثاني: هو أن الحج إنما استوى نفله وفرضه في تعلق الكفارة به لمعنى يرجع إلى تأخير، وليس كذلك الصوم؛ لأن الكفارة تجب فيه لمعنى يرجع إلى عين زمان له حرمة، لا إلى حال الصوم من وجوب أو غيره.
وعلى أن هذه العلة موجودة في القضاء لأن قضاء الحج مساو لأصله في ذلك.
ولا يجب بهذا ألا يكون قضاء الصوم واجبا؛ فكذلك وجوب إتمامه.
واستدل أصحاب الشافعي- رحمه الله- بما رواه طلحة بن يحيى عن عمته عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات
يوم فقربت إليه قعبا فيه حيس خبأناه له، فأكل وقال لها: "أما إني كنت صائما" وروي عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على نسائه فيقول: "هل عندكم من طعام؟ " فإذا قلنا: لا قال: "إني صائم".
والظاهر في حال من يطلب الطعام أنه إنما يطلبه للأكل، ويؤكد ذلك قوله أنه إنما أخبر بأنه ليس عندهم طعام "إني صائم"؛ فمفهوم هذا أنه لو وجد لأكل.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الصائم المتطوع أمير نفسه؛ إن شاء صام وإن شاء أفطر"، وهذا نص في موضع النزاع.
وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصائم بالخيار فيما بينه وبين نصف النهار".
وروى أبو الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم إلى الطعام وهو صائم فليجب؛ فإن شاء طعم وإن شاء ترك"، وهذا ينفي وجوب الإتمام، ولأنها عبادة يخرج بالفساد منها؛ فوجب ألا يلزم بالدخول فيها.
أصله: إذا اعتقد أن عليه صلاة وصوما فدخل فيه، ثم بان أنه ليس عليه.
فالجواب عن ذلك أن حديث طلحة بن يحيى غير صحيح عند أهل النقل؛ قال موسى بن هارون: هذا حديث منكر، وطلحة بن يحيى هذا يروي أحاديث منكرة؛ فمنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دعي إلى جنازة طفل من الأنصار، قالت عائشة: فقلت: عصفور من عصافير الجنة.
فقال: "وما علمك؟ إن الله خلق للجنة أهلا وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا وهم في أصلاب آبائهم"، فأدخل الشك في أطفال المسلمين هل هم في الجنة أم في النار.
لا خلاف بين المسلمين في أن أطفالهم في الجنة.
مع أن النص ورد بذلك في قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾.
وإنما اختلف في أطفال المشركين، فأما أطفال المسلمين فلا خوف أنهم في الجنة؛ فكانت روايته لهذا الحديث من أقوى ما ضعف به عند أهل النقل.
وعلى أنا لو سلمنا صحته لم يكن فيه دلالة على موضع الخلاف؛ لأنه
يجوز أن يكون تعذر إباحة الإفطار، أو أفطر ناسيا، أو ظن أن عليه صوما ولم يكن عليه.
وحمل الخبر على هذا أيضا أولى؛ لأنه يزول معه حمل فعله على الوجه المكروه؛ لأنه لا خلاف أن قطع الصوم اختيارا مع القدرة على إتمامه مكروه، وأن إتمامه إما واجب- على ما نقوله- أو مندوب- على ما يقوله من خالفنا.
فأما أن يكون فعله كتركه فليس بقول لأحد.
وما رووه من أنه صلى الله عليه وسلم كان يدخل على نسائه فيطلب الطعام، فإذا قيل له: لا فقال: "إني صائم" فلا حجة فيها؛ لأن طلب الطعام ينقسم إلى وجوه: منها الأكل، ومنها طلب العلم بحصوله أو عدمه لتسكن نفسه إلى ذلك.
فليس لهم حمله على أحد الأمرين إلا ولنا حمله على الآخر.
فإن قالوا: الظاهر من أمر من يطلب الطعام أنه إنما يطلبه للأكل.
قلنا: ليس هذا ظاهر الطلب؛ لأن ما ذكرناه أيضا في الاحتمال والإمكان مثله من غير ترجيح، ولا مزية لأحدهما على الآخر.
على أنا لو سلمنا هذا لكان في الحديث ما يمنع حمله عليه؛ وهو قوله لما أخبر بأن ليس طعام: "إني صائم" أو "إني كنت صائما" على أنه لم يطلبه للأكل؛ لأن الصائم إنما يطلب الطعام لغرض غير الأكل.
وهذا أولى مما ذكروه.
وما رووه من قوله صلى الله عليه وسلم: "الصائم المتطوع أمير نفسه؛ إن شاء صام وإن شاء أفطر" فاستذلالهم به لا يتم إلا بحمله على ضرب من المجاز.
فنحن أيضا نقابلهم بمثله؛ وذلك أن حقيقة اسم الصائم لمن هو في الحال صائم.
وحقيقة قوله (إن شاء صام) لمن هو في الحال مفطر أنه لا يقال لمن هو
صائم: إن شئت تصوم صمت كما لا يقال للقائم: إن شئت أن تقوم قمت؛ لأن هذا يفيد أمرا مستقبلا.
وإذا صح هذا فمخالفنا يحمل قوله "الصائم المتطوع" على حقيقته؛ وهو الداخل في الصوم، ويحمل قوله: "إن شاء صام" على المجاز؛ بمعنى: إن شاء تمم صومه.
ونحن نحمل قوله: "الصائم" على العازم على الصوم والناوي له ولم يدخل فيه، ونحمل قوله: "إن شاء صام" على الحقيقة؛ فقد تساوينا في الخبر.
فإن قيل: نحن إذا حملنا الخبر على ما قلناه فقد حملناه على مجاز واحد، وأنتم تحملونه على مجازين:
أحدهما: أنكم تحملون قوله: "الصائم" على العازم على الصيام، وهذا مجاز.
وتحملون قوله: "إن شاء أفطر" على المجاز أيضا بالطريقة التي أريتمونا أنا حملنا قوله: "إن شاء صام" على المجاز؛ وهو أنه أمر له بأن يفعل ما هو في الحال فاعل له.
فالجواب: أن هذا غير صحيح؛ لأن قوله: "وإن شاء أفطر" معناه: في المستقبل؛ وهو الزمان الذي إن شاء أن يصومه صامه، وليس بتخيير له أن يفطر في حال هو فيها مفطر، ولا يضر أن [ق/ 42] يكون في الحال على أحد الحالين؛ لأن الخطاب غير متوجه إلى هذه الحال؛ ألا ترى أنه يقبح أن يقول للقائم: إن شئت في هذه الحال أن تقوم إلا مجازا، ويحسن أن تقول: إن شئت من غد إن تقوم وإن شئت تقعد، ويكون حقيقة؛ لأن مستقبل.
وإذا صح هذا سقط ما قالوه.
وما رووه من قوله: "الصائم المتطوع بالخيار ما بينه وبين نصف النهار" فالخبر أيضا متردد بيننا وبينهم؛ لأنه قد خيره في بعضه ومنعه التخيير في باقيه؛ فلم يكن لهم التعلق بالتخيير، ألا ولنا التعلق يضره
وما رووه من قوله: "إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليجب؛ فإن شاء طعم وإن شاء ترك" عنه جوابان:
أحدهما: إنه ليس فيه أن الصائم مخير بين إتمام الصوم وقطعه، وإنما فيه أن له أن يفطر إذا دعي.
ولو صار صائر إلى أن هذه الحال عذر يبيحه الفطر وأنها كالسفر لم يبق لهم من الخبر شيء.
والجواب الآخر: إنه معارض بما رواه جابر أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليقل: إني صائم"؛ فقصره على هذا القول، وهذا ينفي التخيير بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب؛ فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليصل"؛ ففرق بين حكم المفطر والصائم؛ فبطل بذلك ما قالوه.
وقولهم: (يخرج بالفساد منها) غير صحيح؛ لأن الصوم يمضي في فاسده عندنا، وأما إذا دخل في الصوم على أنه عليه ثم بان له أن ليس عليه فالمعنى فيه أنه لم يلزم نفسه شيئا؛ لأنه إنما دخل بشرط أن عليه شيئا، فلما بان له أنه لا شيء عليه كان على الأصل.
والله أعلم.
فصل
وأما الدلالة على وجوب القضاء إذا أفطر عامدا من غير عذر في صيام التطوع فما رواه ابن وهب قال: حدثني جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة بني عبد الرحمن عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين، وأهديت لنا هدية فأكلنا، فدخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت حفصة ذلك له فقال: "صوموا يوما مكانه".
ورواه عبد الله بن عمر عن الزهري عن عروة عن عائشة وحفصة أنها قالت: أصبحنا صائمتين، وأهدي إلينا طعام فأكلنا فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "اقضيا يوما مكانه".
ورواه مالك في "الموطأ" عن ابن شهاب أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين متطوعتين... مرسلا، وذكر الحديث.
ورواه عبد الله بن عبد الحكم قال: حدثنا عاطف بن خالد عن زيد بن أسلم عن عائشة وحفصة أنهما أصبحتا صائمتين متطوعتين... وذكر الحديث بعينه، وقال فيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اقضيا يوما مكانه، ولا تعودا".
وهذا يؤكد الأمر بوجوب القضاء، وفيه دلالة على سقوط التخيير
ووجوب الإتمام؛ لأنه نهاهما عن العود لمثل ما فعلاه.
فإن قيل: فقد روي في هذا الحديث زيادة؛ وهو قوله: "إن شئتما"؛ وهذا يفيد تخييرهما في القضاء.
قيل له: هذه الزيادة لا تعرف في حديث صحيح.
على أنها معارضة بقوله: "ولا تعودا"، وهذا ينفي التخيير.
وإذا تعارضا سقطا، ورجعنا إلى مجرد الأمر.
على أنه قد روي: (فأمرهما أن يقضيا يوما مكانه).
ولأنهما عبادة في نفسها؛ فجاز أن يجب القضاء على مفسد نفلها؛ اعتبارا بالحج والعمرة.
واستدل من خالفنا بما رواه جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زيادة عن عبد الله بن الحارث عن أم هانئ قالت: لما كان يوم الفتح- فتح مكة- جاءت فاطمة فجلست عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم هانئ عن يمينه.
قال: فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب فناولته فشرب منه ثم ناوله أم هانئ فشربت منه.
فقالت: يا رسول الله لقد أفطرت وكنت صائمة.
فقال لها: "أكنت تقضين شيئا؟ " قال: لا.
قال: "فلا يضرك إن كان تطوعا".
ولأنها عبادة يخرج بالفساد منها؛ فلم يلزم قضاء تطوعها؛ اعتبارا
بالوضوء والاعتكاف.
ولأنه مفطر في صيام تطوع فأشبه الناس.
والجواب: إن حديث أم هانئ لا دلالة فيه من وجهين:
أحدهما: إنه ليس في الخبر أنها أفطرت ذاكرة الصوم، إنما فيه أنها شربت ثم قالت: لقد كنت صائمة، ويحتمل أن تكون أفطرت ناسية، بل هذا هو الظاهر، ونحن لا نوجب القضاء على المفطر ناسيا في التطوع.
والجواب الآخر: إنه يحتمل أن تكون أفطرت وهي ذاكرة غير مختارة لإفساد الصوم، ولكن اعتقدت أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم على الوجوب وأن رده وإيثار الشرب على شرب ما قد أمرها بشربه ودفعه إليها معصية.
وهذا عذر يجوز أن يذهب إليه.
وإنما خلافنا فيمن آثر قطع الصوم لغير عذر؛ فسقط التعلق بالخبر.
والمعنى في الوضوء أنه غير مقصود لنفسه، وليس كذلك الصوم.
وأما الاعتكاف فيلزم القضاء فيه عندنا.
واعتبارهم بالناس باطل؛ لأنه مفطر بعذر، وليس كذلك العامد.
والله أعلم.
فصل
وأما الدلالة على أنه إذا أفطر بعذر فلا قضاء عليه فما رويناه من قوله صلى الله عليه وسلم: إن كان تطوعا فلا قضاء عليك.
وقد اتفقنا على أن هذا لا يجوز أن يكون مع عدم العذر؛ فثبت أن المراد [ق/43] به مع العذر ولأنه لابد أن يكون للفرض مزية على النفل في الإيجاب، ولو قلنا: إن المتطوع يلزمه القضاء بنفس الإفطار من عذر وغير عذر لألحقنا بالواجب، ولم يكن بينهما فرق.
فصل
فأما العذر الذي يسقط معه القضاء فهو النسيان والمرض وشدة الحر والجوع والعطش الذي يخاف من مثله المرض أو التلف.
وأما السفر: ففيه روايتان:
إحداهما: إنه عذر يسقط مع القضاء.
وهي رواية ابن عبد الحكم.
والأخرى: إنه ليس بعذر يبيح الفطر، وإنه متى أفطر فيه لزمه القضاء.
وهي رواية ابن القاسم.
وكذلك إن أنشأ صوم التطوع في السفر ثم أفطر فيه من غير عذر ففيه روايتان؛ على ما ذكرناه.
فإذا قلنا: أنه عذر يسقط معه القضاء فوجهه أن نقول: لأن كل معنى جاز فيه الإفطار في رمضان سقط به القضاء في التطوع.
أصله المرض.
أو نقول: لأنه معنى تسقط به الكفارة الكبرى عن القاصد للأكل فيه
في رمضان؛ فوجب أن يسقط به القضاء عن المتطوع.
أصله النسيان.
وأيضا فلأن للفرض مزية على التطوع؛ فكل موضع وجبت الكفارة فيه بالفرض سقطت في التطوع ووجب القضاء فقط؛ فيجب أن يكون الموضع الذي يوجب القضاء في الفرض ويسقط الكفارة مسقط للقضاء في التطوع.
وإذا قلنا: إنه ليس بعذر يسقط القضاء قلنا: لأنه أفطر مختارا مع إمكان إتمام الصيام؛ فأشبه الحاضر.
والقول الأول أولى.
فصل
قال رحمه الله: "ولا بأس للسواك للصائم في جميع نهاره".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله- لا خلاف في إباحة ذلك في أول النهار، وإنما الخلاف في آخره؛ فعندنا وعند أبي حنيفة أنه مباح في أول النهار وآخره، وعند الشافعي أنه مكروه في آخر النهار.
والدلالة على صحة قولنا: ما رواه الشعبي عن مسروق عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير خصال الصائم السواك".
وهذا يفيد أنه مندوب إليه ما كان صائما.
وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
ولم يخص صائما من مفطر.
وروى نافع عن ابن عمر أنه كان يستاك لكل صلاة وهو صائم.
ولأن كل معنى لم يكره أول النهار لم يكره آخره.
أصله: المضمضة.
ولأن أوقات الصوم متساوية فيما هو من شرط الصحة؛ فوجب أن يتساويا في شرط الندب.
واستدل من خالفنا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" والسواك يذهب بالخلوف؛ فوجب أن يكره.
ولأنها رائحة مكتسبة عن عبادة فالاختيار أن لا تزال؛ كالشعث للحاج حال حجه.
فالجواب عن الخبر أن الخلوف ليس يذهبه السواك؛ لأنه حادث عن الجوع؛ قيل: إنه بخار يصعد من المعدة.
والسواك ليس له عمل إلا في تنقية الفم فقط؛ فلم يكن في الخبر دلالة على موضع الخلاف، وعلى أن معنى الخبر حصول الثواب عليه، والسواك لا يسقط ذلك.
والمعنى فيما ذكروه كراهيته في أول الحج، وليس كذلك السواك في
الصوم؛ لأنه غير مكروه في أول النهار؛ فكذلك في آخره.
والله أعلم.
فصل
فأما الرطب من المساويك فإنه يكره استعماله، لا لمعنى يرجع إلى السواك لكن لأنه قد يتطعمه فيؤدي ذلك إلى إفطاره؛ فكره ذلك لما ذكرناه.
فإن سلم فلا شيء عليه.
مسألة
قال رحمه الله: "ولا تكره له الحجامة إلا خيفة التغرير".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن هلي رحمه الله:
هذا قول جميع أصحابنا، وهو مروى عن المشيخة السبعة، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وسائر الفقهاء.
وقال أحمد بن حنبل: الحجامة تفطر الصائم، وعليه إعادة يوم مكانه، ولا كفارة عليه.
وحكي عن عطاء أنه كان يقول: عليه الكفارة.
والدلالة على صحة قولنا: ما رواه أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم.
وروى شعبة بن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس أنه احتجم وهو صائم محرما.
وروى حميد عن أبي المتوكل عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص
في الحجامة والقبلة للصائم.
وروى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"ثلاثة لا يفطرن الصائم: الحجامة، والقيء، والاحتلام".
وروى أبو داود قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحابه عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يفطر من قاء، ولا من احتلم، ولا من احتجم".
ولأن الحجامة في معنى الجراح، فإذا كانت الجراحة لا تفطر؛ كذلك الحجامة.
واحتج من خالفنا بما رواه أبو أسماء الرحبي عن ثوبان أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول "أفطر الحاجم والمحجوم".
وروى أبو قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى رجلا بالبقيع وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي لثمان عشرة ختلن من رمضان فقال: [ق/ 44] أفطر الحاجم والمحجوم".
ولأنه دم يخرج من البدن معتادا؛ فجاز أن يفطر.
أصله: الحيض.
ولأن الفطر يقع بالخارج من البدن كما يقع بالداخل فيه أصله ما ذكرناه.
والجواب: عن الخبر من وجهين:
أحدهما: أنه مجاز، وعلى تأويل أن أمرهما يؤول إلى الفطر؛ فسماهما بما يؤول إليه أمرهما.
وهذا وجه من المجاز، وقد ورد به الاستعمال؛ قال الله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾ أي: ما سيصير خمرا.
وقد أجاب بعض أصحابنا عنه بأن قال: إنه قد ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بهما وهما يغتابان رجلا فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم"، وهذا لا معنى له؛ لأن هذا نقل حال،؛ كما روي أنه مر بهما في اليوم الثامن عشر من رمضان أن هذا نقل حال، لا أن لهذا اليوم اختصاصا بذلك.
والجواب الآخر: إنه منسوخ بما ذكرناه، وما سنذكر؛ فروى عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا خالد بن مخلد عن عبد الله بن المثنى عن ثابت عن أنس قال: أول ما كرهت الحجامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يحتجم بالبقيع لثمان عشرة خلت من رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفطر هذان"، ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في الحجامة للصائم
وروي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في رمضان بعد ما قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
واعتبارهم بدم الحيض ينقض بالفساد والرعاف، ثم المعنى في دم الحيض أنه دم يوجب الغسل؛ فلذلك جاز أن يفطر، وليس كذلك الحجامة؛ لأن خروج الدم فيها لا يوجب الغسل؛ فلم يقع به الفطر.
وقولهم إن الفطر قد يقع بالخارج من البدن فنحن لم ننكر هذا، ولكن ليس كل خارج من البدن يفطر.
فصل
فأما وجه كراهيتها؛ فلما ذكر من التغرير بالصيام وذلك أن الغالب من حال من يحتجم أنه يلحقه ضعف يمنعه الصوم إلا على شدة؛ فكرهت لذلك.
وقد روي هذا المعنى عن الصحابة؛ فروى سعيد بن المسيب عن علي رضي الله عنه أنه قال: إنما كرهت الحجامة للصائم مخافة الضعف.
وروي مثله عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك.
وروى عبد الرحمن بن عياش عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحجامة للصائم إبقاء على أصحابه.
وقد روي أيضا عن جماعة من التابعين.
مسألة:
قال رحمه الله: "ومن ذرعه القيء في رمضان فلا قضاء عليه، وإن استقاء فعليه القضاء".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لما رواه ابن وهب عن الحارث بن شهاب، وعن عطاء بن عجلان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري جميعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذ ذرع الرجل القيء وهو صائم فليتم صومه، ولا قضاء عليه، وإن استقاء فإنه يعيد صيامه".
وروى عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ذرعه القيء فليس عليه القضاء، ومن استقاء فعليه القضاء".
ولا خلاف أن من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، وإنما الخلاف في المستقيء عامدا بين أصحابنا؛ منهم من يقول: إن القضاء واجب، ومنهم من يقول استحباب.
وكان ابن بكير يذهب إلى أنه استحباب.
وأبو يعقوب الرازي وأبو بكر بن الجهم يذهبان إلى أنه واجب.
فأما وجوب الكفارة بالاستقاء فمبني على حصول الفطر به؛ فإن قلنا:
إنه يفطر به.
قلنا: إن الكفارة واجبة في عمده.
وإن قلنا: إنه لا يفطر لم توجب الكفارة.
وذكر أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله في كتابه الكبير عن أشهب أنه إذا استقاء في تطوع أفطر إن شاء وقضاه، وإن تمادى فيه فعليه القضاء أيضا.
وهذا يدل على أنه يفطر عنده.
وهذا يؤيد قول من ذهب إلى أن القضاء استحباب.
فوجه القول بموجب ذلك: ما رويناه من قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن استقاء فعليه القضاء".
وروى أبو بكر بن عياش عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا استقاء الصائم أعاد".
ولأنه إذا استقاء جاز أن يرجع إلى حلقه شيء مما خرج منه باستدعائه؛ فكان كالمعتمد لإيصال شيء إلى حلقه؛ فلزمه القضاء بذلك.
ووجه قوله إن ذلك غير واجب: فلأن مدخل الطعام والشراب إنما يجب الفطر بما دخل منهما، لا بما خرج عنهما؛ اعتبارا بالجشاء.
ولأن القيء لا يفطر.
أصله: إذا ذرع صاحبه.
ولأنه خارج من البدن لا غسل فيه؛ فلم يتعلق به حكم الإفطار.
أصله: الدموع، والفصاد، وغير ذلك.
فأما الخبر: فمحمول على الندب.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: "وإذا خافت الحامل على ما في بطنها أفطرت، ولم تطعم.
وقد قيل: تطعم.
وللمرضع وإن خافت على ولدها، ولم تجد من تستأجر له، [و] يقبل غيرها فلها أن تفطر وتطعم.
و [يستحب] للشيخ الكبير إذا أفطر أن يطعم.
والإطعام في هذا كله مد عن كل يوم يقتضيه.
وكذلك يطعم من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله:
أما الحامل: فلها الإفطار، ولا خلاف في ذلك [ق/45] والأصل فيه أنها مريضة، فجاز لها الإفطار؛ لقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾.
معناه: فأفطر فعدة؛ كما قال: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه
ففدية}؛ معناه: فخلف ففدية.
فالضمير في هذين الموضعين مشترط.
فالإجماع إلا على ما ذهب إليه بعض من لا يعتد بقوله، ولا يلتفت إلى قوله أنه إذا كان مريضا لا يصح صومه.
فصل
وأما سقوط الإطعام عنها، سواء أفطرت من أجل الخوف على نفسها أو على حملها.
فهذا قولنا وقول أهل العراق وغيرهم.
وقال عبد الملك بن الماجشون، والشافعي: إن أفطرت خوفا على نفسها فلا كفارة عليها، وإن أفطرت خوفا على ولدها فعليها الإطعام.
وللشافعي قولا آخر مثل قولنا.
والدلالة على صحة قولنا: ما رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا وهيب بن خالد قال: حدثنا عبد الله ابن سوادة القشيري عن أنس بن مالك عن رجل منهم أنه أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتغد فقال: "هلم إلى الغداء" فقال: يا نبي الله إني صائم.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن المريض، والحبلى، والمرضع".
ورواه القاضي إسماعيل حدثنا سليمان بن حرب حدثنا أبو هلال حدثنا
عبد الله بن سوادة عن أنس بن مالك عن رجل من بني عبد الله بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثله.
ووجه الاستدلال من هذا هو أنه أخبر بأن الصوم موضوع عن الحامل؛ فاقتضى ذلك سقوطه مع جميع توابعه، والأحكام الواجبة لأجله.
فإن قيل: المراد بذلك وضع الانحتام لا إسقاط أصل العادة، ورفع الانحتام لا يوجب سقوط الفدية؛ ألا ترى أن الصوم في صدر الإسلام لما لم يتحتم وكانت الفدية مع ذلك واجبة؟
وقيل له: ظاهر سقوط الانحتام يقتضي سقوط جميع توابعه وما يتعلق به، إلا أن يقوم دليل، وما ذكروه فبدليل قام عليه.
ويدل على ذلك أيضا أنها مفطرة بعذر؛ فلم يلزمها الإطعام اعتبارا بالمريض والمسافر.
ولا يلزم على هذا الموضع؛ لأنا على هذه العلة لا نوجب عليها شيئا سوى القضاء.
ولا معنى لتعليلهم الأصل بأن المريض والمسافر أفطرا من أجل نفسهما وليس كذلك الحامل؛ لأنها أفطرت من أجل غيرها؛ لأن هذا فرق بين الموضعين مع وجود العلة؛ وهي حصول الإفطار مع العذر؛ فلا اعتبار به.
وعلى أن ذلك الغير الذي من أجله أفطرت متصل بها وهو الحمل فما يلحقه من الضرر بصومها يتعدى إليها لا محالة ما دام متصلا بها؛ فعاد الأمر إلى أنها تفطر من أجل نفسها.
ويدل على ما قلناه أيضا أن إيجاب الكفارة بالفطر يتعلق بهتك حرمة
الصوم؛ اعتبارا بالمجامع والمريض طردا وعكسا؛ ألا ترى أن المجامع عمدا تجب عليه الكفارة لهتكه حرمة الصوم بالفطر، وأن المريض والمسافر بإفطارهما؟
وإذا صح هذا وكانت الحامل غير هاتكة لحرمة الصوم بالإفطار لم تلزمها كفارة.
سؤالهم وجوابه:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾.
قالوا: وتقديره: على الذين يطيقون الصوم فأفطروا فدية؛ فأوجب الفدية على من أفطر وهو مطيق الصوم، والحامل والمرضع داخلان في هذا العموم؛ لأنهما أفطرتا وهما مطيقتان للصوم.
فالجواب: إن أقل ما في هذا أنه لا يتناول موضع الخلاف؛ لأن جمع المذكر لا يدخل فيه المؤنث إلا بدليل، وقوله: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ جمع المذكر لا محالة.
فإن قالوا: أليس إذا اجتمع التأني والتذكير غلب التذكير؟
قلنا: بلى: ولكن هذا إذا غلمنا اجتماعهما في الخطاب.
والجواب الآخر: هو أن الصحابة ذكرت أن هذه الآية منسوخة؛ لأنها وردت في صدر الإسلام بالتخيير بين أن يصوم الإنسان أو يفطر ويفدى، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ويؤكد هذا
قوله في آخر الآية: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ وهذا عائد إلى تارك الصوم مختارا.
سؤال آخر وجوابه:
قالوا: عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: للحامل والمرضع إذا أفطرتا فعليهما الفدية عن كل يوم مد، ولا مخالف لهما.
فالجواب: أن المحفوظ عنهما وجوب الإطعام وسقوط القضاء.
وهم لا يقولون ذلك.
وإلى أن يثبت أنه لا مخالف لهما فقد روى ما قلناه عن الحسن إبراهيم النخعي وعطاء والضحاك.
وقد ذكر أن التابعي إذا عاصر الصحابة كان له الاجتهاد معهم.
وروى أيضا عن الزهوي وربيعة.
ذكر ذلك ابن المنذر في كتاب "الخلاف".
وإذا كان كذلك بطل ما ادعوه من الإجماع.
سؤال الآخر وجوابه:
قالوا: لأنها مقيمة صحيحة أفطرت لعذر معتاد؛ فوجب أن يكون عليها الفدية.
أصله: الشيخ والعجوز المقيمان.
فالجواب: أن هذا غير مسلم؛ لأنه لا إطعام عندنا على ما ذكروه واجبا، وإنما يستحب لهما ذلك من غير إيجاب.
وليس على أصولنا معذور بالفطر يلزمه [ق/46 أ] إطعام إلا إحدى الروايتين في المرضع، والقياس عليها.
وجواب آخر: وهو أن هذا الاعتلال ينتقض بالحائض؛ لأنه لا إطعام عليها مع وجود جميع هذه الأوصاف فيها.
فإن قيل: إن الحائض دخل عليها ما حصلت معه مفطرة؛ فلا يقال: إنها أفطرت، وإنما عللنا لمن أفطر بفعله لا بأمر دخل عليه.
قلنا: حقيقة الفطر هو من حصل معه الإفطار، سواء كان ذلك بفعله أو بأمر داخل عليه؛ ألا ترى أن النبيى صلى الله عليه وسلم سمى الصائم إذا دخل عليه الليل مفطرا، وأخبر بأنه قد أفطر وإن كان لم يفعل شيئا كان به مفطرا؛ فبان بهذا بطلان ما قالوه.
وليس كل ما كان بلفظ فعل كان حقيقته حصول فعل من جهة من أضيف إليه؛ لأن هذا اللفظ مشترك يحتمل هذا وغيره؛ ألا ترى أن نقول: إن المرأة حاضت، وإن لم تكن فعلت ذلك، وكذلك نقول: إن فلانا مات وإن لم يكن ذلك فعله.
سؤال وجواب:
قالوا: ولأنها عبادة يجب في إفسادها القضاء والكفارة العظمى؛ فجاز أن يجب فيها القضاء والكفارة الصغرى.
أصله: الحج.
وهذا لا نسلمه في الحج أعنى أنه يتعلق بإفساده كفارتان؛ على أن طريق الحج مخالف للصوم؛ لأن الكفارة تتعلق بإفساده مع العذر وغيره،
وليس كذلك الصوم.
وأيضا فإنا نقول بموجب هذه العلة على أحد وجهى أصحابنا في المرضع.
فصل
فأما المرضع: فإن كان ولدها يقبل من غيرها، وأمكن استئجار من ترضعه فلا يجوز لها الإفطار؛ لأنه لا عذر لها في ذلك.
وإن كان لا يقبل من غيرها، أو كان يقبل ولم تتمكن من استئجار من ترضعه فلها أن تفطر إذا خافت عليه إن صامت.
ولا خلاف.
ثم هل عليها الإطعام أم لا؟
فيه روايتان:
إحداهما: وجوب الإطعام:
والثانية: سقوطه.
فوجه وجوبه- وهو قول الشافعي ما ذكرناه في الحامل.
وأيضا فلأنها مفطرة من أجل غيرها منفصلا عنها؛ فكان عذرها أضعف من عذر من ذكرنا من المريض والمسافر.
وإذا قلنا: لا إطعام عليها فوجهه أنها مفطرة بعذر؛ فأشبهت المريض والمسافر.
وهذا القول أقيس.
وكون ما تفطر من أجله منفصلا عنها أو متصلا بها لا يؤثر في موضع الخلاف؛ ألا ترى أنه لا يخرجها عن كونها معذورة؟
وإذا صح هذا فالإطعام هو مد عن كل يوم، وإنما قلنا ذلك لما روى عن ابن عباس وغيره.
ولأنها لما لم تلزمها الكفارة العليا لزمتها الكفارة الأدنى، ولا كفارة إلا ما ذكرناه.
فصل
فأما الشيخ الهرم الذي لا يستطيع الصوم فإنه لا يجب عليه الصوم، لا خلاف في ذلك.
وأما الإطعام: فهو مستحب عندنا له غير واجب عليه.
وقال الشافعي: يجب عليه الإطعام.
والدلالة على صحة قولنا: أنه ممن له يتوجه عليه فرض؛ فلم يلزمه إطعام.
دليله: الصبي.
ولأنه أفطر بعذر؛ فوجب ألا يلزمه إطعام.
أصله: المريض.
وعلى هذا الاعتلال نسوى بينه وبين المرضع.
وإن فرقنا بينهما على الرواية الأخرى قلنا: لأنه مفطر بعذر موجود به؛ فأشبه المريض والمسافر، ولا يلزم عليه المرضع؛ لأن إفطارها من أجل غيرها وهو الولد، ولأنه مفطر لا يلزمه القضاء فلم تلزمه الكفارة.
أصله: الطفل.
واستدل من خالفنا بقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾.
قال: قرأ ابن عباس "يطوقونه" وقال: معناه: يكلفون الصيام فلا يقدرون، وهو الشيخ الهرم.
والقراءة إذا انفرد بها الواحد كانت كالخبر الواحد في.
أنها حجة؛ لأنها لا تخلو أن تكون توفيقا أو: إن هذه القراءة غير ثابتة في المصحف المجمع عليه؛ فلا نقبلها.
وما قالوه من أنها بمنزلة خبر الواحد غلط؛ لأن إثبات حكم القراءة على وجه يخالف ما في المصحف المجتمع عليه لا يقبل فيه خبر واحد.
على أن هذا التأويل غير صحيح؛ لقوله في آخر الآية ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾؛ فعلم أنه خاطب بذلك من يطيق الصوم، وتركه اختيارا على ما ذكر من أنه كان في أول الإسلام من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يفطر ويطعم فعل.
وأيضا فلا يخلو أن يكون معنى له: ﴿يطيقونه﴾ أي: يكلفونه؛ فهذا يوجب أن الشيخ مكلف الصيام وهذا خرق الإجماع، أو أنه في حكم المطيق في لزوم الإطعام فهذا لا يوصف أنه مطوق للصوم؛ فبطل التعلق بهذا.
سؤال:
قالوا: ولأنه إجماع الصحابة؛ لأنه روى عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم أنهم كانوا يقولون: الشيخ الهرم إذا أفطر عليه القضاء والإطعام، ولا مخالف له.
فالجواب: إنه إن ثبت هذا عنهم حملناه على الاستحباب بالدلائل التي ذكرناه، وما ذكرناه قول مكحول وربيعة وغيرهما.
سؤال:
قالوا: لأنه صوم واجب فجاز أن يسقط إلى بدل هو إطعام.
أصله: الصوم في كفارة الجماع.
فيقال لهم: ما الذي عنيتم بقولكم أنه صوم واجب؟ أعنيتم ما تنازعناه، أو أعنيتم غيره؟ فإن قالوا: ما تنازعناه وهو الشيخ الهرم أحالوا وخرقوا الإجماع، وإن قالوا غيره خرج الاستدلال من أيديهم؛ لأن الواجب على غيره لا يسقط عن ذلك الغير ببدل على هذا.
وأيضا فإن الصوم في الكفارة مخاطب به من خوطب ببدله، وليس كذلك مسألتنا.
والله أعلم.
فصل
فأما من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان فإنه يصوم، ويطعم عن كل [ق/47] يوم؛ فشرط فيه مسكينا مدا مدا من طعام.
هذا قولنا، وقول الشافعي.
وذكره ابن المنذر عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء، والقاسم بن محمد، والزهري، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق رضي الله