"الاستطاعة الزاد".
قياس معتمد.
ولأنه قادر على الحج من غير خروج عن عادة ولابد؛ فأشبه أن يجد الراحلة.
وقولنا: من غير خروج إلى بدله: احترازًا منه إذا قدر أن يسأل الناس وليست من عادته.
وقولنا: عن عادة: احترازًا من تكلف شدة الطريق في كل وقت.
فإن قالوا: المعنى في واجد الراحلة أن المشقة تسقط عنه بوجوبها، وليس كذلك إذا لم تكن له راحلة؛ لأن المشقة تلحقه.
فالجواب: أن هذه المشقة لا تخلو أن تكون مؤثرة في القدرة على الحج في العادة، وقد علمنا بطلان ذلك، لأن من عادة قطع المسافة البعيدة والمداومة على الأسفار الشاقة مشيًا وهو يتمكن من ذلك في الحج فليس تلحقه في هذا السفر إلا كما تلحق الراكب من التعب، ولو كانت هذه المشقة مؤثرة في القدرة لم يجب الحج معها، أو أن تكون تلحق فيما يجرى مجرى الرفاهة والراحة فهذا لا اعتبار به.
فإن أبو إلا الإجمال نقضاه، فمن شق عليه الخروج من أجل مفارقة وطنه والاستيحاش بالسفر وقلة الحركة والتصرف، فإذا كان ذلك لا معتبر به فكذلك ما ذكروه.
أيضًا فلأنه قادر على الوصول إلى البيت من غير خروج عن عادته؛
فأشبه أهل الحرم.
واستدل من خالفنا بقوله تعالى:} ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴿.
قالوا: ففي هذه الآية [ق/ 130] دليلان:
أحدهما: من حيث المعقول.
والآخر: من حيث البيان.
فأما المعقول فهو أن الأمر إذا ورد مطلقًا بالوجوب تضمن القدرة حتى يكون كالمنطوق به.
وإذا ثبت ذلك كان قوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿مجرده كافيًا فيما قلناه.
فلما قال عز وجل:﴾ من استطاع إليه سبيلاً ﴿أفاد أمرًا زائدًا على قدرة البدن؛ فصح ما قلناه.
وأما البيان فهو أن الله تعالى شرط الاستطاعة في وجوب الحج ولم يبينها ولا ذكر جنسها فوردت السنة بتفسيرها.
وروى إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر قال: لما نزل قوله تعالى:﴾ من استطاع إليه سبيلاً}.
قام رجل فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: "زاد وراحلة".
وروى أبو إسحاق عن الحارث بن على عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله فلم يحج فلا عليه إن شاء أن يموت وهو يهوديا أو نصرانيا"؛ وذلك لأن الله تعالى يقول:} ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً {.
فالجواب: أن تعلقهم بمفعول اظاهر ليس بصحيح بما بيناه من أنا نقول بموجبه، ولا يحصل منه سقوط الحج مع عدم الراحلة.
وأما الأخبار التي رووها فإنها ضعفية؛ لأن إبراهيم بن يزيد الحوزي ضعفه أهل النقل؛ ضعفه يحيي بن معين وغيره.
على أن الجواب عليه من وجهين:
أحدهما: أنه لا يجوز أن يكون بيانًا؛ لأن من حق البيان أن يكون طبق المبين منتظمًا له، وألا يخصص ببعضه دون بعض، ومتى لم يكن به ذلك لم يكن بيانًا.
وإذا صح هذا، وكانت الآية عامة في كل من يلزمه الحج سواء كان ممن
الراحلة من شرط استطاعته أو لا لم يجز أن يكون قوله: السبيل: الزاد والراحلة بيانًا لآية؛ لأن السبيل المذكور فيها سبيل كل من اشتملت عليه وفيهم من ليست الراحلة من اسطاعته، وصار الخبر متوجهًا على بعضه، ومنهم من يحتاج إلى الراحلة؛ فخرج لذلك أن يكون بيانًا.
وقد اعترضوا على هذا الجواب بشيئين:
أحدهما: أن قالوا: إنما كان يلزم ما قلتموه لو كان قوله:} ولله على الناس حج البيت ﴿يتناول أهل مكة وغيرهم، وليس الأمر كذلك عندنا؛ فإن الظاهر يتناول إلا من عدا أهل مكة؛ بدلالة قوله عز وجل:﴾ ولله على الناس حج البيت {، والمراد بالبيت الحرام، ومن هو في الحرم لا يقال له: اقصد الحرم، وإنما يقال ذلك لمن نأى عنه.
وهذا الاعتراض باطل من قبل أن الظاهر من الآية العموم والاستغراق، ولا يلزم قولهم أنها خاصة، وإن تخرج عن ظاهرها؛ ليصح كون الخبر بيانًا لها.
واستدلالهم على ذلك بأن من في الحرم لا يقال له: اقصده: باطل من وجهين:
أحدهما: أن المراد بقوله عز وجل: "البيت": البيت نفسه دون الحرم ودون مكة، وإن كان قصده مضمنًا بقصدها.
ويصح أن يقال لمن هو في الحرم: اقصد مكة، ولأهل مكة: اقصدوا البيت، ولمن هو بباب
المسجد: اقصد البيت، كما يصح أن يقال لمن هو في ناحية من نواحى مكة: اقصد موضع كذا لناحية أخرى منها.
وإذا كان كذلك بطل ما قالواه.
والوجه الآخر: أنا لو سلمنا هذا لم يضر؛ وذلك أنه إنما كان يمتنع ما قالوه لو كان قوله تعالى:} ولله على الناس حج البيت {يوجب قصد اللغوي حتى يقال: إنه لا يصح أن يقال لفاعل الشيء في حال فعله: افعله، كما لا يقال للقائم: قم، وللقاعد: اقعد؛ فالمراد به غير ما وضع له في الغة؛ وهي أفعال مخصوصة تشتمل على الطواف والسعي والوقوف وغير ذلك؛ فلا يكون الخطاب الموضوع في اللغة؛ يبين ذلك أن مجرد اقصد إلى البيت في اللغة لا يلزم به طوافه ولا السعي ولا الوقوف بعرفة.
وقد اتفقنا على أن قوله: ولله على الناس حج البيت يتضمن هذا أجمع؛ فثبت أن المراد به غير ما وضع له الاسم في اللغة.
وإذا صح هذا بطل ما قالوه.
والاعتبار الآخر أن قالوا: نحن نسلم أن الآية عامة في أهل مكة وغيرهم، وكذلك يجب أن يكون البيان، إلا أن الدلالة منعت من حمل البيان على عمومه؛ فصار كالعموم الذي ظاهره الاستغراق؛ فينتقل عنه بالدليل.
فيقال لهم: أولى في هذا بطلان قولكم أن السائل سأل عن السبيل المذكور في الآية؛ على أن البيان إذا تخصص خرج عن أن يكون بيانًا،
واحتاج إلى بيان، وكأن قصته في ذلك قصة ما هو بيان له؛ وذلك يؤدي إلى أن لا يوثق بيان أصلا، أو إلى أن يكون البيان هو الثاني دون الأول؛ وذلك أيضًا مخرج اللفظ عن أن يكون بيانًا.
على أنهم إذا صاروا إلى هذا جاز لنا أن نقول: إن هذا بيانًا لمن الراحلة من شرط استطاعته، وليس بيانًا لمن بقدر على المشي ببدنه كما قالوا: إنه ليس ببيان لأهل الحرم.
والجواب الثاني من أصل الخبر: هو أنه يجوز أن يكون السائل يسأل عن استطاعه نفسه، وكان ممن لا يستطيع الحج إلا براحلة؛ فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة".
وهذا غير ممتنع.
فإن قالوا: إن القائل قال: ما السبيل؟؛ فأدخل الألف واللام، وليس يخلو دخولها أن يكون للجنس، أو للمعهود؛ فإن كان للجنس فذلك ما قلناه، وإن كان للمعهود فلا معهود إلا السبيل المذكور في القرآن.
قلنا: كيف يمكنكم أن تقولوا: إن كان دخولها للجنس فهو [ق/ 131] قولنا ومن قولكم أن أهل الحرم ليس من شرط استطاعتهم الراحلة.
والواجب أن يكون دخولهما للمعهود، ولكن قلتم: إنه لا معهود إلا ما ذكر في القرآن هذا نفس الدعوى.
فإن قالوا: لأن هذا لا يمكن ذكر معهود سواه.
قيل لهم: هذه الدعوة الأولى بعينها، فلم قلتم ذلك؟ ثم يقال لهم: ما أنكرتم إنما سأل عن سبيل نفسه، وذلك سبيل معروف معهود.
فإن قالوا: لا يصح حمله على هذا من قبيل أن قول الراوي لما نزل
قوله عز وجل: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً {قام رجل فقال: ما السبيل؟ فدل على أنه سأل عن السبيل الذي ورد به القرآن.
قلنا: إنه ليست يكفى في الدلالة على أن السؤال عن الشيء أن السؤال عقيب تزوله؛ لأن سؤال السائل عقيب نزول الآية يحتمل أن يكون سؤالاً عنها، ويحتمل أن يكون سؤالاً عن حال تكليفه والأمر الذي يتعلق به منها، فكون السؤال متعقبًا للآية لا ينبئ عن وجه وقوعه.
على أنه لو قيل: حمل السؤال على هذا أولى لم يكن بعيدًا؛ وذلك أن الظاهر من سؤال السائلين للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يسألونه عن أمر أنفسهم؛ وعلى ذلك يجرى أمر الوفود وغيرهم.
فإن تجاوز أحدهم ذلك لم يكن بد من أن يبين ف لفظه، أو يكون السائل من أهل العلم من الصحابة فمن قد عرف بذلك.
فأما الخبر الأخير الذي رووه فإنه ضعيف أيضًا؛ لأنه رواه هلال بن بعد الله مولى ربيعة، وهو ضعيف؛ ذكر أبو بكر بن الجهم أنه سأل إبراهيم الحربي عنه فضعفه جدًا.
على أنه لو صح لم تكن فيه دلالة من قبيل أنه لا يدل على أكثر من أن تكون الراحلة استطاعة تلحق الوعيد بترك الحج معها.
وليس في ذلك نفى لكون غيرها استطاعة كما لم ينف ذلك عن أهل الحرم.
وإذا كان كذلك سقط التعلق به.
واعتلوا فقالوا: لأنها عبادة يتعلق أداؤها بقطع مسافة شاقة؛ فوجب أن تكون الراحلة مسافة شاقة؛ فوجب أن تكون الراحلة شرطًا في وجوبها كالجهاد.
فالجواب: أن هذا الوصف لا يجوز أن يطلق في الحج؛ لأنه يوجد في بعض من يلزمه دون بعض.
على أن من قدر أن يجاهد ببدنه من غير راحلة تبلغه وتعين عليه لو وجد راحلة وكان من عادته المشي فإنه يلزمه.
فسقط ما قالوه.
واعتلوا أيضًا بأن قالوا: لأنه عاجز عما تقطع به المسافة الشاقة غالبًا؛ فلم يلزمه فرض الحج كالعاجز عن المشي والعادم للزاد وليس من عادته السؤال.
وهذا لا نسلمه؛ لأنه غير عاجز عندنا عما يقطع به المسافة إذا كان قادرًا على المشي.
ونعكسه فنقول: لأنه قادر على قطع المسافة الشاقة فجاز أن يلزمه فرض الحج كالواجد للراحلة.
واستدلوا بأنه لما يلزمه أن يكرى نفسه ليتوصل إلى الحج للمشقة التي تلحقه؛ كذلك في المشي.
فالجواب أنا قد بينا أن القادر على المشي لا تلحقه مشقة إلا كمثل التي تلحق من لم تجر عادته بالركوب في النضابة له وتكلفه إياه.
على أنه إذ كانت عادته المسألة أو الخدمة لزمه الحج مع هذه الأمور.
وبالله التوفيق.
مسألة
قال رحمه الله: "وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي - رحمه الله -: والأصل في ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت المواقت ليحرم الناس منها؛ فلم يكن لهم أن يحرموا قبلها، ولم يجز لهم تأخير الإحرام عنها.
ولا خلاف نعلمه في أن من أراد الإحرام وبلغ الميقات فليس له تأخير الإحرام عنه، والمعنى في ذلك الترفيه والرخصة؛ لأن الإحرام يمنع من كثير من الملاذ والتمتع من الطيب والنكاح والجماع ولباس المخيط وغير ذلك، فلو لزم الناس الإحرام من بيوتهم لشق عليهم؛ لطول المدة في ذلك؛ فجعل لهم مواقيت يحرمون منها؛ فمن أحرم من منزله جاز ذلك؛ لما بيناه من أن تأخير الإحرام إلى الميقات رخصه كالفطر في السفر، فإذا اختار تركها فذلك له؛ كما إذا اختار الصوم في السفر كان ذلك له.
فأما الاختيار عندنا فالإحرام من الميقات، وللشافعي - رحمه الله - قولان:
أحدهما: مثل قولنا.
والآخر: أن المستحب أن يحرم من منزله.
والدلالة على ما قلنا أن المراقيت رخصة، وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه
قال: "إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب أن تقبل عزائمه" وأيضًا فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت المواقيت لأهل الآفات؛ فثبت أن ذلك هو الأصل في المواقيت؛ فوجب أن يكون الإحرام منها على كل وجه إلا ما قام عليه الدليل.
وأيضًا فإنه صلى الله عليه وسلم قد حج واعتمر عمرًا، ولم ينقل أنه أحرم إلا من الميقات؛ فوجب أن يكون ذلك هو الأفضل.
وأيضًا فإن حالة الإحرام حالة تشق وتصعب؛ لما ذكرناه من أنه تمنع الطيب والوطء واللباس وغير ذلك، فإذا أحرم من منزله وقد يكون بعيدًا من الميقات لم يؤمن منه أن يتخطى إلى بعض ما هو ممنوع منه في الإحرام؛ فاستحب له ترك ذلك إلى الميقات؛ ليسلم من التغرير فيه.
وأيضًا فإن الإحرام له ميقاتان: أحدهما: الزمان، والآخر: المكان.
فلما كره له التقدم على الزمان؛ فكذلك التقدم على المكان.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى:} وأتموا الحج والعمرة لله {، فقال عمر بن الخطاب [ق/ 132]،وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما -: إتمامها أن تحرم من دويرة أهلك.
قلنا: يجوز أن يكون قالا ذلك لمن هو من أهل الحرم على أن هذا يوجب أن هذا يوجب أن يكون من أحرم من الميقات ومنزله أبعد منه فلم يتم حجه.
وليس بقول لأحد.
فإن قيل: إذا أحرم من دويرة أهله فقد زاد في النسك؛ فكان أفضل.
قلنا: ينتقض بالإحرام قبل الشهور التي للحج.
على أن المعنى الذي راعيناه أولى؛ وهو أنه لا يأمن أن يؤديه طول المدة إلى أن يقدم إلى فعل ما هو ممنوع منه في الإحرام؛ فيكون في ذلك تغريرة.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: "وميقات أهل الشام ومصر وأهل المغرب الجحفة.
فإن مروا بالمدينة فالأفضل لهم أن حرموا من ميقات أهلها من ذي الحليفة".
قال القاضي أبو محمد علي علي - رحمه الله -: والأصل في ذلك ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يهل أهل المدينة من ذى الحليفة وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن".
قال عبد الله: وبلغنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يهل أهل اليمن من يلملم".
وروى مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل المدينة أن يهلوا من ذى الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن.
قال عبد الله بن عمر: أما هؤلاء الثلاثة فسمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "وأما أهل اليمن فيهلون من يلملم".
وروى ابن وهب عن أبى لهيعة عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله
قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ويهل أهل العراق من ذات عرق".
وروى وهيب بن الورد عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل المدينة ذا الخليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم، وقال: "هن لهم ولكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة".
وروى ابن نمير من حجاج عن عطاء عن جابر قال: وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -... فذكر مثله إلي أن قال: ولأهل نجد قرن، ولأهل العراق ذات عرق.
وروي عبد الوارث عن عبيد بن عبد الملك عن زرارة بن كريم عن الحرث بن عمرو السهمى حدثه أنه قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمنى أو بعرفات وقد أطاف به الناس فتجئ الأعراب، فإذا رأوا وجهه صلى الله عليه وسلم قالوا: هذا وجه مبارك.
قال: "ووقت لأهل العراق ذات عرق".
ومن الناس من ذهب إلى أن توقيب ذات عرق لأهل العراق اجتهاد وليس بنص.
ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأن الحديث لم يبلغهم، وقد ورد
بعض طرق هذا الحديث من رواية مالك حدثناه أبو حفص عمر بن أحمد ابن عثمان المعروف بابن شاهين قال: حدثنا علي بن محمد المصري قال: حدثنا يحيي بن عثمان بن صالح قال: حدثنا ابن أبي السرى قال؛: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل المشرق ذات عرق.
قال ابن أبي السرى: رجع عنه مالك.
قال: وهو من حديثه القديم فيما قاله عبد الرزاق.
قال ابن أبي السرى: وإنما الحديث لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من كلامه.
وقوله: إن الأفضل لمن مر من أهل المغرب بالمدينة أن يحرم من ذي الحليفة: فلأنها ميقات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فلذلك استحبه.
فإن لم يفعلوا فلا شيء عليهم.
مسألة
قال رحمه الله: "ومن مر من هؤلاء بالمدينة فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة؛ إذا لا يتعداه إلي ميقات له".
قال القاضي رضي الله عنه: والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رويناه: "هن لهن ولكل آت عليهن من غيرهم ممن أراد الحج أو العمرة،
ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة".
ويفارق من ذكرنا من أهل الشام ومصر والمغرب؛ لأن الجحفة ميقاتهم وليست بميقات لأهل العراق.
مسألة
قال رحمه الله: "ويحرم الحاج والمعتمر بإثر صلاة فريضة أو نافلة".
قال القاضي رضي الله عنه: والأصل في ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحرم عقيب صلاة؛ قيل نافلة، وقيل مكتوبة؛ فلذلك استحبه.
فروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلى في مسجد ذي الحليفة، ثم يخرج فيركب، فإذا استوت به راحلته أهل".
وروى حصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه خرج حاجًا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أهل بالحج حين فرغ من ركعتيه.
وروى ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن أنس أنه قال: صلى رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات - يعني بها - فلما ركب راحلته واستوت به أهل.
وروى أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - حدثنا روح حدثنا أشعث عن الحسن عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر، ثم ركب راحلته، فلما علا على جبل البيداء أهل.
فلهذه الروايات استحببنا أن يحرم عقيب صلاة، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، وقد ترك الاختيار.
مسألة
قال رحمه الله: "ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" [ق/ 133].
قال القاضي رضي الله عنه: والأصل في ذلك ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
وكان ابن عمر يزيد فيها: لبيك لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك والعمل.
وروى جعفر بن محمد أبه عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله.
وروى الشرقي بن القطامي عن أبي طلق العائذي عن شراحيل بن القعقاع قال: قال عمرو بن معدى كرب: الحمد لله قد رأيتنا ونحن من قريب إذا حججنا قلنا: لبيك اللهم لبيك تعظيمًا إليك عذرًا هذى زبيد قد أتتك قسرا، تغدو بها مغمرات شزرا، تقطعن خبتًا وجبالاً وعرا، يقطعن من بين غضى وسفرا، وقد تركوا الأنداد خلو صفرا.
ونحن اليوم نقول كما علمنا النبي - صلى الله عليه وسلم -. قلنا: وكيف علمكم؟
قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
فأما معنى التلبية: فقد اختلف فيها على أقاويل:
فقال بعضهم: معناها: الإقامة على الطاعة، والإجابة إليها.
يقول القائل: لبيك: معناه: إني مقيم على طاعتك وإجابتك.
يقال: لبى في المكان، وألب: إذا أقام فيه.
قال الشاعر:
محل الهجر أنت به مقيم... ملب ما تزول ولا تريم
وقال آخر:
لب بأرض ما تخاطها الغنم
أي: أقام.
وهذا قول الخليل بن أحمد، وأبي العباس ثعلب، وخلف الأحمر، وغيرهم.
والقول الآخر: إن معنى لبيك: إجابة لك يا رب.
هذا قول الغراء.
قال: ونصب (لبيك) على المصدر، وثنى؛ لأنه أراد إجابة بعد إجابة.
والقول الثالث: أن معنى لبيك أي: اتجاهي إليك.
وهو مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك: أي: تواجهها.
والقول الرابع: أن معنى التلبية: المحبة؛ فقولهم: لبيك: معناه: محبتي إليك.
وأصل ذلك قولهم: امرأة لبة: إذا أحبت ولدها، وأشتد عطفها عليه.
ومنه قول الشاعر:
وكنتم كأم لبة طعن ابنها... فما درت إليه بساعدي.
فأما معنى ما في الخبر: لبيك إن الحمد والنعمة لك:
فإنه يقال بكسر إن وفتحها؛ فمن كسر أراد الابتداء، ومن فتح أراد معنى التعليل؛ كأنه قال: لبيك وسعديك.
فقد اختلف في معنى "سعديك" على وجهين:
أحدهما: أنه مأخوذ من المساعدة؛ فيقرب من معنى (لبيك) أي: أنا مقيم على طاعتك على ما تحبه وتريده منى.
والآخر: أن معناها: أسعدك الله إسعادًا بعد إسعاد.
والمعنيات متقاربان.
مسألة
قال رحمه الله: "وينوي ما أراد من حج أو عمرة".
قال القاضي رحمه الله: والأصل في ذلك أن النية شرط في صحة الإحرام وسائر العبادات المتقرب بها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى"، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه".
ولا خلاف في ذلك.
مسألة قال رحمه الله: "ويؤمر أن يغتسل عند الإحرام قبل أن يحرم".
قال القاضي رضي الله عنه: والأصل في ذلك ما رواه عبد الله ابن عبد الحكم قال: حدثنا عبد الله بن يعقوب المدني عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة [بن] زيد بن ثابت عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تجرد لإحرامه واغتسل.
وروى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن أسماء بنت عميس أنها ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء.
فذكر ذلك أبو بكر - رضي الله عنه - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "مرها فلتغتسل ثم تهل".
وروى عن ابن عمر أنه قال: من السنة أن يغتسل الرجل إذا أراد أن يحرم.
فإذا أطلق الصحابي السنة فالظاهر أنه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وروى مالك عن نافع أن ابن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخول مكة، ولوقوفه عشية عرفة.
وعن أبى [نصر] عن علي - رضي الله عنه - قال: تصب عليك إداوة من
ماء، ثم تحرم.
وأيضًا فإن الإحرام قربة وفعل خير، ومن أفضل العبادات، غير متكرر ولا شاق؛ فاستحب الغسل عند فعله؛ ليأتي به على أكمل أحواله.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: "ويتجرد من مخيط الثياب".
قال القاضي رضي الله عنه: وذلك لأن المحرم ممنوع من لبس المخيط من الثياب؛ فلذلك وجب إذا أراد الإحرام أن يتجرد منه.
والأصل في ذلك ما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلاً سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يلبس المحرم القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعها أسفل من الكعبين".
وروى الزهري عن سالم عن أبيه قال: سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -... فذكر مثله.
مسألة
قال رحمه الله: "ويستحب له أن يغتسل لدخول مكة".
قال القاضي رحمه الله: والأصل في ذلك ما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه أنهم كانوا يفعلون ذلك؛ فروى حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن ابن عمر كان إذا قدم مكة بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهارًا، ويذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعله.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يدخل مكة حاجًا ولا معتمرًا حتى يغتسل قبل أن يدخلها.
وروى ذلك عن علقمة، والأسود، وعروة بن الزبير، وابن أبي ليلى، وجماعة من التابعين رضي الله عنهم.
[ق/ 134]
مسألة
قال رحمه الله: "ولا يزال يلبى بدر الصلوات، وعند كل شرف، وعند ملاقاة الرفاق.
وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك.
فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطرف ويسعي، ثم يعاودها حتى
تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها".
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي - رحمه الله -: وهذا لأن التلبية قربة وفعل خير فيستحب الإكثار منها ما لم يخرج فيه عن الحد والعادة.
وإنما استجبنا ذلك عند إدبار الصلوات؛ لأنها أوقات يستحب الذكر فيها، ولأنه ذكر من شعار الحاج فكان كالتكبير في أيام التشريق.
وروى ابن وهب عن عبيد الله بن عمر عم نافع أن عبد الله بن عمر كان يلبي نازلاً، وراكبًا، وقاعدًا، وقائمًا، ودبر كل صلاة.
وروى ابن وهب عن أفلح بن حميد قال: كان القاسم بن محمد يلبى دبر كل صلاة.
وروى ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: ارفع صوتك بالإهلال، وأكثر من التلبية ما استطعت كلما أشرفت، وفي دبر كل صلاة؛ فإن تلك السنة.
فأما استحبابه الكف عن التلبية في الطواف والسعي: فإن ذلك حال يستحب فيها الدعاء؛ فيكره الاشتغال بغيره.
ولأن الطواف أيضًا مشبه بالصلة.
وقد روى عن ابن عمر أنه كان لا يلبى في طواف.
وقال سفيان: ما علمت أن أحدًا لبى في طواف إلا عطاء بن السائب.
فأما قوله: أنه يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف.
وزالت الشمس فالخلاف فيه مع أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما؛ لأنهما يقولان: إنها لا تقطع حتى يرمى أول حصاة من جمرة العقبة يوم النحر.
واستدل عنها بما روى الفضل بن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة.
وما روى عن عمر - رضي الله عنه - أنه لبى وهو عند الجمرة.
فقال له ابن عباس: فيم الإهلال يا أمير المؤمنين؟ فقال: وهل قضينا نسكًا بعد.
وروى عن علي - رضي الله عنه - أنه كان إذا رمى الجمرة قطع التلبية.
ولأن التلبية لأجل الإحرام، فلما كان ابتداؤها حين الابتداء به وجب أن يكون قطعها إذا ابتدأ بالخروج منها.
والأصل فيما قلناه إجماع السلف عليه؛ فروى الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يقطع التلبية إذا زالت الشمس يوم عرفة.
وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر عن نافع أن عثمان - رضي الله عنه - كان يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف عشية عرفة.
وروى الوليد بن مسلم عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب قال: كانت
الأئمة يقطعون التلبية إذا زالت الشمس يوم عرفة.
وسمى ابن شهاب الزهري أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعائشة وسعيد ابن المسيب رضي الله عنهما.
وروى مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كان يلبى في الحج حتى إذا زالت الشمس من يوم عرفة قطع التلبية.
وروى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت تدع التلبية إذا راحت إلي الموقف.
قال مالك: وذلك الذي لم يزل عليه أهل العلم.
وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يدع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم يلبي حتى يعود إلى عرفة، فإذا عاد ترك التلبية.
وروى ابن وهب عن يونس عن ربيعة أنه قال: الأئمة والجماعة كانوا لا يقطعون التلبية ولا يمسكون عنها حتى يروحون إلى الموقف من عرفة، فإذا راحوا إلى الموقف أمسكوا عن التلبية وأظهروا التكبير حتى يحلوا.
وروى مثله عن سعد، وجابر، وابن الزبير، وأم سلمة رضي الله عنهما.
ومن جهة المعنى: أن التلبية إجابة للنداء بالحج الذي دعى إليه، فإذا انتهى إلى الموضع الذي دعا إليه فقد فعل ما وجب عليه، وانتهى إلى غاية
ما أمر به؛ فوجب أن يقطع التلبية؛ لأنه لا معنى لاستدامتها فيما زاد على ذلك.
فأما الحديث الذي رووه محمول على الجواز، وما ذكرنا فهو المستحب؛ لأن الاستحباب لو كان ما ذكروه لم تكن الأئمة لتعدل عنه وتجمع على خلافه فيذهب عليها فعله صلى الله عليه وسلم في ذلك.
والعمل المتصل عندنا يترك له الخبر.
وما رووه عن عمر وعلي - رضوان الله عليهما - غير محفوظ، بل المشهور عنها ما رويناه عنها وعن جماعة الأئمة والسلف.
وقولهم أن التلبية لأجل الإحرام فيجب أن يخرج عنها بالخروج منه: باطل من وجهين:
أحدهما: أنها ليست لأجل الإحرام، ولكن من شروطها أن يبتدئ بها مع الإحرام، وليس كلما ابتدئ مع الإحرام كان لأجله.
والآخر: أن هذا يوجب أن لا تقطع ما بقى من الإحرام شيء.
وهذا باطل.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: ويستحب أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة، وإذا خرج خرج من كداء.
وإن لم يفعل في الوجهين فلا حرج.
قال القاضي رضي الله عنه: وهذا لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك في دخوله وخروجه؛ فروى سفيان بن عيينة [ق/ 135] عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها.
وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل مكة من الثنية العليا.
وفي حديث آخر: من كداء من ثنية البطحاء، ويخرج من [الثنية] السفلى.
فلذلك استحببناه له.
فإن لم يفعل فلا حرج؛ لأنه لم ترك واجبا ولا مسنونًا.
مسألة
قال رحمه الله: "فإذا دخل مكة فليدخل المسجد، ومستحسن أن يدخل من باب بني شيبة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي - رحمه الله -: وذلك لأن المستحب له المبادرة إلى البيت للطواف به، والركوع عنده، وحيازة الثواب بذلك.
وقد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا دخل مكة لم يلود ولم يعوج - يعني: دون المسجد -.
وروى الليث عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا دخل مكة لم ينخ ناقته إلا عند باب المسجد.
وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يدخل المسجد الحرام إذا قدم من باب بني شيبة.
مسألة
قال رحمه الله: " [ويستلم] الحجر الأسود بفيه إن قدر، وإلا وضع يده عليه ثم يضعها على فيه من غير تقبيل، ثم يطوف والبيت على يساره سبعة أشواط: ثلاثة خببًا ثم أربعة مشيًا، فيستلم الركن كلما مر به كما ذكرنا.
ولا يستسلم اليماني بفيه ولكن بيده، ثم يضعها على فيه.
فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين، ثم استلم الحجر إن قدر، ثم [يخرج] إلى الصفا فيقف عليه للدعاء، ثم يسعى إلى المروة، ويخب في بطن المسيل، فإذا أتى المروة وقف عليها للدعاء، ثم يسعي إلى الصفا؛ يفعل ذلك سبع مرات؛ فيقف [بذلك] أربع وقفات على الصفا أربعًا على المروة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي - رحمه الله -: أما استحباب البداية بالطواف على كل شيء لمن دخل المسجد؛ فلان الطواف تحية للبيت كما أن الركعتين قبل الجلوس في سائر المساجد تحية للمسجد، فإذا كان المستحب لمن دخل بعض المساجد أن يبدأ بالركعتين تحية للمسجد؛
فكذلك يستحب لمن دخل المسجد الحرام أن يبدأ بتحة البيت وهي الطواف.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك كان يفعل؛ فيجب الاقتداء به؛ فروى ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يقوم مكة يستلم الحجر الأسود أولاً، ثم يطوف.
وروى وهيب حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: قدمنا مكة فبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستلم الركن فسعى ثلاثًا ومشى أربعًا.
فأما قوله: يبدأ فيستلم الحجر بفيه إن قدر؛ فلما رويناه من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك؛ فروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم مكة يستلم الحجر الأسود أولا ثم يطوف.
وروى عبد الله بن رباح عن أبي هريرة قال: أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل مكة فأقبل إلى الحجر فاستلمه.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: قدمنا ومكة فبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستلم الركن.
وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال وهو يطوف بالبيت للركن الأسود: إنما أنت حجر، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك لم أقبلك، ثم قبله.
ورواه ابن وهب عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - كان يقبل الحجر، ويقول: والله إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولكني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك.
وروى شريك عن ليث عن مجاهد قال: لكل شيء شعار، وشعار الطواف استلام الحجر.
قال: وإنما أراد عمر - رضي الله عنه - أني أقبلك وأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع؛ ليرى أن تقبيله على طريق التعبد وإتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأنه بخلاف تقبيل المشركين للأصنام واعتقادهم أنها تنفع وتضر فثبت بما ذكرناه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة رضي الله عنه استحباب استلام الحجر الأسود إذا قدر الإنسان عليه.
فإن لم يقدر وضع يده على الحجر ثم وضعها على فيه؛ ليكون عوضًا من التقبيل؛ لأنه لما لم يقدر على التقبيل اعتاض منه بوضع اليد.
ووضعها على الفم؛ ليمس فمه ما مس الحجر من أعضائه.
وقد روى هذا عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يفعلونه؛ روى عن ابن عباس، وابن عمر وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري،
وأبي هريرة، وغيرهم، رضي الله عنهم أجمعين.
فأما قوله: أنه يطوف والبيت على يساره.
فلا خلاف أن ذلك صفة الطواف.
فإن نكسه لم يجزئه، ولكن يكن ذلك طوافًا شرعيًا عندنا، وعند الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يكره له ذلك، ويجزئه أن يفعل، وعليه الدم.
واستدل عنه بقوله تعالى:} وليطوفوا بالبيت العتيق ﴿والاسم يتناول الطواف على أي وجه وقع من ترتيب أو تنكيس.
ولأنه حصل طائفًا بالبيت في وقت وجوبه على طهارة؛ فأشبه إذا طاف والبيت على يساره.
ولأنها عبادة ليس من شروطها الموالاة؛ فلم يكن من شرطها الترتيب.
أصله: الزكاة.
عكسه: الصلاة.
ولأنه ترك صفة للطواف؛ فأشبه إذا ترك الرمل.
والأصل فيما قلنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف والبيت على يساره غير منكوس، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم"؛ ففي هذا أدلة:
أحدهما: بيان لما أجمل بقوله عز وجل:﴾ وليطوفوا [ق/ 136] بالبيت العتيق {؛ فبين أنه على الصفة التي فعلنا.
والثاني: أن فعله على الوجوب.
وأيضًا فلأنها عبادة تتعلق بالبيت أو تفتقر إلى البيت؛ فوجب ألا يجزئ إيقاعها منكسة؛ اعتبارًا بالصلاة.
واستدل بعض أصحابنا بأن قال: لأنه نسك مبنى على الحركة والتكرار فلا يجوز منكوسًا؛ السعي إذا بدأ بالمروة قبل الصفا.
فأما الآية فلا تعلق فيها؛ لأن قوله عز وجل:} وليطوفوا بالبيت العتيق {أمر، والأمر لا يتناول الفعل إلا على وجه الوجوب أو الندب، وقد ثبت أن التنكيس غير واجب ولا مندوب؛ فلم يتناول الأمر.
على أن البيان من جهة السنة بفعله صلى الله عليه وسلم؛ فقفي عليه.
والقياس الذي ذكروه ساقط مع الخبر الذي رويناه.
ثم إن الكلام في أن هذا الطواف يجزئ أو لا يجزئ فرع؛ لكون الترتيب شرطًا فيه؛ فإنما أجزأ الطائف على الترتيب لأدائه إياه على شرطه.
واعتبارهم بالزكاة غير مسلم الوصف؛ لأن الموالاة من شرط الطواف عندنا.
وينتقض بالحج؛ لأنه ليس من شروطه الموالاة، ومن شرطه الترتيب والمعنى في الزكاة أنه لا تفتقر إلى البيت، والمعنى في الرمل أنه يسقط لا إلى دم ولا إلى غيره، وليس كذلك الترتيب.
والله أعلم.
فصل
فأما قوله: يطوف سبعة أشواط.
فلأن ذلك عدد الطواف في الشرع، ومتى ترك شيئًا منه لم يجزئه، ولم ينب عنه الدم، ولم يكن طوافًا شرعيًا، إلا أن يأتي به كامل الأشواط.
هذا قولنا، وقول الشافعي.
وعند أبي حنيفة إن أتى بأربعة أشواط حتى رجع إلى أهله أجزأه وجبره بالدم، وإن ترك الأكثر فلا يجزئه.
واستدل أصحابه بقوله تعالى:} وليطوفوا بالبيت العتيق {، والاسم يتناول الطائف شوطًا واحدًا.
ولأن الأربعة معظم السبعة، ومن أتى بمعظم الشيء حل محل من أتى بجمعيه؛ اعتبارًا بمن أدرك الإمام في ركوعه أنه يعتد بالركعة؛ لإتيانه بمعظمها، ويكون كمدرك جميعها.
ولأنه أتى بزيارة على الأشواط الثلاثة، فأشبه إذا أتى بالسبعة.
ولأنه ركن من أركان الحج؛ فجاز أن ينوب الدم عن بعض أجزائه؛ كالوقوف.
والذي يدل على ما قلناه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيت سبعة أشواط.
رواه جماعة من الصحابة.
وروى حاتم بن إسماعيل وغيره عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استلم الركن فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا.
وروى ابن وهب عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا كان بالبيت الطواف الأول يخب ثلاثة أطواف، ويمشي أربعًا.
ولم يرو عنه أنه نقص من ذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم"؛ فوجب الاقتداء بفعله، وأن يؤتي بالعدد الذي أتى به.
وأيضًا فلأنه نقص عن الأشواط السبعة في طوافه؛ فأشبه أن يقتصر على الثلاثة.
وأيضًا فلأنه لو كان بمكة لم يجبر ما ترك من طوافه بالدم، ولزم استئنافه والإتيان ببقتيه؛ فكذلك بغيرها.
أصله: إذا ترك أربعة أشواط.
أو نقول: لأنه ترك من طوافه ما لو كان بمكة لم يجبره بالدم؛ فكذلك لا يجزئه وإن خرج من مكة.
أصله ما ذكرناه.
ولأنه فرض وعدد محصور فإتيانه بمعظمه لا يسقط ما بقى، ولا يجبره دم ولا غيره؛ اعتبارًا بسائر الفرائض.
ولأنه فرض يتعلق بالبيت دون عدد؛ فوجب أن يكون الإتيان بجميعه شرطًا في صحته.
أصله: الصلاة.
أو لأن ما افتقر إلى البيت لم ينب الدم عن شيء من عدده كالصلاة.
فأما الظاهر فالسنة تقضى عليه.
واستدلالهم بأن من أتى بمعظم الشيء كان كمن أتى بجميعه بالأصول كلها كالطهارة والصيام وغير ذلك من العبادات.
فأما المدرك للركوع فلم يكن عليه القيام فرضًا إلا إتباعًا للإمام؛ لأنه ليس على المأموم قراءة، فإذا فرغ الإمام من القراءة ركع؛ فلم يبق شيء يتبعه المأموم فيه.
وقياسهم عليه إذا أتى بالسبعة؛ بعلة أنه أتى بزيارة على الثلاثة: باطل؛ لأن العلة فيه أتى بجميع أشواط الطواف.
وليس كذلك إذا أتى بالأربعة؛ لأنه أتى ببعض الأشواط؛ فأشبه إذا افتقر على شوطين.
وهذه الأحكام إنما هي للطواف الفرض، ولكن وصف الطواف لا يختلف فيه فرض.
واعتبارهم بالوقوف لا يصح؛ لأن الفرض منه أقل ما يقع عليه الاسم، وماذا زاد عليه الاسم، وماذا عليه مسنون وليس بفرض.
والفرض لا ينوب عنه الدم.
وبالله التوفيق.
فصل
فأما قوله: إن الثلاثة الأشواط الأول خيب، والباقي مشى.
فلأن ذلك مروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجماعة أصحابه؛ فيجب الأقتداء بهم؛ فروى مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمل الثلاثة الأطواف من الحجر إلى الحجر.
وروى حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول يسعى ثلاثة أطواف، ويمشى أربعًا.
وقد رورى ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمرن وابن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وابن الزبير، وجماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
والسبب في ذلك ما ذكره ابن عباس، ورواه حماد بن زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وقد وهنتهم حمى يثرب.
فقال المشركين: إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب ولقوا منه شرا فأطلع الله عز وجل نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ما قالوا؛ فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين.
فلما رأوهم رملوا قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى قد [ق/ 137] وهنتهم، هؤلاء أجلد منا.
قال ابن عباس - رحمه الله -: ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط لكها إلا للإبقاء عليهم.
فصل فأما قوله: إنه يستلم الركن كلما مر به، ويكبر؛ فكذلك روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يفعل في طوافه كلما مر على الركن، وقد تكرر من رواية ذلك ما أغنى عن إعادته.
فصل
فأما قوله: أنه إذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين؛ فلأن عنده أن من سنة كل طواف أن يركع عقيبه ركعتين سنة مؤكدة لا تترك.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل قولنا.
والآخر: أنهما مستحبتان، وليستا بواجبتين ولا مسنونتين.
والذي يدل على ما قلناه قوله تعالى:} واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى {.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استلم
الركن فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم - عليه السلام - فقرأ:} واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى {فجعل المقام بينه وبين البيت.
ففي هذا دليلان:
أحدهما: أنه بيان للآية.
والآخر: أنه بيان للمناسك بقوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم".
وروى أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يدع في كل طواف أن يركع عليه ركعتين.
وروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف راكبًا، فلما فرغ نزل فصلى خلف المقام.
وهذا يدل على استنانها وتأكيد أمرهما؛ لأنهما لو كانا نفلاً غير مسنون لكان يصليها على الراحلة، فلما لم يفعل ذلك بل نزل عن راحلته وصلاها عند المقام.
دل ذلك على تأكيد أمرهما.
ولأن الطواف من أركان الحج؛ فوجب أن يكون من توابعه ما هو واجب وجوب سنة؛ كالوقوف بعرفة؛ لأن من توابعه المبيت بالمزدلفة، وغير ذلك.
فإن قيل: فقد روى من حديث الأعرابي الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن
الصلوات أنه قال: هل على غيرهن؟ قال: "لا إلا أن تطوع".
قلنا: إنما سأله عن الفرض اللازم ابتداء بالشرع الذي يتكرر فعله؛ ألا ترى أنه لم يذكر له النذر ولا الوتر ولا العيدين؟.
فإن قيل: كل صلاة: لم تكن سنة للكافة لم تكن سنة لبعض دون بعض؛ كسائر النوافل؛ مثل الركعتين بعد الظهر وبعد المغرب.
عكسه: كسائر الصلوات المسنونات.
قلنا: يبطل بصلاة الاستسقاء؛ لأنها مسنونة لمن احتاج إلى الاستسقاء دون الكافة؛ فكذلك سبيل ركعتي الطواف أنهما سنتان لمن طاف دون غيره.
وأيضًا فإن هذه سنة لكافة الذين يوجد فيهم شرطها؛ لأن من شرطها تقدم الطواف فكانت كصلاة الكسوف التي هي سنة للكافة إذا وجد شرطها.
وليست يخرجها عن كونها سنة للكافة أن يوجد الشرطان في بعضهم؛ لأنها إنما تكون سنة بحيث يوجد شرطها، فإذا وجد فهي سنة لكافة من وجد منه.
والله أعلم.