على لسان عمر وقلبه"؛ ويدل عليه أن الصحابة كانوا يتوقفون على الفتيا في الحادثة إذا نزلت وهم غائبون عنها، ويؤخرون ذلك إلى وقت عودهم إليها، وروى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر، وأشار عبد الرحمن به على عمر فقال: أمهل يا أمير المؤمنين لتقدم دار الهجرة وبها الصحابة.
وقد علمنا أن ذلك لاعتقادهم أن النفوس تكون بها أشرح والاجتهاد فيها أقوى والتبين لأسبابه أمكن.
وهذه طرق واضحة في وجوب ترجيح اجتهادهم على اجتهاد غيرهم.
وبالله التوفيق.
وبمثل ذلك قال الشافعي للربيع: يا بني إني والله لك ناصح إذا جاءك الأصل من أصل أهل المدينة فاشدد يديك به.
وقال: ما في الأرض كتاب بعد كتاب الله أكثر صوابًا من كتاب مالك - رحمه الله-.
فصل
أما الكلام في عملهم المتصل إذا عارضه خبر واحد، وأن المصير إلى عملهم هو الواجب وترك الخبر الواحد له: فالذي يدل عليه أنه إذا ثبت أن هذا العمل طريقه طريق النقل لا الاجتهاد دخل فيما دللنا عليه من أ، هـ نقل تواتر، فإذا ورد في مقابلته آحاد وجب تركها له عما يجب ذلك في تركها للقول؛ لأن الحجة في النقل المتصل عملاً كان أو قولاً.
وقد أكثر المخالفون التشنيع على أصحابنا في ذلك بتقويلهم ما لا يقولون من أنه لا يقبل الخبر إلا إذا صحبه على أهل المدينة، ورووا أخبارًا لم يصحبها عمل أهل المدينة، ولا كان عندهم علم بأحكامهم حتى رجعوا إليها من رجوع عمر في الجزية إلى خبر عبد الرحمن بن عوف، وفي توريث المرأة من دية زوجها إلى حديث الضحاك بن سفيان وغيره.
وكل هذا تقويل لنا غير قولنا، وإنما مذهبنا أن الخبر إذا روى لم يخل حاله من عمل أهل المدينة من أحد ثلاثة أمور:
إما أن يكون عملهم مطابقًا له؛ فهذا يؤكد العمل به والأخذ بموجبه.
أو أن يكون عملهم بخلافه؛ فهو الذي يقول: إن عملهم أولى منه، وأن الخبر يجب أن يترك له؛ ويريد بذلك العمل المنقول.
أو أن لا يكون عندهم عمل به ولا يخالفه في المسألة لا يتصور إلا على هذا الوجه.
فأما أن نقول: لا يقبل الخبر حتى يصحبه العمل فمعاذ الله، وليس إذا قلنا أن العمل أولى منه متى كان بخلافه فوجب أن نكون قد قلنا: إنه لا يقبل حتى يصحبه العمل؛ فبان بذلك غلطهم علينا فيما يضيفونه إلينا.
وهذا الذي يذهب إليه مالك وأصحابه من ترك الخبر للعمل المنقول ليس بمذهب انفردوا به؛ بل هو مذهب أكابر التابعين؛ قال أبو الزناد في خبر وجد العمل بخلافه ألف عن ألف أحب إلي من واحد عن واحد.
وقال غيره: لو رأيتهم يتوضئون إلى الكوعين وأنا أقرأ إلى المرفقين لتوضأت إلى الكوعين.
وذكر عن جماعة من التابعين أنهم يتركون أحاديث إذا سئلوا عنها قالوا: ما نجهل هذا، ولكن وجدنا العمل على غيره.
وروى أن أبا بكر بن محمد بن حزم، وكان إذا قيل له: لم لم تقض بحديث كذا؟ يقول: لم أجد العمل عليه.
والكلام في فصول هذه المسألة طويل، وقد ذكرنا ما فيه إن شاء الله مقنع وبلاغ، وأشبعنا ذلك في مقدمات كتاب "الفروق"، وتكلمنا فيه كلامًا شافيًا، والله ولي التوفيق، ثم عدنا إلى الكتاب.
مسألة
قال رحمه الله: "وتؤدى من جل عيش أهل ذلك البلد من بر أو شعير أو سلت أو تمر أو إقط أو زبيب أو دخن أو ذرة أو أرز.
وقيل: إن كان العلس قوت قوم أخرجت منه.
وهو حب صغير يقرب من خلقة البر".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي - رحمه الله - أعلم أن أول ما في هذا أن زكاة الفطر متعلقة بالأقوات فلا يجزئ أن يخرج فيها ما ليس بقوت.
هذا قولنا، وقول الشافعي.
وحكى عن أبي حنيفة جواز إخراج كل مأكول في زكاة الفطر حتى ذكر عن يونس بن بكير أنه حكى عنه أنه قال: إن أخرج صاعًا من الهليج أجزأ عنه.
وهذا يدل على أنه لا يعتبر بالقوت، ولا يجوز أن يحمل ذلك على
أنه قال على أصله في القيمة؛ لأنه اعتبر الصاع.
والدلالة على ما قلنا: قول ابن عمر: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير الخبز"؛ فوجب بذلك حصرها على قدر ما ذكر فيها إلا أن تقدم دليل.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" وقد علم أن غناءهم إنما هو بتحصيل أقواتهم؛ لأنهم لا يستغنون بالهليج، ولأنه ليس بقوت؛ فأشبه غير المأكول.
فصل
ولا خلاف في جواز إخراج البر في زكاة الفطر، وذهب بعض من لا يعتد بخلافه إلى منعه قال: لأنه روى عن ابن عمر أنه كان لا يخرج إلا الشعير، فقيل له: قد وسع الله الخير والبر.
فقال: إن أصحابي يسلكوا سبيلاً أريد أن أسلكه.
وعندنا أن هذا القول خرقًا للإجماع؛ فلا يعتبر به، ليس في هذه الحكاية عن ابن عمر أنه كان لا يجوز إخراج البر، ولا أصحابه كانوا لا يجوزون ذلك؛ فلا تعلق فيها.
ثم الذي يؤكد ما قلناه: ما رواه الزهري عن ثعلبة بن أبي صغير عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر أدوا صاعًا من قمح أو شعير.
وروى وكيع عن داود بن قيس الفراء عن عياض بن عبد الله عن أبي
سعيد قال: "كنا نخرج صدقة الفطر إذ كان فينا رسول [ق/ 123] الله صلى الله عليه وسلم صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط".
ولأنه قوت؛ فجاز إخراجه في صدقة الفطر؛ اعتبارًا بالتمر.
فصل
وأما الأقط فإن إخراجه جائز لأهل البادية.
وللشافعي قولان:
أحدهما: أنه يجوز إخراجه.
والآخر: أنه لا يجوز.
ومن أصحابه من قال: أنه علق القول فيه.
ونكتتهم في منع إخراجه أنه قوت لا تجب في عينه الزكاة؛ فلم يجز إخراجه في زكاة الفطر؛ اعتباره اللحم و.
والدلالة على ما قلنا: ما روى مالك عن زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله بن سعد أنه سمع أبا سعيد يقول: "كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب".
ورواه داود بن قيس عن عياض عن أبي سعيد فزاده فيه: "إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم" ولا يجوز أن يحمل ذلك على عدم إذنه؛ لأن أبا سعيد أخرج ذلك مخرج الاحتجاج وفعله بغير إذن صاحب الشريعة لا حجة فيه.
وروى كثير بن عبد الله بن عمر، والمزني عن ربيح بن عبد الرحمن عن أبي سعيد أن رجالاً من أهل البادية قالوا: يا رسول الله إنا أولوا أموال فهل تجوز عنا من زكاة الفطر؟ قال: لا؛ فأخروجها عن الصغير والكبير والذكر والأنثى والعبد والحر، صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من شعير".
وقال أصحابنا: ولأنه مقتات مدخر مستفاد من أصل تجب الزكاة في عينه يجزء منه الصاع؛ فأشبه الحبوب.
وما ذكروه ليس بقوت عام، والسنة أولى منه.
وأما جواز إخراج الزبيب فلا خلاف فيه بين فقهاء والأمصار، وحكى عن بعض المتأخرين منعه.
والدلالة على جوازه ما روى الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من بر".
وهذا نص.
وفي حديث أبي سعيد: "كنا نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعًا من تمر أو شعير أو زبيب".
ورواه ابن عباس أيضًا.
ولأنه قوت مدخر؛ فأشبه التمر.
فصل
فأما التمر والشعير: فلا خلاف في جواز إخراجهما؛ ويؤكد ذلك ما رويناه من الأخبار فيه.
فأما ما عدا ذلك مما ذكرناه فإنها أقوات عامة؛ فإذا كانت عيش قوم جاز إخراجها في الزكاة؛ اعتبارًا بالمنصوص فيما يخرجه بعيش أهل البلد غالبًا.
فإن كان ممن يخص نفسه بقوت أعلى منه استحب له أن يخرج الزكاة مما يقتاته، فإن أخرج قوت أهل البلد أجزأه.
وإن كان يقتات دون قوت أهل البلد، وهو قادر على قوت أهل البلد لزمه إخراج ما يقتاته غالب الناس، ولم يجزئه إخراج ما يأكله هو.
وزعم عبد الملك بن حبيب أن هذا في غير التمر والحنطة والشعير، فأما في هذه الثلاثة الأشياء فإنه مخير يخرج.
فحصل من هذا أنه إذا كان غالب قوت أهل البلد الحنطة فأخرج هو شعير أنه لا يجزئه.
وللشافعي قولان:
أحدهما مثل قولنا.
والآخر مثل قول ابن حبيب.
والدلالة على ما قلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم".
والطلب إنما هو للقوت، فإذا أعطاهم الشعير وقوتهم الحنطة فلم يغنهم عن الطلب.
ولأنه لما كان عليه إذا كان يقتات أعلى من قوتهم أن يخرج من قوتهم الغالب، ولا يلزمه أن يخرج مما يقتاته؛ كذلك إذا كان يقتات دونه فالواجب أن يخرج من غالب أقواتهم.
ووجه قول ابن حبيب قوله صلى الله عليه وسلم: "صاعًا من تمر أو شعير"، وذلك يفيد التخيير بين هذه الأشياء؛ فمن أيها أخرج أجزأه.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: "ويخرج السيد عن عبده، والصغير الذي لا مال له يخرج عنه والده، ويخرج الرجل زكاة الفطر عن كل من تلزمه نفقته، وعن مكاتبه وإن كان لا ينفق عليه، لأنه عبد له بعد".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي - رحمه الله: اعلم أن قولنا وقول فقهاء الأمصار أن على الإنسان إخراج صدقة الفطر عن من تلزمه نفقته في الجملة وإن اختلفنا في تفصيل ذلك على ما سنذكره.
وعند داود: أنه لا يلزم الإنسان زكاة الفطر عن أحد غيره، لا عن ولده ولا عن عبده.
والدلالة على بطلان قوله ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أدوا زكاة الفطر عن من تمونون".
وروى الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد ممن تمونون".
وروى ابن وهب قال: كتب إلى كثير بن عبد الله عن ربيح بن عبد الرحمن عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقوم من أهل البادية في زكاة
الفطر: "أخرجوها عن الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والعبد والحر صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب.
ولأنها طهرة تحري مجرى المؤنة، فأشهبت النفقات.
فصل
فأما ولده الصغير إذا لم يكن له مال فيلزمه عندنا وعند أبي حنيفة والشافعي إخراج زكاة الفطر عنه فأما الكبير الزمن إذا لم يكن له مال، وقد لزمته نفقته فيجب أن تلزمه زكاة الفطر عنه، وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ذلك.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "عمن تمونون" ولأنه ممن تلزمه مؤنته مع كونه من أهل الطهرة، فأشبه الصغير.
ولأن البلوغ لا يمنع من وجوب فطرته على غيره إذا كانت مؤنته لازمة لغيره، وكان من أهل الطهرة في نفسه، اعتبارًا بالعبد.
وإن قاسوه على الحر البالغ الموسر قلنا: المعنى فيه أنه [ق/ 124] لا تلزمه نفقته.
فصل
ويلزمه عندنا أن يؤدي زكاة الفطر عن زوجته المسلمة وإن كانت موسرة، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ذلك، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر عن كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين، وظاهر هذا العموم
يقتضي أن تكون فرضًا عليها عن نفسها.
ولأن كل من خوطب بإخراج زكاة الفطر عن رقبته وجب أن يكون مخاطبًا بذلك عن نفسه.
دليله: الرجل.
ولأن الزوج لما لم يلزمه أداء زكاة الفطر عن رقيقها لم يلزمه أداؤها عنها، اعتبارًا بالأجنبية ولأن منافعها مستحقة بعوض فلم يلزم مستحقها أداء الفطر عنها.
دليله: الأجير.
ولأنها زكاة فلم يتحملها عنها الزوج، اعتبارًا بزكاة المال، ولأنها عبادة متعلقة بالمال، فأشبهت الكفارات.
والدلالة على صحة قولنا: ما روى الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد ممن تمونون.
والزوجة ممن يمونها الإنسان، فلزمه أداء زكاة فطرتها عنها بهذا الظاهر.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أدوا زكاة عمن تمونون".
ولأنها من أهل الطهرة، فوجب أن يلزم فطرتها من تلزمه مؤنتها إذا كان قادرًا على ذلك.
أصله: الولد الصغير.
ولأنه التزم نفقتها بسبب يوجب التوارث من الطرفين، فوجب أن تكون فطرتها على من تلزمه النفقة الراتبة إذا كان من أهل الطهرة.
أصله: الأبوان، والولد الصغير.
ولأنها مستباحة البضع بالعقد فأشبهت الأمة.
ولأن الفطرة تابعة للمؤنة فيمن هو أهلاً للطهرة، بدلالة أن العبيد لما لزمت ساداتهم مؤنتهم لزمتهم فطرتهم.
فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "على ذكر وأنثى" فمعناه: من يمون نفسه دون من تلزم غيره مؤنته، بدليل خبرنا.
ولا يصح قياس الزوجة على الزوج، لأن مؤنته على نفسه، والفطرة تابعة للمؤنة، وليس كذلك الزوجة.
على أن إخراجها زكاة الفطر عن رقيقها دليلنا، لأنه إنما لزمه ذلك لا لتزامها مؤنتهم، فلما كان الزوج ملتزمًا لمؤنتها لزمه أداء فطرتها كما لزمها هي في رقيقها.
ولا يصح اعتبارها بالأجنبية، لأنه لا يلزمه مؤنتها، ولا بالأجير أيضًا، لأن مؤنتها يقصد بها الوصلة لا المعاوضة المحضة، ففارقت الأجير.
ولا يصح اعتبارها بزكاة المال، لأن موضوعها يختلف، وذلك أن زكاة المال طريقها طريق العبادات، فالإنسان يختص به في نفسه من غير أن يخاطب غيره به عنه، وما طريقه المؤن فهو تابع للنفقة، ألا ترى أن مخالفنا قد فرق بينهما في اليتيم فأوجب في ماله زكاة الفطر دون زكاة المال، وتفارق الكفارات، لأنها لا تصح النيابة فيها على وجه.
وليس كذلك الفطرة، لأن التحمل يصح فيها، بدلالة أن على الرجل أن يخرجها عن أصاغر ولده وعن عبيده، والله أعلم.
فأما عبده المكاتب فعنه في إلزامه إخراج فطرته روايتان:
أحداهما: أن ذلك يلزمه.
والأخرى: أنه لا يلزمه.
فوجه قوله إنه يلزمه، اعتبارًا بالعبد والأمة وأم الولد والمدبر، بعلة وجود الرق مع كونهما من أهل الطهرة.
ووجه قوله إنه لا يلزم أن زكاة الفطر تابعة للنفقة، فلما لم يلزم السيد النفقة على مكاتبه لم يلزمه إخراج فطرته.
فصل
فأما اشتراطه أن يكون المخرج عنه مسلمًا فهو قولنا، وقول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يلزمه أن يخرج عن عبيده الكفار زكاة الفطر، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر".
ولقوله: "ممن تمونون" فعم.
وفي الأخبار على كل حر وعبد مسل أو نصراني.
ولأن المؤدي من أهل الطهرة فوجب أن تلزمه نفقة رقيقه.
أصله: إذا كان العبد مسلمًا لمسلم.
ولأن كون العبد كافرًا لما لم يمنع وجوب الزكاة فيه للتجارة لم يضع وجوب الفطرة عنه إذ الاعتبار بالسيد المزكي عنه، لا بالعبد.
والدلالة على ما قلنا: ما روى عكرمة عن ابن عباس قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعماً للمساكين.
وفي حديث آخر: زكاة الفطر بلى ذكر فرض.
فأخبر عن صفة الزكاة، وعن علة فرضها، وهي كونها طهرة للصائم، فنفى بذلك وجوبها عن الكافر، ولأنه ليس بصائم، فلا تكون طهرة له.
فإن قيل: فليس في الخبر ذكر لصائم دون صائم، فيقول: إنها طهرة للسيد.
قلنا: هذا فاسد من وجهين:
أحدهما: إن الظاهر أن المراعي في الطهرة للصائم والمخرج عنه، لا المخرج، لأن ما طريقه التكفير من اللغو والرفث لا يحصل بالأداء عن الغير.
والوجه الآخر: إن الإجماع حاصل على أن طهرة الشخص الواحد صاع واحد، وأنتم توجبون عليه صاعين:
أحدهما عنه، والآخر عن غيره، فيصير الصاع الآخر طهرة عن ليس بصائم.
وأيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: "على كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين" فدل ذلك على أن الكفارة بخلافهم، وأنه ليس من أهل الطهرة، فلم يلزم أن تخرج عنه الفطرة.
دليله: العبد الكافر إذا كان لكافر، والأبوان الكافران.
ولأن حال السيد آكد من حال عبده، وقد ثبت أن السيد لو كان كافرًا لم تلزمه فطرة نفسه، فبأن لا تلزمه عن غيره أولى.
ولأن الاعتبار بالمؤدي عنه لا بالمؤدي، يدلك عليه أن المسلم يلزمه أداء
الفطرة عن أبيه المسلم، والكافر لا يلزمه أداء الفطرة عن أبيه الكافر، لأن المؤدي عنه ليس من أهل الطهرة.
ولو ارتد ابن المسلم لسقط عن أبيه أداء الفطرة، لأن الذي يؤدي عنه صار من غير أهل الطهرة [ق/ 125]، ويبين هذا عندنا في الابن إذا بلغ زمنًا فقيرًا، أو ارتد أن فطرته تسقط عن الأب.
وعلى مذهب أبي حنيفة في الصغير إذا ارتد، لأن ردته صحيحة عندهم.
فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر" فمفهومه أن عليه أن يؤدي عنه الفطرة في الجملة، وأن الفطرة ليست كزكاة الرقاب.
فأما شروطها والأحوال التي إذا كان العبد عليها أديت عنه ينبئ الخبر عنه.
وقوله: "ممن تمونون" مقيد بقوله: "من المسلمين" وقوله: "مسلم أو نصراني" غير معروف ولا ثابت، فلا يلزمنا الجواب عنه.
وقولهم: إن المؤدي من أهل الطهرة فأشبه إذا كان العبد والسيد مسلمين: لا معنى له، لأن الاعتبار المودي عنه على ما ذكرناه على أن المعنى في الأصل كون المؤدي عنه من أهل الطهرة، وليس كذلك في الفرع.
واعتبارهم بزكاة التجارة باطل، لأنها تكون طهرة للسيد، وزكاة الفطر طهرة للمخرج عنه، فإذا لم يكن من أهل الطهرة لم تلزم عنه، على أنه باطل بما ذكرناه من ارتداد الابن.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: ويستحب إخراجها إذا طلع الفجر من يوم الفطر".
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي - رحمه الله: والأصل في ذلك قوله تعالى:} قد أفلح من تزكى وذكر اسم رب فصلى ﴿. قيل في تأويله: أدى زكاة الفطر، ثم خرج لصلاة العيد، فروى إسماعيل بن إسحاق حدثنا أبو ثابت حدثنا عبد الله ابن نافع المدني عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن قوله تعالى:﴾ قد أفلح من تزكى ﴿قال: "زكاة الفطر".
وروى عبيد الله عن نافع قال: كان ابن عمر إذا صلى الغداة قال: يا نافع أخرج الصدقة، فإنما أنزلت في هذا:﴾ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى {.
وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز وأبي العالية.
هذا من الظاهر.
فأما من الأثر: فما رواه موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة.
وروى حكيم بن حزام عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: "قربوا قبل خروجكم زكاة الفطر".
والمعنى في ذلك هو أن يستغني بها الفقير في ذلك اليوم عن الطلب.
واستحب قبل الصلاة، ليشتغل الفقراء بالصلاة عن الطلب في ذلك الوقت، وفي جملة اليوم، وقد وردت السنة بهذا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم".
فصل
فأما وقت وجوبها فتخرج فيه روايتان:
إحداهما: أنها تجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان.
والأخرى: أنها تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر.
وللشافعي - رضي الله عنه - قولان:
وعند أبي حنيفة - رحمه الله - أنها تجب بطلوع الفجر.
وكان أبو بكر بن الجهم يقول: الصحيح من قول مالك أنها تجب بطلوع الشمس يوم الفطر وهذا ليس بشيد مما سنذكره.
فوجه قوله إنها تجب بغروب الشمس ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان.
فأضافها إلى الفطر من رمضان، وحقيقة ذلك لا تكون إلا بغروب الشمس، لأن ذلك أول فطر يتعقب خروج رمضان.
وسألوا عن هذا فقالوا: إطلاق اسم الفطر لا يتناول إلا زمانًا يصح في مثله الصوم، وزمان الليل لا يصح فيه الصوم، فلم ينتظمه الخبر.
الجواب: إن هذا باطل، لأنه لو لم يتناول الليل لما قالوه لوجب ألا يتناول يوم الفطر به أيضًا، لأن صومه لا يصح في الشرع، ولكان لا يجب أن يسمى يوم الفطر كما لا يسمى بذلك، لأن حكم يوم الفطر في أنه لا يصح الصوم فيه كحكم أجزاء الليل، فعلم بذلك بطلان ما قالوه.
على أن اسم الفطر متعلق على زمان الليل باللغة والشرع، فأما الشرع: فقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم"، فسمى زمان الليل زمان فطر.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه".
فأما اللغة: فإن الفطر ضد الإمساك الذي هو الصيام، لأن الإنسان لا يخلو من هذين الحالين، وهما يتعاقبان عليه الصوم والفطر، فإذا انتفى عنه الوصف لأحدهما ثبت له الوصف الآخر.
وسألوا فقالوا: لو تناوله الخبر ليلة الفطر لتناول سائر ليالي رمضان، فعلم بذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد الليل، لأنه وقت الفطر في تضاعيف رمضان أيضًا.
فالجواب: أن هذا لا يعترض على الخبر، لأن لوجوب علق بالفطر في
رمضان، وهذا يقتضي أن يكون فطرًا عن جميع رمضان لا عن بعضه، فبطل ما قالوه.
وسألوا أيضًا فقالوا: روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فطركم يوم تفطرون" فأضافه إلى اليوم دون الليلة.
فالجواب عن هذا أنه خص اليوم بذلك لمعنى، وهو أنه أول فطر من رمضان نهارًا، فأما ليلة شوال فإنه أول فطر يتعلق رمضان ليلاً بالخبر الذي رويناه، فثبت أن اسم الفطر من رمضان يتعلق على الموضعين.
فإن قالوا: فلم صرتم بأن تعلقوا حكم الوجوب بالليل بأولى منا أن نعلقه بالنهار؟
قلنا: لأنه أول ما يسبق إلى تناول الاسم كما فعلنا ذلك في الأب وفي التفرق بالقول، وكما فعلناه نحن في الشقيقين، وغير ذلك.
وسألوا أيضًا فقالوا: لو كانت ليلة شوال فطرًا من رمضان لم يسم الزمان الذي بعدها فطرًا، ألا ترى أن يوم الفطر لما سمى بذلك لم يسم ما بعده باسم الفطر؟
فالجواب أن هذا حجة حجة لنا، لأن اسم الفطر لا يتناول يوم الفطر إلا بتقييد الزمان، لأنه يقال: [ق/ 126] يوم الفطر، وهذا يوم الفطر، وقد وجدنا هذا يستعمل في الليلة أيضًا فيقال: ليلة الفطر كما يقال: يوم الفطر.
فإن قيل: معنى ذلك الإضافة إلى اليوم الذي يقع فيه الفطر.
قيل له: هو للأمرين معًا.
وجواب آخر: وهو أنه إنما يسمى ذلك، لأنه أول فطر من جنس زمان صوم رمضان، فلم يقع الاسم على ما قبله من جنسه.
هذه جملة الأسئلة على الخبر.
ومن الدلالة على ما قلنا: ما رواه ابن عباس قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر طهارة للصيام من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين.
فأخبر عن المعنى الذي من أجله فرضت، وهو أن تكون طهرة للصائم أو من هو في حكم الصائم، وذلك يفيد أن من صام رمضان ثم مات قبل طلوع الفجر فقد وجبت عليه الزكاة.
فأما من ولد بعد غروب الشمس فلم يدرك الصوم ولم يحصل له تحرم بإدراكه فلم يتعلق به حكم الوجوب، ولأنه لم يدرك شيئًا من رمضان فلم يلزم إخراج الفطرة عنه.
أصله: إذا ولد بعد طلوع الفجر يوم الفطر.
ولأن كل ليلة فحكمها حكم اليوم الذي بعدها إلا ليلة عرفة، يبين ذلك أن ليلة شوال من شوال، وكذلك ليلة رمضان، وكذلك إذا أراد الاعتكاف دخل قبل غروب الشمس إلى معتكفه ليستوفي اليوم بليلته.
وإذا ثبت ذلك ثم اتفقنا على أن من ولد يوم الفطر لا يحرم إخراج الفطرة عنه، كذلك من ولد ليلة الفطر.
فهذا وجه هذا القول.
ووجه القول أنها تجب بطلوع الفجر ما روى أنه صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر
من رمضان.
وإطلاق الفطر من رمضان لا يفهم منه إلا يوم الفطر.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم"، فنبه بذلك على ما تعلق الوجوب باليوم.
ولأنه حق في مال يخرج يوم عيد على طريقة المواسة، فوجب أن يتعلق بطلوع الفجر.
أصله: الأضحية.
ولأنه فطر في ليل، فأشبه تضاعيف الشهر.
ولأنه أدرك طلوع الفجر يوم الفطر وهو في ماله، فأشبه إذا أدرك الطرفين.
فهذا وجه هذا القول.
والأول أنظر وأقيس، وقد مضى في أدلته ما هو جواب عن هذا.
وبالله التوفيق.
مسألة
قال رحمه الله: "ويستحب الفطر فيه قبل الغدو إلى المصلى، وليس ذلك في الأضحى، ويستحب في العيدين أن يمضى في طريق ويرجع في أخرى".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي - رحمه الله: قد بينا ذلك في باب صلاة العيدين بما يغني عن إعادته، فلذلك لم نعده هاهنا.
كمل آخر كتاب الزكاة.
بسم الله الرحمن الرحيم
باب في الحج والعمرة
مسألة
قال الشيخ: أبو محمد عبد الله بن أبي زيد رضي الله عنه وحج بيت الله الحرام الذي بمكة فريضة على كل من استطاع إلى ذلك سبيلاً من المسلمين الأحرام استطاع إلى ذلك سبيلاً من المسلمين الأحرام البالغين مرة في عمره.
والسبيل: الطريق السابلة، والزاد المبلغ إلى مكة، والقوة على الوصول إلى مكة إما [راجلاً أو راكبًا]، مع صحة البدن".
قال القاض ألو محمد عبد الوهاب بن على - رحمه الله -: علم بدئًا قبل الكلام على ما ذكره أن الحج ف اللغة: القصد؛ تقول العرب: حجنا البيت نجحه أي: قصدناه قال الشاعر:
أما والذي حج المصلون بيته... مشاة وركبانًا محرمة البزل
أراد: قصد المصلون بيته.
وقال:
يحجن باليقظ حفاف الروح... حج النصارى العيد وم الفصح
أراد: يقصدون.
ويقال: الحج، والحج: بفتح الحاء وكسرها؛ فإذا كسرت فهو الاسم، وإذا فتحت كان مصدرًا؛ حججت أحج، حجًا.
وقوله تعالى:} ولله على الناس حج البيت ﴿قد قرئ بالوجهين جميعًا.
وحكى عن الخليل أنه قال: الحج: هو كثرة القصد إلى من تعظم.
قال الشاعر:
وأشهد من عوف حلولاً كثيرة... يحجون سب الزبرقان الزعفرا
قال السب: العمامة.
وكان الزبرقان يصبغ عمامته فكانوا يقصدون صبغ عمائمهم بمثل صبغه.
والنسك في اللغة: العبادة؛ يقال: رجل ناسك أي متعبد، ومنه قوله تعالى:﴾ فإذا قضيتم مناسككم {أي: متعبداتكم.
وقيل: إن أصل النسك في اللغة: الغسل، وقولهم:
نسك ثوبه معناه: غسله.
ومنه قول الشاعر:
ولا ينبت المرعى سباخ عراير... ولو نسكت بالماشية أشهر
فهذا معناه في اللغة، إلا أنه في استعمال الشرع:
العبادة؛ على ما بيناه من قولهم: فلان ناسك
ومتنسك أي: متعبد.
وفي حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم الأضحى فقال: "إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة، ثم الذبح"؛ فسمى الصلاة نسكًا، فأما تسمية الذبح نسكًا فمن هذا المعنى إذا كان على وجه القربة ومنه قوله تعالى:} ففدية من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ ﴿، وقوله:﴾ وأرنا مناسكنا {معناه: أفعال حجنا.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عنى مناسككم".
معناه: أفعال حجكم
فهذا معنى النسك فأما العمرة فقد اختلف في معناه؛ فقال قوم من أهل اللغة: معناه القصد بمعنى الحج، واستدلوا بقول الشاعر:
لقد سمى ابن معمر حين اعتمر... مغزى بعيدًا من بعيد وضبر
يريد: حين قصد ما فعله وطلبه.
وقال آخرون: معنى الاعتمار: الزيادة؛ يقال: اعتمر فلان إذا زار.
وأنشدوا:
يهل بالفرقد ركبانها... كما يهل الراكب المعتمر
يريد: الزائر.
فأما معناها [ق/ 127] في الشرع: فهو قصد البيت على وجه مخصوص.
فأما تسمية البيت بأنه عتيق في تأويل قوله تعالى:} وليطوفوا بالبيت العتيق {ففيه عن أهل اللغة ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه سمى بذلك؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة.
هذا يروى عن مجاهد.
والثاني: أن الله تعالى أعتقه من الغرف في زمان طوفان نوح - عليه السلام.
والثالث: أنه سمى بذلك لكرمه، والعتيق عند العرب: الكريم، يقال: حسب عتيق، وفرس عتيق.
وأنشد الفراء:
أما والله لو كنت حرًا... وما بالحر أنت ولا العتيق
أي: ولا الكريم.
وهذه جملة كافية في معنى هذه الفصول.
فأما الدلالة على وجوب الحج: فمن الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
فأما الكتاب: فتقول عز وجل:} ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر الله غني عن العالمين ﴿.
ففي هذه الآية دليلان:
أحدهما: إخباره بأنه عليهم، وذلك من ألفاظ الوجوب.
والآخر: قوله تعالى:﴾ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴿.
قال الحسن وغيره: "ومن كفر" معناه: من لم ير الحج واجبًا.
وقال مجاهد: "من كفر" من إذا حج لم ير أنه فعل برًا، وإن ترك لم ير أنه فعل مانعًا.
وأيضًا قوله تعالى:﴾ وأتموا الحج والعمرة لله {.
فإن قلنا: إن إتمام الشيء يعبر عنه عن الابتداء فقد استقدنا بالظاهر الوجوب.
وإن قلنا: إن الإتمام إنما هو لما قد دخل فيه استفدنا بذلك وجوب إتمامه على الداخل فيه بالظاهر، واستعذنا وجوب الابتداء بمفهوم اللفظ؛ وذلك أن الأمر المطلق أمر بها لا يتم الشيء إلا به، فلما أوجب علينا إتمام الحج
ولم يكن لنا سبيل إلى إتمامه إلا بالدخول فيه وجب لذلك ابتداءه.
وأيضًا قوله تعالى:} ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه ﴿؛ فروى أن اليهود لما سمعت ذلك قالوا: نحن مسلمون فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم حجهم.
فقال: إن الله فرض عليكم الحج.
فقالوا: ليست هو علينا فأنزل الله عز وجل:﴾ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴿.
وأيضًا قوله تعالى:﴾ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً {معناه: مرهم به أو أعلمهم بوجوبه فهذا من الكتاب.
وأما السنة: فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "بنى الإسلام على خمسة... " فذكر فيهن الحج.
وقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي سأله عن الإسلام: "وحج البيت".
وقوله صلى الله عليه وسلم: "حجوا قبل أن لا تحجوا".
وقوله صلى الله عليه وسلم: "أفي الله فرض عليكم الحج" فقام رجل فقال: أف كل عام يا رسول الله؟ فقال: "حج حجة الإسلام التي عليك".
وقوله صلى الله عليه وسلم: "من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائز فليمت إن شاء يهوديًا أو إن شاء نصرانيًا".
فدلت هذه الأخبار كلها عن فرض الحج ولزومه.
وأما الإجماع: فمعلوم ضرورة من دين الأمة وجوب الحج في الجملة وإن اختلفوا في شروط وجوبه على ما سنذكره مفصلاً في بابه إن شاء الله.
فإن قال معنت لأبى محمد - رحمه الله - ما معنى هذا التقييد وفائدة هذا الإحتراز الشديد بقولك: وحج بيت الله الحرام الذي بمكة؟ قيل له: لأن المساجد يطلق عليها أنها بيوت الله تعالى، وليس حجها واجبًا.
فإن قال بإطلاق قولنا بيت الله الحرام يكفى ما ذكره فما الفائدة في قوله الذي بمكة؟.
قيل له: الفائدة فيه التأكيد وزيادة البان، وذلك غير ممتنع ولا مستهجن، وقد قال الله تعالى:} ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}،
وقال سبحانه:} فسجد الملائكة كلهم أجمعون {فإن كانت القلوب لا تتوهم في غير الصدور وكان دخول الألف واللام في التبين للجنس يفيد العموم عند مثبتيه، وكذلك لفظ كل وجميع؛ فبطل هذا الاعتراض والإعنات.
فصل
فأما قوله: إن الحج يجيب مرة في العمر؛ فلقوله تعالى:} ولله على الناس حج البيت من استطاع ﴿، وذلك يفيد أول ما يقع عليه الاسم؛ فروى أبو الأحوص عن على - رضوان الله عليه - قال: لما نزلت﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿قالوا: يا رسول الله الحج كل عام؟ فسكت؛ فنزلت﴾ لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم ﴿. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "ولو قلت نعم لوجبت".
ورمى شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت﴾ ولله على الناس حج البيت {قال رجل: يا رسول الله أفى كل عام؟ قال: "حج حجة الإسلام التي عليك، ولو قلت نعم لوجبت عليكم".
وروى محمد بن زياد عن أبى هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله عز وجل فرض عليكم الحج".
فقام رجل: يا رسول الله أفى كل عام؟ فسكت، ثم أعاد فسكت، فأعاد الثالثة: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو قلت نعم وجبت عليكم، ولو وجبت ما قلتم بها".
وروى: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيها الناس كتب عليكم الحج".
فقيل يا رسول الله أفى كل عام؟ قال: "لا، ولو قلتها لوجبت.
الحج مرة فمن زاد فقد تطوع".
وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أتكفى حجة واحدة؟ قال: "نعم، فإن زدت فهو خير لك".
ولا خلاف في أن الحج لا يتكرر وجوبه.
وقد يفرق بينه وبين سائر العبادات من الصلاة والصيام بأن الحج يتعلق بأمور يلحق فيها التكلف والمشاق فمنها: الإحرام المانع من كثير من الملاذ، وما يلحق فيه من العنت والتعب.
ومنها: قطع المسافة البعيدة التي تلحق فيها المشقة الشديدة والمخاطرة العظيمة كما قال تعالى:} وتحمل أثقالكم [ق/ 128] إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس {.
فإن كل هذا يلحق في فعله مرة واحدة في العمر فما قولك فيه لو تكرر وجوبه في كل عام.
وكل هذا معدوم في الصلاة والصيام وسائر العبادات؛ فجاز أن تتكرر.
فصل
فأما اشتراطه الاستطاعة في الوجوب؛ فلتعليق الله تعالى ذكره إيجاب الحج بها بقوله:} ولله على الناس حج البيت من استطاع {إلى حج البيت من الناس سبيلاً أن يحج البيت.
وهذا هو بدل الشيء من بعضه؛ لأن المستطعين بعض الناس؛ كما تقول: ضربت زيدًا رأسه؛ فجعل رأسه بدلاً من زيد، وهو بعضه.
ولا خلاف في أن الاستطاعة شرط في وجوب الحج، وإنما الخلاف في تعيينها على ما سنذكره إن شاء الله.
فصل
فأما اشتراطه الإسلام: فلأن الكافر لا يصح منه التقرب بالعبادات مع الإقامة على كفره.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما أعرابي حج قبل أن يهاجر فعله حجة فعلهي حجة الإسلام إذا هاجر".
معناه: قبل أن يسلم.
فصل
فأما اشتراطه البلوغ في وجوب الحج: فلأن عبادات الأبدان المتقرب بها لا تلزم من لم يبلغ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث... " فذكر الصبي حتى يبلغ.
ورفع القلم عنه هو إسقاط التكليف عنه.
وروي يزيد بن ربيع حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أيما صبي حج ثم أدرك الحلم فعليه أن
يحج حجة أخرى".
وروى ابن عبد الحكم أخذنا ابن لهيعة عن معذ بن محمد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ولو حج الصغير عشر حجج كانت عليه حجة بعد أن يكبر".
فصل
فأما اشتراطه الحزية: فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيما رواه ابن عباس عنه بالإسناد الأول "أيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى".
وروى ابن عبد الحكم عن ابن لهعية عن معاذ بن محمد عن أبي الزبير عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ولو حج العبد عشر حجج كانت عليه حجة بعد أن يعتق".
ولأن العبد يملك سيده منافعه فليس له إبطالها عليه بخروجه إلى الحج والجمعة والجهاد إلا حيث يدل عليه الدليل.
وقد دخل في ذلك اشتراط العقل وإن لم يعرج به؛ وذلك لأن غير العاقل لا يصح تكليفه؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة... " فذكر المجنون حتى يفيق.
ولأن الحاج يحتاج إلى نية، ولا يصح ذلك من غير العاقل، ولا خلاف في ذلك.
فصل
قال: وإمكان المسير من شروط وجوب الحج، وذلك يختلف باختلاف الأوقات والعادات؛ فإذا أمكنه الوصول إلى البيت على ما جرت به عادة الناس لزمه ذلك.
فإن كان في طريقه عدو وقد تحقق أمره، وعلم أنه لا طاقة له به بطلب النفوس والأموال والغارة وما أشبه ذلك فلا يلزم الحج؛ لقوله تعالى:} ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴿، ولقوله:﴾ ولا تقتلوا أنفسكم {.
ولأنه لما كان إن أحصر بعدو بعد أن أحرم بالحج يُحل منه، ولا يلزمه بعد التلبس به القضاء فيها ولا قضاؤه؛ فكذلك قبل الدخول فيه؛ بل هو أولى.
فأما إن علم من حال هذا العدو أنه إنما يطلب شيئًا من المال ويمكن الناس من الخروج ويسلمون منه مع بذل ما يطلبه فذلك على وجهين:
إن كل الذي يطلب أمرًا يخرج عن العادة في العظم والكثرة وقدر الجحف ويؤثر فذلك مسقط لتطيق الوجوب ما دام هذا العدو قائمًا ولا طريق إلى الحج إلا عليه.
وإن كان الذي يطلبه قدرًا لا يؤثر فيها لكونه يسيرًا لم يسقط بذلك فرض الحج.
وكان القاض أبو عبد الله البصري المالكي المعروف بفلفل يقول: إذا لم
يوصل إلى الحج إلا ببذل شيء من المال لم يلزمه الحج، سواء كان الذي يطلبه قليلاً أو كثيرًا.
حكى هذا عنه أبو جعفر الأجهرى.
ويعتد في ذلك بأن هذا جور ممن يفعله؛ فلا يؤمن أن يخضر الأمانة وينكث؛ فيحصل الإنسان مغررًا بنفسه وبماله معه، وهذا ممنوع.
قال: ولقوله عز وجل:} ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل {، وهذا من قبيله؛ لأن بذل هذا المال لا يتيقن معه الوصول إلى البيت لا محالة، وبلوغ الغرض في بذله، ولا يؤمن من نكث العدو وجوره وغدره؛ فيذهب المال باطلاً، ويحصل التغرير به في النفس، ولا شيء يمنع من أن يكون هذا العدو الجائر يأخذ المال ويبذل الأمان حتى إذا صار الناس بحيث لا طاقة لهم به غدرهم وطالبهم بكل ما معهم واحتال في قتلهم؛ فحصل تغريرًا من هذا الوجه.
وإذا بلغ جوره إلى أن يبذل الطريق الذي لا ملك له عليه إلا بسخت يأخذه جاز أن يبلغ جوره إلى أن يخضر الأمانة.
وإذا صح هذا سقط فرض الحج ما دام هذا العدو قائمًا،.
وصار في منزله من قيل له: إن في هذا الطريق سبعًا ولصًا لا يكاد يسلم منه أحد.
وهذا الذي قاله ليست بصحيح؛ أما قوله: إن مثل هذا لا يؤمن أن خفر الأمانة فليس على ما قال؛ لأن العادة إذا كانت قد جرت معه بأن يمكن الناس من حجهم ولا يعارضهم إذا أدوا إليه ما صالحوهم عليه حصلت الثقة بذلك من جهة العادة وغلبهم الظن، اللهم إلا أن يكون النكث معلومًا
من حاله، والغدر متكررًا منه.
فأما ما لم يحصل ذلك منه فتجويره لا يستطيع الحج إن كان بإزائه ما ذكرناه من الثقة بالعادة.
وليست ذلك بأكثر من الكفار الذين أمر الله تعالى أن تبذل لهم الأموال ليستعين بهم المسلمون مع العلم أن ذلك لا يؤمن منهم.
وأما قوله: إذا استجاز إباحة ما لا يستحقه على سبيل الجور جاز أن يغدر بهم وبخفر الأمانة: فليس بصحيح أيضًا؛ لأن العادة تؤثر في هذا الباب تأثيرًا يقع العالم بحاله معه أو غلبة الظن القائمة مقام العلم، فقد يكون ممن له غرض [ق/ 129] في هذا المقدار فقط، وذلك نعلمه بتكرر الخروج معه ومر الأوقات؛ فيسقط ما قالوه.
وأيضًا ما ذكره يبطل ما اتفقت عله من جواز استنجاز الإنسان من يخفره من الأعراب واللصوص، فإن كان جائزًا أن يخفر الأمانة ويسلمه إلى عدوه، فلو أثر ما قاله في سقوط الوجوب لأثر في جواز الفعل.
ولا نعلم ذلك، قولاً واحدًا.
فأما تعلقه بقوله تعالى:} ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل {فغير صحيح؛ لأن هذا له مذموم؛ وهو النهي عن القمار والغرر وما أشبه ذلك، وما تنازعناه فليس من هذا في شيء؛ لأنا قد بينا أن العادة إذا جرت بالوفاء مع القدر الذي يطلبه حصلت الثقة بذلك.
والله أعلم.
فصل
فأما الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج فقد اختلف الناس فيها؛ فعندنا أن الاعتبار فيها بحال المستطيع؛ فإن كان ممن يمكنه الوصول إلى البيت ببدنه مع عدم الراحلة لزم ذلك، وإن كان ممن لا يمكنه إلا براحلة وإن كان يقوى على المشي ولا مال له وليس من عادته المسألة لم يلزمه.
وإن كانت المسألة عادته لزمه الحج.
وجملته أن الاستطاعة: القوة والصحة والتمكن.
ورويت هذه الجملة عن عبد الله بن الزبير وأبى جعفر والضحال وعكرمة.
وليس يحفظ عنهم التفصيل الذي ذكرناه.
وقال أهل العراق والشافعي: الاستطاعة: الزاد والراحلة، فمن عدمها أو أحدهما لم يلزمه فرض الحج.
والدلالة على صحة قولنا: قوله تعالى:} ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً {.
فأوجب الحج على من حصل مستطيعًا له.
والاستطاعة: صفة المستطيع بها يكون مستطيعًا؛ وذلك يقتضى أن يكون معنى قائمًا به، وليست ذلك إلا ما قلناه.
وأيضًا فإنه ألزم مستطيع الحج أن يحج، ولم يفرق بين أن يكون
مستطيعًا ببدنه وبماله؛ فبأي شيء استطاع لزمه.
وهذا إذا سلمنا أن الاستطاعة بالمال استطاعة حقيقية.
فإن قيل: إن في حمل الظاهر على قدرة البدن إسقاطًا لفائدته؛ وذلك أن الله تعالى علق وجوب الحج بشرط الاستطاعة؛ فعلم أنه أراد معني زائدًا على قدرة البدن؛ لأنه لو أراد ذلك لا كتفى بقوله سبحانه:} ولله على الناس حج البيت ﴿.
إذا كانت أدلة العقول قد شرطت حصول القدرة والإمكان مع التكليف فصار مجرد قوله:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿متضمنًا لهذا المقدار، فلما لم يكتف به حتى قال تعالى:﴾ من استطاع إليه سبيلاً ﴿أفاد أمرًا زائدًا عل ذلك.
وليس إلا ما قلنا.
فالجواب أن أكثر ما يلزم هذا السؤال أن قوله جل اسمه:﴾ من استطاع إليه سبيلاً ﴿قد أفاد معنى زائدًا على قدرة البدن لو تركبا ومجرد قوله عز وجل:﴾ ولله على الناس حج البيت {لم يعلقه منه، ونحن نقول بذلك، ولكن لا نحصل منه اشتراط الراحلة؛ لأن سؤالهم يتضمن أنا متي أثبتنا معنى لا يفيد مجرد التكليف فقد وفينا الاستدلال حقه.
فإن قيل: وما ذلك المعنى؟.
قلنا: سقوط تكلف المشاقة الشديدة والمخاطرة العظيمة والخروج عن العادة من عدم الزاد، وتكلف السؤال لمن لم تجر بذلك لعادة، ومع خطر الطرق ومنع العدو، وغير ذلك مما لا يحيل جواز التكليف معه ولا تمتنع صحة التعبد في تحشيه.
وإذا صح ذلك بطل سؤالهم.
وجواب آخر؛ وهو أن إحالة العقول للتكليف مع عدم القدرة يوجب أن يكون الظاهر إذا حمل على قدرة البدن فقد أسقطت فائدته؛ لأنه قد يكون ذكر الاستطاعة فيه تأكيدا لما قد ثبت بالعقول كقوله تعالى:} إنما الله إله واحد ﴿و﴾ إنما أنا بشر مثلكم ﴿وغير ذلك.
ودليل آخر: وهو قوله تعالى:﴾ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ {وهذا لفظه لفظ الخبر، والمراد به الأمر؛ فقد دل الظاهر على وجوب الحج على الراجل والراكب.
ودليل آخر وهو ما روى أبو أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة، أو مرض حابس، أو سلطان جائز فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا... ".
فأخبر هن الأعذار التي يسقط معها الوعيد على ترك الحج، ولم يجعل عدم الراحلة منها.
وروى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: