شرح الرسالةصفحات 465-9

كتاب الاعتكاف

صفحات 465-9

بكر- رضي الله عنه- أنه أخذ من كل عشر بقرات بقرة.
وروى عبد الرازق عن معمر قال: أعطاني سماك بن الفضل كتابا من النبي صلى الله عليه وسلم إلى مالك بن كفلان فيه: والبقر مثل الإبل.
وروى حماد عن قتادة عن أبي قلابة، والزهري أنهما قالا: في خمس بقرات شاة.
وروى همام عن قتادة عن سعيد بن المسيب، وأبي قلابة: في صدقة البقر في كل خمس شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياة، وفي عشرين أربع، وفي خمس وعشرين بقرة إلى خمس وسبعين، فإذا جاوزت فبقرتان إلى عشرين ومائة، فإذا جاوزت ففي كل أربعين مسنة.
وروي عن خالد بن أبي عمر أنه قال: سألت القاسم، وسالما، وسليمان بن يسار عن صدقة البقر فقالوا: كان يقال: في خمس وعشرين تبيع، وفي أربعين مسنة.
وروى ابن إدريس عن ليث عن شهر بن حوشب قال: في عشر من البقر شاة، وفي عشرين شاتان.
وكل هذا شاذ لا يلتفت إليه، وإنما ذكرناه لئلا يظن أن هناك خلافا ما عرفناه.
والأصل في هذا الباب الذي يجب أن يصار إليه، ويعول عليه ما رواه

ابن وهب عن سليمان بن بلال عن شريك بن عبد الله بن أبي بكر عن عطاء ابن يسار عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فقال: "خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة [ق/102] من البقرة".
وروى الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، فأتى بما دون ذلك فلم يأخذ منه شيئا، وقال: لم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيئا، حتى ألقاه فأسأله.
فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم معاذ.
وروى يزيد بن أبي حبيب عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم عن معاذ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا على اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا- والتبيع: جذع أو جذعة- ومن أربعين مسنة.
وفي حديث سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن، وفيه: وفي كل ثلاثين باقورة تبيع أو تبيعة، جذع أو جذعة.
وفي كل أربعين باقورة بقرة.
وروى خصيف عن أبي عبيدة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم: في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة.
وقد روى ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين بأسانيد صحاح لولا

كراهية التطويل لذكرتها وقد تكلف الناس إيراد سمعته لبعض ما قدمناه من الأقاويل المختلفة؛ فقالوا: يمكن أن تحتج لذلك بما روى في حديث عمرو ابن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر صدقة الإبل، ثم عطف عليه وقال: وكذلك البقر.
وهذا الذي قالوه غير محفوظ في نقل صحيح.
وقد روينا صدقة البقر مفسرة من طريق عمرو بن حزم وغيره.
ويحتمل ذلك- إن صح- يكون عطفا على وجوب الزكاة دون صفتها.
قالوا: ولما كانت البقر كالإبل في أن الواحد منها يجزئ في الأضحية عن سبعة كانت مثلها في صفة نصب الزكاة.
وهذا غير صحيح عندنا؛ لأن الاشتراك في الأضحية لا يجوز على أصلنا.
فبطل ما قالوه، والله أعلم.
فصل وفي أربعين من البقر مسنة، ثم لا شيء في زيادتها إلى الستين فيكون فيها تبيعان.
وبه قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد.
وعن أبي حنيفة روايتان: إحداهما: مثل قولنا.
والأخرى: أن ما زاد على الأربعين فبحساب ذلك؛ فيكون على هذه

الرواية في إحدى وأربعين مسنة وربع عشر مسنة.
هذه رواية أبي سيف.
ذكر هذه الجملة الطحاوي.
قال الرازي: وعنه رواية أخرى؛ وهي أنه ليس في الزيادة على الأربعين شيء حتى تبلغ خمسين فيكون فيها مسنة وربع مسنة.
واستدلوا عليه بأن قالوا: لأن زكاة البقر تزيد بزيادة السن مرة، وبتكرار العدد أخرى؛ فوجب أن يكون بين ابتدائه وتكراره فرضان.
أصله: زكاة الإبل.
وذلك أن بين بنت لبون في الابتداء وبين تكررها فرضان وهما: الحقة، والجذعة.
كذلك يجب أن يكون بين التبيع والتبيعين فرضان: المسنة، وجزء المسنة.
قالوا: العشر الزائد على الأربعين عشر زائد كامل على عدد نصاب في البقر؛ فوجب أن يتغير به حكم الفرض.
أصله: العشر الزائد على الثلاثين.
قالوا: ولأن الؤقاص في صدقة البقر بعد تقرر الفرض تسعة تسعة؛ اعتبارا بالأوقاص بعد الثلاثين وبعد الستين والسبعين، فلو قلنا: لا شيء في الخمسين لكان الوقص تسعة عشر، وهذا خلاف الأصول.
وهذا الذي ذكروه غير صحيح.
والدلالة على صحة قولنا ما رواه أبو بكر بن الجهم حدثنا جعفر بن محمد الفريابي حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية قال: حدثنا المسعودي عن الحكم عن طاوس عن ابن عباس قال: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى

اليمن سأله عن الأوقاص قال: ليس فيها شيء.
وروى أبو بكر حدثنا أبو بكر بن شاذان أخبرنا المعلي أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم عن معاذ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا على اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا- والتبيع: جذع أو جذعة-، ومن أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتابيع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرين ومائة ثلاثة مسنات وأربع أتابيع، وأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا آخذ فيما بين ذلك شيء من سائر الأوقاص حتى تبلغ مسنا أو جذعة.
وأيضا فلأن في إيجاب جزوء من مسنة مخالفة لأصول زكاة المواشي؛ لأنه ليس في شيء منها كسور، وكذلك زكاة البقر.
وتحريره أن يقال: لأنها زيادة على نصاب في ماشية تجب في عينها الزكاة؛ فوجب ألا يتغير الفرض بها إلى كسر؛ اعتبارا بالغنم والإبل.
ولأن ذلك يؤدي إلى أحد أمرين ممنوعين: إما أن يشتري الساعي بقية تلك البهيمة؛ فيؤدي ذلك إلى إخراج القيمة في الزكاة، وذلك غير جائز.
أو أن يشتري الرجل؛ فيؤدي إلى شراء الصدقة، وهذا أيضا ممنوع.
ولأن في إيجاب الكسور ضررا على أرباب المال وعلى المساكين؛ أما

أرباب المال: فيصير له شريكا في الملك؛ وذلك إضرار به.
وأما المساكين: فإنهم لا يمكنهم استيفاء حقوقهم- وهو الجزوء- من الحيوان؛ وذلك ضرر.
قال أصحابنا: ولأن أبا حنيفة أولى [ق/103] بالامتناع من إيجاب الكسور لا يمتنع من ذلك فيما لا ضرر فيه؛ وهو ما زاد على المائتي درهم والعشرين دينارا، ففي الموضع الذي يدخل فيه الضرر على الفريقين أولى؛ فوجب ألا ينتقل منه إلى كسر.
أصله: العشرة الزائدة على الثلاثين.
ولا يصح عكسه بأن يقال: لأنها زيادة على نصاب في صدقة البقر؛ فوجب أن يتغير به الفرض.
أصله: العشرة الزائدة على الثلاثين.
لأنه بطل بزيادة الجزوء، وبزيادة الواحدة على الثلاثين.
ولأن أصول الزكاة مبنية على أنه يؤخذ من كل شيء من جنسه، وقد ثبت أن النبي صلي الله عليه وسلم جعل في خمس من الإبل شيئا من غير جنسها؛ لأنها لا تحتمل أن يؤخذ منها؛ فلو كان للأجزاء والكسور مدخلا في زكاة الماشية لأوجبه ولم يعدل إلى إيجاب شيء من غير الجنس.
فدل ذلك على ما قلناه.
وأما قولهم: إن السن إذا وجبت لم تتكرر إلا بعد فرضين بين ابتدائها وتكررها: فإنه ينتقض بالشاة في أول فرض الإبل؛ لأنها تتكرر في غير تخلل فرض آخر، وبابنتي لبون في ست وسبعين؛ لأنها تتكرر بعد المائة

والعشرين بعد تخلل فرض واحد؛ وهو الحقاق فقط.
فلأن ذلك إنما وجب في الإبل لإمكان أخذ فرضين كاملين الابتداء والإعادة.
وليس كذلك في صفة البقر؛ لأنه لا يمكن أخذ سنينين كاملين فافتقر على واحد.
وقياسهم على العشرة الزائدة على ثلاثين قد أجبنا عنه.
ولأنه إنما تغير الفرض به؛ لأنه يخرج منه إلى سن كامل، وليس كذلك مسألتنا.
وقولهم: لو لم يوجب في العشر الزائد على الأربعين شيئا لأدى ذلك إلى أن يكون الوقص أكثر من تسعة، وذلك مخالف لأصول الزكاة: فعنه جوابان.
أحدهما: أنه باطل بالتسعة والعشرين الأولى.
والثاني أن الأوقاص لا يقاس بعضها على بعض؛ لأنها قد تختلف الجنس الواحد؛ ألا ترى أن أوقاص الإبل منها أربعة ومنها عشرة، وغير ذلك؟ فلم يجب ما قالوه؟ والله أعلم.
فصل وأما وصف التبيع فهو العجل الذي قد دخل في السنة الثانية وفطم عن أمه؛ فهو تبيع أمه، ويقوي على ذلك.
وذكر بعض أهل العلم أنه الذي استوى قرنا وأذناه، وروي هذا عن الشعبي وغيره.

وروي عن علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- أنه قال: هو الحولي- يعني الذي أتى عليه الحول-.
وقالوا: المسنة: التي قد دخلت في السنة الثالثة، وأتت عليها سنون فلم تلد سميت مسنة.
وقال بعض أصحابنا: هي التي دخلت في السنة الرابعة.
وإنما سميت ثنية؛ لأنها تلقي ثنيتها في السنة الثالثة.
وأما قوله: إن التبيع يؤخذ جذعا أو جذعة: فذلك لما رواه الحاكم عن موسى حدثنا يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن، وفيه: وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة.
وروى يزيد بن أبي حبيب عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم عن معاذ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا على اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر كل ثلاثين تبيعا- والتبيع: جذع أو جذعة، ومن أربعين مسنة.
وروى الأعمش عن سفيان عن مسروق [عن معاذ بن جبل] قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعة أو تبيع، ومن كل أربعين بقرة بقرة.
فأما المسنة فلا تؤخذ إلا أنثى، ووافقنا على ذلك الشافعي إذا كانت

البقر إناثا كلها.
وإذا كانت ذكورا فلأصحابه في جواز أخذ المسنة ذكرا أم لا وجهان: أحدهما أنه يجزئ.
والآخر أنه لا يجزئ.
والدليل على ما قلنا: الأخبار التي رويناها، وفيها دليلان.
أحدهما: إنه نص على وجوب المسنة، ولم يفرق.
والثاني أنه بين في البيع أنه يجوز أن يؤخذ ذكرا أو أنثى، ولم يذكر في المسنة إلا أنها أنثى فقط؛ فدل ذلك على أنها مقصودة في نفسها.
ولأن المأخوذ في فرائض الماشية الإناث إلا من ضرورة؛ اعتبارا بالإبل والغنم.
والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: "ولا زكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين شاة، فإذا بلغتها ففيها جذعة أو ثنية إلى عشرين ومائة، فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة ففيها شاتان إلى مائتي شاة، فإذا ذادت واحدة ففيها ثلاث شياة إلى ثلاثمائة، فما زاد ففي كل مائة شاة شاة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله-: وهذا لتواتر الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

وروى القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المثني عن عبد الله بن أنس قال: حدثني أبي.
قال حدثني عمي تمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس أن أبا بكر الصديق- رضوان الله عليه- لما استخلف وجه أنسا إلى البحرين كتب إليه هذا الكتاب: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، التي أمر الله بها ورسوله: صدقة الغنم في سائمة إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة ففيها شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى أن تبلغ مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى أن تبلغ ثلاثمائة ففيها ثلاث شياة، فإذا زادت على ذلك ففي كل مائة شاة.
فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين [ق/ 104] شاة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها.
وروى الزهري عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن، وبعث به مع عمرو بن حزم، وهذه نسخته: في كل أربعين سائمة شاة إلى أن تبلغ عشرين ومائة... وذكر مثل ما تقدم.
وفي حديث الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقة ولم يخرجه إلى عماله فذكر في كل أربعين شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت شاة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت ففيها ثلاث إلى ثلاثمائة، فإذا زادت بعد فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة، فإذا كثر الغنم ففي كل مائة شاة شاة.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس

في أقل من أربعين شاة شيء".
فلا خلاف بين فقهاء الأمصار في هذه الجملة التي ذكرناها.
وحكى أهل الخلاف عن الشعبي والنخعي أنهما قالا: إذا زادت الغنم على ثلاثمائة واحدة ففيها أربع شياة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة"؛ وذلك يقتضي أقل زيادة.
ولأنه وقص حد في الشرع بحد فوجب ألا يتعقبه وقص؛ اعتبارا بأوقاص الإبل.
وهذا الذي قالوه غير صحيح؛ لما رويناه من قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا زادت على ذلك ففي كل مائة شاة، وليس في ذلك شيء حتى تبلغ مائة" وهذا نص.
وفائدة تحديد ثلاثمائة؛ لبيان النصاب الذي بعده؛ لأن النصب التي قبله مختلفة.
واستدلالهم بالخبر باطل؛ لأن زيادة واحدة على ثلاثمائة لا يمكن أخذ أربع شياة.
والعلة في أوقاص الإبل تغير الفرض فيها بالسن تارة وبالعدد أخرى.
وليس كذلك الغنم؛ لأن الفرض لا يتغير فيها إلا بزيادة.
والله أعلم.

مسألة قال رحمه الله: "ولا زكاة في الأوقاص؛ وهو ما بين الفريصتين من كل الأنعام".
قال القاضي أبو محمد بن عبد الوهاب بن علي- رحمه الله-: وهذا كما قال لا شيء في الأوقاص كلها من الإبل والبقر والغنم؛ فإذا كان معه تسع من الإبل فالشاة مأخوذة عن الخمس والأربع عفو، وكذلك الثمانون من الغنم والشاة المأخوذة منها عن الأربعين والباقي عفو.
وهذا قولنا، وقول أبي حنيفة إلا ما ذكرناه عنه فى الزيادة على الأربعين في البقر.
ولأصحاب الشافعي وجهان.
قال الرازي: ويمكن أن يقال: فيه قولان: أحدهما: أن الشاة المأخوذة عن التسع من الإبل إنما تؤخذ عن الخمس، والأربع عفو.
والقول الثاني: أنها مأخوذة عن التسع.
وفائدة هذا الخلاف في الخليطين بينهما تسع من الإبل لأحدهما خمس، وللآخر أربع، فإذا أخذ المصدق شاة فعندنا أنها على الخمس ولا شيء على صاحب الأربع، وعند الشافعي أنها بينهما على تسعة أجزاء في هذه المسألة وما أشبهها.
والدلالة على صحة قولنا: ما رواه المسعودي عن الحكم عن طاوس عن

ابن عباس قال: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن عن الأوقاص قال: "ليس فيها شيء".
وروى ابن أبي ليلى عن الحكم عمن حدثه عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في الأوقاص زكاة".
وهذان الحديثان نصان في موضع الخلاف.
وروى يزيد بن أبي حبيب سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم عن معاذ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا على اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعان، ومن السبعين مسنة وتبيع، وأمرني ألا آخذ فيما بين ذلك شيئا من الأوقاص، وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها.
فإن قيل: فقد روي عن معاذ أنه عرضت عليه الأوقاص فامتنع أن يأخذ منها شيئا فقال: لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بشيء.
وهذا يضاد ما رويتموه.
قلنا: يحتمل أن يكون أراد: لم يأمرني أن آخذ ما بذلتموه لي؛ بدلالة ما ذكرناه.
وقد روى أصحابنا ومن وافقنا من أهل العراق أحاديث في هذا منها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "في خمس من الإبل شاة، ولا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشرا".

وروي أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا بلغت الإبل خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستا وثلاثين، وفي ست وثلاثين بنت لبون، ثم لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستة وأربعين.
وهذا يفيد أنه لا شيء في الوقص لا مبتدءا ولا تابعا.
ثم الذي لا يدل على ذلك حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتاب الصدقة وفيه: وفي الغنم في كل أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت على المائتين ففيها ثلاث شياة إلى ثلاثمائة، فإن كانت الغنم أكثر من ذلك ففي كل مائة شاة شاة ليس فيها شيء حتى تبلغ المائة.
ولأنه وقص قصر مقداره عن النصاب؛ فوجب ألا يتعلق به وجوب.
أصله: الأربعين من الإبل.
ولأن الاعتبار بالنصاب؛ بدليل أنه إذا قصر منه لم يجب فيه شيء، وإذا زاد عليه زيادة لا تبلغ النصاب لم يتغير الفرض؛ فعلم بذلك أن هذه الزيادة غير مؤثرة.
ولأن الواجب لو كان متعلقا بالنصاب والوقص لأدى ذلك إلى أن في النصاب أقل من المقدار المنصوص عليه؛ ألا ترى أنه إذا أوجبنا على من معه ثمانون [ق/ 105] من الغنم شاة، وقلنا: إن هذه الشاة مأخوذة عن الجميع حصل أن في أربعين نصف شاة.
وهذا خلاف قوله صلى الله عليه وسلم: "في أربعين شاة شاة، وفي خمس ذود شاة".
ولأن في ذلك إيجاب الشاة في البعير الواحد؛ لأن الشاة إذا كانت

مأخوذة عن تسع من الإبل ثم تمت عشرة فأوجبنا فيها شاتين صارت الشاة الثانية مأخوذة عن البعير العاشر.
ولا معنى لقولهم إن الإيجاب قبل كمال النصاب تعلق بها على وجه التبع، وإذا تمت نصابا صار لها حكم نفسها؛ لأن الوجوب إذا تعلق بها فقد ساوت الخمس، وليس في حصول البعير العاشر أكثر من كمال كون الواجب شاة فقط.
واستدل من خالفنا بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾.
قالوا: ففي هذا دليلان.
أحدهما: أنه عم الأموال بأخذ الصدقة منها.
والثاني: أنه قال: ﴿تطهرهم وتزكيهم بها﴾ وليس بعض المال بأن يطهر به رب المال أولى من بعض.
فالجواب عن الفصل الأول: أن قوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ مجمل قد بينه ما رويناه من قوله: "ولي فيما دون المائة شيء" وغير ذلك مما ذكرناه.
وعن الفصل الثاني: أن التطهير إنما يحصل لهم بأخذ الزكاة من أموالهم، فإذا دل الدليل على وجوب الزكاة في بعض المال أو في جميعه كان ما يؤخذ منه طهرة لهم.
فسقط ما قالوه.

واستدلوا بما روي في حديث أنس من قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض إلى أن تبلغ خمسا وثلاثين"؛ فأوجب فيها وفيما زاد عليها إلى خمس وثلاثين بنت مخاض.
وقوله: "في أربع وعشرين فدونها الغنم"؛ فذكر النصاب والوقص.
فالجواب أن قوله: "في خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين" معناه: أن الفرض لا يتغير إلى خمس وثلاثين.
وقوله: "في أربع وعشرين فما دونها الغنم" دلالة عليهم؛ لأنه فسر ذلك بقوله: "في كل خمس شاة"، ولو كانت الشاة تتعلق بالنصاب وما زاد عليه من الوقص لكان في كل خمس أقل من شاة، وهذا خلاف الخبر.
وكذلك أيضا لو أراد بقوله: "في خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين" أنها واجبة فيها وفيما زاد عليها لكان في لخمس والعشرين أقل من بنت مخاض.
قالوا: ولأن كل جملة لا تجب فيها أكثر من فريضة فإذا تعلق جواز الأخذ بها وجب أن يتعلق الوجوب بها.
أصله: الأربعون من الغنم.
وهذا قياس ما زاد على الأربعين.
ويريدون بقوله: لا يجب فيه أكثر من فريضة الاحتراز عن النصابين؛ لأنه إذا كان معه مائة وخمسون من الإبل ففيها ثلاث حقاق، وله أن يأخذ كل واحد من الثلاث عن المائة والخمسين.
وليس ذلك الواحد واجبا في المائة والخمسين، لأن الجملة وجب فيها أكثر

من فريضة.
ويريدون بقولهم: فإذا تعلق جواز الأخذ بكل الجملة الاحتراز منه إذا كان معه ثمانون شاة أربعون منها معلوفة وأربعون سائمة، وأربعون ماعزا وأربعون ضائنة؛ فهذه جملة لا يجب فيها أكثر من فريضة، ولا يتعلق الوجوب بكل الجملة.
هذه جملة ما فسروا به كلامهم، وهو على إبهامه؛ لأن الوجوب لم يتعلق عندنا إلا بالبعض دون الجملة، وجواز الأخذ لا تعلق له بالوجوب؛ لأن له أن يخرج من العاملة إلى السائمة، ومع ذلك فالجواب لا يتناولها عندهم.
قالوا: ولأن الوجوب قد يتعلق بمقدار معلوم، فإذا زال ذلك المقدار تعلق به وبالزيادة عليه؛ كالمحرم إذا حلق ثلاث شعرات فعليه دم، ولو حلق جميع رأسه لكان ذلك الدم، وإذا سرق السارق ربع دينار قطع وكذلك إذا سرق دينار قطع ذلك ولو أوضحه كان عليه خمس من الإبل، ولو عمت الموضحة رأسه كان عليه خمسا أيضا؛ فكذلك لا يمتنع أن تكون الشاة مأخوذة عن الخمس فإذا زاد على الخمس كانت واجبة فيها وفيما زاد عليها.
ونكتة هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على الخمسة؛ لأنها أقل نصاب يتعلق به الفرض، لا أن الزكاة تؤخذ منها دون ما زاد عليه.
فالجواب: أن ما قالوه غير لازم؛ لأن الحكم في هذه المواضع تعلق بحصول الاسم من غير اعتبار بما زاد عليه في تغيير الحكم؛ فبين ذلك أن المحرم يجب عليه الدم بحصول الحلق؛ فلا فرق بين القليل والكثير،

وسارق ربع دينار قد سرق الحد الذي يجب فيه القطع، فإذا سرق أكثر منه فالنص قد تناوله بوجوب القطع فيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "القطع في ربع دينار فصاعدا"؛ فالذي يجب بحصول الإيضاح فلا فرق بين قليلة وكثيرة؛ لوقوع الاسم عليه.
وليس كذلك في الزكاة؛ لأن إيجاب الصدقة تعلق فيها على ترتيب معلوم بتغير الفرض بتغييره؛ فلذلك وجب أن يتعلق الوجوب بالنصاب دون ما زاد عليه.
على أن قولهم: لا يمتنع ولا ينكر: لا معنى له؛ لأن الوجوب ثابت عندهم في تسع من الإبل، وهذه ألفاظ تجويز وشك فبإزائها أنه قد يمتنع وينكر؛ لأن في الشريعة أحكاما تتعلق بمقادير لا يجوز الزيادة عليها.
قالوا: ولأن الأربع الزائدة على الخمس زيادة من جنس مال جرى عليه حكم الزكاة فوجب أن يتعلق [ق/ 106] وجوب الأخذ بها؛ قياسا عليه إذا كانت له أربع من الإبل فزادت واحدة.
فالجواب: أن الوصف غير موجود في الأصل؛ لأن الأربع من الإبل لم يجر عليها حكم الزكاة.
على أن المعنى في الأصل أنها زيادة كمل بها نصاب، وليس كذلك زيادة الأربع على الخمس.
قالوا: ولأن الأربع التي دون الخمس لو انفردت لم يجب فيها شيء، فإذا تمت نصابا وجبت فيها شاة، وكانت مأخوذة عن الجميع؛ كذلك

الوقص الزائد على النصاب إذا انفرد لا شيء فيه، فإذا كان معه نصاب كانت الزكاة فيها في جميعه.
فالجواب أن الأربع التي دون الخمس إذا تمت نصابا وجبت الزكاة فيها؛ لكونها نصابا والأربع الزائدة على الخمس ليست بنصاب، ولا معتبر بانضمام النصاب معها؛ لأن ذلك النصاب له الحكم نفسه.
قالوا: ولأن النصاب إنما وجبت فيه الزكاة لكثرته، والكثرة موجودة فيه مع الزيادة عليه؛ فكانت الزكاة مأخوذة عن جميعه.
فالجواب: أن الوجوب تعلق بالكثرة على ما رتبته الشريعة؛ لأن الكثرة علة في وجوب كل ما يجب فيها.
فبطل ما قالوه، والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: "وتجمع الضأن والمعز في الزكاة، والجواميس والبقر، والبخت والعراب".
قال القاضي رحمه الله: وهذا لأن الجنس والاسم بجميع ذلك كله؛ ألا ترى أن الضأن والمعز يقع على واحد منهما اسم غنم وشاة؟؛ فقد دخل تحت قوله: "في أربعين من الغنم صدقة"، وكذلك قوله: "في كل خمس من الإبل شاة" يشمل البخت والعراب؛ لكون جميعها إبلا.
والجواميس حكمها حكم البقر؛ لتقارب منافعها، وأن بعضها يسد مسد بعض؛ فهي جنس منها.
والله أعلم.

مسألة قال رحمه الله: "وكل خليطين فإنهما يترادان بينهما بالسوية، ولا زكاة على من لم تبلغ حصته عدد الزكاة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله-: أعلم أن للخلطة تأثير في الزكاة إذا كان لكل واحد من الخليطين نصاب كامل فما زاد، ولا تأثير لها إذا كان لأحدهما دون النصاب، سواء كان جميع المال نصابا أو دونه؛ فإن الاعتبار بحصول النصاب في ملك كل واحد منهما.
وهذا التأثير أنهما يزكيان زكاة المالك الواحد، ويكون حكم مالهما حكم المالك الواحد؛ فمرة يعود ذلك بتخفيف، ومرة يعود بتثقيل؛ مثل أن يكون للخليطين ثمانون شاة لكل واحد منهما أربعون فتزكي ماشيتهما زكاة المالك الواحد؛ فتؤخذ منها شاة واحدة يكون على كل واحد نصفها؛ فهذا من تخفيفها.
ومثل أن يكون لأحدهما مائة شاة وللآخر مائة شاة وشاة؛ فيكون عليهما ثلاثة شياه؛ فهذا من تثقيلها.
ووافقنا الشافعي- رحمه الله- في هذه الجملة، وزاد علينا فجعل تأثير الخلطة في النصاب وما دونه إذا كان جميع المال نصابا.
وقال أبو حنيف- رضي الله عته-: لا تأثير للخلطة في الزكاة، وينظر إلى ملك كل واحد منهما فيزكى كما كان يزكي في الانفراد.
فالخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في جملة المسألة وبيننا وبين الشافعي في

جهة منها؛ وهي ما دون النصاب.
فالدليل بدءا على فساد قول أهل العراق ما رواه يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن: لا تؤخذ في الصدقة هرمة، ولا عجفاء ولا ذات عوار، ولا تيس الغنم، ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خيفة الصدقة، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بالسوية.
وروى محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا عمي ثمانة بن عبد الله ابن أنس أن أبا بكر الصديق- رضي الله عنه- لما استخلف وجه أنسا إلى البحرين، وكتب له: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها: لا يجمع بين مفترق ولا يقرق بين مجتمع خشية الصدقة.
وهذا نهي لأرباب الماشية الذين يخشون الصدقة فيفرقون بين المجتمع ويجمعون بين المفترق، ليخف عنهم، ويقل ما يؤخذ منهم، فثبت بذلك أن الجمع والتفريق إذا لم يقصد به الفرار من الصدقة تأثيرا فيها، ولولا ذلك لم يكن للنهي عنه معنى إذا خيف من الصدقة، لأن الحكم لا يتغير به.
فإن قيل: ولم زعمتم أن النهي يتوجه إلى أرباب الأموال؟ قلنا من قبل: إنه لا يخلو إما أن يكون متوجها إليهم أو إلى السعادة، فلما قرنه بخيفة الصدقة علمنا أنه أراد أرباب الأموال، لأن خيفة الصدقة لا تكون إلا منهم فيعملون تخفيفا عنهم بهذا الضرب من الفعل فنهوا عن ذلك.
والعمال لا صدقة عليهم يخافونها، فلم يكن لتوجيه النهي إليهم معنى.

فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون مقصود به العمال دون أرباب الأموال من قبل أنه لا يخلو قوله: لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق أن يكون أراد في الملك أو في المكان، وقد بطل أن يكون أراد به في المكان، لأن من له أربعون شاة في مكانين أو أكثر فإن عليه الصدقة، فثبت أن المراد بنهيه عن الجمع والتفرقة في الملك، مثل أن يكون لرجل مائة وعشرون شاة في [ق/ 107] ثلاثة أماكن فيكون عليه فيها شاة، وليس للمصدق أن يفرقها في الملك فيأخذ منها ثلاث شياه كما لو كانت لثلاثة نفر لأجل افتراقها في المكان، مثل أن يكون للرجلين ثمانون شاة لكل واحد أربعون، فيكون عليهما شاتان فليس للمصدق أن يجمعهما ليكون عليهما شاة.
فالواجب: أن هذا باطل من وجوه: أحدها: أن النهي توجه عن جمع وتفريق يفعلان خوفا من الصدقة، وقد بينا أن ذلك لا يكون إلا في أرباب الأموال دون الساعي، لأن خشية الصدقة هي الخوف من لزومها ووجوبها، والساعي إذا فعل ما قالوه فإنما يفعله رجاء لوجوبها، وقصدا لكثرتها، لا خوفا منها وخشية منها، فبطل حمل الخبر عليه.
فإن قيل: معنى قوله: خشية الصدقة: خشية قلة الصدقات.
قلنا: لا معنى لذلك، لأن هذه الخشية لا محصول لها، لأن الذي عليه أن يأخذ من أرباب الأموال فأوجب عليهم كثر ذلك أو قل، ولو لم يجب على أحد منهم شيء لم يلزمه شيء، فلا معنى لخشيته.
وإنما الذي يخشى أرباب الماشية، لكثرة ما يؤخذ منهم.
وهذا ظاهر.
والوجه الآخر: هو أن حمله على التفريق بين المجتمع في الملك الواحد

لا معنى له لأنه حمل له على أمر لا يؤثر في إسقاط الصدقة، فعلم أن المراد بذلك في المالكين لا في الملك الواحد.
والوجه الآخر: أنا نحمله على الساعي في الوجه الذي ذكروه، وعلى أرباب الأموال في الوجه الذي ذكرناه، ولا تنافي بين الأمرين.
وأيضا فإن التفرقة في الملك على ما قالوه لا تكون إلا مجازا أو اتساعا.
وعلى ما قلناه حقيقة، فحمله عليه أولى.
والدلالة الثانية من الخبر قوله صلى الله عليه وسلم: "وما كان من خليطين فإنهما يترادان بالسوية"، والخليطان ها هنا هما المذكوران في حديث سعد، وقد ورد ذلك في الحديث أيضا فروى يحيى بن سعيد عن السائب بن يزيد قال: صحبت سعد بن أبي وقاص، فذكر إلى أن قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق.
الخليطان ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل".
وقال: وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية.
فأثبت للخلطة حكما وميزها بوصف تبين به من الشركة، وجعل حكمها أن يترادا الخليطان بالتساوي فيما أخذ منهما، وذلك لا يكون إلا على ما قلناه، وهو أن يأخذ الساعي من ثمانين شاة من رجلين نصفين قد اختلطا شاة تكون بينهما نصفين.
هذا يقتفي التساوي بينهما في التراجع، ولا يجوز حمله على الشركة، لأن الشركة لا تميز مال أحدهما من الآخر.
ويختلف الحكم في جميعها على راع واحد وفحل أولى.

فإن قيل: فذكر الخليطين بعد قوله: لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق يفيد أن اللفظ الأول لم يرد به الخلطة، لأنه لو كان قد أريد به ذلك لم يكن لإعادته معنى.
قيل له: ليس الأمر على ما قلته، لأنه ليس في اللفظ الأول أكثر من المنع، وباللفظ الثاني استفدنا وجوب التراجع وصفته، فله فائدة صحيحة لا تعلق من اللفظ الأول.
وأيضا فلأن غلظ المؤنة يؤثر في تخفيف الزكاة، وكذلك خفتها تؤثر في الزكاة.
وقد ثبت أن الخلطة تغير، فوجب أن يكون ذلك مؤثرا في حكم الزكاة، كاختلاف الحكم في السقي بالسيح والنضح.
قال أصحابنا: ولأن حكم الاجتماع قد يخالف حكم الانفراد، كالمصلي منفردا إذا أراد الصلاة في جماعة تغير حكم الانفراد في صلاته ولزمه إتباع إمامه حتى أنه يسجد معه في سهوه وإن لم يكن منه سهو، ويسقط عنه سجود السهو لسهوه وإن كان يلزمه لو كان منفردا، فبان أن للاجتماع تأثير في ذلك، فلا ننكر مثله في الزكاة.
والمعتمد ما قدمناه من الأخبار.
واحتج أصحاب أبي حنيفة بقوله صلى الله عليه وسلم: "في أربعين شاة شاة" وظاهره أنه يوجب أن كل أربعين فيها شاة، وأنتم تزعمون أن صاحبها إذا كان مخالطا بها أربعين ففيها نصف شاة.
فالجواب: أنه قال عقيب ذلك: "فإذا زادت على مائة وعشرين ففيها

شاتان" فعم ولم يخص أن تكون لمالك واحد أو تكون لمالكين فقد تقابل الظاهران.
فإن حملوا هذا على المالك الواحد حملنا قوله: "في أربعين من الغنم شاة" على المالك الواحد المنفرد.
واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا خلاط ولا وراط" فنفاه اسما وحكما.
فالجواب: أن معنى ذلك فيما دون النصاب، بدلالة ما قدمناه.
قالوا: ولأن الخلطة لا تغير حكم الزكاة.
دليله: إذا خالط بها ذميا أو مكاتبا.
فالجواب: أنا لسنا نقول أن حكم الزكاة يتغير لوجود خلطة فقط، لكن لخلطة مخصوصة على صفة مخصوصة، فأما فمجرد الخلطة فلا.
فإن قالوا: لأنها خلطة فوجب ألا يتغير حكم الزكاة، كخلطة الذمي أو العبد أو من ليس من أهل الزكاة.
قلنا: إن أردتم أنه لا يتغير بها حكم الزكاة فيها لم يصح، لأنه لم يثبت في الأصل للزكاة حكم فتغيره الخلطة.
وإن أردتم لا يتغير حكم الزكاة في أحد الماشيتين دون الأخرى لم يؤثر

ذلك عندكم، لأن الاعتلال موضوع لسقوط التأثير في كل موضع بأصل الخلطة.
وإن أبوا إلا الإجمال أخذناهم بالتفسير.
على أن المعنى في الأصل أنها خلطة لمن لا زكاة عليه، وليس [ق/ 108] كذلك هاهنا، أنها خلطة لمن عليه زكاة.
قالوا: ولأن الحج لما لم يجب بالخلطة لم تجب الزكاة، لأنهما مضمنان جميعا بالمال.
فالجواب أن لا نوجب بالخلطة الزكاة ابتداء وإنما نقول: إنها تؤثر فتخفف تارة وتثقل، على ما بيناه.
قالوا: ولأن الخلطة لما لم توجب الزكاة ابتداء لم يسقط ما كان واجبا قبل حصولها.
فالجواب أن هذه دعوى أنا قد بينا أن حظ الخلطة وهو التأثير في التخفيف والتثقيل فكما تؤثر تارة في الإسقاط فقد تؤثر أخرى في الإيجاب.
ولا يجوز اعتبار التثقيل والتخفيف بأصل الإيجاب، لأنهما تابعان له إذا كانا لا يحصلان إلا بعد تقرره، ألا ترى أن المؤنة في السقي تارة تثقل وتارة تخفف، ولا يجوز أن يقال: لما لم يكن لها تأثير في ابتداء الإيجاب لم يكن لها تأثير في التثقيل والتخفيف؟ كذلك هاهنا.
قالوا: ولأن الخلطة لما لم تؤثر في الدنانير والدراهم في الزكاة لم تؤثر في الماشية.
فالجواب: أن هذا موضع فاسد، لأن صفة الخلطة المؤثرة لا توجد إلا في الماشية، فلا يجوز أن يقال: إنه يجب أن تؤثر في غيرها وهي لا توجد

في ذلك الغير.
وعلى أن زكاة الماشية تختص بمعنى لا يوجد في غيرها، وهو أن أمرها موكل إلى الإمام، وإنما يجيء الساعي مرة في كل سنة، فيشق عليه تمييز الغنم، فجعل تزكيتها على ما يجدها، فيعود ذلك مرة تثقيل ومرة تخفيف.
فإن قيل: هلا أجزتم ذلك في النصاب وما دونه لهذا المعنى؟ قلنا: لا يلزم ذلك، لأن حظها التأثير- على ما بيناه- دون استئناف إيجاب.
والله أعلم.
فصل قد ذكرنا أن تأثير الخلطة هو في النصاب فما فوقه، وأن الشافعي يعتبر في النصاب ودونه إذا كان جميع الماشية نصابا.
واستدل أصحابه بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "خذ الإبل من الإبل" وقوله: "في أربعين من الغنم شاة".
فعم ولم يخص المالك من المالكين.
وقوله: "لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق" فعم ولم يخص كون ملك كل واحد نصابا أو مع اتفاقنا على أن ذلك وارد في الخليطين.
وقوله: "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعا بالسوية" ولم يفرق بين

أن يختلطا بنصاب واحد أو لكل واحد منهما نصاب.
قالوا: ولأن النصاب ملك مالكين لو انفرد أحدهما به لوجبت عليه الزكاة، فجاز أن تجب عليه الزكاة حال الاشتراك.
أصله: الثمانون من الغنم تكون بين اثنين.
قالوا: ولأن قلة المؤنة تكثر معها الزكاة، كوجوب العشر فيما سقي بالسيح، ونصف العشر مع سقي النضح، ووجدنا للمؤنة ثقل بالخلطة، فوجب أن تكثر معها الزكاة لأنهما ترفهان بأجرة الراعي والفحل، وغير ذلك مما لو انفرد كل واحد منهما به لزمه من المؤنة أكثر مما يلزمه مع الاختلاط.
قالوا: ولأن الزكاة تجب بوجود الملاك والأشياء المملوكة، وقد ثبت أنه إذا افترق الملك فلا يؤثر ذلك في سقوط الوجوب.
وكذلك إذا افترق الملاك، ألا ترى أنه لو كان له أربعون شاة في أربعين بلد لوجب فيها الزكاة؟ فكذلك كانت أربعون لأربعين رجلا.
قالوا: ولأنه نصاب بين شخصين لو انفرد كل واحد منهما بملكه كان عليه زكاته، فكذلك إذا كانت بينهما.
أصله: النخيل الموقوفة عليهما إذا أخرجت خمسة أوسق.
قالوا: ولأن الوقصين بعد كمال النصاب في صدقة الغنم لا زكاة فيهما عند الانفراد، وتجب فيهما عند الاجتماع فكذلك المالان الناقصان عن النصابين.
بيانه: إذا كانت لأحدهما مائة شاة، وللآخر مائة شاة، وكانا مفترقين

فعليهما شاتان، فإذا اختلطا كان عليهما ثلاث شياه.
قالوا: ولأن الخلطة موضوعة على العدل بين الفقراء وأرباب الأموال، وقد وجدنا العشرين ومائة شاة بين ثلاثة يكون عليهم شاة واحدة فيها، فكان هذا نظرا لأرباب الأموال، فيجب بإزائه أن ينظر للفقراء أيضا، فيكون على الرجلين لهما أربعون شاة شاة.
فيكون ذلك عدلا بين الفريقين.
قالوا: وأصولكم أولى بهذا الحكم، لأنكم تقولون: إن الرجلين إذا سرقا ربع دينار قطعا، ولو كانا منفردين لم يقطعا، فكذلك أيضا لا يمتنع أن يجب على الرجلين لهما أربعون شاة الزكاة، وإن كانا لو انفردوا لم يزلمهما شيء.
والدلالة على صحة قولنا: ما رويناه في حديث أنس أن أبا بكر- رضوان الله عليه- كتب له فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه: "فإن لم تبلغ سائمة الرجل أربعين فليس فيها شيء".
وقبله في هذا الحديث في ذكر صدقة الإبل: "ومن لم يكن عنده إلا أربع فليس فيها شيء".
وهذا يفيد عموم الأحوال من الانفراد والاختلاط.
ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" وهذا نفي يتناول كل ملك وكل ملك في نفسه.
فإن قيل: فمفهومه أنها إذا كانت خمس ذود ففيها الصدقة.
قيل له: إذا كان صريحه مقدرا بما ذكرناه لم يصح ما قلتموه، لأنه إذا

كانت خمس ذود بين اثنين فالنص بتناوله أنها أقل من خمس في الملك.
فإن قيل: لم قال: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" فنفي نفيا مطلقا كان مفهومه من الإثبات مطلقا أيضا، لأن نفي الصدقة عما دون الخمس يعم، لكونها لواحد أو اثنين فكذلك إثباتها في الخمس.
قيل له: هذا ليس بصحيح لأن النفي مقدر [ق/ 109] بالمالك، لأنه إنما قصد بيان حكم كل مالك في نفس.
فإذا كان النفي على هذا الوجه فكأنه قال: ليس فيما دون خمس ذود لمالك صدقة؛ فمفهومه مرتب على هذا الوجه، وهو أنه إذا كان للمالك فحسب خمس من الإبل ففيها الصدقة، ويبين ذلك أن نظير هذا اللفظ قد تلقته الأمة على الوجه الذي قلناه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"، فإذا كان النفي في ذلك متوجها إلى المالك فكذلك في هذا الموضع.
ومن أصحابنا من أجاب عن ذلك بأن قال: دليل هذا الخطاب أو مفهومه لا يجري مجرى نطقه، لأن نطقه نفي في نكرة فهو عام.
ودليله: إثبات في نكرة، فلا يكون عاما.
ويدل على ذلك أيضا ما رواه ابن عباس لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: أعلمهم أولا أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم.
وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها على فقرائكم".

وقد بين أن الغني هو المالك للنصاب، فعلم بذلك أن مالك دونه ليس بغني تؤخذ منه الصدقة.
ولم يفرق في ذلك بين المنفرد والمخالط أيضا، فإن من يملك بعيرا واحدا أو شاة واحدة أو بعض بعير فقير ليس بغني، فلم تجب عليه زكاة.
وأيضا فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها على فقرائكم" وصف من تؤخذ منه ومن ترد فيه، فوجب بذلك أن يكون المأخوذ منه غير المردود فيه.
وما قالوه يؤدي إلى خلط أحد الأمرين بالآخر، وهذا خلاف الخبر.
فإن قيل: هذا عائد عليك لأنك تأخذ الصدقة ممن له نصاب وتعلمه صدقة.
أيضا إذا لم تكن غنيا بنصابه فقد أخذت الصدقة ممن يجب أن تعطيه، وهذا دخول فيما أنكرته.
قيل: ليس الأمر على ما ظننته، لأن الغنا في الأصل على ضربين: غنيا بالكفاية، وغنيا بالنصاب.
فالغني المعتبر في وجوب الزكاة هو الغني بالنصاب، فبطل ما قالوه من جهة الاعتبار أن قصور الملك عن نصاب مسقط للزكاة، اعتبارا بالمنفرد.
ولأن كل من لو انفرد لم يكن من أهل الزكاة، فإذا خالط غيره كان حكمه كحكمه منفردا.
أصله: إذا كان معه عشرين من الغنم خالطا بها عبدا أو ذميا.
ولأن الزكاة لما كانت موضوعة على المواساة، ولذلك وضع لها نصاب

ليكون المال محتملا للمواساة، وكان من يملك دونه لا يأخذ منه شيء، استوى في ذلك حكم الانفراد والاجتماع، وكان من يملك جزءا من شاة أولى بأن لا يؤخذ منه شيء، لكون حاله أقل احتمالا للمواساة.
فأما قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: "خذ الإبل من الإبل" فعام يخص بعض ما ذكرناه.
وقوله: في أربعين من الغنم شاة، وفي كل خمس من الإبل شاة: معناه: إذا كانت لمالك واحد، بدلالة ما ذكرناه.
وقوله: "لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق" عام في النصاب وما دونه، فخصصناه ببعض ما قدمناه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية"، فلا دلالة فيه، لأنا نقول: أيهما أخذ منهما تراجعا، لكون ذلك مختلفا فيه بين أهل العلم، وخلافنا في أصل الوجوب فليس في الخبر أنه يجب عليهما إذا لم يكن في ملك كل واحد منهما نصاب، وإنما فيه أن الأخذ متى حصل وجب التراجع فيه.
وهذا القدر نقول به، وإن لم نحكم بوجوبه قبل الأخذ.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا بان أنه لا دليل لهم في الخبر.
فأما قياسهم على الثمانين من الغنم، لأن المعنى فيه أنه لو انفرد كل واحد منهما بحصته منها للزمته الزكاة.
وليس كذلك الأربعون بين الاثنين، لأن كل واحد منهما لو انفرد بحصته منها لم تلزمه الزكاة.
وقولهم: إن قلة المؤنة تكثر معها الزكاة: لا ننكره إذا كانت قد وجبت

أن تكون المؤنة قد أثرت في تكثيرها، وإنما ننكر أن يبتدئ بها وجوب لم يكن من قبل.
وما ذكروه من وجوب العشر أو نصفه شاهد لنا على ما قلناه.
وقولهم: لما لم يؤثر تفرق الأملاك في الزكاة، فكذلك تفرق الملاك: عبارة ليست بصحيحة، لأن من معه أربعون شاة في عدة مواضع لا يقال: إن الملك فيها مفترق بافتراق أماكنها.
على أن المملوك إذا افترق وهو دون نصاب فلا زكاة فيه، كذلك الملاك إذا اجتمعوا ولكل واحد منهم دون النصاب فلا زكاة عليهم.
وقولهم: إنه نصاب من شخصين لو انفرد كل واحد منهما بملكه لوجبت عليه زكاته، فكذلك إذا كانت بينهما.
أصله: إذا خرج لهما بخمسة أوسق من أرض وقف عليهما.
فالجواب عنه: أنا لا نسلمه، لأنهما إن كان حبسا غير محرم فهي على ملك واقفها فالزكاة عليه دون من حبست عليه، وإن كان الحبس محرما على الفقراء فإنما يستحقونه بالجذاذ بعد تفرق حكم الزكاة فيه، فبطل ما قالوه.
وقولهم: لما كان الوقصان الزائدان على النصاب في زكاة الغنم لا زكاة فيهما في الانفراد لم تجب الزكاة [ق/ 110] في الاجتماع كذلك ما قصر عن النصاب: لا معنى له، لأن ذلك إنما وجب لتقرر حكم الزكاة في الأصل حال الانفراد.
وليس كذلك في مسألتنا، ألا ترى أن ذلك يفترق في خلط المسلم والذمي، والحر والعبد؟

وقولهم: إن الخلطة موضوعة على العدل بين الفقراء وأرباب الأموال... إلى آخر ما قالوه.
فجوابه: أن يقال: إن أرباب الأموال كما احتملوا التخفيف بسقوط ثلثي شاة عن كل واحد منهم في المائة والعشرين فقد تحملوا بإزائه التثقيل من جهة أخرى، وهي إذا كانت لهم مائتا شاة وشاة بين رجلين فعليهما ثلاث شياه، ولو انفردوا بهذا لكان على كل واحد شاة.
فهذا وجه التثقيل والتخفيف.
فأما إيجاب زكاة ما ابتداء بالخلطة فيما لا تجب فيه حال الانفراد فليس من العدل، وإنما كان يستمر ذلك لو كانت الخلطة تسقط زكاة كانت تجب فكان بإزائها أن توجب زكاة لم تكن وجبت واعتبارهم باجتماع الرجلين في سرقة ربع دينار لا يلزم، لأن كل واحد منهما تناوله اسم سارق الربع، فكانا كالشريكين في القتل.
وليس كذلك الخليطان، لأن كل واحد منهما ليس بمالك لنصاب، بل مالك لبعضه وإن كان ملكه غير متميز.
والله أعلم.

مسألة قال رحمه الله: "ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة، وذلك إذا قرب الحول، فإذا كان ينقص أداؤهما باقترافها أو باجتماعها أخذا بما كان عليه قبل ذلك".
قال القاضي رحمه الله: وهذا لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الجمع بين المفترق، والتفرقة بين المجتمع خشية الصدقة.
وإنما يكون ذلك إذا قرب الحول، لأن ذلك هو وقت الصدقة فيخاف أن يدركهم المصدق على ما هم عليه فيكثر الأخذ منهم.
فأما إذا عدلوا على تغيير ما هم عليه بما هو أقل للأخذ لم ينفعهم، وأخذوا بما كانوا عليه من قبل، لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، وفساده ينفي حكمه ويصيره كأنه لم يكن أصلا.
وإذا كان كذلك كان هذا التفريق أو الجمع كأنه لم يقع، فلذلك أخذا بما كان عليه من قبل.
والله أعلم.

مسألة قال رحمه الله: "ولا تؤخذ في الصدقة السخلة، وتُعد على رب الغنم.
ولا تؤخذ العجاجيل في البقر، ولا الفضلان من الإبل، وتعد عليهم.
ولا يؤخذ تيس، ولا هرمة، ولا الماخض، ولا فحل الغنم.
ولا شاة العلف، ولا التي تربي أولادهما، ولا خيار أموال الناس".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: اعلم أنه لا يجوز أن تؤخذ في الصدقة صغيرة لا ذات عور أو عيب وسواء كان المال كله معيبًا أو سليمًا، فمن كان غنمه سخالاً كلها، أو كانت بقرة عجاجيل كلها، أو إبله فصلات كلها لم يجز للمصدق أخذ شيء منها، وكلف ربها أن يأتي بالسند الجائز في الصدقة.
وكذلك إذا كانت كلها مراضي أو ذات عور وعيب لم يجز أخذ شيء منها، وكلف شراء السن الجائز أخذه في الزكاة.
وقال أبو حنيفة، والشافعي- رحمهما الله: إذا كانت كلها صغارًا أخذ منها ولم يكلف شراء كبيرة، وكذلك إن كانت مراضي أو معيبة أخذ منها ولم يكلف شراء صحيحة.
واستدل عنهما بقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "إياك وكرائم أموالهم" فنهاه عن أخذ الكريمة إذا كان في المال جيد وردئ، فنبه بذلك عن أنه إذا كان المال كله معيبًا كان أولى المنع من أخذ الكريمة.

وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "خذ الإبل من الإبل، والشاة من الغنم" فعم ولم يخص.
وبقوله تعالى:} خذ من أموالهم صدقةً {فعم الأموال.
وروى عن أبي بكر الصديق -رضوان الله عليه- أنه قال في حديث أهل الردة: "والله لو منعوني عناقًا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه" فدل ذلك على أن العناق يؤخذ في الزكاة.
قالوا: ولأن الزكاة موضوعة على العدل بين الفقراء وأرباب الأموال فكما لو كانت إبله صحاحًا كلها لم نأخذ منه مريضة، لأن ذلك ضرر على الساعي، وكذلك إذا كانت مراض كلها لم نأخذ منه صحيحة لأن في ذلك إضرارًا به.
قالوا: ولأن الزكاة موضوعة على التخفيف وعلى أخذ القليل من الكثير، فلو أوجبنا في أربعين سخلة، وفي خمس من الإبل مراض كلها شاة لاستغرقت المال أو كثرة، وفي ذلك أكبر التغليظ والإجحاف.
قالوا: ولأن الزكاة تجب من جنس المال، بدلالة أن في التمر والزبيب وسائر الحبوب تؤخذ إن كان جيدًا أو رديئًا، ولا يكلف غيره.
قالوا: ونعلل لجواز أخذ البعير من الخمس فنقول: لأن كل جملة جاز أن يؤخذ منها شيء جاز أن يؤخذ ذلك الشيء في أبعاض تلك الجملة.
أصله: إذا أخذ مكان بنت مخاض بنت لبون أن ذلك يجزئه.
قالوا: ولأن السخال حيوان تجب الزكاة فيه، ويعد مع جنسه، ويضم

إليه، ويثبت فرض الزكاة فيه إذا انفرد، فوجب أن يجزئ فيه فرضه إذا انفرد.
دليله: الكبار.
والدلالة على ما قلنا: ما روى إسماعيل بن إسحاق حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس قال: حدثنا أبى قال: حدثنا عمي ثمامة بن عبد الله بن أنس [ق/ 111] أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه لما استخلف وجه أنسًا إلى البحرين، وكتب له هذا الكتاب: (هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، التي أمر الله ورسوله: صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى العشرين ومائة ففيها شاة)، فعم ولم يخص كونها صغارًا أو كبارًا.
وقال صلى الله عليه وسلم في البقر: "في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة"، وهذا على ظاهره ووجوبه ويدل على معنى آخر المريضة والمعيبة ما روى إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه عن عبد الله، ومحمد ابني أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيهما أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمرو ابن حزم حين بعثه إلى اليمن: "ولا تخرج في الصدقة تيس ولا هرمة ولا ذات عوار إلا أن يشاء المصدق".
وفي حديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض فقرنه بسيفه فكان فيه: "ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عيب" وروى رافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليست للمصدق هرمة، ولا تيس، ولا ذات عوار، إلا أن يشاء المصدق".

وروى مالك -رضي الله عنه- عن ثور بن يزيد الديلي عن ابن لعبد الله ابن سفيان الثقفي عن جده سفيان أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعثه مصدقًا فكان يعد على الناس بالسخال.
فقالوا: تعد علينا بالسخال ولا تأخذ منه شيئًا؟ فلما قدم على ذكر ذلك له فقال عمر: تعد عليهم السخلة يحملها الراعي ولا تأخذها، ولا تأخذ الأكولة ولا الربى ولا الماخض ولا فحل الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين عر المال وخياره.
وروى يحيي بن جابر عن جبير بن نفير عن عبد الله بن معاوية الغافري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله وأنه أعطى زكاة ماله طيب بها نفسه ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره".
وأيضًا فلأن الزكاة موضوعة على العدل بين الفقراء وأرباب الأموال، فلما كنا لا نأخذ من إبله إذا كانت كلها حوامل أو لوابن، بل نكلفه السن الوسط، فكذلك إذا كانت صغارًا أو معيبة، لأن في أخذها كذلك إضراراً بالفقراء كما أن في الأخذ منها إن كانت كرائم ضرر بأرباب المال.
فأما قولهم: إنه لما نهى عن أخذ الكريمة إذا كان في المال الجيد والردئ دل ذلك على أن منع أخذها إذا كان كل المال رديئًَا أولى: فليس بصحيح،

لأن الكرائم الممنوع من أخذها هو ما لا يؤخذ في الصدقة بوجه إلا أن يتطوع بذلك أربابها، كالحوامل واللبون، وهي التي منع أخذها إذا كان في المال جيد وردئ.
ونحن نقول: إن أخذها ممنوع أيضًا إلا أن يشاء ربها، وإنما نكلفه السن الوسط.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "خذ الإبل من الإبل" فقد قال عقيبه: "والشاة من الغنم"، وهذا يوجب أن تؤخذ من أربعين سخلة شاة.
وأما قول أبي بكر -رضوان الله عليه-: "والله لو منعوني عناقًا" فالمراد به: جذعة، بدلالة ما روى في بعض الحديث أن مصدقًا للنبي صلى الله عليه وسلم امتنع من أخذ الصغيرة، وقال: "لا آخذ إلا عناقًا جذعة" وذكره أبو داود وغيره.
وقولهم: إن ذلك يؤدي إلى استغراق المال أو أكثره، فإن ذلك خلاف أصول الزكاة.
فالجواب عنه: أن الزكاة تارة تثقل وتارة تخف، فهي وإن ثقلت في هذا الموضع فإنها تخفف في موضع آخر، وهو أن تكون الإبل حوامل أو لوابن فلا يؤخذ منها غير السن الوسط.
وقوله: لما لم يكلف من الصحاح مريضة، لأن في ذلك إضرار بالمساكين، كذلك لا يكلف من المراض صحيحة: باطل، إنما لم يكلف

جارٍ التحميل