شرح الرسالةصفحات 385-424

كتاب الاعتكاف

صفحات 385-424

مسألة قال رحمه الله: "وحول ربح المال حول أصله، وكذلك حول نسل الأنعام حول الأمهات".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: وهذا كما قال ربح المال مردود إلى أصله، وبناء على حوله.
وسواء كان الأصل نصاب أو دونه فمن ملك عشرة دنانير فتجر فيها فصارت عشرين، فإذا حال الحول زكى العشرين وكانت كأنها معها من أول الحول.
وكذلك لو حال الحول على العشرة، ثم تجر فيها فصارت عشرين فإنه يزكيها حين تكمل العشرين.
وقال أبو حنيفة- رضي الله عنه: يستأنف بها الحول من يوم كملت نصاب.
وقال محمد بن الحسن: كيف قال أهل المدينة هذا وهم لا يخالفون في أن من أفاد مالا كثير فلا زكاة عليه إلا أن يحول الحول عليه من يوم أفاده؟ فإن قالوا: لأن هذا كان عنده أصل مال.
قيل لهم: إن أصل المال الذي كان عنده لم يكن مما تجب فيه الزكاة، وإنما تضم الفائدة إلى الأصل إذا كان الأصل نصاب.
قال: وقد وافقنا أهل المدينة فيمن أفاد ماشية دون النصاب أنه لا زكاة

فيها حتى يحول الحول من يوم أفادها، إلا أن يكون عنده قبلها ماشية نصاب نم صنفها؛ فإن ما أفاد من ذلك يضم إلى الأول وإن لم يحل على الفائدة الحول.
فإن كان الأول لا زكاة فيه فلا زكاة في الفائدة حتى يحول الحول عليها.
هذا معنى ما قال.
والدلالة على صحة قولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "في الرقة ربع العشر"؛ فعم.
وقوله: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" فمفهومه أن الصدقة تجب فيها وفيما زاد عليها.
وأيض اتفاقنا على أن الأصل إذا كان نصاب فإن الربح يزكى بحول أصله؛ فكان كذلك إذا كان الأصل دون النصاب؛ بعلة أنه نماء حادث عن مال تجب في عينه الزكاة؛ فكان حكمه حكم أصله.
وأيض فإن هذه المسألة مرتبة لنا على الأصل؛ وهو أن حم سخال الماشية حكم أمهاتها- كانت الأمهات نصاب أو دونه، وسترد في موضعها إن شاء الله.
فأما ما قاله محمد بن الحسن من اعتبار هذا بفائدة فالفصل بين الموضعين هو أن النماء الحادث عن المال بالتصرف فرع له ومتولد عنه؛ فكان كأنه عين المال؛ فلذل كان حكمه حكمه.

يدل ذلك إجماعهم على ما قلناه في النصاب، وما فوقه.
والفائدة بخلاف هذا؛ لأنها أجنبية من المال، وليست بفرع له.
فإن اعترضوا بالماشية فإنما أتبعناها النصاب لمعنى آخر يذكر في موضعه.
ومحمد ظن أنا نضم فائدة الذهب إلى الأصل؛ فحكى عن الاعتلال على حسب ذلك.
وما ذكروه من فائدة الماشية صحيح.
ونحن لم نحكم بما قلناه في الربح على حسب ما يقوله أبو حنيفة في ضم فائدة الذهب إلى الأصل.
وبالله التوفيق.

فصل فأما نسل الأمهات فحوله عندنا حول الأمهات، سواء كانت الأمهات نصاب أو دونه؛ فلو كان لرجل ثلاثون من الغنم فتوالدت قبل مجيء الساعي بيوم حتى كملت أربعين لوجبت فيها الزكاة مع الأمهات.
وقال أبو حنيفة والشافعي- رضي الله عنهما: يستأنف الحول للجميع من يوم كمال النصاب، وإنما يكون حول السخال حول الأمهات نصاب واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة في مال يحول عليه الحول".
وهذا السخال لم يحل عليها الحول.
ولأنها زيادة كمل بها النصاب في نوع من الحيوان؛ فوجب أن يكون

حولها من يوم كمل النصاب.
أصله: إذا كمل النصاب بشراء أو هبة أو ميراث.
وقولنا في نوع من الحيوان احتراز من الركاز وغيره.
ولأن السخال من الأموال التي لا تجب فيها الزكاة إلا بالحل.
وحولها تارة يعتبر بنفسها، وتارة يعتبر بغيرها.
ولا يجوز أن تبيع غيرها في الحول ولا حول لذلك الغير.
ولأن الأولاد إنما تتبع الأمهات في حكم إذا كان ذلك الحكم ثابت للأم حين الولادة.
فأما إذا لم يكن ثابت لها حين الولادة فلا يتبعها فيه؛ ألا ترى أن ولد المكاتبة إنما يتبعها إذا كانت مكاتبة حين الولادة، وكذلك ولد أم الولد.
وإذا ولدت قبل ثبوت الحكم لها لم تتبعها؛ ألا ترى أنها لو ولدت [ق/84] من زوج أو زنا، ثم كوتبت أو دبرت لم يتبعها ولدها؟ فكذلك السخال لما لم يكن للأمهات حول الزكاة حين الأمهات لم تتبعها.
ولأن الأموال التي لا تجب الزكاة فيها إلا بالحول لا بد في وجوب الزكاة فيها من اعتبار أمرين: أحدهما: كون المال مما يتسع للمواساة.
وأن تمضي عليه مدة يتكامل في مثلها النماء.
فإذا كان دون النصاب فلا زكاة فيه؛ لأنه لا يحتمل المواساة.
وإذا صار نصاب بالسخال فقد بلغ حد يحتمل المواساة واحتيج إلى اعتبار مدة يتكامل بها النماء.

والدلالة على صحة قولنا قوله صلى الله عليه وسلم: "في أربعين من الغنم شاة".
وهذه يقع عليها اسم غنم.
وروى مالك- رحمه الله- عن ثوربن زيد عن ابن لعبد الله بن سفيان الثقفي عن جده سفيان بن عبد الله أن عمر بن لاخطاب بعثه مصدق فكان يعد على الناس بالسخل.
فقالوا: تعد علينا بالسخل ولا تأخذه منا؟ فلما قدم على عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- ذكر ذلك له فقال له: نعم تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي، ولا تاخذها.
ولم يفرق بين أن تكون متولدة عن نصاب، أوت دونه.
وقد روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ رواه علي بن حجر قال: حدثنا أيوب بن جابر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة شيء، ولا تؤخذ هرمته ويعد ضميرها وكبيرها".
فعم ولم يخص.
ولأنها نتاج حادث عن حيوان تجب في عينه الزكاة؛ فوجب أن يكون معتبر به في حول الزكاة، أو نقول: فوجب أن يكون حكمه حكم ما لم يزل موجود مع أمهاته.
أصله: إذا كانت الأمهات نصاب.
فإذا قيل: المعنى في الأصل أن الأمهات حكم الحول؛ فجاز أن تتبعها في حولها.
وليس كذلك إذا كانت الأمهات دون النصاب؛ لأنه لا حول

لها؛ فلم يجز أن تتبعها في شيء لم يثبت لها.
قيل له: نحن لم نرد بقولنا أنه يجب أن يكون حول السخال حول الأمهات موضع الخلاف، وإنما أردنا أنه يجب أن يكون حكمها كأنها لم تزل وجودة مع أمهاتها.
وهذا المعنى لا يمكنهم دفعه.
على أن ما ذكروه فاسد على أصلهم؛ وذلك أن من مذهبهم أن الخليطين إذا كان لهما أربعون شاة ففيها الزكاة.
فقد جعلوا للعشرين حول معتبر لنا بنفسها أو بالعشرين الأخرى.
وهذا ما منعونا فيه.
وأيض فإن الحول معتبر في زكاة العين.
ولو كانت معه مائة درهم فأقامت معه حول إلا يوم فأخذ من معدن مائة درهم أخرى يضمها إلى الأولى وزكاها عندهم؛ فبطل بذلك ما قالوه.
وقياس آخر وهو أنه قد اتفقنا على أنه لو ابتاع سلعة بمائة درهم تساوي حال ابتياعها مائتين، ثم باعها بعد الحول بمائتين فإن الزكاة واجبة في ثمنها.
والعلة في ذلك أنه نماء حادث عن مال تجب في جنسه الزكاة؛ فكان حكمه حكمه.
فأما الخبر: قلنا فيه من التعلق مثل ما لهم؛ وذلك أن مفهومه وجوب الزكاة في الأمهات إذا حال عليها الحول.

فإن قيل: لا حول للأمهات أصل إذا كانت دون النصاب.
قيل له: هذا غير صحيح؛ لأن الخبر أطلق ذلك ولم يقيده؛ على أنه مخصوص بما ذكرناه.
وقولهم: لأنها زيادة كمل بها النصاب كالشراء والميراث لا تأثير له على أصل أصحاب الشافعي؛ لأن الزيادة لا تضم إلى الأصل، سواء كان الأصل نصاب أو دونه؛ فتقيدها بهذا الوصف لا معنى له.
على أن المعنى في الأصل كمال النصاب بغير تمامه.
وليست كذلك مسألتنا؛ لأن كمال النصاب مما حادث عنه.
وما ذكروه من انه لا يجوز أن تتبع غيرها في الحول ولا حول لذلك الغير قد أجبنا عنه، وقلنا: إن الحول يعتبر في الأصل وإن لم يكن نصاب كما قالوا ذلك في الخليطين بينهما أربعون شاة، وكما قالوا فيمن كان معه مائة درهم فبقيت معه بعض الحول ثم أفاد من ركاز تمام النصاب فإنه يضمها إلى المائة التي كانت معه.
وما ذكروه من أن ما يعتبر فيه الحول لا بد فيه من أمرين: أحدهما: أنه يكون قدر يحتمل المواساة.
والآخر: أن يرد عليه من المدة ما يكمل به النماء والمنفعة.
ينتقض به إذا كان الأصل نصاب؛ وذلك أنه إذا كان معه ثمانون شاة أقامت أحد عشر شهر، وتوالدت قبل حلول الحول بشهر فإنها لم تبق مدة يكمل بها النماء، ومع ذلك فهي تابعة لها في الحول؛ فانتقض الاعتلال.
ولا معنى لقولهم إن هذا الزمان قد أتى على الأمهات؛ لأنهم لم

يشترطوا في الاعتلال كمال النماء والمنفعة في بعض المال دون بعض.
فإن قنعوا بهذا فقد أتى أيض على الأمهات التي دون النصاب في مسألتنا زمان كمال النماء والمنفعة.
وقولهم: لأنه نتاج لم يتولد عن نصاب فلم تجب فيه الزكاة.
أصله: إذا لم يتم الأصل بنتاجه نصاب.
فالجواب أن المعنى فيه قصور الأصل عن نصاب، والنصاب معنى معتبر في الحيوان في الزكاة.
والله أعلم.

فصل ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن السخال تتبع الأمهات إذا كانت الأمهات نصاب.
وقال داود: لا تضم السخال إلى الأمهات أصل، سواء كانت الأمهات نصاب أو دونه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة في مال حتى يحول [ق/85] عليه الحول".
وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "فما حدث من بال بعد فلا زكاة فيه حتى يجئ الحول".
قالوا: وقد اتفقنا على أنه لو استفاد في الحول جنس من المال مخالف لجنس ما معه لم يضمه إليه، لعله أنه مال مستفاد يعتبر الحول في جنسه؛ فكذلك السخال.

والدلالة على ما قلناه: قوله صلى الله عليه وسلم: "في أربعين من الغنم شاة"؛ فعم ولم يخص.
وما رواه على بن حجر حدثنا أيوب بن جابر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس من الإبل شيء، ولا تؤخذ هرمة، ويعد صغيرها وكبيرها".
وهذا نص.
وأيض فإن هذا إجماع الصحابة؛ لأنه مروي عن عمر، وعلي، ولا مخالف لهما.
وقد ادعوا أن ما قالوه مذهب أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، وليس ذلك بصحيح.
وأيض فلأن الزكاة تجب في المال لأجل النماء؛ بدلالة أن ما لا نماء له لا زكاة فيه؛ كالعقارات وغيرها.
وكذلك ما ترك التصرف فيه بالتسمية كالحلي الملبوس وغيره لا زكاة فيه.
وإذا كان كذلك فيستحيل أن تجب الزكاة في الأصل من أجل النماء ولا تجب في المنمى نفسه.
ويبين هذا ما نقلوه في التجارة أن الزكاة تجب في الأصل لأجل الربح ومحال ألا تجب في الربح.
فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" فمعناه: في الأصل دون النتاج؛ بدلالة ما ذكرناه.

وقوله: "فما حدث من مال بعد فلا زكاة فيه حتى يجئ رأس الحول" فكلام لا يستقل بنفسه؛ لأنه معطوف على شيء لم يذكر.
وعلى أن معناه في غير السخال بدلالة ما ذكرناه.
وقياسهم ينتقض- على أصلنا- بنماء الدراهم والدنانير.
على أن العلة في الأصل أن الفائدة من غير جنس ما معه.
والله أعلم.

مسألة قال رحمه الله: "ومن له مال [تجب] فيه الزكاة، وعليه دين مثله أو ينقصه عن مقدار مال الزكاة فلا زكاة عليه، إلا أن يكون عنده مما لا يزكى من عروض مقتناه أو رقيق أو حيوان مقتناة، أو عقار أو ريع ما فيه وفاء لدينه فليزك ما بيده من [عروض] ن فإن لم تفي عروضه بدينه حسب بقية دينه فيما بيده، فإن بقي بعد ذلك ما فيه الزكاة زكاه، ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: أعلم أن هذا الفصل يشتمل على عدة مسائل، ونحن نبينها ونوضح القول فيها.
أما قوله: إن من له نصاب من الذهب أو الورق، وعليه دين مثله أو

ينقصه عن ما تجب في الزكاة، ولا عرض له سوى ذلك فإنه لا زكاة عليه.
فإن هذا قول أصحابنا وأهل العراق.
وللشافعي قولان: أحدهما: أن عليه الزكاة.
والآخر: أنه لا زكاة عليه.
واستدلوا على خلافنا بقوله صلى الله عليه وسلم: "في الرقة ربع العشر".
وما أشبه هذه الظواهر.
ولأنه نوع من المال تجب في عينه الزكاة؛ فوجب ألا تسقط الدين زكاته اعتبار بالماشية.
ولأنه مسلم تام الملك فأشبه من لا دين عليه.
ولأنها زكاة فوجب ألا يسقط الدين؛ اعتبار بالعشر وزكاة الفطر.
والدلالة على ما قلناه: رواية عمير بن عمران عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان للرجل ألف درهم، وعليه ألف درهم فليس عليه زكاة، وليس على مال زكاة حتى يحول عليه الحول".
وهذا نص في موضع الخلاف.
وأيضا ما ذكره أصحابنا أن أداء الدين أولى من الزكاة؛ لأن الدين قد أخذ عوضه، والزكاة هي مواساة لم يؤخذ عوضها؛ فكان أداء ما قد أخذ عوضه أولى.
ولهذا المعنى شاهد من الأصول؛ وهو الاتفاق على أن الدين مقدم على

الميراث وإن كان الميراث واجب للورثة.
وليس في ذلك إلا أن الدين قد أخذ عوضه، وأن الميراث لم يأخذ منه عوض؛ فلذلك كان أولى منه.
قالوا: وأيض فلأن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية؛ ألا ترى أنها لا تجب في العقار وغيره من العروض التي لا تنمى؟ وإذا ثبت ذلك، وكان رب الدين قادر على الحجر على من عليه الدين ومنعه من تنمية المال الذي في يده خرج المال عن أن يكون نامي؛ فوجب سقوط الزكاة عنه لكونه على غير ثقة لحصول ما يمنع نماء المال.
وبهذا المعنى انفصل العين عن الماشية والحب؛ لأن النماء موجود فيها، ولا مجال للحجر في قطعه عنهما.
وقد ذكر أصحابنا في هذه الأشياء مدخولة بزكاة الحرث والماشية، والأقرب فيها ما قدمناه.
فأما الظواهر فمخصوصة.
واعتبارهم بمن لا دين عليه باطل؛ لأن من لا دين عليه متمكن من تنمية ما في يده؛ لأن لا طريق لأحد عليه، ولأنه بإزاء الزكاة من هو أولى بها.
وقياسهم على الماشية والزرع فقد فصل أصحابنا عنها بشيئين: أحدهما: أن قالوا: إن النماء موجود والماشية غير موقوف على من يتصرف فيهما؛ لأنهما نميان بأنفسهما.
وليس كذلك العين؛ لأنها لا تنمى إلا بتصرف من يتصرف فيها، ولصحاب الدين أن يقطع ذلك بحجره عن من هو في يده؛ فينقطع النماء

فيه.
والوجه الآخر: أن زكاة الماشية والحرث إلى الأمام، فلو قبل أرباب الأموال فيما يدعونه من الديون عليه لأدى ذل إلى إسقاط الزكاة جملة؛ فحسم الباب بترك قبول ذلك منهم.
وليس كذلك زكاة العين؛ لأنها موكولة إلى أرباب الأموال.
هذا قدر ما فصل فيه أصحابنا بين الموضعين.

فصل فإن كان عنده من العروضما يفي بدينه جعل الدين في العروض، وأدى الزكاة عما في يده من العين إن كان نصاب.
وإن كان ما عنده من العروض دون ما عليه من الدين ترك مما في يديه من العين ما إذا ضمه إلى قيمة العروض قام بإزاء الدين، ثم زكى ما بقى معه من العين إن بقى ما تجب فيه الزكاة.
والعروض التي يجعل فيها دينه هو كل ما يبيعه الحاكم عليه في دينه دون ما لا يبيعه عليه.
وعند أهل العراق إنه كمن لا عروض له؛ فيجعل الدين في العين، ويسقط الزكاة عنه.
قالوا: لأن ما في يده من العين لا يفصل عما عليه من الدين؛ فلم يتمكن يتكن عليه فيه زكاة.
أصله: إذا لم يكن له عروض.

والدلالة على ما قلنا عموم الظواهر؛ مثل قوله: "في مائتين خمسة دراهم"، وفي الرقة ربع العشر، وما أشبه ذلك.
ولأنه حر مسلم مالك لنصاب قد حال عليه الحول أخذ الصدقة منه لا يبخس حق غيره؛ فوجب أخذ الزكاة منه.
أصله: من لا دين له، أو من عليه دين وفي يده من العين ضعف ما عليه من الدين.
ولأنه قادر على الجمع بين أداء الدين والزكاة فوجب ألا يسقط أحدهما الآخر.
أصله: إذا كان معه من العين ما يقوم بإزاء الدين، ويفضل معه نصاب.
ولأن العروض نوع من المال مأمون؛ فجاز أن يجعل في الدين.
أصله: العين.
فأما إذا لم يكن له عروض فالمعنى فيه أنه ليس هناك مال مأمون يقوم بإزاء الدين فيدافع الدين الزكاة، وإذا تدافعا كان اليوم أولى؛ على ما بيناه.
وليس كذلك في هذا الموضع؛ لأن العروض إذا أقيمت بإزاء الدين سقط التدافع بين الدين والزكاة.
والله أعلم.

فصل فأما قوله: إذا كان عليه دين وله ماشية أو زرع فإن عليه الزكاة: فقد ذكرنا فيما تقدم الفصل بين الذهب والفضة، وبين الماشية والزرع؛ فإن النماء يمكن قطعه عن الذهب والفضة بالحجر على من هي في يدهن ولا يمكن ذلك في الماشية والزرع.
وبأن أمر الماشية والزرع إلى الأمام، وأمر الذهب والفضة موكول إلى أمانة أربابها.
وبيناه بما يغني عن أعادته.

مسألة قال رحمه الله: "ولا زكاة عليه في دين حتى يقبضه، وإن أقام أعوام فإنما يزكيه لعام واحد بعد قبضه.
وكذلك العرض حتى يبيعه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: أعلم أن حكم الدين والعروض واحد عندنا في أنه لا زكاة في الدين حتى يقبض، وفي العروض حتى يباع.
فإذا قبض الدين وبيع العروض زكيا لسنة واحدة وإن بقيا أحوال كثيرة إن كان أصلها عين معه.
فإن لم يكن أصلها عنده عين فلا زكاة عليه في الدين إذا قبضه، ولا في ثمن العرض إذا باعه.
ويستقبل بذلك حول من يوم حصل في يده.

فالأول مثل أن يكون معه مال فيسلفه رجل أو يشتري به سلعة ثم يبيعها من رجل بدين في ذمته: فإن هذا لا زكاة عليه في هذا الدين حتى يقبضه وإن أقام عند من هو عليه أعوام.
فإذا قبضه زكاه لسنة واحدة.
وإنما زكاه إذا قبضه؛ لحصوله طرفي الحول في يده عين.
واقتصر على سنة واحدة؛ لأن ما بين ذلك لم يكن فيه عين؛ فلم يجر فيه حكم الزكاة.
وكذلك إذا كان معه عين فاشترى بها عرض فأقام عنده أحوال ثم باعه فإنه يزكى الثمن لسنة واحدة.
والعلة فيه ما ذكرناه في الدين.
فأما الفصل الثاني: فمثل أن يرث دين أو يوهب له فيمكث على من هو عليه سنين ثم يقبضه فهذا يستقبل به حول من يوم قبضه؛ لأن أصله لم يكن غني؛ فلم يجر فيه حكم الزكاة.
وكذلك العرض إذا ورثه أو وهب له فأقام سنين ثم باعه فإنه يستأنف به الحول؛ لما ذكرناه.

مسألة قال رحمه الله: "وإن كان الدين أو العروض من ميراث فليستقبل بما يقبض منه".

قال القاضي رحمه الله: هذا لما ذكرناه من أن المراعى في وجوب الزكاة في الدين والعرض طرفي الحول في يده، فإذا عدم ذلك في الطرفين أو أحدهما لم تكن فيه زكاة.
فالدين إذا كان من ميراث فإنما نفى في يده ساعة قبضه، وهو أحد طرفي الحول؛ فلذلك لم تجب الزكاة فيه.

مسألة قال رحمه الله: "وعلى الأصاغر الزكاة في أموالهم في الحرث والماشية والعين وزكاة الفطر".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا قولنا، وقول الشافعي- رحمه الله.
وروى عن خلف من الصحابة منهم: عمر ابن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وعائشة رضوان الله عليهم أجمعين.
وذهب أهل العراق إلى سقوط الزكاة عن اليتيم في ذهبه وفضته وماشيته ووجوبها عليه في حرثه وفي الفطرة.

وزعموا أنه مروي عن ابن مسعود وعن ابن عباس.
واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم".
ورفع القلم عبارة عن سقوط العبادات عنه، وإيجاب الزكاة عليه ينافي ذلك.
ولقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ [ق/87] بن جبل: "فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم".
فأوجب الصدقة على من يدعي إلى الإيمان، والطفل لا يصح إعلامه ولا دعاؤه.
قالوا: ولقول أبي بكر- رضي الله عنه- بمحضر من الصحابة من غير نكير من أحد منهم عليه: لا أفرق بين ما جمع الله- يعني بين الصلاة والزكاة- ولأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة.
وفي إيجابها على الصغير مع العلم بأن الصلاة لا تجب عليه تفريق بينهما.
قالوا: ولأنها عبادة محضة لا تلزم أحد عن أحد؛ فوجب ألا يلزم الصغير؛ اعتبار بالصلاة والصوم.

وقولهم: لا تلزم أحد عن أحدن احتزاز من زكاة الفطر، لأنها تلزم الرجل عن أهله.
قالوا: ولأن الصبي ممن لا يصح منه في هذه الحال اعتقاد الإيمان، فأشبه الكافر.
قالوا: ولأنه ممن لا يتصرف في ماله بالفرض والهبة ونحوها، فأشبه المكاتب.
والدلالة على صحة قلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "في الرقة ربع العشر".
وقوله: "في أربعين شاة شاة"، فعم ولم يخص.
وقوله: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" وهذا نفي عام عن كل مالك.
فدليله أن الصدقة في خمس أواق فما فوقها في كل مالك، لأن حكم الإثبات في العموم هاهنا حكم النفي.
وقد استدل أصحابنا بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم﴾ ولم يخص الصغار من الكبار.
واعترضوا على هذا بأن قالوا: إن هذه الكناية عائدة على البالغين، لأنه نسق على قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ الآية فلا تتناول الصغار، وهذا لا معنى له، لأن الظاهر أنها كناية عن الأمة، وليس هاهنا ضرورة

توجب حملها على من ذكره، لأنه ليس هاهنا حرف عطف، ولا كلام الأول مفتقر إلى أن يتم بهذه الآيةن فكان الظاهر أنها كناية عن الأمة.
فإن قيل: أقل الأحوال أن يكون محتمل.
قيل له: ليس الأمر كذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا خوطب بأمر أو نهب أو عبادات يلزمها غيره بلفظ كناية، فالظاهر عود تلك الكناية على الأمة، إلا ما يكون هناك ما يضطر إلى حمله على غير ذلك.
ويدل ما قلناه: ما رواه الأعمش عن أبي وائل عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة.
وعموم هذا يشمل الصغير والكبير.
ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم".
فهذه الكناية عائدة على أمته، فعم ولم يخص صغير من غنى كبير.
ويدل على ذلك ما رواه القاضي إسماعيل بن إسحق قال: حدثنا الحماني قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ولى يتيم فكان له مال فليتجر فيه لا تأكله الزكاة".

فهذا صريح أن الصدقة في مال اليتيم.
قال الراوي: قد قيل: إن أصل الحديث إنما رواه عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن عمر، وغلط فيه من رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيقال له: هذا إن كان قد قيل فليس كل شيء قيل يجب أن يسمع ويعمل عليه إلا أن يبين قائله دلالة أو يأتي بحجة ولا يلزم تقليده وقبول قوله من غير دلالة على صدقه.
ولأن كل زكاة لزمت الكبير في لازمة للصغير، اعتبار بزكاة الحرث والفطر.
ولأنه ممن تلزمه زكاة الفطر في ماله، فوجب أن تلزمه زكاة عينه وماشيته.
أصله: الكبير، ن أو نقول: لأنه مسلم حر تام الملك، فأشبه الكبير.
وإذا ثبت فاستدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث" وذكر الصبي في ذلك غير صحيح، لأن رفع القلم عنه لا ينافي الحقوق التي تثبت في ماله، ألا ترى أنها لا ينافي أخذ إخراج العشر من زرعه، وإخراج صدقة الفطر، وغير ذلك مما يلزمه في ماله.
فبان بهذا سقوط تعلقهم بالخبر.
ويؤيد ما قلناه تسويته صلى الله عليه وسلم وبين النائم في رفع القلم، وذلك يفيد تساويهما في كل ما يوجبه، فإذا كان وصف النائم بذلك فيه سبب مما قالوه فكذلك وصف الصبي بذلكن وإنما فائدة رفع القلم سقوط خطابه بالتكليف، وإيجاب عبادات الأبدان التي يحتاج فيها إلى القصود.
فأما

حقوق الأموال فلا تدخل في هذا.
وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "إن أجابوك فأعلمهم أن عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" حجة لنا، لأنه عم الأغنياء بأخذ الصدقة منهم، ولم يخص الكبار من الصغار.
فإن قيل: فقوله: من أغنيائهم يعود على المخاطبين، فكأنه قال: تؤخذ من الأغنياء ممن يجيبك.
قيل: هذا غير صحيح، وذلك أن الدعوة إذا توجهت إليهم وحصلت منهم الإجابة لزمت الإحكام بجميعهم، ألا ترى أن بإجابتهم يثبت لصبيانهم حكم الإسلام [ق/88]، فبان أن قوله: "من أغنيائهم" عائد على جميعهم لا يخص صغير منهم دون كبير.
وقول أبي بكر رضي الله عنه: لا أفرق بين ما جمع الله: يريد أن الله أمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، فلا أدعهم وما راموه من أنهم يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة.
ولم يعن به: أي: لا أوجب الزكاة إلا على من وجبت عليه الصلاة، فلا معنى للتعلق بذلك.
ويقال لهم: إن كان في إيجاب الزكاة إلا على من وجبت عليه الصلاة تفرق بينهما فيجب أن يكون في إيجاب الصلاة على من لا زكاة عليه تفريق بينما.
ويورد عليهم ما ألزمهم أصحابنا من إسقاط الزكاة عن الحائض،

لسقوط الصلاة عنها، وإسقاط الصلاة عن الفقير، لسقوط الزكاة عنه.
وهذا لا فصل فيه.
ويقال لهم: إذا أوجبتم الزكاة في حرثه، وألزمتم وليه إخراج صدقة الفطر من ماله فقد فرقتم بين الصلاة والزكاة، لأن أبا بكر رضي الله عنه لما قال: لا أفرق بين الصلاة والزكاة لم يكن مراده زكاة دون زكاة.
فإذا كان هذا ليس تفريق فكذلك زكاة ماله وماشيته.
وقولهم: لأنها عبادة محضة لا تلزم أحد عن غيره فأشبهت الصلاة: ينتقض بزكاة الحرث.
على أن المعنى في الأصل أنه من عبادات الأبدان المفترقة إلى المقصود.
وليس كذلك الزكاة، لأنها عبادة في المال دون البدن.
واعتبارهم بالكافر باطل، لأن الكافر لا تلزمه فروع الشريعة مع إقامته على كفره، فلا يصح اعتبار المسلم به في إسقاط العبادات عنه.
على أن الكافر لا تلزمه زكاة حرثه وفطره، فلذلك لم تلزمه فروع الشريعة مع إقامته على كفره، فلا يصح اعتبار المسلم به في إسقاط العبادات عنه.
على أن الكافر لا تلزمه زكاة حرثه وفطره، فلذلك لم تلزمه زكاة ماله.
وليس كذلك الصبي، لأنه ممن تلزمه صدقة الحرث والفطر في ماله، فكان بالبالغ أشبه.
والمعنى في المكاتب أنه ليس بتام الملك، لأنه على الرق الجزية أحد شروط وجوب الزكاة.
والله أعلم.

مسألة قال رحمه الله: ولا زكاة على عبد، ولا على من فيه بقية رق في ذلك كله.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله: وهذا لأن الحرية من شروط الزكاة كالإسلام، بدلالة أن البد غير مستقر الملك، لأن لسيده أن ينتزع ماله إذا شاء ذلك، على ما سنذكره في مسألة ملك العبد.
وإذا كان كذلك لم تجب الزكاة عليه، لأن الزكاة لا تجب إلا على تام لملكن لا على من ملكه مراعي غير مستقر.
فأما من فيه بقية رق فحكمه حكم العبد، فلذلك لم تجب عليه الزكاة.
وكذلك المكاتب لا زكاة عليه، خلافا لأبي ثور حيث قال: إن حكمه حكم الحر، لأنه كالعبد في الملك، بدلالة أنه لا تجوز له الهبة ولا التصرف فيه إلا بإذن سيده.
وقد روى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق".
ويشبه أن يكون صحيحا موقوفا.
وروى القاضي إسماعيل بن إسحاق: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا

محمد بن بكر حدثنا ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: ليس في مال المكاتب زكاة، ولا العبد حتى يعتق.
وروى مالك عن نافع أن ابن عمر قال: ليس على المكاتب، ولا على العبد زكاة في ماله.
وروى القاضي إسماعيل حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن الحكم عن عبد الله بن نافع عن أبيه أنه سأل عمر رضي الله عنه فقال: أزكى وأنا مملوك؟ قال: لا.
مسألة قال رحمه الله: "فإذا أعتق فليأتنف حولا من يومئذ بما يملك من ماله".
قال القاضي: وهذا لأنه من ذلك الوقت تكاملت شروط وجوب الزكاة فيه، فوجب أن يستأنف الحول من ذلك الوقت.
مسألة قال رحمه الله: "ولا زكاة على أحد في عبده، وخادمه، وفرسه، وداره، ولا ما يتخذ للقنية من الرباع والعروض".

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: وهذا ما لا خلاف فيه أعلمه أن العروض إذا لم يرد بها التجارة فلا زكاة فيها.
والأصل في ذلك أن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية، وهي العين والحرث والماشية.
وهذه الأشياء قد سقط النماء فيها، وليس في أعيانها الزكاة، فلا زكاة فيها.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة".
وقال: "ليس في الخيل والرقيق صدقة".
مسألة قال رحمه الله: "ولا فيما يتخذ للباس من الحلي".
قال القاضي رحمه الله: هذا قول أصحابنا كافة، وقول الشافعي وروى عن مر وعائشة وجابر رضي الله عنهم.
وقال أبو حنيفة: فيه الزكاة.
ورووه عن ابن مسعود وغيره.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "في الرقة ربع العشر".
وقوله: في مائتي درهم خمسة دراهم.
وكل هذه الظواهر تعم الحلي وغيره.
وروى عطاء عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحا من ذهب فقلت يا رسول الله: أكنز هو؟ فقال: "ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكى ليس بكنز".
فأخبر أن ما لم تؤد زكاته [ق/89] فهو كنز.
وروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها، وفي يدي ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب.
فقال لها: "أتعطين زكاة هذا؟ " قالت: لا.
قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيمة بسوار من نار".
وهذا نص فيما قلناه.
وروى حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أن زينب الثقفية امرأة عبد الله سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن لي طوقا فيه عشرون مثقالا

أفأؤدي زكاته؟ قال: "نعم، نصف مثقال" قالت: فإن حجري بني أخ لي يتامى أفأجعله فيهم؟ قال: "نعم".
وروى محمد بن عمرو بن عطاء عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن عائشة قالت: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق.
فقال: "ما هذا يا عائشة؟ " فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله.
قال: "أتؤين زكاتهن" قلت: لا.
قال: "هو حسبك من النار".
ولأنه نصاب من ذهب أو ورق، فأشبه الدراهم والدنانير.
ولأنه مصوغ من ذهب.
دليله: إذا كان للتجارة.
والدلالة على صحة قولنا: أنه مال مقصود للاقتناء وترك التمني على وجه مباح، فوجب ألا تجب فيه الزكاة.
أصله: عروض القنية.
وأيضا فإن المعتبر في وجوب الزكاة هو النماء دون غيره، لأن الزكاة تجب بوجوده وتسقط بعدمه.
ويبين ذلك أن الأموال على ضربين: منه ما تجب في عينه الزكاة كالذهب والفضة، وضرب آخر لا تجب في عينه الزكاة كالعروض.
ثم اتفقنا على أن ما لا تجب في عينه الزكاة إذا قصد به التمني وطلب

الفضل وجبت الزكاة لطلب النماء به، فوجب أن يكون ما يجب في عينه الزكاة إذا عدل به عن طلب النماء على وجه مباح أن تسقط الزكاة فيه.
ورأيت في بض كتب أصحابنا حديثا عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في الحلي زكاة" ولم أره في شيء من كتب الحديث، والله أعلم.
فإذا ثبت ما ذكرناه فالظواهر التي تلوها مخصوصة بما ذكرناه.
وحديث أم سلمة يحتمل أن تكون لبسته لا للتجمل لكن للقنية والدخر.
وكذلك حديث عائشة.
ويحتمل أن يكون ذلك وقت كان النساء منهيات عن لبس الذهب.
ويحتمل أن تكون اعتقدته كالعقدة، وتزينت له بها في بعض الأوقات.
وكل هذه الأخبار قضايا في أعيان لا تحمل إلا وجها واحدا.
وما رووه من حديث المرأة التي كانت في يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب ففيه ما يدل على أن الحلي لم يكن للبس، وذلك أنه قيل فيه أنهما غليظتان، فكأنهما خرجتا عن حد ما يتخذ من الحلي إلى حد ما يتخذ من الأواني، لأن الغرض لم يكن للسرف والتزين به، لأنه لو كان هذا غرضا لاتخذته على نحو ما يتخذه الناس، فدل هذا أيضا على ما قلناه.
وحديث زينب الثقفية فلم يذكر أكثر من أن لها طوقا فيه عشرون مثقالا، ولم يقل أنه للبس، ويحتمل أن تكون اتخذته للبس.

فإن قيل: فقد أطلق، ولم تستفصل.
قيل له: يحتمل على الوجه الذي قلناه بالدليل.
واعتبارهم بالدراهم والدنانير باطل، لأنها لم تنقل عن طلب النماء إلى التجمل والتزين.
وليس كذلك حال اللبس، لأنه معدول به عن طلب التمني.
وكذلك الجواب عن قياسهم على حلي التجارة.
والله أعلم.
فصل فأما حلي التجارة ففيه الزكاة سواء كان مدارا أو غير مدار، ولا أعلم خلافا في ذلك بين أحد من أهل العلم.
فأما حلي الكراء: ففيه روايتان.
إحداهما: أنه لا زكاة فيه.
وهي رواية القاسم، وابن عبد الحكم.
والأخرى: إن فيه الزكاة.
ذكرها ابن الجلاب.
والذي أعرفه أنه قول محمد بن مسلمة فوجه سقوط الزكاة فيه حبس عينه عن طلب النماء والزيادة، فأشبه حلي اللبس والنماء الحاصل عن إجارته لا اعتبار به إذا حبست عينه كالعبيد.
وإذا كانوا للقنية ولهم علة فلا زكاة في أثمانهم.
ووجه إيجاب الزكاة فيه وجوب النماء فيه، فأشبه حلي التجارة.

مسألة قال رحمه الله: "ومن ورث غرضا أو وهب له أو رفع من أرضه زرعا فزكاة فلا زكاة عليه في شيء من ذلك حتى يباع فيستقبل به حولا من يوم قبض ثمنه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: أما إذا ورث عرض أو وهب له فلا زكاة عليه إذا باعه، لأنه لم يحصل علينا في طرفي الحول، وقد قلنا فيما سلف أن الزكاة إنما تجب في أثمان العروض إذا كان أصلها عينا.
وأما الزرع إذا زكاه فلا زكاة عليه إذا باعه حتى يستقبل بثمنه حولا، لأنه العروض الذي لم ينض طرفي الحول.
ولأنه لما زكاه لم يزكه ثانية، لأنه يصير ثمنه فائدة.
والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: "وفيما يخرج من المعدن من ذهب أو فضة الزكاة إذا بلغ وزنه عشرين دينارا أو خمس أواق فضة ففي ذلك ربع العشر يوم خروجه".
وكذلك ما يخرج بعد ذلك متصلا به وإن قل فإن انقطع نيله بيده وابتدأ غيره لم يخرج شيئا حتى يبلغ ما فيه الزكاة.

وفي الركاز وهو دفن الجاهلية الخمس على من أصابه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: أعلم أن المعدن عندنا غير الركاز، لأن الركاز هو دفن الجاهلية، [ق/90] والمعدن هو الموضع الذي نبت فيه الذهب والفضة.
والواجب في الركاز الخمس في قليله وكثيره.
والواجب في المعدن الزكاة يعتبر فيه النصاب في ذهبه وفضته، وكذلك إذا أصيب بتكلف وعمل يلزمه فيه مؤنة وكلفة.
أما ما أصيب بغير مؤنة ولا تكلف عمل ففيه الخمس.
وفي الموضعين فلا اعتبار فيه بحول وإنما يخرج ذلك في وقته.
وعند أبي حنيفة أن المعدن ركاز، وفيه الخمس.
وسواء أخذ بتعب ومؤنة أو بغير ذلك.
وحكمه وحكم دفن الجاهلية واحد، يصرفان مصرفا واحد.
وللشافعي ثلاثة أقوال: المشهور منها أن الواجب في المعدن ربع العشر سواء أخذ بتعب ومؤنة أو بغير تعب ولا مؤنة.
وهذا قول أحمد وإسحاق.
والثاني: مثل قول أبي حنيفة.
والثالث: مثل قولنا.
فالكلام في هذه المسألة من وجوه:

أحدهما: أن المعدن ركاز أم لا؟ والموضع الآخر: هل فيه الخمس أم الزكاة؟ والموضع الآخر: الفرق بين ما يخرج بمؤنة وكلفة، وما يخرج بغير ذلك.
والذي يدل على أنه ليس بركاز: ما رواه مالك عن الزهري عن سعيد، وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العجماء جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس".
ففرق بين اسميهما، فدل ذل على بطلان قول من جعلهما واحد، لأن معناهما لو كان واحدا لم يفرق بينهما، ولكن يقول: وفيه الخمس.
وأيضا فلأن الركاز مأخوذ من أركز الشيء إذا دفنه.
والمعدن عروق أنبتها في الأرض، وليست بوضع آدمي، فوجب ألا تكون ركاز.
والذي يدل على أنه فيه الزكاة دون الخمس قوله صلى الله عليه وسلم: "في الرقة ربع العشر" فعم ولم يخص معدنا من غيره.
وروى مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد من علمائهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية التي في ناحية الفرع، فتلك المعادن لا تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم.

ورواه الدارقطني عن ربيعة عن الحارث بن بلال عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ من معادن القبلية الصدقة.
ولأنه مستفاد من الأرض بكلف ومؤنة لم يملكه غيره، فوجب أن يكون الواجب فيه الزكاة، لا الخمس، كالزرع.
وإنما قلنا: لم يملكه غيره، احترازا من الزكاة.
ولأن الخمس إنما يجب فيما أخذ من أموال الكفار بالسيف على وجه الغنيمة، أو وجده فيئا، أو يوج بغير تعب ولا مشقة ولا تكلف مؤنة، فيجري مجرى ذلك.
فأما المعدن فليس من هذا في شيء إلا أن يكون بدرة وما جرى مجراها.
ولأنه خارج من المعدن بمؤنة وكلفة فوجب ألا خمس فيه كالزئبق وما أشبه.
واستدلال لأبي حنيفة بما رواه عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن جده عن أبي هريرةقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في الركاز الخمس".
قالوا: يا رسول الله وما الركاز؟ قال: "الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت".
وبما رواه عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما يؤخذ في الخرب العادي فقال صلى الله عليه وسلم: "وفي الركاز الخمس".

قالوا: ولأن العرب تقول: ركز المعدن إذا كثر ما فيه من الذهب والفضة.
ودل ذلك على أن أصل الركاز هو المعدن.
قالوا: ولأن الركاز اسم لما غيب في الأرض وأخفى فيها، ومنه قولهم: ركز رمحه في الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿أو تسمع لهم ركزا﴾ يعني: صوتا خفيا.
فلما كان ذهب المعدن خفيا مغيبا في الأرض كان ركازا كما كان المدفون ركازا.
واستدلوا بوجوب الخمس فيه بقول صلى الله عليه وسلم: "المعدن جبار، وفيه وفي الركاز الخمس".
قالوا: ولأنه حق متعلق بالمال مقارن لاستفادته، فوجب أن يكون خمسا.
أصله: خمس الفيء والغنيمة.
قالوا: ولأنه ذهب خارج من المعدن، فوجب أن يخمس.
فالجواب: أن الزيادة التي رووها في حديث عبد الله بن سعيد غير محفوظة من طريق يوثق به، وإنما المحفوظ: "وفي الركاز الخمس" فقط.
على أنه لو صح لكان الجواب عنه أن يقال: إن السؤال إنما صدر عن معرفة حكم الركاز الذي يؤخذ منه الخمس فأجابهم بأنه الذهب والفضة

المخلوقات.
ولم يكن السؤال عن ما الركاز، لأنهم كانوا يعرفونه.
وعلى أنه مخصوص بما ذكرناه.
وحديث عمرو بن شعيب المراد به أن فيما وجد في الخرب من دفن الجاهلية، وما وجد في العمران أيضا الخمس، وإن كان الكل ركاز.
وما قالوه من أنه يقال: أركز المعدن إذا كثر ما فيه من الذهب والفضة فذلك مجاز واتساع وتشبيه بالركاز، لكثرة منفعته وما يؤخذ منه.
يبين ذلك أنهم يقولون في التجارة [ق/91] قد أركزت إذا كثرت منفعتها وفائدتها.
وقولهم: إن الركاز اسم لما خفي في الأرض وغيب فيها: فهو على ما قالوه في بعض ذلك دون بعض، وليس باسم لكل ما أخفى على الإطلاق.
وأما استدلالهم على وجوب الخمس بقوله صلى الله عليه وسلم: وفيه "وفي الركاز الخمس" فمحمول على الندرة، لأن فيها الخمس عندنا.
واعتبارهم بالفيء والغنيمة والركاز باطل، لأنه لم يملك على مشرك، فلم يجب أن يخمس.
أو نقول: إن المعنى في الركاز قلة المؤنة فيه، وليس كذلك المعدن، لأن المؤنة التعب تلحق فيه ما لا يلحق في الركاز، وذلك مؤثر في تخفيف المأخوذ من المال كالعشر ونصف العشر.
وكذلك الجواب عن قياسهم على الندرة.
والله أعلم.

فصل فأما قوله: "إنه تجب الزكاة فيه إذا بلغ النصاب"، فلأن كل مال وجبت فيه الزكاة فلا بد من اعتبار النصاب فيه.
أصله: سائر أصول الزكاة.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون مائتي درهم شيء".
وسائر ما ذكرناه ما الظواهر.
فصل فأما قوله: "إن الزكاة تجب يوم إخراجه من غير اعتبار بحول" فهو قولنا، وأحد قولي الشافعي.
وله قول آخر أنه يعتبر فيه الحول، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة فيمال حتى يحول عليه الحول".
ولأنها فائدة فوجب أن تزكى لحولها كسائر الفوائد.
فالأصل في هذا أنه لما يعتبر الحول في الزرع فكذلك في زكاة المعدن.
والمعنى في ذلك انه مال مستفاد من الأرض تجب فيه الزكاة، وهذا القياس يخص الظاهر الذي أوروده.

واعتبارهم بالفوائد ينتقض على أصلنا- بفائدة الماشية إذا كان عنده نصاب منها، وأفاد إليها دون النصاب فإنها لا تزكي لحولها، بل لحول الأولى.
فإن قالوا: فوجب فيها حول كسائر الفوائد: ينتقض بالزرع.
والله أعلم.
فصل فأما قول: "إذا انقطع نيل معدنه، ثم حدث نيل آخر لم يبن الثاني على الأول في النصاب، بل يستأنف له حكم آخر".
فلأن بناء أحدهما على الآخر مشروط باتصال خروجهما والعمل فيهما، فإذا انقطع أحدهما عن الآخر كان لكل واحد منهما حكم نفسه.
ولا خلاف أن المدة إذا تطاولت بينما فلكل واحد منهما حكم نفسه، فكذلك إذا علم انقطاع اتصالهما.
والله أعلم.

باب الجزية

قال رحمه الله: "وتؤخذ الجزية من رجال أهل الذمة الأحرار البالغين، ولا تؤخذ من نسائهم وصبيانهم وعبيدهم وتؤخذ من المجوس، ومن نصارى العرب".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: والأصل في الجزية قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾.
وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية، وأصحابه بعده، ولا خلاف في ذلك.
فأما قوله: "إنها تؤخذ من أحرارهم البالغين الرجال"، فلقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ إلى قوله: ﴿صاغرون﴾.
فأوجب أخذ الجزية ممن يقاتل، وذلك في الرجال الأحرار، لأن النساء لا يقاتلون.
وكذلك الصبيان والعبيد، ولأنهم مال فهم تبع لمالكهم- أعني: العبيد- وكذلك الصبيان لآبائهم ولا تؤخذ منهم جزية.
وروى أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا

تجري الجزية إلا على من جرت عليه المواسي".
وقال ابن عباس: ليس على النساء جزية وروى عبيد الله عن نافع عن أسلم قال: كتب عمر رضي الله عنه إلى أمراء الجزية: لا تضعوا الجزية إلا على من جرت عليه الماسي، ولا تضعوا على النساء والصبيان.
فصل فأما أخذ الجزية من المجوس فلما رواه مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر- رضوان الله عليه- ذكر المجوس فقال: لا أدري كيف أصنع في أمرهم.
فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
وروى سفيان عن عمر بن دينار عن بجالة قال: أتانا كتاب عمر قبل موته بسنة أن فرقوا بين كل رحم محرم من المجوس، ولم يكن أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر.
وروى هشيم عن داود بن أبي هند عن بشير بن عمرو عن بجالة بن عبده عن ابن عباس قال: جاء رجل من الأسبذيين من أهل البحرين- وهم

جارٍ التحميل