أيضا غير مردود إلى أصل في الطرد، وهو منتقض على أصلنا بزكاة العين؛ لأنه لا عفو فيها بعد النصاب.
على أن ذلك إنما وجب في الماشية؛ لأن المأخوذ منه مختلف غير مقدر، وليس كذلك في الذهب والورق؛ لأنه مقدر بربع العشر.
وكذلك في الحبوب والثمار؛ لأنه مقد بالعشر أو نصفه.
وقولهم: كان يجب أن تختلف النصب باختلاف أجناس الأموال الخارجة من الأرض باطل من وجهين:
أحدهما: أن اختلاف النصب ليس معتبر باختلاف الأجناس؛ لأن نصب الجنس الواحد من المواشي مختلفة مع الاتفاق في الجنس.
والوجه الآخر: أن النصب إنما اختلف لاختلاف القدر المأخوذ من المال.
وليس كذلك في الزرع والثمار؛ لأن القدر فيها معروف غير مختلف؛ وهو العشر أو نصفه.
وقولهم: إن العشر يسقط لعدم الانتفاع بالأرض كالخراج إن أرادوا تلف الأرض فالعلة غير صحيحة؛ لأنه إنما يجب عشر زرع قد حصل، فإذا تلف قبل حصوله فلم يجب؛ فلا معنى لأن يقال: سقط وجوبه.
وإن أرادوا بعدم الانتفاع بالأرض كثرة المؤنة ولزوم نفقة على الزرع أضعاف ما يساوى فإن هذا لا يسقط الزكاة عندنا.
على أن طريق الخراج طريق الأجرة، وطريق الزكاة المواساة؛ فموضوع الأمرين مختلف.
وبالله التوفيق.
فصل
فأما قوله: يالوسق: ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم.
فلا خلاف في ذل أعلمه، وقد وردت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة رضوان الله عليهم بذلك.
وروى عمرو بن مرة عن بي البحتري عن أبي سعيد الخدري، والزهري، وعطاء، والشعبي، وابن سيرين، وإبراهيم، وشريك بن عبد الله القاضي، والحسن بن صالح، وغيرهم.
فصل
"وصاع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد بمده صلى الله عليه وسلم".
ومده رطل وثلث بالبغدادي، هذا قول أصحابنا كافة، والشافعي، وإليه ذهب أبو يوسف لما ناظره مالك رحمه الله بحضرة هارون الرشيد.
وعند أبي حنيفة أن صاع النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية أرطال بالبغدادي.
والذي يدل على ما قلناه: أنه قال أهل المدينة قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر، وخلفا بعد سلف أن صاع النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي ذكرناه.
ومثل هذا النقل لا يجوز عليه الخطأ والغلط، ولا اعتماد الكذب؛ لأن ذلك لا يجوز على بعض عددهم، ولأنه لو حاز ذلك عليهم مع اجتماعهم على نقله لجاز عليهم في تقل القبر والمنبر وما أشبه ذلك حتى كنا نجوز أن يكون قبر النبي صلى الله عليه وسلم هو غير هذا الذي نشير إليه اليوم،
وكذلك منبره.
فلما كان هذا غير جائز عليهم، وكان الذي أمننا من ذلك اجتماعهم على نقله مع امتناع التساعف والتواطؤ واعتماد الكذب على مثل عددهم، فكذلك سبيل نقلهم الصاع والمد.
فإن قيل: لو كان سبيل نقلهم الصاع والمد سبيل نقلهم للقبر والمنبر لم يقع فيه خلاف، ولم يجز أن يختلف النقل؛ فيروي أهل المدينة شيئا ويروى غيرهم خلافه؛ كما لم يجز مثل ذلك في نقل القبر والمنبر.
فلما وجدنا الخلاف واقعا في ذلك علمنا أنه ليس بنقل منهم خلفا عن سلف، وإنما هو تقليد لبعض أسلافهم، أو غير ذلك.
فالجواب: إن هذا غير صحيح؛ وذلك أن وقوع الخلاف في الشيء لا يسقط قيام الحجة به؛ ألا ترى أن قائلا لو قال: إن النقل المتواتر لا يوجب العلم الضروري لأنه لو وجب ذلك لم يقع عليه خلاف في المشاهدات والمحسوسات وغير ذلك من الضرورات.
لقلنا له: إن هذا لا يقدح في موضع الحجة؛ لأن دفع الدافع للأمر الذي قد علمت صحته [ق/75] وقامت الحجة به ترك قبول لا يخرجه عن موجبه؛ فكذلك سبيل نقل أهل المدينة إذا كان نقلا متواترا يحتج بمثله؛ فلم يسقط بورود خلاف فيه لا يجري مجراه.
ومثل هذا نقل المصحف المجتمع عليه، وما ورد من القراءات الشواذ التي تخالفه في أنه لا يعتد بها ولا تؤثر في صحة نقل المصحف؛ فبان
بهذا أن وقوع الخلاف في الشيء لا يؤثر في قيام الحجة له.
فإن قيل: فقد نقل أهل الكوفة وغيهم أن صاع النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية أرطال، فإن اختلفت الروايات لم يكن أحدا أولى من الآخر إلا بضرب من الترجيح.
وقد علمنا أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم صيعان مختلفة؛ فقال ابن عمر: كنا تخرج صدقة الفطر بالصاع الأول.
وقال أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاغ.
والمد: رطلان.
وقال مجاهد: أخرجت إلينا عائشة عسا فقالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بمثل هذا.
فالعس ثمانية أرطال أو تسعة أرطال أو عشرة أرطال.
وإذا صح هذا.
ثم روى عن عمر رضي الله عنه أنه قدر الصاع لإخراج الكفارات ثمانية أرطال بمحضر من الصحابة من غير أن ينكر أحد منهم عليه.
صح أن هذا تقدير صاع النبي صلى الله عليه وسلم.
فالجواب أن هذه الروايات التي ذكروها لا يجوز أن يعارض بها نقل أهل
المدينة؛ لأن أهل المدينة لذلك نقل تواتر متصل منذ كون النبي صلى الله عليه وسلم وإلى زمان مالك رحمه الله، يتداولونه خلفا عن سلف مع شدة حاجتهم إليه في بياعاتهم وأشريتهم ومعاملاتهم وتصرفهم، ولم يكن مما انقطع في وقت من الأوقات، ولا مما ينذر وقوعه فيختلف الحال في نقله.
ونقل الأخبار التي ذكروها نقل آحاد منقطع غير متصل؛ فلم يجز أن يعارض بنقل أهل المدينة الذي وصفه ما ذكرناه.
وهذا مثل ما ذكرناه في أمر المصحف سواء؛ وذلك أن نقل هذا المصحف متواتر مجتمع عليه، وقد علمنا أنه تروى أحاديث بقراءات تخالفه؛ فلا يعترض بها عليه؛ لأن نقله نقل استيفاض وتواتر لا يعترض عليه بأخبار آحاد يجوز في نقلها السهو والغلط واعتماد الكذب.
فأما خبر مجاهد فلا يسوغ التعلق به؛ لأنه لو ورد صريحا أن صاع النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية أرطال لم يقبل إذا كان في مقابلته نقل أهل المدينة؛ فكيف ومجاهد لم يقف على مقداره وإنما حرزه متفاوتا.
وخبر عمر يجوز أن يكون وضعه للتعامل به، لا لوجوب الرجوع إليه في تقدير الشريعة.
ومثل هذا غير ممتنع.
فإن قيل: فقد نقل عن أهل المدينة أن هذا الصاع بقدر صاع النبي صلى الله عليه وسلم وروى يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى أنه قال: عيرنا صاع أهل المدينة فوجدناه يزيد على الحجاجي مكيالا.
وذكر عبد الله بن داود أنه سأل مالكا عن صاعهم الذي في أيديهم ما
أوله فقال: هو تحري عبد الملك بن مروان.
قيل له: أما نقلهم أن هذا قدر صاعه فليس فيه ما يوجب الخلاف؛ لأنه لا فضل بين أن يقولوا: هذا صاعه وهذا قدر صاعه إذا كان ذلك نقلا متواترا متصلا.
وما رووه عن ابن أبي ليلى فطريقه ضعيف.
على أنه روى خلافه عن إبراهيم، وإنه قال: القفيز الحجاجي هو الصاع.
وروى عن موسى بن طلحة قال: الحجاجي هو صاع عمرن وما زكروه عن مالك لا أصل له.
لا يحتج بنقل أهل المدينة خلفا عن سلف عن عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى وقته أن هذا هو الصاع؛ فكيف يقول من بعد أن هذا تحري عبد الملك ابن مروان؟
وقال لما كلمه أبو يوسف بحضرة الرشيد: هذا صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقله الخلف عن السلف، ثم استدعى أهل الأسواق فكلهم يقولون: حدثنا أبي عن جدي أن هذا صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذكر إسحاق بن سليمان الرازي فقال: قلت لمالك: يا أبا عبد الله خالفت شيخ القوم.
قال: من قلت: أبو حنيفة يقول: ثمانية آصع.
فقال مالك: ما يحفظون في هذه؟ فقال أحدهم: حدثني أبي عن أبيه أنه كان يؤدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الصاع.
وقال الآخر: حدثني أبي عن أمه أنها أدت بهذا الصاع
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال مالك ما معناه: أبلغه أن الأمر بخلاف ما قال.
فبان بهذه الجملة بطلان ما حكوه عن مالك في هذا.
والله أعلم.
فصل
فأما قوله: "إنه ستة أفقزه وربع قفيز".
يعني: كيل الخمسة الأوسق، فلا أعرف بأي مكيلة أراد؛ لأن هذه المكيلة غير معروفة عندنا، ولا بالعراق أصلا.
ويجوز أن يكون أراد بقفيز المغرب والأندلس، بل هذا مراده لا محالة؛ لأني رأيت ابن حبيب ذكر أن الخمسة الأوسق ثلاثون قفيزا بالقفيز القرطبي.
والجملة لا خلاف في مقدارها.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: "ويجمع القمح والشعير والسلق في الزكاة، فإذا اجتمع من جميعهم خمسة أوسق فليزك ذلك.
وكذل تجمع [أصناف] القطنية، وكذلك تجمع أصناف التمر،
وكذلك أصناف الزبيب والأرز.
والدخن والذرة كل واحد صنف لا [ينضم] إلى الآخر في الزكاة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله:
أما الجمع بين القمح والشعير والسلت في الزكاةفهو قول كافة أصحابنا، وروي ذلك عن الحسن وعكرمة وطاوس والزهري.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجمع شيء من ذلك إلى غيره.
والكلام في هذه المسألة في موضعين:
أحدهما: أن ندل على منع التفاضل بين القمح والشعير، وإذا ثبت ذلك فلا قول إلا قولنا.
والآخر: أن ندل على وجوب ضم أحدهما إلى الآخر.
والدلالة على جوب الضم في قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر".
وقوله لمعاذ: "خذ الحب من الحب".
وكل هذا عموم في قليل هذا وكثيره.
فإن قيل: هذا كله عموم يخصه قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمسة
أوسق صدقة".
قيل له: أيضا هذا دليلنا؛ لأن يوجب الصدقة في الخمسة الأوسق من أي جنس كانت؛ لأن مفهوم في مقابلة النطق عاما؛ كذلك دليله ومفهومه.
فإن قيل: فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الصدقة من أربعة: القمح، والشعير، والزبيب، التمر، ولا زكاة في كل جنس منها حتى يبلغ خمسة أوسق".
ذكر هذا الحديث أبو الحسن الطبري في مسائله، وقال: أو كلمة كان معناها.
وذكر أن بعض شيوخه ذكر هذا الحديث.
وهذا غير محفوظ ولا معروف في شيء من كتب الحديث.
على أنه منقول على المعنى دون اللفظ.
وإذا قلنا: إن الحنطة والشعير كالجنس الواحد قلنا بموجب الخبر.
ولا يبقى لهم إلا أن يقولوا: لما أفرد كل واحد منهما باسم وجب بذلك كونهما أجناسا.
وليس الأمر كذلك عندنا لما سنذكره.
ويحتمل أن يكون معناه: إذا انفرد عما ينضم إليه.
ويدل على ما قلناه أيضا: أن هذه المسألة مبينة على معنى التفاضل بين الحنطة والشعير، فإن سلم ذلك صح ما قلناه، وإن لم يسلم دللنا عليه بما
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الطعام بالطعام ربا، إلا يدا بيد مثلا بمثل".
فعم، ولم يخص.
فإن قيل: المراد بها البر؛ لأنه قد فسر في حديث آخر؛ فقال: "البر بالبر مثلا بمثل".
قيل له: هذا ذلك بعض ما شمله عموم خبرنا؛ فلا يعترض عليه به، ولا له دليل خطاب فيخصه.
فإن قيل: إن الشعير لا يتناوله اسم طعام على الإطلاق؛ لأن ذلك مختص بالحنطة.
قيل له: هذا غير صحيح؛ لأن الطعام اسم عام يدخل تحته جميع أنواعه، وإن اختص كل واحد منها باسم؛ مثل: الحنطة، والشعير، وما أشبه ذلك.
ويبين ذلك أن قائلا لو قال: والله لا أكلت طعاما فأكل شعيرا لحنث.
وكذلك لو قال: ما أكلت طعاما وكان قد أكل شعيرا لكان كاذبا.
ولو قال: والله ما أكلت حنطة وكان قد أكل شعيرا لكان كاذبا.
ولو قال: والله ما أكلت حنطة وكا قد أكل شعيرا لم يكن كاذبا.
فبان بذلك بطلان ما ذكروه.
ويوضح ما قلناه ما روى أن معمر بن عبد الله منع غلامه أن يأخذ من
السلت أكثر من الحنطة، وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل"، وكان طعامنا يومئذ الشعير.
واحتج الصحابي بمنع التفاضل بين الحنطة والشعير بهذا الخبر، وعقل من قوله صلى الله عليه وسلم: "الطعام بالطعام" وأنه يتناول الشعير كي يبين ذلك بقوله: وكان طعامنا يومئذ الشعير.
وهذا بين فيما قلناه.
وأيضا فقد ذكر أصحابنا أن هذا إجماع الصحابة؛ لأنه مروى عن عمر ابن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، ومعمر بن عبد الله، وعبد الرحمن ابن عبد يغوث، ومعيقب الدوسي، ولا مخالف لهم نعرفه.
وأيضا فإن منافعهما متقاربة، وأغراض الناس فيها غير متفاوتة، وهما مجتمعان في المنبت والمحصر؛ فوجب أن يكون حكمهما واحد في الضم ومنع التفاضل؛ كالعلس مع الحنطة، والسلت مع الشعير.
فإن قيل: إن العلس هو حنطة، والسلت هو شعير فالاسم جار عليهما والحنطة لا تسمى شعيرا.
فإن قيل: هذا غلط؛ لأن العلس مخالفا للحنطة في الخلقة والصورة والطعم، وكذلك السلت مخالفا للشعير؛ فبطل بهذا أن يكون العلس حنطة، وثبت بهذا أن حكمه حكمها؛ لكونه غير منفكة منه.
واحتج من قال بأن قال: لأنهما جنسان؛ بدلالة تباين منافعهما وأسمائهما؛ فلم يجب ضم أحدهما إلى الآخر كالتمر والأرز، والحنطة والزبيب.
والجواب: إن افتراقهما في الأسماء لا يمنع من وجوب الضم؛ فلا يوجب كونهما جنسين كالضأن والمعز، والشعير والسلت؛ فبطل ما اعتبروه.
وما ادعوه من تباين المنافع فيهما متقاربة، وهذا موضع، وإنما الذي تتباين منافعه: التمر والأرز، والحمص والزبيب.
هذا هو الذي تختلف منافعه وتتباين تباينا شديدا.
فأما الحنطة والشعير فمنافعهما متقاربة غير متباينة.
قالوا: ولأنه قوت منفرد باسمه لا يرجع إلى الآخر بحكم النوع؛ فأشب البر والأرز، وهذا يبطل بالعلس والحنطة.
ولو ادعوا رجوعه إليه بحم النوع لم نسلمه إلا على الوجه الذي يقتضي رجوع الشعير إلى البر بهذا المعنى.
قالوا: ويروى أن النبي [ق/77] صلى الله عليه وسلم قال: "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، والشعير بالشعير مثلا بمثل، والتمر بالتمر مثلا بمثل".
فأفرد كل واحد من هذه الأجناس باسمه، فدل ذلك على أن لكل واحد منهما حكم نفسه، ولو كان الشعير والبر جنسا واحدا لكان يكفي في ذلك أن ينص على أحدهما.
فالجواب: أنه لو ذكر الحنطة باسمها الأعم لكان يلزم ما ذكروه، فأما إذا ذكروه باسمها الأخص فلا يعقل من ذلك الشعير؛ لأنه لا يطلق عليه اسم حنطة؛ كما إذا ذكر الضأن باسمها الأخص لم يتناول المعز.
والله أعلم.
فصل
وأما القطنية فإما وجب ضم بعضها إلى بعض لهذا المعنى أيضا؛ وهو تقارب منافعها وأغراض الناس فيها.
وليس كذلك سائر الحبوب؛ لأن منفعة الدخن غير منفعة الأرز، وأغراض الناس فيها متفاوتة؛ فلم يكن كالقطاني.
مسألة
قال رحمه الله: "وإذا كان في الحائط أصناف من التمر أدى الزكاة عن الجميع من وسطة".
[ق/76] قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: هذا لأنه نظر لأرباب المال والفقراء؛ لأنا إن ألزمنا أن يؤدي الزكاة من أعلاه أضررنا به، وإن أمرنا يخرجنا من أدناه أضررنا بالفقراء، فكان العدول والنظر أن يخرج من الوسط.
ومن أصحابنا من قال: يخرج من كل واحد بقدره.
قال: لأن الوجوب لما كان جاريا على الجميع وجب أن يؤخذ من كل صنف بقدر ما يخصه، وأحسب أنه رواه أشهب عن مالك رحمه الله، وهو قول محتمل، والأول أظهر.
مسألة
قال رحمه الله: "ويزكى الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق أخرج من زيته.
ويخرج من [الجلجلان] وحب الفجل من زيته.
فإن باع ذلك أجزأه أن يخرج من ثمنه إن شاء الله".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله: أما وجوب الزكاة في الزيتون فهو قولنا، وقول أبي حنيفة.
وللشافعي قولان:
أحدهما: إن فيه الزكاة.
والآخر: إن لا زكاة فيه.
واستدل أصحابه على خلافنا بقول صلى الله عليه وسلم:
"ليس في الخضروات صدقة"؛ فعم ولم يخص.
وقوله لمعاذ: لا تأخذه الصدقة إلا من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب.
ولأنه لا يقتان؛ فأشبه التين.
والدلالة على صحة قولنا:
قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾؛ فعم.
وقوله: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ ولم يخص.
والحق: هو زكاته.
وقوله النبي صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر" فعم.
وقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
ورواه أصحابنا عن عمر، وابن عباس.
ولأنه حب يقتات زيته غالبا؛ فوجب أن تجب فيه الزكاة.
أصله: السمسم.
ولأن الزكاة لما وجبت في الحمص واللوبيا، وكان الزيتون أعم منفعة
في باب الأقوات كان بأن تجب فيه الزكاة أولى.
فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس في الخضروات صدقة"، فلا يتناول الزيتون من حيث لم يتناوله الرطب وغيره، لأن اسم الخضروات يتناول البقول والبصل، فأما لثمار فله اسم أخص بها.
وما رووه من حديث معاذ غير محفوظ على الوجه الذي ذكروه، على أنه مرتب على ما قلناه.
واعتبارهم بالتين عنه أجوبة:
أحدهما: أنا لا نسلمه؛ لأنه من قول جماعة من أصحابنا فيه الزكاة؛ منهم: عبد الملك بن حبيب وغيره.
وأظنه قد روى عن مالك.
والثاني: أنا لا نسلم وصف العلة؛ لأن الزيتون يقتات زيته في الغالب؛ فسقط ما قالوه.
فصل
فأما قوله: يخرج من زيته.
وكذلك السمسم، وحب الفجل؛ فلأن الزكاة إنما تؤخذ منه إذا تناهى وصار إلى حد يقتان.
ونهايته هو أن يصير زيتا لأن اقتياته هو في هذه الحال؛ كما أن زكاة الرطب إذا صار تمرا، والعنب إذا صار زبيبا؛ لأن اقتياتهما هو في هذه الحال.
فما بيع من ذلك جاز أن يخرج من ثمنه، على اختلاف في ذلك؛ أن ابن القاسم قال: لا يجوز أن يخرج من ثمنه.
وهو أقيس على الأصول؛ اعتبارا بالزكاة كلها.
مسألة
قال رحمه الله: "ولا زكاة في الفواكه والخضر".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: هذا قول أصحابنا كافة، وروى عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، ومن التابعين عن المشيخة السبعة، وعطاء، ومجاهد، والشعبي، والحسن، ومكحول، وربيعة رضي الله عنهم.
ومن الفقهاء: الشافعي، والأوزاعي رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة- رحمه الله: تجب الزكاة في جميع ذلك بقوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ فعم.
ولقوله: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾.
ولا حق فيه سوى الزكاة.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر".
ولأنه زرع يطلق بزراعته نماء الأرض في العادة؛ فأشبه الزرع المقتات.
ولأنه تجب في جنس المال لا تتكرر؛ فوجب ألا يختص به الجنس؛ اعتبارا لخمس الغنيمة.
والدلالة على صحة قولنا:
ما روى علي وطلحة ومعاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس في الخضروات صدقة".
وروى محمد بن عبد الله بن جحش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث [ق/78] معاذا إلى اليمين قال له: "ليس في الخضروات صدقة".
وروى سفيان الثوري عن طلحة بن يحيى عن أبي بردة عن أبي موسى
ومعاذ بن جبل حين بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم ألا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر.
وقال معاذ: فأما البطيخ والقثاء والخضروات معفو عفا الله عنه.
قالت عائشة رضي الله عنها: جرت السنة ألا زكاة في الخضروات.
وأيضا فقد كانت هذه الخضروات موجودة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه فلم يأخذ منها شيئا، ولا أحد من الخلفاء بعده.
فإن قيل: يجب أن ينقلوا أنه لم يأخذ، ولم يكتفوا بأنه لم ينقل أنه أخذ؛ لأنه قد يفعل أشياء لا تنقل قيل له: القدر الذي ذكرناه كاف؛ لأن الزكاة أصل من أصول الدين، وركن من أركان الإسلام، والعادة قد جرت بنقل ما يأخذه عليه السلام من الزكوات وما يظهر من قول أو فعل في ذلك.
ألا ترى أنهم قد نقلوا أخذ الزكاة من الذهب والحنطة والتمر وغير ذلك، فلما لم يره نقل عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الخلفاء بعده أنه أخذ من الخضروات شيئا؛ علمنا بذلك أنه لم يأخذ منها شيئا.
ولأنه نبت لا يقتات؛ فأشبه الحشيش والقصب والحطب.
ولأنه جنس من المال لا يعتبر النصاب في ابتدائه؛ فلم يجب فيه عشر.
أصله: الحطب.
وتفرض المسألة في العدد اليسير من التفاح والقثاء؛ كالثلاثة والأربعة؛ فتقول: لأنه أضعف عن احتمال المواساة.
فأما قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ فعام يخصه ما ذكرناه.
وقوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ لا دلالة فيه؛ لأنه لا يتناول ما
تنازعناه؛ لأنه قال: "يوم حصاده"، وذلك منصرف إلى ما يحصد غالبا، فأما الفواكه والخضروات والبقول فلا يقال فيها حصدت.
على أنه مخصوص بما ذكرناه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر" عنه جوابان.
أحدهما: أنا قد روينا فيه زيادة؛ وهي قوله: "إذا بلغ خمسة أوسق"؛ فعلم أنه أراد به ما يكال أو يوصف، وذلك معدوم في البقول والخضر.
والآخر: أنه مخصوص بقوله: "ليس في الخضروات صدقة"، وما ذكرناه من تركه أخذ الصدقة منها.
فإن قالوا: خبرنا متفق على استعمال بعضه؛ وهو الزرع والنخل والكرم.
قلنا: وخبرنا أيضا متفق على استعمال بعضه؛ وهو الحشيش والقصب.
واعتبارهم بالزروع المقتاتة ينتقض بالحطب.
والخلاف على أن المعنى في ذلك أنه يقتان مع الاختيار، وليس كذلك الخضروات.
وقياسهم عىل الخمس باطل؛ لأنه لا تسلم له عبارة عن الحكم؛ لأنهم إن قالوا: فوجب ألا يختص ببعض الجنس لم يصح؛ لأن الحشيش والقصب والرطبة لا عشر فيها، وهي من الحشيش.
على أن المعنى في الخمس أنه لا يختص ببعض الماشية؛ ففارق الزكاة.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: "ولا زكاة من الذهب في أقل من عشرين دينارا، فإذا بلغت عشرين دينارا ففيها نصف دينار [وهو] ربع العشر، فما زاد فبحساب ذلك وإن قل.
ولا زكاة من الفضة في أقل من مائتي درهم؛ وذلك خمس أواق، والأوقية: أربعون درهما من وزن سبعة- أعنى أن [كل سبعة] دنانير وزنا عشرة دراهم- فإذا بلغت من هذه الدراهم مائتي درهم ففيها [ربع] عشرها خمسة دراهم، فلما زاد فبحساب ذلك".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله-: أما إيجاب الزكاة في الفضة والذهب فقد ذكرناه فيما أوردنا من الآية والأخبار، وما نقلناه من إجماع الأمة، وذلك مغن عن إعادته ها هنا.
وأما قوله: ولا زكاة فيما دون عشرين دينارا من الذهب، وأن فيا نصف دينار، وأن لا زكاة في أقل من مائتي درهم من الفضة، وأن فيها خمسة دراهم: فلا خلاف في هذه الجملة مع تواتر الأخبار على هذا الشرح.
وروى مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبي عن أبي سعيد الخدري
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمسة أواق صدقة".
وروى مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة".
وروى أبو إسحاق عن عاصم، والحارث عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس عليك شيء حتى يكون لك عشرين دينارا، فأما إذا كانت عشرين وقد حال عليها الحول ففيها نصف دينار".
وروى القاضي إسماعيل بن إسحاق حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في تسعين ومائة درهم شيء، فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم".
وروى ابن وهب عن جرير بن حازم، والحارث بن نبهان عن الحسن بن عمارة عن إسحاق عن عاصم، والحارث عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما درهم، وليس عليك شيء حتى تكون مائتي درهم؛ ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينار؛ ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك".
وروى الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن في كل خمسة أواق من الورق خمسة دراهم، وفي كل أربعين دينارا دينار.
وقال صلى الله عليه وسلم: "في الرقة ربع العشر".
واختلف الناس في اسم الرقة هل هو الذهب والفضة، أم يخص الفضة دون الذب.
فأي ذلك كان ففيه دلالة على مسألتنا.
وهذه [ق/79] جملة كافية في هذا الفصل.
وحكى عن الحسن البصري أنه لا زكاة في الذهب حتى يكون أربعين دينارا فيكون فيها دينار.
وهذا فاسد بما قدمناه من نصه صلى الله عليه وسلم في العشرين دينارا نصف الدينار.
وبالله التوفيق.
فصل
وما زاد على العشرين أو المائتي درهم فبحساب ذلك- قل أم كثر- فهو قول أصحابنا كافة، وروى عن علي بن أبي طالب ويحيى بن سعيد وعمر ابن عبد العزيز، وقال المشيخة السبعة.
وقال أبو حنيفة- رضي الله عنه-: لا شيء في الزائد حتى يكون
أربعين درهما؛ فيكون فيها درهم، ولا فيما زاد على العشرين حتى يكون أربعين دنانير.
واستدل عنه بما رواه يونس بن بكير عن أبي إسحاق عن المنهال بن الجراح عن حبيب بن يحيى، وعبادة بن نسى عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر حين وجهه إلى اليمين ألا يأخذ من الكسور شيئا؛ إذا بلغ الورق مائتي درهم أخذ منا خمسة دراهم، ولا يأخذ مما زاد حتى يبلغ أربعين درهما.
وروى أبو إدريس عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيهما عن جدهما أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: "فإذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم؛ في كل أربعين درهما درهم، وليس فيما دون أربعين صدقة".
وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما درهم، وليس فيما زاد على المائتين شيء".
ولأن كل مال له نصاب في الابتداء وجب إثبات عفو فيه بعد النصاب.
أصله: المواشي.
والدلالة على ما قلناه: عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "في الرقة ربع العشر".
وقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة".
مفهومه: إيجاب الصدقة فيها، وفيما زاد عليها.
وروى ابن وهب قال: أخبرني جرير بن حازم، والحارث بن نبهان عن الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة، والحارث بن عبد الله الأعور عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هاتوا ربع العشور؛ في كل أربعين درهما درهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك مائتي درهم؛ ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينارا؛ ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك".
وهذا نص في موضع الخلاف.
ولأنها زيادة على نصاب في ذهب أو ورق يمكن إخراج ربع عشرها من غير مشقة.
دليله: الأربعون درهما، والأربعة دنانير.
ولأنه جنس تحب الزكاة في عينه وعلى متلفه مثله؛ فلم يكن فيه عفو بعد الإيجاب الأول.
أصله: الحبوب والثمار.
وإنما قيدناها احتزازا من المواشي.
أو لأنه مال يحتمل التجزئة والتبعيض؛ فأشبه الحبوب والثمار. فأما حديث معاذ: فقد تكلم الناس في روايته وقالوا: إنه من رواية المنهال بن الجرح؛ وهو متروك الحديث، وأن عبادة لم يسمع من معاذ. على أن الخبر لا دلالة فيه على ألا شيء فيما دون الأربعين الزائدة، وإنما يدل على أن معاذا لم يأمر بأخذه. وذلك يحتمل أن يكون لكونه عفوا، ويحتمل أن يكون لأن معاذا لم يولي ذلك، لا لأنه لا زكاة فيها. وأيضا فإنا نحمله على أنه أراد ألا يأخذ منه درهما حتى يكون أربعين، بدلالة ما ذكرناه. وما رواه من حديث عمرو بن حزم: "ليس فيما دون أربعين صدقة". فليس بثابت عن أصحاب الحديث. على أنه لو صح لكان معناه: صدقة هي أربعة دنانير. وما رووه من حديث علي- رضوان الله عليه فقد ذكرناه فيه زيادة؛ وهي قوله: "فما زاد فبحساب ذلك"، ويؤيده أن هذا مذهب علي- رضوان الله عليه- وهو راوي الحديث. وقياسهم ينتقض- على أصلنا- بزكاة الحبوب والثمار؛ لأن لها نصابا في الابتداء، ولا عفو فيها بعد ذلك. وأيضا فإن المواشي تفارق الذهب والفضة؛ لأن في إيجاب ذلك في الوقص ما أوجبنا في النصاب إجحاف برب المال، وفي إيجاب الجزء إضرار (1)
(1) كلمة لم أتبينها بالأصل وتشبه [النسو].
المشاركة.
وهذا المعنى معدوم في الذهب والفضة؛ لاحتماله التجزئة والقسمة؛ فلم بمثابته.
والله أعلم
فصل
فأما قوله: "والأوقية: أربعون درهما".
فهذا مما لا خلاف فيه؛ لأن الأوقية التي عناها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة".
أنها أربعون درهما، وأن الخمس الأواقي مائتي درهم.
وكذلك فرق بين المثقال درهم وثلاثة أسباع الدرهم، ول سبعة مثاقيل عشرة دراهم وهذا ما لا خلاف فيه.
مسألة
قال رحمه الله: "ويجمع الذهب والفضة في الزكاة؛ فمن له مائة درهم وعشرة دنانير فليخرج من كل مال ربعٌ عشره".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: أعلم أن الجمع بين الفضة والذهب في الجملة هو قولنا، وقول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: لا يجمع بينهما.
واستدل عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة".
وقوله: ليس فيما دون مائتي درهم شيء.
وقوله: لا شيء في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالا.
فنص على سقوط الزكاة فيها إذا نقصوا عن قدر النصاب، ولم يفرق بين أن يكونا منفردين أو مجتمعين.
ولأنهما جنسان مختلفا النصب يجوز التفاضل في بيعها؛ فلم يضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة؛ كالإبل والبقر، [ق/80] والزبيب والتمر.
ولأنه من الورق لما قصر عن النصاب؛ فلا زكاة عليه في عينه.
أصله: إذا انفرد به.
ولأن كل نوع من المال تجب عليه الزكاة في عينه؛ فلم يجز أن يضم إلى نوع آخر.
أصله: البقر والغنم.
والدلالة على ما قلناه: قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾.
والمراد بالإنفاق هاهنا: الزكاة، فتوعد من اجتمعا عنده ولم يخرج
زكاتهما، ولم يخص.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "الرقة ربع العشر".
والرقة: إما أن تكون اسما للذهب والفضة أو لأحدهما.
وأي ذلك كان فعموم الخبر يتناوله.
ولأنهما متفقان في المعنى المقصود بها، ولك واحد منهما يسد مسد الآخر وينوب منابه من كونهما ثمنا للأشياء وقيما للم.
وإذا كان كذلك وجب ضمها في الزكاة؛ اعتبارا بأنواع الذهب وأنواع الفضة، ويتبرها ومضروبها.
فإن قيل: إنما وجب ذلك؛ لأنها جنس واحد.
قيل له: وهما جنس واحد في أنها رقة؛ فالرقة اسم للذهب والفضة، وعلى ما يحكيه أصحابنا عن أهل اللغة.
فإن قيل: إنما وجب ضمهما؛ لاتفاقهما في النصاب.
قيل له: فيجب أن نضم الحنطة إلى الشعير وإلى الذرة والدخن؛ لاتفاقهما في النصاب.
فإن قيل: لما اختلف أسماؤها الأعمة دل ذلك على اختلاف أجناسها.
ولا يلزم- على هذا- ضم الضأن إلى المعز، والبخت إلى العراب؛ لأن الاسم الأعم يجمعهما؛ وهو اسم الإبل والغنم.
قيل: ينتقض بالزبيب والقشمش، والجواميس والبقر؛ لأنهما غير مجتمعين في اسم أعم يجمعهما جنسيه.
ومع ذلك فإنهما مجتمعان في الزكاة؛ فعلم أن المعنى في ذلك ما قلناه من اتفاق المنافع وتقاربها دون اتفاق الأسماء واختلافها
وأيض فقد اتفقنا على أنه إذا كان مائة درهم وعرض يساوي مائة درهم ضمه إلى المائة وزكى الجميع إذا كان مدبرا كان أدنى أحوال الذهب أن يكون كالعرض؛ فيقومه ويضمه إلى ما معه من الورق.
والمعنى في ذلك قيام الذهب مقام قيمة العرض.
فأما الظواهر التي ذكروها فمخصوصة بما ذكرناه.
وقياسهم على البقر لا معنى له؛ لأن إيجاب الضم يتعلق باتفاق المنافع أو تفاوتها كالجواميس والبقر، والزبيب والقشمش.
وهذه حال الذهب والفضة؛ لأن أغراض الناس فيها متساوية، وكل واحد منها ينوب مناب صاحبه فيما يراد له؛ لأنها يرادان للتعامل في الإثمان والقيم؛ فليس كذلك حال الإبل، ولا حال التمر والزبيب؛ فافترقا لهذا المعنى.
وعلى أن اختلاف النصب لا يؤثر في سقوط الضم؛ ألا ترى أن الحبوب والثمار متفقة في النصب، ولا يجوز ضم صنف منها إلى غير صنفه.
واعتبارهم بالمنفرد باطل إذا كان معه عرض يساوي تمام النصاب.
ثم
المعنى فيه أنه ليس معه ما يتم به النصاب مما يجري مجراه.
وبالله التوفيق.
والقياس الآخر قد أجبنا عنه.
فصل
قال القاضي رحمه الله: ووجه الجمع بينهما أن يعدل المثقال بعشرة دراهم؛ فإذا كانت مائة درهم وعشرة دنانير ضمهما، وإن كانت معه مائة درهم وتسعة دنانير تساوي مائة لم يضمهما.
هذا قول أصحابنا.
وقال أبو حنيفة: يجمع بينهما بالقيمة؛ فمن له مائة درهم وخمسة دنانير تساوي مائة درهم لزمته الزكاة.
قالوا: لأنه لما ضمت عروض التجارة بالقيمة؛ فكذلك ضم الذهب إلى الفضة.
والأصل في هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام المائتي درهم بإزاء عشرين دينارا.
فإذا صح ذلك كان ملك المائة بإزاء ملك العشرة، وليس في هذا إلا تعديل المثقال بإزاء العشرة دراهم؛ فلذلك وجب اعتباره به.
فأما عروض التجارة فإنما ضمت بالقيمة؛ لأنه ليس في أعيانها زكاة، وإنما الزكاة في أثمانها وقيمتها.
وليس كذلك الذهب والفضة.
فصل
فأما قوله: أن يخرج من كل واحد ربع عشره؛ فلأن الزكاة إنما وجبت في المائتين؛ فوجب إخراجها منهما.
فأما إخراج الفضة عن الذهب والذهب عن الفضة بالقيمة فإنه جائز عندنا.
وكيف وجه إخراجها: مختلفون فيه على وجهين.
وليس منم من يقول: إنه يخرج أحدهما عن الآخر بدون القيمة على حساب الدينار بعشرة دراهم بل كلهم قال: يخرجها بالقيمة.
فإن قيل: هلا قلتم: إنه يخرجها بالأجزاء دون القيمة؛ لأجل أن إخراج أحدهما عن الآخر معنى يقوم فيه مقام في الشرع؛ فوجب أن يعتبر فيه الدينار بعشرة دراهم؟
أصله: التعديل في وجوب الضم.
قيل لهم: التعديل في الجمع أصل مقرر من تقييد صاحب الشرع، ليس طريقه طريق المعاوضة؛ فلذلك لم تعتبر فيه سواء قيمه الشرع، وفي مسألتنا فإنما قلنا: إنه يخرجه بالقيمة؛ لأنه معاوضة؛ لأنه بيع أحدهما بالآخر؛ فوجب أن تراعى فيه القيمة؛ لأنه يبيعها للمساكين.
ثم هل يعتبر فيه حد ما، أو بالقيمة بالغة ما بلغت؟
اختلف أصحابنا؛ فقال ابن المواز: بالقيمة زادت أو نقصت.
وقال عبد الملك [ق/81] بن حبيب: يخرجها بالقيمة ما لم تنقص
عن قيمة المثقال بعشرة دراهم، فإن نقصت تم النقصان.
فإن زادت فبالقيمة بالغة ما بلغت الزيادة.
فوجه قول ابن المواز هو أنه بيع ذهب بفضة لا يراعى حد في زيادته؛ فكذلك لا يراعى في نقصانه.
دليله: في غير الزكاة.
ووجه قول ابن حبيب هو أن الأصل أن يخرج من كل واحد من المالين بالقسط، وإنما أخرجنا من أحدهما عن الآخر إذا كان فيه نظر المساكين واحتياط لهم.
فإذا زاد خرجت الزيادة؛ لأن في ذلك حظا لهم، وإذا نقص عن قدر الآخر لم ينتقصوا.
والله أعلم.
مسألة
قال رحمه الله: "ولا زكاة في العروض حتى تكون للتجارة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله-: إنما قال ذلك؛ لأن الأجناس التي تجب في أعيانها الزكاة هي العين والحرث والماشية، دون غيرها من الأشياء.
والدلالة على ذلك: ما رواه مالك عن عبد الله بن دينار عن سليمان
ابن يسار عن عراك بن مالك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقه".
وروى مكحول عن عراك بن مالك عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في الخيل والرقيق زكاة، إلا أن زكاة الفطر في الرقيق".
وروى أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة".
ولا خلاف في أنه لا زكاة فيها إذا لم يرد بها التجارة.
فصل
فأما إذا أريد بها التجارة ففيها الزكاة عندنا، وعند أبي حنيفة والشافعي وذهب إلى أنه لا زكاة فيها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "عفوت عنكم عن صدقة الخيل والرقيق".
فعم، ولم يخص.
وقوله: "ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة".
وقوله: "ليس في الخيل والرقيق زكاة، إلا أن زكاة الفطر في الرقيق".
فاستثنى الزكاة الواجبة في الرقيق- وهي الفطر؛ لأن التصرف في
العروض قد كان ظاهرا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل أنه أخذ منها زكاة.
ولأنه أمر بذلك في جملة ما أمر بأخذ الزكاة منه.
ولأنه عرض لا تجب الزكاة في عينه؛ فلم تجب في قيمته.
أصله: إذا لم يكن للتجارة.
ولأن الزكاة تجب في الأعيان لا في القيم؛ اعتبارا بالأصول كلها من المواشي النواض.
والأصل فيما قلناه: قوله عز وجل: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾؛ فعم، ولم يخص.
وروى سمرة بن جندب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع.
وروى أصحابنا عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "أد زكاة البر".
ولأنه مال مرصد للنماء والزيادة؛ فأشبه الذهب والفضة.
ولأن الزكاة إنما وجبت في الدراهم والدنانير؛ لأنها مرصدة للنماء، ولا يجوز أن يكون التصرف فيها بما ينميها هو السبب في إسقاط الزكاة عنها.
وإذا بثت هذا فقوله صلى الله عليه وسلم: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق"
معناه زكاة العين دون القيمة؛ بدلالة ما ذكرناه.
وقوله: "ليس على الملم في عبده ولا فرسه صدقة" مفهومة العبد المحترم، والفرس المعد للروب.
ومثل هذا لا صدقة فيه.
وقوله: "ليس في الخيل والرقيق زكاة" معناه إذا لم يرد بها التجارة، أو ليس في أعيانها زكاة.
وقولهم لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أخذ منها زكاة ولا أمر بذل باطل بما رويناه من أمره صلى الله عليه وسلم سمرة بن جندب وأبي ذر وغيرهما.
واعتبارهم بما ليس للتجارة باطل؛ لأن المعنى في ذلك أنه غير مرصد للنماء.
وقولهم: إن الزكاة تجب في العين لا في القيمة دعوى، وهل الخلاف ألا في هذا؛ لأنا نقول: إن الزكاة تجب في العين مرة، وفي القيمة مرة أخرى.
والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: "فإذا بعتها بعد حول [فأكثر] من يوم أخذت ثمنها أو [زكيت] ففي ثمنها الزكاة لحول واحد أقامت قبل البيع حولا أو أكثر، إلا أن تكون مديرا لا تستقر بيدك عين ولا عرض؛ فإنك تقوم
عروضك كل عام، وتزكى ذلك مع ما بيد من العين".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: إذا كان للرجل عروض التجارة، ولم يكن مديرا تمكث عنده حولا أو أحوالا، فإنه إذا باعها زكى أثمانها لسنة واحدة.
وقال محمد بن الحسن عن أبي حنيفة- رحمهما الله- عليه أن يزكي أثمانها لما مضى من السنين، فإذا نقصت أثمانها مما تجب فيه الزكاة لم يكن عليه زكاة.
وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا لم يبعها وبقيت عنده أحوالا قومها في كل سنة، وأدى زكاتها واستدلوا بما رواه محمد بن سعيد عن أبي عمر بن حماس عن أبيه يبيع الجلود والقرون، فإذا فرغ من بيعها اشترى مثلها؛ فلا يجتمع عنده أبدا ما تجب فيه الزكاة.
فمر به عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- وعليه جلود يحملها للبيع فقال: زك مالك يا حماس.
فقال: ما عندي شيء تجب فيه الزكاة.
قال: تقوم.
فقوم ما عنده، ثم أدى زكاته.
ولقول عثمان- رضي الله عنه- في ملأ من الصحابة: اجعلوا لزكاتكم شهرا تزكونها فيه.
ولم [ق/82] يخص مديرا من غيره.
وروى أنه صلى الله عليه وسلم أنفذ عمر مصدقا فعاد يشكو ثلاثة: منهم خالد.
فقال صلى الله عليه وسلم: "إنكم تظلمون خالدا؛ فإنه حبس وأعبده في سبيل الله".
فلولا أن عمر طالبه بصدقة ذلك لم يكن ليعتذر له بأنه قد حبسها.
ولأنه لو باع العروض لوجبت الزكاة في أثمانها للحول الماضي.
وكل عين تعلق حكم الزكاة بها متى نقلت إلى عين غيرها واحتسب بما مضى من الحول فإنه يخرج من عينها الزكاة؛ كالذهب والورق.
ولأنه مال للتجارة؛ فوجب تقويمه في كل سنة.
دليله: إذا كانت مدارة.
ولأنه مال مرصد للنماء؛ فوجب تكرار الزكاة فيه بتكرار الأحوال عليه.
أصله: الذهب والفضة.
وقال محمد بن الحسن: ما في الأرض حيلة في ترك الزكاة مثل هذه إن كان كما قال أهل المدينة يكون للرجل المال الكثير فيشتري به التجارة من العروض الذي إذا تربص بها الرجل ازداد في ثمنها؛ فهي تزيد سنة في سنة في يده؛ لتربصه بها، وليس عليها فيها زكاة.
والذي يدل على ما قلناه: قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة".
وقوله: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق".
وقوله: "ليس في الخيل، ولا في الرقيق صدقة".
وهذا عام في سقوط الزكاة فيها، إلا في موضع قام عليه الدليل.
ولأنه عرض مملوك غير مدار فلم يلزم تقويمه في كل سنة.
أصله: العروض المقتناة.
ولأن كل مال لا تجب الزكاة في عينه فلا يلزم يلزم إخراجها من غير قيمته كغير المدير.
أصله: عرض القنية.
واستدل القاضي رحمه الله في رده على محمد بن الحسن بأن قال: إن أعيان العروض لا صدقة فيها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة".
فإذا اشترى العبد أو الفرس بذهب أو ورق يريد به التجارة فالمشتري قد صرف ما تجب في عينه الزكاة إلى شيء لا تجب في عينه الزكاة؛ ينوي أن يرده إلى ما تجب في عينه الزكاة.
فما دام عرضا فلا شيء فيه؛ لأن النية وحدها لا يجب بها شيء؛ لأنه لو وجب بالنية فقط قبل البيع لوجب على من كان عنده عرض للقنية ثم نوى به التجارة، ولوجب على من ورث عرضا فنوى به التجارة أن يزكيه إذا حال عليه الحال وإن لم يبعه.
فإذا لم يكن على هؤلاء زكاة بالنية دون أن يكون أوله عينا؛ فكذلك لا تجب حتى يصير آخره عينا، ويرجع الفرع إلى ما كان عليه من الأصل، وإلا فلا معنى فرق بينهما.
هذا معنى ما له على اختصار.
فإذا ثبت هذا؛ فحديث حماس يدل على أنه كان مديرا، ونحن نقول:
إن المدير يقوم في كلل سنة.
وكذلك عثمان.
وحديث خالد: فإنما طلب منه غير صدقة التطوع فأعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بأن
حاله لا يحتمل أن يعاون بشيء؛ لأن عمدة ماله قد حبسه.
وعلى أنه يحتمل أن يكون كان مدير.
وأما الذهب والفضة: ففي أعيانها الزكاة، فإذا نقلها إلى جنسها وما يتساوى الفرض فيه كان في طرق الحول على وجه واحد.
وليس كذلك نقله إلى العروض.
فاعتبارهم بالعروض المدارة غير صحيح؛ لأن الزكاة إنما تجب فيها عندنا إذا نضى شيء من أثمانها.
فأما إذا كان بيع عروض بعروض ولا يكون في يذلك عين فلا زكاة فيها مدير كان أو غير مدير.
وعلى أن المعنى في ذلك أنه إذا كان مدير أو لم يقوم وانتظر بيع جميعها لأدى ذلك [ق/86] إلى إسقاط الزكاة جملة؛ لأنه لا ينضبط له ثمن كل سلعة يبيعها، وسيما إذا كان ممن يبيع بالقليل والكثير.
وليس كذل غير المدير.
وقياسهم على الذهب والفضة باطل؛ لأن الزكاة إنما تكررت فيها؛ لأن في أعيانها الزكاة؛ فجاز تكرار الزكاة فيها.
وليس كذلك العروض.
وقاسهم على الذهب والفضة باطل؛ لأن الزكاة إنما تكررت فيها؛ لأن في أعيانهم الزكاة؛ فجاز تكرار الزكاة فيها.
وليس كذلك العروض.
وقول محمد بن الحسن: ما في الأرض حيلة لإسقاط الزكاة مثل هذا.
فجوابه أن يقال له: إن كان كل تصرف سقطت معه الزكاة يسمى حيلة لإسقاطها فيجب أن يكون من ملك ألف دينار فإذا كان قبل الحول بيوم ابتاع
بها ثياباً؛ فإن عليه الزكاة؛ لأن هذه حيلة في سقوط الزكاة.
وكذلك إذا كان معه مائتين فأبحناه أن يشتري قبل حلول الحول بيوم أو يومين بدرهم أو نصف درهم فقد أبحناه حيلة سقط معها الزكاة.
فإن سمى هذا حيلة مع إباحته، وأوجب الزكاة معه، وهذا خرق بالإجماع.
وإن أبا أن يسميه حيلة لأمر ما فذلك الذي يصير إليه هو فصلنا في ما سماه حيلة في هذه المسألة.
وبالله التوفيق.
فصل
فأما إيجاب الزكاة فيها إذا باعتها بعد حول أو أحوال لسنة واحدة؛ فلأن العروض لا يتكرر حكم الزكاة فيها، إلا إذا كان أصلها عين؛ مثل أن يشتري بذهب أو فضة عرض ينوي به تجارة فيبقى عنده حول أو أكثر ثم يبيعه.
ولو ورث عرض أو وهب له أو اشتراه بعرض، ثم نوى به التجارة فحال عليه عنده أحوال لم تكن عليه فيه زكاة؛ لأن أصله ليس بعين.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا كان أصل العين عرض ثم اشترى به عرض نوى به التجارة، ثم باعه بعد حول فقد تقرر حكم الزكاة فيه؛ لكونه عين في طرفي الحول.
ولا اعتبار بكونه عرض في وسط الحول؛ ألا ترى أنه لو ضاع منه في وسط الحول وهو عين أو عرض ثم وجده آخر
الحول لوجب عليه فيه الزكاة.
وإذا تقرر هذا، ثم ورد عليه حول ثان وهو عرض وخرج عنه وهو عرض لم يكن لهذا [ق/83] الحول حكم؛ لأنه لم يكن في أوله عين كما كان في أول الحول الأول.
وإذا كان كذلك وجب لهذه العلة أن تزكيه زكاة واحدة.
فصل
فأما إذا كان مدير يبيع بالعين والدين، ولا يحصى ما يبيعه ولا يضبطه فإنه يجعل لنفسه شهر من السنة يقوم فيه ما عنده من العروض التي يديرها وما له من الدين الذي يرجوه، ويضم إليه ما عنده من العين، ثم يزكى ذلك كله، وإنما وجب ذلك لأن أمره لا يخلو من ثلاثة أحوال:
أما أن يؤخذ بحفظ كل ما يبيعه.
فهذا يؤدي إلى تكليفه ما لا يضبطه ولا يطيقه.
أو أن يجعل لنفسه وقت من السنة بعينه يجعله حول له كل سنة.
فهذا ما نقوله.
أو أن تسقط الزكاة عنه.
وهذا ما لا سبيل إليه.
وقد رويناه عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه أمر حماس أن يقوم ماله ويزكيه، وكان يريد التجارة؛ على ما بيناه.
وروى عن جابر بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجعلوا شهر تؤدون فيه زكاة أموالكم فما حدث من مال بعد فلا زكاة فيه حتى لحي رأس السنة".