شرح الرسالةصفحات 305-344

كتاب الاعتكاف

صفحات 305-344

[ق/66] مسألة قال رحمه الله: "والاعتكاف من نوافل الخير، والعكوف: الملازمة" قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي رحمه الله: وهذا لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعله.
وروى الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين ليلة.
وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾.
وقوله: ﴿طهرا بيتي للطائفين والعاكفين﴾.
فأما معنى الاعتكاف: فهو الملازمة واللبث.
والعكوف: اللزوم.
ومنه قوله تعالى: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ أي: ملازمون

وقوله: يعكفون على أصنام لهم.
أي: يلازمون.
وقولهم: (قد عكف فلان على عمله) معناه: قد أقبل عليه ولازمه.
وهو أشهر في اللغة من أن يذكر فيه أكثر من هذا.
مسألة قال رحمه الله: "ولا اعتكاف إلا بصيام".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي رحمه الله: هذا قول أصحابنا جميعا، وهو قول القاسم بن محمد وناف، وقال أبو حنيفة وغيره من أهل العراق رضي الله عنهم أجمعين.
وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن الاعتكاف ليس من شرطه الصيام.
والدلالة على ما قلناه: قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾.
ووجه الاستدلال من هذا هو أن هذا خطاب للصائمين؛ لأن أول الآية استفتح بها الخطاب للصائمين؛ وما بعد ذلك من الخطاب عطف عليه؛ وذلك أنه تعالى قال: ﴿أجل لكم الصيام الرفث﴾ إلى قوله: {فالآن

باشروهن} إلى قوله: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾.
وكان في صدر الإسلام إذا نام الإنسان منع من الأكل والشرب والجماع، فلحق الناس في ذلك مشقة؛ فأصاب بعض الصحابة ذلك والقصة معروفة؛ فنسخ الله تعالى ذلك بقوله سبحانه: ﴿فالآن باشروهن﴾، ثم عطف عليه قوله: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾؛ فبين أن تلك الإباحة هي لمن كان صائما غير معتكف؛ فلو كان الاعتكاف يصح بغير صوم لم يكن لقصر الخطاب بالمنع من ذلك على الصائمين معنى؛ لأن من يخالفنا لا يفرق في ذلك بين أن يكون المعتكف صائما أو غير صائم؛ فثبت بما قلناه أن الصوم شرط في الاعتكاف.
ويدل على ذلك أيض ما رواه سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا اعتكاف إلا بصيام".
وهذا نص.
فإن قيل: لا دلالة في هذا الظاهر؛ لأن النفي تعلق بوجود؛ وذلك أن الاعتكاف يوجد وإن لم يقارنه صوم؛ فإذا المراد نفى حكم من أحكام الاعتكاف، وذلك الحكم غير مذكور يحتمل أن حمله الإجزاء، ويحتمل أن يكون الكمال فليس لكم حمله على أحدهما إلا ولنا حمله على غيره.

فالجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: إن النفي تعلق بنفس الاعتكاف لا بحكم من أحكامه؛ لأن قوله: (لا اعتكاف) نفى الاعتكاف الشرعي.
ونحن نقول: إن اللبث في المسجد وإن كان بنية الاعتكاف إذا لم يقارنه صوم فليس باعتكاف شرعي؛ فبطل هذا السؤال.
والجواب الآخر: هو أن المقصود بهذا اللفظ كون الشيء شرطا فيما علق به وإن كان لفظه النفي فليس المقصد النفي؛ إذا الشرع ليس هو للنفي وإنما هو الثبات إلا أن يراد بلفظ النفي الإثبات على ما بيناه.
وإنما يعبر عنه بلفظ النفي لكونه آكد في الكشف عن الغرض المقصود؛ فكأنه صلى الله عليه وسلم قال: الصوم شرط في الاعتكاف.
وإذا صح بطل ما قالوه.
ويدل على ذلك أيضا ما رواه عبد الله بن بديل بن ورقاء الليثي عن عمرو بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنه جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما عند الكعبة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اعتكف وصم".
هذا أمر فهو على وجوبه.
ويدل عليه ما قاله أصحابنا إن الاعتكاف لبث في مكان مخصوص؛ فوجب أن لا يكون قربة بمجرده دون أن ينضم إليه معنى آخر قربة في

نفسه.
دليلة: الوقوف بعرفة.
فقال المخالفون: نحن نقول بموجب هذه العلة؛ وهو أنه لا يكون قربة بمجرده إلا بالنية.
فأجاب أصحابنا بأن النية على انفرادها ليست قربة؛ لأنها من شرط كل قربة لبثا كان أو غيره.
فإن قيل: فكذلك الإحرام الذي ضم إلى الوقوف بعرفة ليس بقربة في نفسه.
قيل له: بل هو قربة؛ بدلالة أنه قد تعلق به أحكام الشيء الذي أحرم به.
وقد اعترضوا فقالوا بعكسه فتقول فوجب ألا يكون من شرط صحته الصوم.
أصله: الوقوف.
والجواب: أن الوصف لا يؤثر في هذا الحكم؛ لأن اللبث ليس من شرط الصوم سواء كان في موضع مخصوص عندهم أو غير مخصص.
ويدل على ذلك أيضا أنا قد اتفقنا على أن لزوم الاعتكاف بالنذر وكل عبادة لزمت بالنذر فلا بد أن يكون من جنسها واجب بأصل الشرع؛ كالصلاة والصيام، وكل ما لا يلزم بالنذر لم يلزم هذا فيه؛ كالمشي في الأسواق وغيره.
وإنما صح لزوم الاعتكاف بالنذر ولم يكن من جنسه ما هو واجب

بأصل الشرع علم أنه إنما وجب بالنذر لا من شرط صحته ما هو واجب بالشرع؛ وهو صوم.
فإن قيل: ينتقض بالعمرة تلزم بالنذر، وليس من جنسها ما هو واجب بأصل الشرع.
قيل له: من جنسها الحج، وهو واجب بأصل الشرع [ق/67] فإن قيل: الوقوف بعرفة من جنس الاعتكاف، وهو واجب بأصل الشرع.
قيل له: الوقوف ليس باعتكاف، ولا له أحكام الاعتكاف.
واستدل من خالفنا بقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾.
وهذا منتظم لكل معتكف.
فالجواب: أنا لا نسلم أن غير الصائم معتكف اعتكافا شرعيا.
فإن قيل: حقيقة الاعتكاف هو اللبث واللزوم.
قيل له: قد انتقلنا عن حقيقة في اللغة إلى أحكام تثبت له في الشريعة فمنها: لزوم جنس مخصوص، وتحريم أشياء تنضم إلى اللبث، ولبث في مكان مخصوص، وغير ذلك؛ فلا يجوز التعلق بالاسم في اللغة.
قالوا: وروى طاوس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المعتكف صوم إلا أن يجعله على نفسه".
فالجواب أن ظاهر هذا أنه ليس عليه صوم لأجل الاعتكاف، ونحن

كذلك نقول؛ لأن من شرط الاعتكاف، ونحن كلك نقول؛ لأن من شرط الاعتكاف أن يكون في صوم، سواء كان لنفسه أو لغيره، وليس يلزم مريد الاعتكاف أن يفرده بصوم له.
فإن قيل: ألستم توجبون عليه إذا نذر اعتكاف شهر أن يصوم ذلك الشهر؟ قيل له: بلى.
فإن قال: فقد جعلتم عليه أن يصوم للاعتكاف.
قيل له: هذا خطأ؛ لأنه لو أراد أن يصوم ذلك الشهر قضاء أو تطوعا أو عن نذر لجاز له هذا على قولنا.
فأما على قول عبد الملك فلا يجزئه إلا أن يصومه للاعتكاف.
قالوا: وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن أبيه قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أوف بنذرك".
فوجه الدلالة منه أن الاعتكاف يصح بالليل؛ ذا يقتضي أن الصوم ليس من شرطه.
فالجواب أنه يحتمل أن يكون نذر اعتكاف ليلة بيومها؛ لأن العرب تعبر عن الأيام بالليالي؛ ويبين ذلك قوله تعالى: ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾؛ يريد بأيامها.

على أن ذلك قد روى من طريق آخر أيضا.
وأيضا فإنا قد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أوف بنذرك وصم".
واعتكاف الليل يصح عندنا مع النهار على وجه التبع.
وقالوا: روى أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من شوال؛ وهذا يقتضي أن يكون اعتكف يوم الفطر، وصم يوم الفطر غير جائز، ولا يصح اعتكافه عندكم.
فالجواب أن اللفظ إذا أطلق وجب حمله على عادة الاستعمال وعلى ما ينفيه دليل العرف، وقد علمنا أنه صلى الله عليه وسلم لا يترك أن يصلي العيد مع أصحابهن ويتشاغل بالاعتكاف وغير ذلك مما يتعلق بأحكام العيد؛ فعلم أن قصد الراوي بتركه الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان أن الاعتكاف في العشر الأوائل من شوال دون بيان أول وقت الاعتكاف من العشر.
وأيضا فقد دل الدليل بما ذكرناه أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم؛ فحملنا قوله: اعتكف العشر الأول من شوال على ما عدا يوم العيد، أو أنه دخل معتكفه قبل غروب الشمس من يوم الفطر بما قدمناه.
قالوا: ولأن الليل زمان يصح الاعتكاف فيه؛ فجاز أفراده بالاعتكاف فيه.
أصله: من النهار.
فالجواب: أنا لا نسلم هذا الإطلاق؛ لأن الليل إنما يصح الاعتكاف فيه

على طريق التبع للنهار؛ فحاله مع النهار كحال الخروج من المسجد لحاجة الإنسان مع حال اللبث في المسجد في أنه يكون معتكفا في ذلك الحال على وجع اتبع، واستصحاب حكم الاعتكاف.
وقولنا إنه زمان يصح فيه الاعتكاف يفيد أنه يصح اعتكافه بنفسه لا على اتبع لغيره؛ ويبين ذلك أن جوابنا لمن قاس الكون في غير المسجد على الكون في المسجد بهذه العلة فقال: لأنها حال يصح فيها الاعتكاف فكانت كحال اللبث في المسجد كجوابنا في مثل مسألتنا.
قالوا: ولأن كل عبادة صح استفتاحها بغير صوم صح استدامتها بغير صوم كالصلاة.
فالجواب أن الاستفتاح الذي يعنونه إنما يصح عندنا على طريق اتبع كحال الخروج من المسجد مع حال الكون فيه؛ فلا يصح أن يعتبر حكم المتبوع الحقيقة بحال ما هو تبع له، ومشبه به على غيره تحقيق.
قالوا: ولأنها عبادة من شرطها المسجد؛ فوجب ألا يكون من شرطها الصوم.
أصله: الطواف.
وهذا غير صحيح؛ لأن قولهم: من شرطها المسجد يفيد أن المكلف أن يوقعه في المسجد، وأنه إن أوقعه في غير المسجد فقد أتى به خلاف شرطه، والطواف بالنية لا يكون إلا في المسجد؛ فليس سبيل ذلك سبيل الاعتكاف في الصوم؛ لأنه لا يتصور إيقاعه في غير المسجد؛ فلا يصح أن يوصف ذلك بوجوبه على المكلف أو انتفاء وجوبه.

على أن المعنى في الطواف جواز وقوفه في أقل من يوم، وليس كذلك الاعتكاف.
قالوا: ولأنه لو كان الصوم شرطا في الاعتكاف لم يصح الاعتكاف في رمضان؛ لأن صومه واجب بأصل الشرع.
وهذا لا معنى له؛ لأنا لم ينقل إن الاعتكاف لا يصح إلا في صوم يقصد به، وإنما قلنا: إن من شرطه ألا يكون إلا في صوم؛ أي صوم كان.
والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: "ولا يكون إلا متابعا".
قال القاضي [ق/68] رحمه الله: يعني إذا كان الاعتكاف أياما فإن أوجب ذلك على نفسه متتابعا وجب التتابع لا كلام، وإن أطلق فإن الإطلاق يفيد التتابع أيضا؛ ألا ترى أنه لو قال: والله لا كلمت زيدا شهرا أو عشرة أيام لكان إطلاق ذلك يفيد التتابع، إلا أ، ينوي التفرقة فيكون ذلك معنى زائدا على الإطلاق.
مسألة قال رحمه الله: "ولا يكون إلا في المسجد كما قال الله سبحانه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله:

وهذا لقوله: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾.
ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف في المسجد، ولم ينقل عنه أنه اعتكف في غيره، ولا خلاف في ذلك.
غير أن أبا حنيفة جوز للمرأة أن تعتكف في بيتها.
قال: لأنها عورة، وكونها في بيتها أستر لها، ولها في خروجها بذلة؛ فكانت معذورة في تركه كما عذرت في ترك صلاة الجماعة.
والدلالة على ما قلناه قوله عز وجل: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾؛ فوصف الاعتكاف بكونه في المسجد.
ولأنه اعتكاف شرعي؛ فكان من شرطه المسجد كاعتكاف الرجل.
ولأن شخص معتكف؛ فأشبه الرجل.
ولأن ما هو شرط في صحة العبادة لا يختلف حكم الرجل والمرأة فيه.
أصله: الصوم في الاعتكاف، والطهارة للصلاة.
وما قالوه من أن العذر فإنما يؤثر في ترك الفضيلة.
لا فيما كان شرطا في العبادات.
والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: "وإن كان في بلد فيه الجمعة فلا يكون إلا في الجامع، إلا أن ينذر أياما لا تأخذه فيها الجمعة".

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله: هذا إذا كانت أيام اعتكافه لا يتهللها يوم الجمعة جاز الاعتكاف في أي مسجد شاء؛ لأن من شرطه ألا يكون إلا في المسجد، وليس في شرطه أن يكون في مسجد مخصوص؛ كما أن من شرطه أن يكون في صوم، وليس من شرطه أن يكون في صوم مخصوص.
ويدل على ذلك ما احتج به مالك رحمه الله من قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾.
قال: فعم المساجد كلها، ولم يص منها شيئا، ولا خلاف أعلمه في ذلك.
فأما إذا كانت أياما تلزمه فيها الجمعة، وكان ممن تجب عليه الجمعة، أو في بلد يلزمه فيه الجمعة فلا يجوز له الاعتكاف إلا في الجامع، لا من أجل أن الاعتكاف لا يجوز في غيره من المساجد، لكن لأنه متى لم يعتكف فيه أدى إلى أحد أمرين ممنوعين: إلا أن يخرج إلى الجمعة؛ فينتقض بذلك اعتكافه؛ لأنه لا يجوز له الخروج إلا لحاجة الإنسان أو لما لعله أن تدعوه الضرورة إليه من شراء طعام وغيره، أو أن يتم على اعتكافه فيترك الجمعة، ووجوبها آكد من الاعتكاف.
فكان الوجه في ذلك ما قلناه من أن يبتدئ الاعتكاف في المسجد.
والله أعلم.

مسألة قال رحمه الله: "وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف عشرة أيام".
قال القاضي رحمه الله: إنما قال هذا؛ لأنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف أقل من عشرة أيام؛ فلذلك كره الاقتصار عنها.
فأما الواجب فهو يوم كامل؛ لأنته أقل زمان يصح فيه الصوم على ما بيناه.
مسألة قال رحمه الله: "ومن نذر اعتكاف يوم فأكثر لزمه".
قال القاضي رحمه الله: هذا لأنه زمان يصح فيه الصوم؛ فلزم الاعتكاف فيه بالنذر؛ لقوله تعالى: ﴿أوفوا العقود﴾.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر وسأله عن نذره الاعتكاف: "في بنذرك وصم".
مسألة قال رحمه الله: "وإن نذر اعتكاف ليلة لزمه يوم وليلة".
قال القاضي رحمه الله: من أصحابنا من قال: لا يلزمه شيء، ومنهم من قال: يلزمه يوم وليلة.
فإذا قلنا: لا يلزمه شيء؛ فلأنه بمنزلة من نذر صوم الليل؛ فلا يلزمه.

وإذا قلنا يلزمه؛ فلأن الليلة قد يعبر بها عن يومها.
يبين ذلك قوله تعالى: ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾.
وأقل الأمور أن يكون محتملا فيحمل على الوجه الذي تقتضيه الشريعة.
مسألة قال رحمه الله: "ومن أفطر فيه معتمدا فليبتدئ اعتكافه، وكذلك [إذا] جامع فيه ليلا ونهارا، ناسيا أو معتمدا".
قال القاضي- رحمه الله: أما إذا أفطر عامدا فإنه يستأنف؛ لأنه قد اختار قطع التتابع، ومن شرطه أن يكون متتابعا؛ على ما بيناه.
وإذا أفطر ناسيا مضى وبني على اعتكافه؛ لأنه لم يختر قطع التتابع، وإنما أفطر لعذر؛ فهو يستأنف، بالمرض والحيض.
وإذا كان ذلك بنى ولم يستأنف؛ ألا ترى أن هذه الأعذار إذا طرأت في صيام شهري التتابع يجاز معها البناء، ولم يلزم الاستئناف؟ فأما في فساد الصوم فيستوي حكم المفطر المتعمد وغيره مع العذر وعدمه؛ على ما بيناه في كتاب الصوم، وإنما يختلف الحكم في البناء والاستئناف.
وكذلك الاعتكاف يفسد بالأكل أو الجماع بالسهو والعمد، إلا أن في

السهو يبقى في المسجد على حكم المعتكف كما يمسك الآكل ناسيا في الصوم بقية النهار وإن كان صومه قد فسد بالأكل.
والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: "فإن مرض خرج إلى بيته، فإذا صح بني على ما تقدم.
وكذلك إن حاضت المعتكفة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: وهذا لأن المرض عذر يجوز معه [ق/69] الإفطار والخروج من المسجد، وكذلك الحيض.
ولا معنى لكونه في المسجد؛ لأنه عذر يجوز له الفطر في الظاهر والباطن.
وليس كالنسيان؛ لأن المفطر ناسيا يبقى في المسجد؛ لأنه معذور في الظاهر، وليس عذره كعذر المريض، ولأن إقامته في المسجد تضر به، لأنه يحتاج إلى علاج ومراعاة وغير ذلك مما لا يجوز أن يفعل في المسجد.
وكذلك الحائض لا يجوز لها دخول المسجد لو لم تكن معتكفة؛ لان الحيض يمنع من ذلك؛ فكذلك إذا كانت معتكفة.
فإذا زال عذرهما بزوال المرض وانقطاع الحيض بنيا على ما تقدم؛ لأن

العذر لا يمنع البناء؛ على ما بيناه.
فإن أخرا ذلك استأنفا؛ لاختيارهما قطع التتابع.
والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: "وحرمة الاعتكاف عليهما في المرض، وعلى الحائض في الحيض".
قال القاضي رحمه الله: يعني أنه لا يجوز أن يفعلا ما كانا ممنوعين منه في الاعتكاف مما لا يقتضيه عذرهما الذي هو المرض والحيض، فمتى فعلا ذلك لم يجز لهما البناء واستأنفا؛ كالآكل لماسيا في اعتكافه فإنه يقضي وبيني، فمتى قبل أو باشر بطل اعتكافه واستأنف؛ فكذلك المريض والحائض.
مسألة قال رحمه الله: "فإذا طهرت الحائض، أو أفاق المريض من مرضه في ليل أو نهار رجعا ساعتئذ إلى المسجد".
قال القاضي رحمه الله: وهذا لأن عذره الذي جاز له معه الخروج من المسجد قد زال، فوجب عليه الرجوع إلى المسجد.
فإن أخر ذلك استأنف على ما بيناه.
مسألة قال رحمه الله: "ولا يخرج المعتكف من معتكفه إلا

لحاجة الإنسان".
قال القاضي- رحمه الله: هذا لأن من شرط الاعتكاف الكون في المسجد؛ فلا يجوز للمعتكف الخروج منه.
فأما إذا أراد الحاجة فإنه يجوز له الخروج للضرورة التي لا يمكن دفعها ولا الاحتراز منها.
والأصل في ذلك ما رواه مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إنسان.
مسألة قال رحمه الله: "وليدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الليلة التي يرد أن يبتدئ فيها اعتكافه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: وهذا ليستوفي الليلة بيومها في الاعتكاف؛ لأن أقل الاعتكاف المستحب هو اليوم والليلة.
فأما الواجب فهو أن يدخل قبل طلوع الفجر في وقت يمكنه أن ينوي الصوم فيه؛ لأن الاعتكاف لا يصح إلا بصيام؛ على ما بيناه.
مسألة قال رحمه الله: "ولا يعود مريضا، ولا يصلي على جنازة،

ولا يخرج لتجارة".
قال القاضي أبو محمد عبد لوهاب بن علي رحمه الله: وهذا لأن من شرط الاعتكاف المسجد؛ فلا يجوز الخروج إلا لضرورة حاجة الإنسان، أو للطعام والشراب إذا لم يجد من ينوبه عنه فيه.
والأصل في ذلك ما رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا اعتكف كان لا يخرج إلا لحاجة الإنسان.
مسألة قال رحمه القاضي رحمه الله: "ولا شرط في الاعتكاف".
قال القاضي رحمه الله: وهذا كما قال: لا يجوز للمعتكف أن يشترط خروجه من اعتكافه لعارض أو غيره.
وقال الشافعي: يجوز ذلك.
والدلالة على ما قلناه: قوله صلى الله عليه وسلم: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل".
ولأنها عبادة اشتراط فيها خلاف موجب عقدها المطلق ونقيضه فوجب ألا يصح؛ اعتبارا بالصلاة والصيام.

مسألة قال رحمه الله: ولا بأس أن يكون [في] إمام المسجد".
قال القاضي رحمه الله: هذا لأن ذلك لا ينافي الاعتكاف ولا يخالف موجبه؛ فجاز فعله.
وكذلك كل فعل لا ينافي الاعتكاف ولا يقطعه عن موجبه فجاز فعله.
ولأن الصلاة من فعل الاعتكاف ومن موجبه ومن صفة المعتكف.
وليس في كون المعتكف إماما ما يمنع ذلك؛ فجاز فعله.
مسألة قال رحمه الله: "وله أن يتزوج، ويعقد نكاح غيره".
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي رحمه الله: هذا لأن العبادات كلها سوى الإحرام والعدة لا تمنع عقد النكاح ولا الولاية فيه؛ كالصيام والوضوء وعبادات الكفاية وغير ذلك؛ فكذلك الاعتكاف.
والفرق بين الاعتكاف والإحرام أن الإحرام يمنع التطيب؛ فمنع عقد النكاح كالعدة.
وليس كذلك الاعتكاف؛ لأنه لا يمنع التطيب فلم يمنع عقد النكاح كسائر العبادات.
فأما الظواهر فإنها مطلقة في إباحة عقد النكاح في الأحوال كلها إلا ما

خصه الدليل كقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾، ولم يخص حال الإحرام والاعتكاف؛ فقامت الدلالة في الإحرام، ولم تقم في الاعتكاف.
مسألة قال رحمه الله: "ومن اعتكف أول الشهر أو وسطه خرج من اعتكافه بعد غروب الشمس من آخره".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: وهذا لأنه لا يجوز له الخروج إلا بمقتضى مدة الاعتكاف.
وانقضاؤها هو بخروج آخر النهار؛ لأن بغروب الشمس يخرج وقت الصوم، ومن شرط الاعتكاف الصوم، فما دام [ق/70] وقت الصوم باقيا فهو معتكف، ولا يجوز له الخروج منه.
مسألة قال رحمه الله: "وإن اعتكف بما يتصل فيه اعتكافه بيوم الفطر فليبت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى".
قال القاضي رحمه الله: هذا على طريق الاستحباب دون الوجوب ليتصل العملان والفراغ منهما، وكذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل.
ولأنه إذا رجع إلى أهله لم يترفه بالقدر الذي يحصل عنهم إلى وقت

خروجه لصلاة العيد.
والمبيت في المسجد قربة وفعل خير وذكرا لله تعالى؛ فاستحب أن يصله بالاعتكاف.
فإن لم يفعل ذلك جاز إذا انصرف بعد غروب الشمس، لزوال مدة اعتكافه.
والله أعلم.

كتاب: الزكاة

باب: في زكاة العين، والحرف، والماشية، وما يخرج من المعدن، وما يؤخذ من تجارة أهل الذمة والحربيين

. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: أعلم أن معنى الزكاة في اللغة: النماء والزيادة.
يقال: زكى المال يزكو إذا نما وزاد، وزكى الحرث إذا حسن وزاد وكثر ريعه، وفلان زكى أي: كثر الخير.
والأصل في وجوب الزكاة: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
وقد سميت في الشرع بغير اسم؛ فمن أسمائها: الزكاة، والحق، والنفقة، والصدقة، والعفو، وغير ذلك.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾؛ ففي هذا دليلان: أحدهما: أنه أمر بإتيانها، والأمر على الوجوب.
والآخر: أنه قرنها بالصلاة وهي من أركان الشرع؛ فكان ظاهر ذلك يقتضي تساويهما.
وبهذه الطريقة احتج أبو بكر الصديق رضي الله عنه على من ناظره في قتال العرب حين منعت الزكاة فقال: (لا أفرق بين ما جمع الله)؛

يريد أن القتال على الزكاة كالقتال على ترك الصلاة.
وقوله تعالى: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾.
وهذا من آكد ما يدل على وجوب الشيء إذا قرن بالتهديد والوعيد.
وقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾.
فشرط في المنع من قتلهم مع التوبة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ وهذا يدل على أن بعض هذه الأمور إذا انخم فالأمر بقتلهم باق.
وذلك دال على وجوب جميعها.
وقال عز وجل: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾.
فشرط في كونهم من أهل الدين أداء الزكاة؛ فدل ذلك على وجوبها.
وقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾.
يعني: الزكاة الواجبة فيه؛ فتسمى الزكاة حقا.
وهذا مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين.
وقيل: بل هو حق كان في المال غير الزكاة فنسخته الزكاة.
وقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة﴾ فأخبر أنه أمرهم بالزكاة كما أمرهم بالصلاة.

وقوله عز وجل: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾.
قيل في تأويله: أدى زكاة الفطر، ثم خرج إلى المصلى لصلاة العيد.
وممن روى عنه ذلك أبو العالية، وعكرمة، وعمر بن عبد العزيز.
وقوله عز وجل: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾.
يعني: الزكاة.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بها صدقة التطوع.
والصحيح هو الأول؛ ويدل على قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم".
وإنما عني به قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "خذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم".
ويبين ذلك ما روى في الحديث أن العرب لما منعت الزكاة قالوا لأبي بكر رضوان الله عليه: إنا لا نؤدي الزكاة إليك؛ لأن الله يقول: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ قالوا: وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل عن أبي بكر إنكار عليهم لتأويلهم هذه الآية في الزكاة، ولا أنه قال

لهم: ليس الأمر على ما قلتم لأن الصدقة التي أمر بأخذها بقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾.
هي التطوع أو صدقة غير الزكاة، بل أقرهم على هذا التأويل، واستعمل معهم مناظرة.
وقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ الآية وقوله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمي عليها﴾ إلى قوله: ﴿ما كنتم تكنزون﴾.
فروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا أتى به وبماله فأحمى عليه في نار جهنم فتكوى بها جنباه وظهره حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
ولا عبد لا يؤدي صدقة إبله إلا أتى به وبإبله على أوفار ما كانت يعني يوم القيامة فيبطح لها بقاع قرقر فتسير عليها أولها، كلما مضى آخرها كر عليه أولها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيلة إما إلى الجنة وأما إلى النار.
ولا عبد لا يؤدي صدقة غنمه إلا أتى به وبغنمه على أوفر ما كانت فيبطح لها بقاع قرقر فتسير عليها أولها، كلما مضى آخرها رد عليه أولها

وتطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، ليس فيها عقصاء ولاجلحاء حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" وروى أبو الزبير عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "أيما مال أدى [ق/71] زكاته فليس بكنز.
وروى عن عجلان عن سعيد المقبري قال: باع رجل أرضا له.
فقال له عمر: احرز مالك؛ احفر له تحت فراش امرأتك.
فقال يا أمير المؤمنين: أليس كنزا؟ قال: ليس كنزا ما أدى زكاته.
وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر في المال: إذا أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت الأرض السابعة السفلى، وإن لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان على ظهر الأرض.
وروى مالك عن عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر يسأل عن الكنز ما هو.
قال: المال الذي لا تؤدى منه الزكاة.

ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾.
وقوله: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله﴾.
فروى أبو وائل عن عبد الله بن مسعود قال: من حبس زكاة ماله جعل له يوم القيامة شجاعا أقرع يطوقه في عنقه، ثم قرأ علينا رسول الله مصداقه في كتاب الله عز وجل: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾.
وقوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾ وقيل في التفسير: المراد به الزكاة.
وروى عن جماعة سمن التابعين.
فهذا من الكتاب.
وأما السنة: فقوله صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس... " فذكر إيتاء الزكاة.
وقوله لمعاذ حين بعثه إلى اليمين: "خذ الصدقة من أغنيائهم فردها في فقرائهم".

وفيه أخبار كثيرة ترد في مسائل الكتاب.
وأما الإجماع: فالخبر المشهور فيما مضى لأبي بكر الصديق رضي الله عنه مع أهل الردة؛ وذلك أن العرب منعت الزكاة فعزم أبو بكر على قتالهم؛ فقال له عمر: أتقاتلهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا من دماءهم وأموالهم إلا بحقها؟ " فقال له أبو بكر: فالزكاة من حقها يا عمر.
والله لو منعوني عقالا- وروى عناقا- مما كانوا يدفعونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لجاهدته عليه.
فاستقر الإجماع على ذلك.
وفي هذه الجملة كفاية فيما ذكرناه.
مسألة قال أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله: "وزكاة العين والحرث والماشية فريضة.
فأما زكاة الحرث فيوم حصاده، والعين والماشية ففي كل حول مرة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: قد بينا وجوب الزكاة في هذه الثلاثة الأجناس في الجملة، وسنبين ذلك في التفصيل عند البلوغ إلى مواضعها من الكتاب.
فأما اعتبار الحول في العين والماشية: فلما رواه ثابت عن أنس قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس من مال زكاة حتى يحول عليه الحول".
وروى مالك عن محمد بن عقبة عن القاسم بن محمد قال: كان أبو بكر رضي الله عنه لا يأخذ عن مال زكاة حتى يحول عليه الحول.
وروى مثله عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا تجب في مال زكاة حتى يحول عليه الحول.
ولا خلاف في ذلك إلا ما حكى عن ابن عباس وابن مسعود فيمن ورث مالا أن عليه الزكاة حال ما ورثه من غير اعتبار بحلول الحول عليه.
واستدل لهذا القول بأنه مال مستفاد من غير عوض؛ فلم يعتبر فيه حلول الحول.
دليله: المعدن والثمار والزروع.
والأصل في هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول".
وروى: من استفاد مالا فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول".
ولأنه مال مستفاد من مالك متعين تتكرر في عينه الزكاة؛ فأشبه ما يملك بعوض.
فأما المعدن: فإنه مشبه بالزرع.

والمعنى في الزرع والحب أن نماءه يحصل في وقت واحد، وليس كذلك العين والله أعلم.
مسألة قال ابن أبي زيد رحمه الله: "ولا زكاة [في] الحب والثمر في أقل من خمسة أوسق؛ وذلك ستة أقفزة وربع قفيز.
والوسق: ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم وهو أربعة أمداد بمده صلى الله عليه وسلم".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: أعلم أن زكاة الحب والثمار يعتبر فيها نصاب معلوم كما يعتبر ذلك في زكاة العين والماشية؛ وذلك النصاب خمسة أوسق، لا زكاة فيما دون ذلك.
هذا قول أصحابنا.
وروى عن جابر بن عبد الله، وأبي قلابة، وسعيد بن المسيب، وعطاء ابن أبي رباح، والحسن، نوهو قول المشيخة السبعة.
وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وعند أبي حنيفة أنه ليس هناك نصاب معتبر، وأن العشر أو نصف العشر يجب في القليل والكثير.
واستدل أصحابه بقوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾.
وهذا عام في القليل والكثير.

وبقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وقوله ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾؛ فأصاب الحق إلى جميعه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر".
فعم، ولم يخص مقدارا من مقدار.
وروى أبان بن أبي عياش عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقت السماء العشر".
وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "خذ الحب من الحب" فم ولم يخص.
ولأن النصاب أحد شرطي وجوب الزكاة؛ فوجب [ق/72] سقوط اعتباره في الزرع والثمار؛ اعتبارا بالحول.
ولأنه حق يجب في مال لا يعتبر فيه الحول؛ فوجب ألا يعتبر فيه النصاب.
أصله: خمس الغنيمة.

ولأن النصاب وضع للتوقية كالحول، فلما لم يعتبر في الزرع حول فكذلك النصاب.
ولأن النصاب إنما يعتبر في الأموال التي يتكرر الوجوب فيها، والزروع لا يتكرر فيها ذلك؛ فلم يعتبر فيها نصاب.
ولأن كل مال اعتبر النصاب في تعلق الحق به فلا بد من حصول عفو فيه في ثاني؛ اعتبارا بالمواشي، فلما لم يكن في الثمار والحبوب عفو بعد الوجوب علم أنه لا نصاب فيها.
ولأنه لو اعتبر في الخارج من الأرض نصاب لوجب أن يختلف النصاب باختلاف أجناس الأموال؛ ألا ترى أنه لما اعتبر النصاب في زكاة العين والماشية كان نصاب المال غير نصاب الماشية، فلما قلتم: إن النصاب خمسية أوسق في الأجناس كلها غير مختلف دل ذلك على أن النصاب غير معتبر فيه.
ولأن العشر يسقط بعدم الانتفاع بالأرض كالخراج، فلما لم يعتبر في وجوب أخذ الخراج نصاب من الزرع؛ فكذلك العشر.
والدلالة على صحة قولنا: ما روى مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس ذو صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
وروى عمرو بن مرة الجملي عن أبي البختري الطائي عن أبي سعيد

الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة".
وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
وروى ابن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة في شيء من الحرث حتى يبلغ خمسة أوثق، فإذا بلغ خمسة أوسق ففيها الزكاة".
وهذه الأخبار نصوصا في موضع الخلاف.
فإن قيل: إنه لا دلالة في هذه الأخبار على موضع الخلاف؛ لأنه ليس فيها إلا نفي الزكاة والصدقة عن ما دون الخمسة الأوسق، ونحن كذلك نقول: إنه لا زكاة فيه أو صدقة، ولكن فيه العشر أو نصفه، وذلك ليس زكاة عندنا ولا صدقة.
فالجواب عن هذا من وجوه: أحدها: إن العشر زكاة وصدقة، ونحن ندل على ذلك فإذا ثبت كونه زكاة وصدقة صح الاستدلال بالخبر والذي يدل على ذلك أشياء: أحدها: إن الذي نفاه عما دون الخمسة الأوسق هو الذي أثبته فيها، فلما كان المثبت فيها هو العشر وجب أن يكون ذلك هو المنفي عما دونها.

والثاني: اتفاقنا على أنه يصرف مصرف الزكوات، ومصرف ربع العشر المأخوذ من الذهب والورق، فدل ذلك على أنه لا زكاة؛ ألا ترى أن الغئ والجزية وعشورة أهل الذمة لما لم يصرف شيء منهم مصرف الزكوات لم تكن زكاة ولا صدقة؟.
والثالث: ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ صدقة النخل تمرا.
فسمى المأخوذ من النخل والتمر زكاة وصدقة.
والرابع: إن هذا العشر محرم على النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الصدقة؛ فصح بذلك كونه صدقة.
يبين هذا أن الجزية وعشور أهل الذمة ليست محرمة عليه تحريم الصدقة، وإذا صح أن العشر صدقة وزكاة، وقد ورد الخبر بنفيها عما دون خمسة أوسق بطل ما قالوه.
ويدل أيضا على ما قلناه ابتداء وجوابا عن سؤالهم ما رواه الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمين: "وما كتب الله على المؤمنين من العشر ما سقت السماء، أو كان سحاء أوكان بعلاء ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وما

يسقى بالغرب والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق".
وروى ابن وهب عن أبيه عن ابن لهيعة عن عمارة بن عبد الله بن أبي بكر أخبره أن هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن حزم في النخل والزرع قمحه وسلته وشعيره؛ فما يسقى من ذلك له نصف العشر، وما يسقى بالعين أو كان عثريا تسقيه السماء أو كان بعلا لا يسقى العشر، وليس في تمر النخل صدقة حتى يبلغها خرصها خمسة أوسق، فإذا بلغت خمسة أوسق ففيها الصدقة كلها.
فشرط في أخذ العشر أو نصفه بلوغ المأخوذ منه خمسة أوسق.
وروى محمد بن مسلم بن عمرو بن دينار عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس في شيء من الكرم والنخل والزرع شيء حتى يكون خمسة أوسق، ولا في الدراهم حتى تكون مائتي درهم".
ومن جهة الاعتبار: لأنه مال تجب فيه الزكاة في عينه؛ فوجب أن يكون في أوله عفوا حتى يبلغ نصابا واحدا؛ اعتبارا بالماشية والعين.
فإن قيل: لما اعتبر في ذلك الحول اعتبر فيه النصاب، وها هنا فالحول غير معتبر؛ فلم يعتبر النصاب.
قيل له: هذا ينتقض على أصلنا بزكاة المعدن؛ لأن النصاب معتبر فيها، والحول غير معتبر.
قياس آخر: لأنه حق يجب في المال يصرف مصرف الزكوات؛ فانقضى

[ق/73] وجوبه نصابا في الابتداء؛ بزكاة الذهب والورق.
وإذا لبث هذا فظواهرهم عامة، وأخبارنا خاصة؛ فوجب القضاء بها عليها.
فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر" فعنه جوابان.
أحدهما: أنه قد نقلنا فيه زيادة؛ وهي قوله: "إذا بلغ خمسة أوسق" والزيادة مقبوله إذا أتى بها الثقة.
والثاني: أنه مخصوص ما ذكرناه.
قالوا: على هذا الجواب إذا ورد خبران: أحدهما: متفق على استعمال بعضه، والآخر: مختلف في استعمالها كان ما اتفق على استعمال بعضه أولى.
قالوا: وقد اتفقنا على أن خبرنا مستعمل في الخمسة أوسق فما فوقها، وخبركم مختلف في أصله؛ فكان خبرنا أولى.
فالجواب أنا لا نعتبر ما ذكروه، بل يقضى بالخاص على العام؛ على أن خبرنا أيضا متفق على استعمال بعضه؛ وهو ما رويناه عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا زكاة في شيء من الحرث حتى يبلغ خمسة أوسق، فإذا بلغ خمسة أوسق ففيه الزكاة".
وما رويناه عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وجواب آخر: وهو أن المقصود بقوله: "فيما سقت السماء العشر".

بيان القدر المأخوذ، ولم يبين له تحديد المأخوذ منه، ولا بيان أجناسه.
ومن يقول من أصحابنا أن وقف العموم على المقصود واجب؛ فالسؤال ساقط على أصله، ومن لا يقول بذلك يرى هذا الطريق ترجيحا لأحد الخبرين على الآخرين؛ فيحكم به.
وأيضا فإن الترجيح معنا؛ لأنه قد اتفقنا على هذا الاستعمال في نظير مثل أخبارنا؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في الرقة ربع العشر".
وكان ظاهر ذلك يقتضي عموم الرقة.
ثم قال: "ليس فيما خمس أواق صدقة"؛ فحكمنا بخصوص ذلك العموم بهذا الخبر؛ فكذلك يجب أن يكون حكم قوله: "قيما صقت السماء العشر" مع قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
فإن قيل: إن قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" لا يجوز أن يكون بيانا لقوله: "فيما سقت السماء العشر"؛ لأنه قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" لا ينتظم إلا الموسق دون غيره، وقوله: "فيما دون خمسة أوسق صدقة" لاينتظم إلا الموسق دون غيره، وقوله: "فيما سقت السماء العشر" نظم الموسق وما ليس بموصق.
ومن حق البيان أن يككون طبق المبين ووفقه، لا زائد عليه ولا نقصا عنه، ومتى جعلنا قوله "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" بيانا لقوله: "فيما سقت السماء العشر" كان ذل عائدا إلى بعض ما شمله العموم، وهو ما يصح أن يكون موسقا دون ما ليس بموسق، وهذا يخرجه عن أن يكون بيانا.
قيل له: لا معنى له؛ لأنه ليس يمتنع أن يكون بيانا لوجوب الزكاة في

الموسق أنه إذا بلغ هذا الحد فالزكاة فيه، وإن أسقطت الزكاة عما عدا الموسق فبديل آخر، فسقط اعتراضهم.
فإن قيل: يحتمل أن يكون المنفى بقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" هو ما كان واجبا في المال قبل الزكاة من صدقة يأخذها العمال أو غير ذلك مما نسخ بالزكاة.
قيل له: فهذا الضرب من الاحتمال لا ينتقل عن ظواهر الأخبار موجباتها، على أنا روينا نصا: "لا زكاة فيما دون خمسة أوسق"؛ فسقط ما قالوه.
وأما ما رووه عن انس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقت السماء العشر في قليله وكثيره".
فغير معروف ولا محفوظ، وعلى أن طريقه عن رجل مجهول، وليس هو عن انس، ورواه أبو مطيع البلخي وهو مجهول عند أهل النقل عن أبي حنيفة عن أبان بن أبي عياش وأبان ضعيف عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذا ما لا خفاء به.
على أنا لو سلمناه لكان الجواب عنه على ما قلناه؛ وهو أن معناه: إذا بلغ خمسة أوسق؛ بدلالة خبرنا.
فإن قيل: فما الفائدة في هذا التأكيد الذي هو قوله: "في قليلة وكثيره"؟ قلنا: فائدته أنه إذا بلغ هذا الحد وجبت الزكاة فيه، وفيما زاد عليه من

عفو بعد النصاب والوجوب فرقا بينه وبين المواشي التي فيها نصابا وأوقاصا.
فأما قوله صلى الله عليه سلم لمعاذ: "خذ الحب من الحب".
فالمقصود به أن ما يؤخذ من الشيء من جنسه دون بيان تحديد المأخوذ منه على أنه مخصوص، ولو ثبت عمومه بما ذكرناه.
وقولهم: إن النصاب أحد شرطي وجوب الزكاة فأشبه الحول ينتقض بالإسلام والجزية؛ لأنهما أحد شرطي وجوب الزكاة ومع ذلك معتبرة في الزرع والثمار.
وينتقض على أصلهم بزكاة الفطر؛ لأنه لا تجب عندهم إلا على من يملك نصابا، والحول غير معتبر فيها.
وينتقض على أصلنا بزكاة المعدن؛ لأن النصاب معتبر فيها.
وعلى أن اعتبار النصاب بالحول لا يصح؛ لاختلاف موضوعهما؛ وذلك أن الحول إنما اعتبر ليتكامل نماء المال فيه.
وهذا المعنى يحتاج إليه في العين والماشية؛ ليتكامل نماؤها بالتصرف في المال والولادة وزيادة السن في الماشية.
وليس كذلك الزرع؛ لأن نماءه يتكامل باستحصاده وبلوغه؛ فلذلك لم يعتبر فيه حول؛ لأن المعنى الذي له نصب الحول معدوم فيه.
وأما النصاب إنما وضع ترفيها لرب المال، وليبلغ المال حدا يحتمل الصدقة [ق/74] ويتسع للمواساة، وهذا ممكن فيما دون الخمسة الأوسق؛ فصح أن يعتبر النصاب في الزرع وإن لم يعتبر الحول.
واعتبارهم بخمس الغنيمة بعلة أنا حق يجب في مال لا يعتبر فيه

الحول؛ فوجب ألا يعتبر فيه النصاب ينتقض بالمعنى على أصلنا وزكاة الفطر على أصلهم على الخمس لا يصرف مصرف الزكاة، وليس كذلك العشر.
وقولهم: إن النصاب وضع للترفيه كالحول؛ فإذا سقط أحدهما وجب أن يسقط الآخر: فقد بينا أن الترفيه الذي وضع له النصاب غير الترفيه الذي وضع له الحول بأن قلنا: إن الحول إنما وضع ليتكامل نماء المال، والنصاب إنما وضع ليبلغ حدا يحتمل المواساة؛ فما له أريد الحول لا يحتاج إليه الزرع؛ لأن نماءه يتكامل بلوغه؛ فسقط اعتبار الحول فيه، وبقي الترفيه الذي أريد بالنصاب؛ فلذلك وجب اعتبارهم.
وقولهم: إن النصاب يعتبر في الأموال التي يتكرر الوجوب فيها، والزرع لا يتكرر الوجوب فيه فهو قياس عكس غير مردود إلى أصل، على أن المعنى مختلف في الأصلين؛ وذلك أن تكرر الوجوب إنما هو لتكرر النماء واتصاله؛ فلذل تكرر الوجوب.
وليس كذلك الزرع والثمار؛ لأن النماء فيها لا يتكرر؛ فلم يتكرر الوجوب.
وقد علمنا أن تكرر النماء واتصاله لا يؤثر في النصاب؛ فكذلك عدمه.
وقولهم: كل ما اعتبر فيه النصاب فلا بد من عفو بعده قياس عكس

جارٍ التحميل