ودخولها بغير إحرام، وكان تعرفهم في الميقات وما دونه كتعرفهم في مكة؛ فوجب أن يكونوا بمنزلة أهل مكة في حكم المتعة.
وهذا ليس بصحيح عندنا؛ لأنه لا يجوز لأحد دخول مكة بغير إحرام إلا من كثر منه الدخول والخروج والتردد [ق/ 172]، كالحطابين وأصحاب الفاكهة، ومن يدخل في اليوم مرارًا من غير أن يفرق بين المواقيت ومن قرب منهم أو بعد.
فبطل ما قاله.
فإن قيل: إن موضع الميقات وهو موضع النسك فوجب أن يكون أهله حاضري المسجد الحرام؛ اعتبارًا بأهل منى وعرفات: فهذا أيضًا غير مسلم لهم، وإن قاسوه على أهل مكة فقد مضى الجواب عنه.
وبالله التوفيق.
فصل
وإذا ساق القارن أو المتمتع الهدى فإنما يسوقانه من الحل إلى الحرم، فإن اشترياه من الحرم أخرجاه إلى الحل ثم عادا به فنحراه.
فإن لم يشتره من الحل أو لم يخرجه إن اشتراه من الحرم إلى الحل فلا يجزئه.
وعند الشافعي أنه إن اشتراه من الحرم ونحره أجزأه.
والدليل على ما قلناه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -ساق هديه من الحل إلى
الحرم، ووقف به بعرفة، ثم أدخله الحرم ونحره؛ فوجب بذلك ما قلناه؛ لأن أفعاله على الوجوب.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عنى مناسككم".
وروى عن ابن عمر قال: الهدى ما قلد، وأشعر، ووقف به بعرفة.
ولأنه لم يهده من الحل إلى الحرم؛ فوجب ألا يجزئه.
أصله: إذا اشتراه في الحل ونحره فيه من غير أن يسوقه إلى الحرم.
ولأن اسم الهدى مأخوذ من الهدية والإهداء؛ فيجب أن يهديه من غير الحرم إلى الحرم.
ولأنه لما كان المحرم -يجمع في إحرامه بن الحل بن الحل والحرم؛ فكذلك في هدية؛ لأن الهدى له محل كما أن الإحرام له محل.
واحتج من خالفونا بقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾.
والهدى اسم لما يهدى؛ لأنه مشتق من الهدية، فإذا أهداه من ملكه إلى منحره فقد أتى بما عليه الاسم؛ فوجب أن يجزئه.
ولأن نحره في الإحرام بسبب الإحرام؛ فوجب أن يجزئه، وأن يكون هديًا؛ اعتبارًا بما أهدى من الحل إلى الحرم.
فالجواب: أن الظاهر يقول بموجبه، ولكن ليس هذا هديًا؛ فوجب أن يثبتوا الاسم.
فأما قولهم أن الهدى اسم لما يهدى: فليس كذلك على التجريد، بل
على وجه مخصوص؛ وهو ما أهدى إلى الحل من الحرم، وليس كل شيء أهو كان هديًا وإن جرى الاسم عليه في اللغة ووجد فيه معنى الاشتقاق الذي هو الفدية؛ لأنه قد تقرر له عرف في الشرع زائد على مجرد الاشتقاق، والمعنى فيه إذا أهداه من الحل أنه مجموع فيه بين الحل والحرم، وليس كذلك إذا اشتراه في الحرم ولم يخرجه إلى الحل.
والله أعلم.
فإن وقفه بعرفة نحره بمنى، وإن لم يقفه بعرفة نحره بمكة؛ لأنه لا ينحر بمنى إلا ما وقف به بعرفة.
وروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "منى كلها منحر فحجاج مكة منحر".
فصل
ولا يجوز نحر هدى التمتع والقران قبل يوم النحر، وهو قول أبى حنيفة.
وقال الشافعي: يجوز نحره عقيب الإحرام بالحج.
واستدل أصحابه بقوله تعالى ذكره: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾.
فأخبر بوجوب الهدى عليه إذا حصل متمتعًا، ولم يفرق بين جواز نحره عقيب الإحرام وما بعده.
ولأنه قال عز وجل: {فمن لم يجد فصيام
ثلاثة أيامٍ في الحج} فجعل سبحانه الصوم في الحج بدلا من الهدى إذا لم يوجد؛ فعلم بذلك أن نحر الهدى في الحج أجوز.
ولأنه جبران للمتعة فجاز فعله قبل يوم النحر.
أصله: الصوم.
ولأن كل فعل له بدل فإنه يجوز أن يكون وقت فعل البدل وقتًا للفعل المبدل، أو يجب أن يفعل المبدل في الوقت الذي يفعل فيه البدل؛ اعتبارًا بالكفارات؛ ألا ترى أن العتق في الكفارة لما كان بدله الصوم كان وقت الصوم يجوز أن يفعل فيه العتق.
وقد ثبت أن الصوم جائز قبل يوم النحر؛ فكذلك يجب أن يكون الهدى.
ولأنه حيوان له بدل -هو صوم -فوجب جواز إخراجه في الوقت الذي يجوز فيه فعل الصوم؛ كالعتق في الكفارة.
والدلالة على ما قلنا: قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾.
وقد ثبت أن الحلاق لا يجوز قبل يوم النحر؛ فدل ذلك على أن الهدي لا يبلغ محله إلا يوم النحر، والألف واللام في هذا الموضع للجنس.
وروى أن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما
سقت (الهدي)، ولجعلتها عمرة"، ولو كان النحر جائزًا قبل يوم النحر لم يتأسف على ذلك.
ولأنه وقت لا ينحل فيها فأشبه ما قبل الإحرام.
فأما الظاهر: فلا تعلق عليه؛ لأنه لا يدل على أكثر من الوجوب، وخلافنا في الأداء.
وليس بمتمتع أن يثبت الوجوب في وقت يتأخر عنه الأداء.
ووقته أن يبلغ محله على ما بيناه.
فأما قولهم أن الله تعالى جعل الصوم بدلاً من الهدى إذا عدم، فلما جاز الصوم في الحج كان الهدى أجوز: فلا معنى له؛ لأن الهدى له محل لا يجوز نحره قبل بلوغه، والصوم -الذي هو بدله -ليس له محل ينتظر به وإن كان بدله.
وغير ممتنع أن يقول: قد أوجبت عليكم الهدي إذا وجدتموه ولا تنحروه حتى يبلغ محله، فإن لم تجدوه فصوموا بدلاً عنه من وقتكم؛ فيتقدم أداء البدل على أداء المبدل لو كان موجودًا.
ومثال ذلك الوضوء والتيمم؛ لأنه قد أخذ علينا بعد دخول أن نتوضأ بالماء، فإن لم نجده تيممنا بالصعيد [ق/ 173] والتيمم شرط الوضوء فهو يؤدى في أأقصر من مدة أداء الوضوء لو وجد الماء وإن كان بدلا منه.
وقولهم أنه حيوان للمتعة فأشبه الصوم: غير صحيح؛ لأنه لا يجب اعتبار الصوم بالهدى؛ لأن للهدى محلاً يجب بلوغه إليه.
وليس كذلك الصوم؛ لأن السبب الموجب لصوم الثلاثة الأيام والسبعة سبب واحد، وقد
جاز فعل أحدهما في غير وقت الهدى؛ فلم يمتنع مثله في الآخر.
وقولهم: كل فعل له بدل فإنه يجوز فعل المبدل في الوقت الذي يجوز فيه فعل البدل كالكفارات: باطل؛ لأن هذا غير موجود في الكفارات؛ لأن الإطعام في كفارة الظهار بدل عن الصوم، وهو يجوز بالليل وإن لم يجر مبدله -الذي هو الصوم -بالليل.
وكذلك العتق يجوز بالليل، ولا يجوز بدله -الذي هو الصوم -بالليل.
وكذلك يجوز العتق في شهر رمضان، ولا يجوز بدله -الذي هو الصوم -فيه.
وهذا أيضًا جواب عن قياسهم الآخر.
وبالله التوفيق.
فصل
فأما قوله: "أنه إذا لم يجد الهدى فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع"؛ فلو رود النص بذلك؛ وهو قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾.
فأوجب الله تعالى على من حصل متمتعًا أن يهدى إذا وجد، فإن لم يجد صام.
ولا خلاف في ذلك.
فصل
فأما قوله أنه: "من وقت يحرم إلى يوم عرفة" فإنه مروى عن جماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، وجملته أن المتمتع إذا عدم الهدى فله أن يصوم الثلاثة الأيام من حين يحرم بالحج إلى يوم عرفة، فإن فاته ذلك صام أيام منى؛ على ما سنبينه إن شاء الله.
ولا يجوز له أن يصوم قبل أن يحل من العمرة ولا بعد الإحلال بها وقبل الإحرام بالحج.
وهذه الجملة قولنا، وقول لشافعي إلا في صيام أيام منى فله قولان.
وعند أبى حنيفة أن الصيام جائز للمتمتع إذا أحرم بالعمرة قبل فراغه منها وبعد فراغه أيضًا، وقبل إحرامه بالحج، ولا يجوز ذلك قبل إحرامه بالعمرة.
فالخلاف معه في جواز الصوم قبل الإحرام بالحج.
والذي يدل على صحته ما قلناه: قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج﴾.
ووجه الاستدلال منه أنه تعالى أوجب الهدى على من حصل متمتعًا إن وجده، فإن لم يجده فالصيام، وما لم يحرم بالحج فليس بممتنع بعد؛ فلا يلزمه الهدى؛ فأحرى أن لا يجوز له الصوم الذي هو بدل عنه؛ لأن الصوم مشروط بعدم الهدى في الحال الذي خوطب بوجوبه فيها.
ولأن قوله عز وجل: ﴿فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج﴾ يقتضى أن يكون في التلبس بالحج، وما لم يحرم به فليس في حج، وإنما هو في عمرة.
فإن قيل: قوله تعالى ذكره: ﴿في الحج﴾ إنما المراد به في وقت الحج لا في أفعال الحج، وذلك أنه لا يخلو أن يكون قوله: ﴿في الحج﴾ يراد به في الفعل الذي هو عدمه للحج الذي يفوت الحج بفواته؛ وهو الوقوف بعرفة الذي سماه النبي -صلى الله عليه وسلم -حجًا؛ فقال: ﴿الحج عرفة﴾ فهذا غير صحيح من قبيل أن هذا الفعل إنما يكون بعد الزوال من يوم عرفة، ومحال صوم الثلاثة الأيام في ذلك الوقت، ولا خلاف في جوازها قبله.
أو أن يكون المراد به في الإحرام بالحج أو في أشهر الحج؛ لأن ذلك ينطق عليه اسم الحج؛ لقوله عز وجل: ﴿الحج أشهر معلومات﴾، وأي ذلك كان فهو جائز؛ لأنه إيقاع للصوم في الحج.
فعن هذا جوبان:
أحدهما: أن قوله تعالى: ﴿في الحج﴾ حقيقته بعد التلبس بالحج، والإنسان لا يكون حقيقة في الحج إلا بعد أن يحرم به، وإذا حصل في وقت الحج ولم يحرم فإنما يقال: إنه في الحج مجازًا أو اتساعًا.
والظاهر والحقيقة ما ذكرناه.
والجواب الآخر: أن الصوم في الحج مشروط بعدم هدى كان واجبًا
على من حصل متمتعًا، وذلك أجمع لا يوجد إلا بعد الإحرام بالحج؛ فكذلك بدله.
ويدل على ما قلناه: أنه صوم علق وجوبه بشرط؛ لم يجز تقديمه قبل وجود شرطه؛ اعتبارًا بالكفارة.
ولأنه صوم عن المتعة حصل قبل التلبس بالحج؛ فأشبه صيام السبعة الأيام.
ولأنه صوم جعل بدلاً عن إخراج حيوان؛ فأشبه الصوم في كفارة الظهار.
واحتج من خالفنا: بأن قال: إن العمرة سبب في وجوب الصوم بدليل أن وجوب الصوم متعلق بحصول التمتع، والتمتع هو الجمع بن الإحرامين على صفة؛ لأنه لو أفرد أحدهما عن الآخر لم يتعلق به الوجوب؛ فصح بذلك أن العمرة سبب في الوجوب.
وإذا ثبت ذلك كان تأثير أحدهما كالآخر.
وأيضًا فإن الوجوب إذا تعلق بشيئين يجوز اجتماعهما فالمقدم منهما سبب؛ كالنصاب والحول.
فالجواب: أن العمرة ليست بسبب في وجوب الصوم، وإنما هي سبب في وجوب المتعة، والمتعة سبب في وجوب الهدى، والتمتع لا يكون إلا بالإحرام بالحج.
على أن العمرة إن كانت سببًا في وجوب الصوم مع كونه مشروطًا بعدم الهدى فهي بأن تكون سببًا في وجوب الهدى أولى.
ثم قد اتفقنا على أن الهدى لا يجوز تقديمه قبل الإحرام بالحج؛ فكذلك الصوم.
ويبطل أيضًا بكفارة اليمين؛ لأنه لا يجوز تقديمها على سببها الذي هو اليمين.
قالوا: ولأنه صيام بعد الإحرام باعمرة؛ فأشبه إذا صام بعد التلبس بالحج.
فالجواب: أن المعنى في ذلك أنه صيام [ق/ 174] حصل بعد التمتع أو بعد وجوب شرطه الذي هو عدم الهدى الواجب، وليس كذلك في هذا الموضع.
وبالله التوفيق.
فصل
فإذا ثبت ما ذكرناه فإن فاته الصيام إلى يوم عرفة صام أيام منى.
وهو أحد قولي الشافعي، وروى عن علي، وابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم.
وعن ابن عباس روايتان.
وقال أبو حنيفة: لا يصومها، ويستقر الهدى في ذمته.
وهو القول الآخر للشافعي.
وهذه المسألة قد مضت في كتاب الصيام، إلا أنا نذكر ها هنا بعض ما
يمكن أن يذكر فيها.
والكلام فيها من طرفين:
أحدهما: أن ندل على جواز صوم أيام التشريق.
والآخر: أن ندل على جواز الصوم بعدها، وأن الهدي لا يستقر في الذمة.
فالدليل على أن له أن يصوم أيام التشريق: قوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيامٍ﴾؛ أطلق، وهذه ثلاثة أيام في الحج فجاز صومها.
قال الرازي محتجًا لأبي حنيفة: هذا لا يجب من وجوه:
أحدهما: أن النبي -صلى الله عليه وسلم -نهى عن صيام هذه الأيام؛ فكان النهى قاضيًا على العموم مخصصًا له؛ كما كان قاضيًا على قوله عز وجل: ﴿فعدة من أيامٍ أخر﴾.
والثاني: أنه لو كان جائزًا لأنه من أيام الحج لوجب أن يكون صوم يوم النحر أجوز؛ لأنه أخص بأفعال الحج من هذه الأيام.
والثالث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم -خص يوم عرفة بالحج بقوله: "الحج عرفة"، وقوله تعالى: ﴿في الحج﴾ يقتضى أن يكون آخرها يوم عرفة.
والرابع: أنه روى أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وروى أنه يوم النحر،
وقد اتفقوا على أنه لا يصوم يوم النحر مع أنه يوم الحج الأكبر؛ فما لم يسم يوم الحج من الأيام المنهي عن صومها أحرى ألا يصوم فيها.
قال: وأيضًا فإن الذي يبقى يوم النحر إنما هو من توابع الحج -وهو رمى الجمار -فلا اعتبار به في ذلك؛ فليس هو إذًا من أيام الحج، ولا يكون صومها صومًا في الحج.
فيقال له: أما قولك أن نهى النبي -صلى الله عليه وسلم -عن صيام هذه الأيام يقضى على العموم: فإنه منوال من قد سلم الاحتجاج بالظاهر وتناوله لمسألة الخلاف إلا أن ينظر في النهى الذي أوردته، وسنتكلم عليه فيما بعد إن شاء الله.
وأما قولك أنه لو جاز صومها لكونها من أيام الحج لكان يوم النحر أجوز لكونه أخص بأفعال الحج: فغير صحيح؛ لأنا لسنا نقول: إنه كونه من أيام الحج علة في جواز صومه فليزمنا أن يكون ما كان داخل في العلة أولى بالحكم، والعموم يقتضي ذلك لولا الإجماع.
وأما قولك أن النبي -صلى الله عليه وسلم -خص عرفة بالحج فقال: ﴿الحج عرفة﴾: فالمراد بذلك معظم الحج المقصود الذي يفوت بفواته هو الوقوف بعرفة، وليس في ذلك نفى لكون غيره من أيام الحج.
فأما قولك: إن ذلك يقتضى أن تكون ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة: فدعوى عارية عن حجة، أكثر ما فيه أن تكون ثلاثة أيام منها يوم عرفة.
فأما آخرها يوم عرفة فبأي وجه وجب ذلك؟
فأما قولك: إنه قد روى: الحج الأكبر يوم عرفة، وروى: يوم النحر، وأنه إذا لم يجز صومه مع تسميته بأنه يوم الحج كان ما لم يسم أولى بذلك للنهى عن صومه: فإنه غلط؛ لأن الظاهر اقتضى أن يصام في الحج، ولم يفصل بين أن يصام ما لم يسم يوم الحج وبين ما لا يسمى بذلك بعد أن يكون في الحج.
وقد اتفقنا على جواز صوم يوم التروية ومن أول شهور الحج وإن لم تسم بأنها يوم حج؛ فكذلك أيام منى.
فأما قوله أن أيام منى أولى ألا تجوز للنهى عن صيامها: فالنهى إذًا هو المعتبر لا نفى كونه يوم حج؛ لم يحصل من هذه الجملة إلا على محض التحكم.
فأما قوله أن الذي يبقى بعد يوم النحر وذلك من توابع الحج فلا اعتبار به: فإنه باطل؛ لأن الظاهر أوجب أن يوقع الصيام في الحج، ولم يوجب أن يقع في فعل هو المقصود منه؛ ألا ترى أنه يجوز أن يصوم في أيام لا يفعل فيها شيئًا من الحج أصلاً؟ وقد ثبت أنه متلبس في هذه الأيام بأفعال الحج، وأنه ليس له أن يحرم بعمرة إلا بعد تقضيها.
وإذا كان كذلك بطل ما قالوه.
وقد ذكر أصحابنا أن هذه الآية التي هي قوله عز وجل: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج﴾ نزلت يوم التروية والناس بمنى، وقد علم أنه لا يمكنهم أن يصوموا في الحج إلا يوم عرفة وبعد يوم النحر؛ فكان ذلك
كالنص في جواز صومها.
فقال المخالفون: إن هذا وارد في بيان وقت الصوم من السنة القابلة، ولم يرد بها بيان الصوم في سنتهم تلك؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن فرضهم إذ ذاك الصوم؛ لأنهم كانوا على ضربين: من معه هدى، ومن لا هدى معه؛ فمن معه هدي نحره ولم يجزئه الصوم، ومن لا هدى معه نحر النبي -صلى الله عليه وسلم -عنه؛ فعلى كل وجه لم يكن الصوم من فرضهم.
والجواب عن ذلك: أنه دعوى؛ لأن الظاهر عام في تلك السنة وما بعدها، وليس كل الصحابة كان يجد الهدى، ولا عن جميع المتمتعين نحر النبي -صلى الله عليه وسلم -؛ فلم يلزم ما قالوه.
ومن الدليل على ما قلنا: ما [ق/ 175] رواه يحيى بن سلام أن شعبة حدثه عن ابن أبى ليلى عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: رخص النبي -صلى الله عليه وسلم -للمتمتع إذا لم يجد الهدى، ولم يصم حتى فاتته أيام العشر أن يصوم أيام التشريق.
أخبرنا الشيخ أبو بكر الأبهرى حدثنا محمد ابن الحسن القزوينى حدثنا محمد بن عبد الله بن الحكم حدثنا يحيى ابن سلام.
وأخبرنا الشيخ أبو بكر أيضًا عن ابن الجهم عن موسى بن إسحاق الأنصاري عن عبد الله بن أبى شيبة حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت عبد الله بن عيسى يحدث عن الزهري عن عروة عن عائشة -
رضي الله عنها -وعن سالم عن ابن عمر قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى.
فإن قيل: فقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام أيام التشريف.
وروى ابن شهاب عن سعيد بن المسبب عن أبى هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -بعث عبد الله بن حذافة يطوف ألا تصوموا هذه الأيام، وإنها أيام أكل وشرب وذكر.
وروى إسماعيل بن محمد [بن] سعد بن أبى وقاص عن أبيه عن جده قال: أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم -أن أنادى أيام منى: إنها أيام أكل وشرب فلا تصموا.
وهذا نهى عام.
والآخر: وصفه إياها بأنها أكل وشرب، وهذا ينفى كونها أيام صيام.
فالجواب أن يقال: أما النهى فإنه في غير المتمتع؛ بدلالة ما رويناه من ترخيصه صلى الله عليه وسلم للمتمتع في صومها.
وأما وصفه إياها بأنها أكل وشرب فلا ينفى جواز صومها على وجه، وإنما ذلك وصف لها بالمقصود منها والغالب؛ لأن صومها هو النادر؛ ألا ترى أنه قد وصف يوم عرفة بذلك وصومه جائز باتفاقنا؛ فروى موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "إن يوم عرفة ويوم النحر، وأيام التشريق عندنا وعند أهل الإسلام أيام أكل وشرب".
فإن قيل: كل يوم لا يصح صومه تطوعًا لم يجز صومه في التمتع؛ اعتبارًا بيوم النحر.
فالجواب: أن اعتبار الفرض بالنفل في هذا ليس بصحيح من قبيل أن الفرض لتأكده يجوز فعله في وقت لا يجوز فعل النفل؛ ألا ترى أن صلاة التطوع منه عنها بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر حتى تطلع لم يجوز أن يصلى في هذه الأوقات فرضًا يذكر؟.
والذي يدل على جواز الصوم بعد أيام التشريق، وأن الهدى لا يستقر في ذمته بمضيها أنه صوم واجب؛ فوجب جواز أن يفعل قضاء وأداء، أو نقول: فوجب ألا يسقط بفوات وقته، أو نقول: فوجب أن يفعل بعد ذهاب وقته؛ اعتبارًا بصيام رمضان وبالصوم في كفارة الظهار.
ويبين ذلك أيضًا ما قاله أصحابنا أن الصوم في الأصول على ثلاثة أضرب: منه ما يتعلق بوقت مخصوص به متعين فيه؛ وهو صوم رمضان والنذر المعين.
ومنه ما يتعلق فعله بشرط من غير أن يختص (بزمان) معين إلا
أن ذلك الشرط يجرى مجرى التعيين فيما قبله، وكذلك كصوم كفارة القتل والظهار.
وإذا ثبت ذلك لم يخل الصوم في التمتع أن يكون كأحدها، وكلها يجوز في وقته، وقضاؤه بعد فوات وقته.
ويوضح ذلك أيضًا أن وقت البدل أوسع في الأصول من وقت المبدل؛ اعتبارًا بقضاء الصلوات والصيام.
وأيضًا فلأنه عادم للهدى فجاز له الصوم، ولم يستقر الهدى في ذمته.
أصله: إذا كان في الحج.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى ذكره: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج﴾ فوقته بالحج، وكل فرض موقت فإنه يسقط بفوات وقته وزوال الشرط الذي علق به، ويحتاج في إثبات مثله إلى دلالة مستأنفة.
فالجواب: أن هذا يبطل بما قدمناه من صيام رمضان وكفارة الظهار.
وأيضًا فإن الشرط الذي علق به -وهو عدم الهدى -لم يزل، وإنما زال الوقت الذي علق الوجوب به، وذلك لا يمنع من قضائه بعد فواته على ما بيناه.
فإن قيل: لأنه بدل من أصل فإذا فات وقت البدل رجع إلى حكم الأصل؛ كالجمعة هي بدل من الظهر، فإذا فات وقت الجمعة رجع إلى الظهر.
قيل له: ينتقض بالصوم في كفارة الظهار؛ لأنه بدل عن العتق، وهو مشرط بأن لا يقع المسيس، ثم لو وقع المسيس لجاز فعله بعده.
وأيضًا فإن الجمعة قد أكد حتى سقطت عن المسبوق بها مع بقاء الوقت، وليس كذلك حكم الصيام.
على أن القياس يبطل بقضاء سائر الصلوات.
فإن قيل: إن الصيام جوز له بشرط أن يكون في الحج كما جوز له بعدم الهدى، فإذا زال الشرط الذي هو كونه في الحج رجع إلى أصله؛ كما لو لم يصم حتى وجد الهدى لرجع إلى الهدى.
قيل له: إنما وجب ذلك في الهدى؛ لأن الصوم بدل عنه، فإذا وجد المبدل سقط حكم البدل، وليس كذلك زوال أفعال الحج؛ لأنها شرط في فعل البدل، ولا يمتنع فعله مع فواته؛ كما بيناه من اشتراط عدم المسيس في كفارة الظهار؛ ألا ترى أن الصوم مشروط بأن يفعل قبل المسيس، ثم لو وقع [ق/ 176] يمنع فعله؟ فكذلك حكم مسألتنا.
ويدل على ما قلناه أيضًا: أن هذا الصوم معنى يسقط به ما وجب عليه من أجل تمتعه فلم يمنع من فعله بعد خروج وقته؛ اعتبارًا بالهدى؛ لأنه لو أخره عن وقته لوجب عليه نحره بعده.
والله أعلم
فصل
وإذا دخل في الصوم بعد عدم الهدى، فلما صام يومًا أو يومين وجد هديًا: فإنما يستحب له أن يهدى، فإن مضى على صومه أجزأه.
هذا قولنا، وقول الشافعي -رحمه الله -.
وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه -: إن وجد الهدى قبل فراغه من صيام الثلاثة الأيام فإنه يهدى، وإن فرغ منها ثم وجده قبل صيام السبعة أو بعد الشروع فهيا فإنه يمضى ولا يلزمه البدل.
قالوا: ولأن الصيام بدل عن الهدى، والقدرة على الأصل تمنع تمام البدل؛ اعتبارًا بالمتيم إذا رأى الماء في الصلاة أو قبل الدخول فيها.
ولأن ابتداء الصيام لا يجوز مع وجود الهدى، وكل معنى ينافى الدخول في الصيام لأجل المتعة فإنه ينفى البقاء عليه؛ اعتبارًا بالجماع.
ولأنه قادر على الهدى قبل وقوع التحلل بالصوم؛ فأشبه إذا وجده قلب الشروع فيه.
والدلالة على ما قلنا: أنه بدل تلبس به عند عدم البدل مقصود في نفسه؛ فلم يلزمه الخروج منه بوجود المبدل؛ اعتبارًا به إذا وجده بعد الدخول في صيام السبعة، وإنما قيدناها احترازًا من المتيمم إذا وجد الماء قبل الدخول في الصلاة.
ولأنه تلبس بصوم المتعة بعد عدم أصله فلم يلزمه الرجوع إلى الأصل
عند وجوده.
أصله: إذا وجده الثلاثة والتحلل.
فإنه قيل: إن صوم السبعة ليس ببدل عن الهدي، وإنما البدل هو صوم الثلاثة التي شرطت بأن تكون في الحج.
قيل له: لسنا نريد بقولنا أنها بدل أكثر من أنها تجب بعدم الهدى، ويسقط بوجوده، وهذا موجود في الثلاثة والسبعة.
على أن ما قالوه فاسد؛ لأنه لو كان الهدى في مقابلة الثلاثة لما احتاج إلى صيام السبعة، ولما سقطت بالهدى.
فأما قياسهم فمنتقض به إذا وجد الهدى في السبعة الأيام، ووزان وجود الماء قبل الدخول في الصلاة أن يجد قبل الشروع في الصوم فيلزمه أن هدى.
واعتبارهم بالجماع باطل؛ لأن بطلان الصوم به لا ماضي جنسه، وليس كذلك وجود الهدى؛ ألا ترى أنه لو وجد في السبعة لم يبطله.
واعتبارهم بما إذا وجده قبل الشروع في الصوم غير صحيح أيضًا؛ لأنه لم يتلبس ببدل يتعلق به حكمه.
والله أعلم.
فصل
فأما قوله أنه: "يصوم السبعة إذا رجع إلى أهله"؛ فلأن الله تعالى
قال: ﴿وسبعةٍ إذا رجعتم﴾ فجعلها بعد الرجوع، وذلك يفيد رخصة عندنا.
فإن صامها في الطريق أجزأه، وهو قول أبى حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وله قول آخر أنه لا يصومها حتى يرجع إلى أهله.
واستدل أصحابه لهذا القول بأن قالوا: لما قال الله تعالى: ﴿وسبعةٍ إذا رجعتم﴾ لم يخل أن يكون أراد رجوعًا عن السفر وعودًا إلى الوطن، أو رجوعًا عن الحج، وهو الذي تقدم ذكره بقوله عز وجل: ﴿فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج﴾، ولا يجوز أن يكون أراد الرجوع عن الحج؛ لأن قوله سبحانه: ﴿فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج﴾ معناه: في الوقت الحج فالوقت لا يصح الرجوع عنه، وإذا لم يصح ذلك علم أنه أراد الرجوع إلى الأهل والوطن.
قالوا: ولأنه صامها قبل الرجوع إلى الأهل؛ فأشبه إذا صامها في الحج.
والدلالة على ما قلنا: قوله تعالى: ﴿وسبعةٍ إذا رجعتم﴾؛ فعلقه بالرجوع؛ فوجب أن يتعلق بأول الرجوعين كما فعلنا ذلك في الشفقين والأبوين والغريقين وغير ذلك.
ولأنه إذا لم يكن بد من إضمار في الظاهر كان إضمار الحج أولى؛ لأنه لم الضمير إليه إلا الحج؛ لأنه تعالى قال عز من قائل: ﴿فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجعتم﴾ فكان الظاهر أراد إذا رجعتم منه، وذلك الفراغ منه.
فأما اعتراضهم بأن قوله: "في الحج" معناه: في وقت الحج، وأن الوقت لا يصح الرجوع منه: فإنه غير صحيح؛ لأنه لا يمتنع أن يعبر عن الفراغ من الشيء والانصراف عنه بالرجوع؛ كما يقال: رجع الناس من الصلاة معناه: أنهم فرغوا وانصرفوا وإن لم يبلغوا منازلهم.
ولأنه إذا انصرف إلى أهله فليس براجع أيضًا عن الوقت على ما قالوه؛ فالسؤال عائد عليهم.
ويدل على ما قلناه أيضًا أنه قد فرغ من أفعال الحج؛ فجاز له الصوم؛ اعتبارًا به إذا رجع إليه.
ولأنه لو كان رجوعه إلى أهله ووطنه شرطًا في جواز هذا الصوم لوجب ألا يجزئه فعله إذا قام بمكة؛ لأن شرط الجواز لم يحصل مع قدرته عليه وتمكنه منه، فلما جاز ذلك له باتفاق دل على بطلان ما قالوه.
وقياسهم غير صحيح؛ لأنه ما دام في الحج فليس براجع؛ فلم يوجد الشرط.
والله أعلم.
فصل
فأما قوله أن: "من أراد الإحرام بالعمرة فليس له أن يحرم بها من الحرم حتى يخرج [ق/ 177] إلى الحل" فإنه قول كافة أهل العلم.
والأصل فيه أن الإحرام من حقه أن يجمع فيه بين الحل والحرم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس﴾ يعنى: إنه يتكرر مجيئهم إليه.
ويفارق العمرة؛ لأن الحج لابد أن يأتي به في الحل؛ لأن فيه الوقوف بعرفة -وهي حل -وليس كذلك العمرة؛ لن أفعالها كلها في الحرم.
وكذلك روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه اعتمر وأعمر عائشة -رضي الله عنها -فاعتمر من الجعرانة، وأعمر عائشة من التنعيم.
وروي عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: يا أهل مكة إنما عمرتكم الطواف بالبيت؛ فاجعلوا بينكم وبين مكة بطن وادٍ.
أحرموا بالعمرة من الحل.
فإن أحرم بالعمرة من مكة خرج إلى الحل، ثم طاف وسعى، وأجزأه.
فيكون قد جمع في إحرامه بين الحل والحرام.
وبالله التوفيق.
مسألة
قال رحمه الله: "ومن أصاب صيدًا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل من فقهاء المسلمين.
ومحله منى إن وقف به بعرفة، وإلا [فمكة ويدخل به] من الحل.
وله أن يختار ذلك أو كفارة طعام مساكين [أن ينظر إلى قيمة الصيد طعامًا فيتصدق به] أو عدل ذلك صيامًا؛ أن يصوم عن كل مد يومًا، ولكسر المد يومًا كاملاً [والعمرة سنة مؤكدة مرة في العمر].
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي -رحمه الله -: جملة القول في ذلك أن الصيد المقتول لا يخلو مما له مثل من النعم، أو مما لا مثل له.
فإن كان له مثل وشبه من النعم فجزاؤه؛ وذلك كالنعامة التي تشابه البدنة، وحمار الوحش الذي يشبه البقرة.
فإذا ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة؛ لأنها أقرب الأشياء شبهًا بها.
فهذا فيه مثله.
فأما ما لا مثل كاليربوع والأرنب وغير ذلك فقد الواجب هو المثل، فإن وجوبه ليس بمتحتم بل إن شاء.
المثل أخرجه، وإن شاء أن يخرج بقيمته طعامًا فعل، وإن شاء أن يعدل إلى الصيام فيصوم مكان كل مد يومًا بالغًا ما بلغ فعل.
وسنبين هذه الفصول فيما بعد إن شاء الله.
ووافقنا الشافعي في ذلك كله إلا في التقويم بالطعام فإنه قال: يقوم المثل بالدراهم، ثم تقوم الدراهم بالطعام.
والاختيار عندنا أن يقوم الصيد نفسه، لا المثل.
فالكلام في ذلك يأتي فيما بعد إن شاء الله.
وقال أبو حنيفة: جميع الصيد الذي له مثل والذي لا مثل له مضمون بقيمته لا بمثله، فإذا قتل المحرم صيدًا وله مثل ضممنه بقيمته، ثم إن شاء اشترى بتلك القيمة هديًا أو طعامًا، أو صام بدل كل صاع يومين.
فالخلاف معه في الصيد الذي له مثل من النعم؛ فعندنا إنه مضمون بمثله سواء كان ذلك المثل بقيمته أو بأكثر أو بأقل، لا اعتبار بالقيمة أصلاً.
وعنده إنه مضمون بقيمته لا بمثله.
فالدلالة على صحة قولنا: قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾.
والاستدلال بهذا الظاهر من وجوه:
أحدها: أنه لو إطلاق قوله عز وجل: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ لأوجبنا في الظبي طبيًا مثله؛ فكذلك في بقرة الوحش وسائر الصيد؛ لأن إطلاق المماثلة يقتضى الاتفاق في الصورة والجنس، فلما قيده بأن يكون من النعم -وهي الإبل والبقر والغنم -علمنا أنه لم يرد الجنس، وإنما أراد الخلقة والصورة فقط.
وعند مخالفنا إنه لا اعتبار بالمثل من النعم، وإنما الاعتبار في ذلك بالقيمة.
والوجه الآخر: قوله عز وجل عقيب قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾.
وهذا الهاء كناية ترجع إلى ما تقدم -وهو الجزاء -فلا تخلو أن تكون عائدة إلى جميع المذكور أو إلى أقربه، فإن كانت عائدة إلى جميعه فقد
عادت إلى (مثلي) المقتول من النعم، وإن كانت عائدة إلى أقرب مذكور فأقرب المذكور هو النعم؛ فيجب أن يكون هو المحكوم به.
ولا يجوز أن يرجع إلى القيمة؛ لأنه لم يجز لها ذكر في الآية فتعود الكناية إليها.
والوجه الآخر: قوله عز وجل: ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾؛ فأوجب أن يكون نفس الشيء المحكوم به هديًا بالغ الكعبة، وهذا لا يمكن في القيمة؛ لأنها لا يمكن أن يبلغ بها الكعبة على صفتها دون أن تبدل، وإنما يصح ذلك في المثل الذي يعتبره؛ فصح بذلك ما قلناه.
فإن قيل: ما أنكرتم من أنه لا دلالة لكم في الظاهر من قبيل أنه من ليس فيه أنه مضمون بمثله من النعم، وإنما فيه فجزاء مثل ما قتل من النعم، وهذا لابد فيه من إضمار، وذلك الإضمار هو أن يشترى بالقيمة من النعم أو يعرفه إليها.
قلنا: هذا لا يصح من وجهين:
أحدهما: أن الظاهر مستقل بنفسه غير مفتقر إلى إضمار؛ لأنه تعالى أخبر بأن الواجب بقتل الصيد الجزاء بمثله من النعم.
وهذا كان فيما قلناه.
والوجه الآخر: هو أن الإضمار الذي ذكروه يسقط الظاهر ولا يصح؛ لأنهم إذا جعلوا معناه أن يشترى به مثله من النعم أسقطوا اعتبار المثل في الجزاء، وهو الذي ورد به الظاهر؛ فبطل ما قالوه.
فإن قيل: قد ثبت أنه لم يرد بالمثل المماثلة في الجنس علم أن المراد به القيمة [ق/ 178] وأن تلك القيمة تصرف في النعم.
قلنا: هذا يبطل من غير وجه؛ وذلك أنه محتاج إلى ترك الظاهر وإضمار فيه؛ فيكون تقديره: فجزاء مثل ما قتل قيمة تصرف في النعم.
وهذا ما لا سبيل إليه، مع إمكان إجرائه على ظاهره؛ وهو أن يكون الجزاء مثل النعم مماثلا للمقتول في الخلقة والصورة؛ فيستغنى بذلك عن الإضمار.
والوجه الآخر: أن الإضمار إنما يسوغ ما لم يكن مسقطًا لصريح الظاهر.
فأما إذا عاد بإسقاط بعضه فلا يصح ذلك؛ مثل قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدة﴾ إذا أضمرنا فيه (فأفطروا).
وقوله عز وجل: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففدية﴾ إذا أضمرنا فيه (فخلق).
فإن هذه إضمارات سائغة؛ لأنها لا تعود بإسقاط شيء من الصريح.
فإذا أضمر في اللفظ القيمة -على ما قالوه -سقط بعضه؛ وهو قوله عز وجل: "من النعم"؛ لأن صرف القيمة إلى النعم ليس بشرط في الجزاء عند المخالف، وإنما يفعله المكلف إن اختار.
وأيضًا فإنه تعالى قال: ﴿يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾، ولابد أن
يكون أراد الجميع أو أقرب مذكور، وكيف كان الأمر فيجب أن تكون النعم محكوم بها.
وعند المخالف إنه لا يحكم بها؛ فبان بذلك سقوط اعتراضهم.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون المراد بالمثل المذكور في الآية القيمة؛ بدلالة قوله عز وجل: ﴿لا تقتلوا الصيد﴾، وهذا عموم في جنس الصيد -ما لم مثل من النعم وما لا مثل له -وقد ثبت أن ما لا مثل له مضمون بالقيمة؛ فيجب أن يكون ما له مثل مضمونًا أيضًا بالقيمة؛ لأمرين:
أحدهما: أنه إذا ثبت ذلك فيما ذكرنا ثبت في النوع الآخر؛ لامتناع أن يعبر باللفظ الواحد عن معينين مختلفين.
والوجه الآخر: أن القيمة إذا اعتبرت في بعض الصيد صارت كالمنطوق به؛ فانتفى حمل الآية على معنى سواها.
فالجواب عن هذا من وجوه:
أحدهما: إنا لا نسلم قوله عز وجل: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ عموم في جنس الصيد؛ لأنه قد عقبه بما يدل أن المراد به ما له مثل من النعم؛ فقلنا: إن التحريم إنما يتناول هذا النوع، فأما ما عداه فمعلوم تحرمه من قوله عز وجل: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾، وقوله
تعالى ذكره: ﴿غير محلي الصيد﴾ ومن سنن الرسول -صلى الله عليه وسلم -، والإجماع، وغير هذا الظاهر من أدلة الشرع؛ فبطل استدلالهم على هذه الطريق.
هذا جواب أكثر شيوخنا المتقدمين؛ مثل القاضي إسماعيل بن إسحاق، والقاضي أبى بكر بن بكير.
والوجه الآخر: وهو أولى من هذا -أنا لا نسلم لهم أن الظاهر عام في جميع الصيد، ولكن بيان الخبر أخص في نوع منه -وهو ما له مثل من النعم -، وهذا غير ممتنع أن يكون أول اللفظ عامًا وآخره خاصًا.
وإيجاب الجزاء فيما لا مثل له معقول بغير ذلك من الأدلة.
فأما قولهم أنه إذا ثبت كون ما لا مثل له مضمونًا بالقيمة ثبت مثله فيما له مثل؛ لأن اللفظ الواحد لا يعبر به عن معنيين مختلفين: فعنه جوابان:
أحدهما: أنه لا يسلم أن ذلك مستفاد من الظاهر.
والآخر: أنه لو ثبت لم يمتنع حمل اللفظ على المعنيين المختلفين إذا كانا في حالين، وإنما يمتنع ذلك في حال واحدة.
وفي مسألتنا يحمل على حالين وحكمين؛ فلم يمتنع.
فإن قيل: إن إطلاق المثل في الشريعة صار عبارة عن القيمة؛ بدلالة قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾، وإذا ثبت ذلك فالاسم إذا تقرر به عرف في الشرع وجب حمله عليه أبدا بما
لم يمنع من ذلك دليل.
قلنا: لم يعقل من صريح هذا الظاهر بالقيمة، ولا يعقل منه إلا مثل الفعل ومن جنسه؛ يبين ذلك أن من جرح رجلاً جراحة يمكن القصاص منها فعلنا به مثل فعله بهذا الظاهر، وكذلك لو أتلف عليه شيئًا من المكيل والموزون أغرمناه مثله من جنسه.
فإن تعلق شيء من ذلك بالقيمة فبدليل صرنا إليه غير الظاهر.
فإن قيل: إن المثل يعبر به عن أمرين:
أحدهما: من طريق اللغة.
والآخر: من طريق الشرع.
فأما من طريق الغة فهو المثل في الجنس.
وأما من طريق الشرع فهو القيمة.
فإذا بطل أن يكون المراد ها هنا المثل من طريق الجنس ثبت أن المراد في القيمة.
فالجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن هاهنا مثلاً زائدًا على ما ذكروه؛ وهو الدية في الحر في قتله وجراحه؛ لأن الدية في الشريعة قد جعلت كالمثل للحر؛ لأنها بدل من القتل، وليست من طريق الجنس ولا القيمة.
والوجه الآخر: أن ما ذكروه لو صح لكان إنما يثبت في المثل المطلق لا في المثل المقيد، ومسألتنا في مثل مقيد؛ لأنه تعالى قال: {مثل ما قتل من
النعم}.
وإذا ثبت هذا بطل اعتباره بالمثل المطلق، ووجب تعليقه بما قيد به.
والوجه الآخر: أن القيمة ليست بمثل، وإنما أقيمت مقام المثل عند تعذره في المواضع التي دلت الدلالة عليها؛ ولذلك تختلف فتقدر تارة ويجتهد فيها أخرى.
وإذا كان هذا حكمها لم يعقل من إطلاق المثلية.
فإن قيل: لما قال تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾ فأوجب [ق/ 179] أن يحكم بالمثل شاهدان عدلان ثبت أن المراد به القيمة لا الخلقة والصورة؛ لأن ذلك يوصل إليه بغير حكم؛ إذ كل أحد يعرفه، وإنما يحتاج إلى الشاهد في حصر القيمة وضبطها.
فالجواب: أن الأمر بخلاف ما يظنوه؛ لأن القيمة مما لا تكاد تخفى على أحد، وإنما المماثلة من أي صفة تكون ومن أي شيء تلتمس يحتاج فيها إلى الشهود ولإمكان حصول الشبهة في حيوان دون حيوان؛ فبطل ما قالوه.
على أن الحكم يحتاج إليه في التخيير بين المثل والتقويم على ما سنبينه؛ فلا يلزم هذا السؤال.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون هذا الظاهر دالاً على ما نقوله من قبيل أن الله تعالى قال: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل﴾ فأوجب فيه الجزاء بالمثل، وهذا كلام مستقل بنفسه.
ثم ابتدأ فقال عز وجل: {من
النعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم}.
فالجواب: أن هذا غلط ظاهر؛ لأن قوله عز وجل: ﴿من النعم﴾ من تمام الكلام الأول؛ لأنه لا يجوز أن يبتدئ به ويصلح أن يكون صلة لما تقدم؛ لأنه بيان للجنس الذي منه تلتمس المماثلة؛ فسقط ما قالوه.
فإن قيل: إن جمل الآية على القيمة يسلم معه عموم اللفظ الذي هو قوله عز وجل: ﴿لا تقتلوا الصيد﴾، وحملها على المثل من طريق الخلقة والصورة يؤدى إلى نخصيصها في بعض الصيد -وهو ما له مثل من النعم؛ فكان ما قلناه أولى.
قيل له: إذا حملنا الآية على الصيد الذي له مثل من النعم فقد حملناها على عموم ما وردت فيه، وحملنا قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ على ظاهره الذي هو بيان له، ووجوب اعتبارهم النعم من غير حاجة إلى إضمار.
وإذا حمل على ما قالوه احتجنا معه إلى إضمار القيمة في اللفظ، وإلى إسقاط اعتبار النعم؛ فكان ما قلناه أولى.
هذه جملة الكلام في الآية والأسئلة عليها.
ثم عدنا إلى الاستدلال على أصل المسألة فقلنا: ومما يدل على ذلك أيضًا ما روى عطاء عن جابر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قال: "الضبع صيد، وفيها جزاء كبش مسن إذا أصابه المحرم".
ورواه أبو بكر بن الجهم حدثنا أحمد بن الهيثم حدثنا سليمان بن حرب حدثنا جرير بن حازم عن عبد الله ببن عبيد عن عبد الرحمن بن أبى عمار عن جابر أن النبي -صلى الله عليه وسلم -سئل عن الضبع فقال: "هي صيد، وجعل فيها كبشًا".
ففي هذا الخبر أدلة:
أحدهما: أن النبي -صلى الله عليه وسلم -أوجب فيها كبشًا، ومخالفنا يقول: الواجب فيها القيمة لا الكبش.
وهذا خلاف للخبر من وجهين:
أحدهما: أنه إيجاب لما لم يوجبه.
والآخر: إسقاط ما أوجبه.
والثاني: أنه جعل الواجب فيها كبشًا، سواء كان بقدر قيمتها أو أقل أو أكثر.
ومخالفنا يقول: تجب تارة كبشًا وتارة جملاً وتارة كبشان؛ على حسب اختلاف القيمة.
والثالث: أنه أوجب فيها جزاء مقدرا؛ فدل ذلك على سقوط التقويم؛ لأن ما يدخله التقويم لا يجوز أن يجعل المبدل منه أصلاً في الشرع؛ لأن القيمة تختلف باختلاف البلدان والأوقات؛ كقيم المتلفات وأرش الجنايات.
فلما قدر الموجب بأنه كبش علم بذلك سقوط اعتبار التقويم.
والرابع: أنه لما خص الكبش بكونه جزاء للضبع من شائر الحيوان وغيره.
دل ذلك على أن هو المقصود، ولا اعتبار بالقيمة؛ لأنه لو كان التقويم هو المعتبر لم يفرق الحكم بين الكبش وغيره من الحيوانات المتملك من جنسه وغير جنسه.
ويدل أيضًا على ما قلناه إجماع الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه مروى عن عمر، عثمان، وعلى -رضي الله عنهما -، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، ومعاوية، وعائشة -رضي الله عنهم -، ولا مخالف لهم نعرفه؛ فروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن عمر قضى، وعثمان، وعليا، وزيدا، وابن عباس، ومعاوية في النعامة ببدنة من الإبل.
وروى سماك عن عكرمة أن عليا -رضوان الله عليه -حكم في الضبع كبشًا.
وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: في الضبع كبش.
وروى حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمار عن رباح مولى عبد الله ابن الزبير أنهم أصابوا ضباعًا وهم محرمون فسألوا ابن عمر فقال: اذبحوا كبشًا.
وروى مغيرة عن إبراهيم أن عمر، وعبد الله -رضي الله عنهما -حكما في الظبي بشاة.
وروى مجاهد أن ابن مسعود حكم في اليرببوع جفر أو جفرة.
[والجفر: الذي يشتد ويأكل من صغار كل شيء].
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في النعامة بدنة، وفي البقرة بقرة، وفي الوعل بقرة، وفي البغل والأروى والآيل: كبش كبش.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكونوا حكموا بذلك على طريق القيمة.
قيل له: لا يجوز ذلك لأمور.
أحدهما: أن النقل ورد عنهم بإيجاب هذه الأشياء، ولم يرد بإيجاب القيمة.
والثاني: أن القيمة في غالب الحال تختلف باختلاف البلدان والأوقات.
والحكم ورد بذلك في أوقات مختلفة ومواضع متفرقة يبعد أن تتفق القيمة في جميعها في العادة والغالب.
وإذا صح ذلك ثبت أنهم حكموا ببدل مقدر، لا على وجه القيمة فإن قيل: لما لم يجد بين الضبع والكبش شبهًا علمنا أن ذلك كان على طريق القيمة.
قيل له: ليس المراعى الشبه في كل شيء، وإنما المراعى شبه في الخلق، ولولا أن الأمر على ذلك لم يتكلف إيصاله إلى الكعبة هديًا، وفي إيجابهم لذلك دلالة في فساد ما قالوه.
ومن جهة الاعتبار أن الصيد مما يضمن بالإتلاف، ووجدنا الأصول [ق/ 180] مبينة على أن ما يضمن
بالإتلاف على ضربين: منه ضمان الأموال والعبيد وما جرى مجرى ذلك، وإتلاف أبدان.
ثم وجدنا كل واحد من هذين تارة يضمن بالمثل وتارة بالقيمة؛ ألا ترى أن من أتلف على رجل حنطة أو عسلاً أو ما أشبه ذلك ضمنه بمثله، وكذلك العبد إذا قتل عبدًا قتل، وقد تجب فيه القيمة إذا اختار السيد.
وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون كذلك ضمان الصيد.
ويدل عليه أيضًا: أنه حيوان يخرج في كفارة؛ فوجب ألا يكون إخراجه على القيمة.
أصله: عتق الرقبة.
وكذلك لا خلاف بيننا وبين أبى حنيفة أن إخراج الكبش وغيره من حائر في قتل الصيد، وإنما الاختلاف في أنه يخرج على وجه القيمة أو على وجه البدل والمثل.
واستدل أصحاب أبى حنيفة بقوله تعالى ذكره: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾.
قالوا: والمثل على ضربين: من طريق الجنس، ومن طريقة القيمة.
وقد اتفقنا على أنه لا يجب بقتل الصيد مثله من جنسه؛ فثبت أن الواجب مثله من قيمته.
وهذا فاسد أجبنا عليه فيما سلف بما يغنى عن رده.
وقد تعلقوا بغير هذا أيضًا، وقد تقصيناه عند استدلالنا بالظاهر؛ فلا معنى لإعادته.
واعتلوا بأنه حيوان مضمون لحرمة الإحرام؛ فوجب أن يكون مضمونًا بالقيمة.
أصله: ما لا مثل له في الصورة وهذا الوصف لا يؤثر في الأصل؛ لأن ما لا مثل له مضمون بالقيمة، سواء ضمن لحرمة الإحرام الإحرام أو لغيره.
وإن تركوا تقييده انتقض بالآدمي؛ لأنه مضمون لغير حرمة الإحرام لا بالقيمة بل بالدية، والدية ليست عند بعض أصحابنا.
عل أن المعنى في الأصل أنه لا مثل له في الخلقة، وليس كذلك في الفرع.
قالوا أيضًا: ولأن كل عين لم تضمن بمثلها بجنسها وجب أن تضمن بقيمتها؛ اعتبارًا بالأموال.
وهذا أيضًا ينتقض بقتل الآدمي خطأ؛ لأنه لا يضمن بقيمته مع العلة التي ذكروها -على ما حكيناه عن بعض أصحابنا.
فإن زادوا في التعليل ذكر المال لم نسلمه في الصيد؛ لأنه ليس بمال.
على أن ضمان الأموال دليلنا من الوجه الذي ذكرناه.
قالوا: وأيضًا فيما قالوه بخلاف الأصول؛ لأنه يؤدى إلى أن يجب بإتلاف العين الواحدة بدلان مختلفان؛ وذلك أن المحرم إذا قتل صيدًا مملوكًا لزمته قيمته لمالكه،
ومثله من النعم لحق الله عز وجل، وهذا خلاف الأصول؛ إتلاف عين يجب به بدلان مختلفان.
وهذا السؤال غير لازم؛ لأنه يعود على مورده؛ لأنه من قول أبي حنيفة أنه يضمن ببدلين متفقين -وهو القيمة.
وهذا أيضًا خلاف الأصول؛ لأنه ليس في الأصول عين واحدة يجب بإتلافها بدلان متفقان؛ فسقط هذا الإلزام.
وجواب آخر: وهو أن ما قالوه إنما يمتنع إذا كان وجه الضمان واحدًا، فإذا كان من وجهين مختلفين فلا يمتنع؛ كالآدمي هو ممنوع من قتله لحرمته ولحق الله عز وجل.
ثم لو قتل المسلم خطأء لوجب على قاتله إذا كان مسلمًا الدية والكفارة؛ فقد ضمن ببدلين مختلفين؛ لأن جهة الضمان مختلفة؛ فكذلك في هذا الموضع.
قالوا: وقد خالفتم الأصول من وجه آخر؛ وهو أنكم تقولون: إنه يضمن بمثله من غير جنسه، والأصول موضوعة على أن الضمان إما أن يكون بالقيمة أو بمثل من الجنس، فأما بمثل من غير الجنس فليس في الأصول.
وهذا عندنا أصل بنفسه؛ لورود النص على ما بيناه.
والذي قالوه ينكسر بقتل الآدمي؛ لأنه تجب به الدية، وهو مثل من غير الجنس.
والله أعلم.
فصل
فأما الدلالة على وجوب التحكيم فقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾، ولا خلاف في ذلك.
ووجب أن يعلما أن الواجب عليه بقتل الصيد إن كان مما له مثل من النعم ثلاثة أشياء: إما مثله من النعم، وهو جزاء.
أو إطعام: وهو قيمة الصيد المتلف طعام.
أو الصيام بدل كل مد يومًا.
وإنه خير في ذلك.
ثم ينظر فما اختار أن يحكما به عليه حكما بذلك الذي يختاره.
وإن كان مما لا مثل له حكما عليه بقيمته.
ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن كفارة الصيد على التخيير دون الترتيب.
وحكي بعض أهل الخلاف عن ابن عباس، وابن سيرين أنها على الترتيب دون التخيير، وأن من قدر على المثل لم يجز له العدول إلى الإطعام أو الصيام.
وحكي أبو ثور أن هذا مذهب الشافعي في القديم، وأصحابه ينكرونه.
والدليل على أنها على التخيير دون الترتيب قوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو