شرح الرسالةصفحات 210-249

كتاب الاعتكاف

صفحات 210-249

يقرنوا إليه ذكر القتل.
والثاني: أن الأسد وغيره قد يصاد ويستبقى كما تفعل الملوك في اقتناء السباع والفيلة.
فبطل بهذا قولهم أن صيده عبارة عن قتله.
إنما يقرنون القتل بذكر السبع؛ لشدة امتناعه وأنه لا يتمكن منه إلا بالقتل؛ لأنه لا يقال فيه أنه صيد.
فإن قيل: إن قوله عز وجل: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ لم ينتظم إلا ماله مثل النعم، والأسد وغيره مما لا مثل له من النعم.
قيل له: هذا تسليم لوقوع اسم الصيد عليه، وانحطاط من تلك ونقل الكلام إلى أن الآية قد تتناوله أم لا.
ولأصحابنا في ذلك وجهان.
أحدهما: أن الظاهر متناول له؛ لأن قوله سبحانه: ﴿لا تقتلوا الصيد﴾ عام، وقوله عز وجل؛: ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ خاص بماله مثل.
والآخر أنه لا يتناول إلا ماله مثل من النعم.
والصقر والبازي والثعلب وما أشبه ذلك مما له مثل من النعم.
فإن قيل: لما قال تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾، ثم عقبه فقال عز وجل: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ دل

بافتتاح الآية على أن التحريم إنما يتناول ما يؤكل لحمه دون ما لا يؤكل.
وكذلك قوله عز وجل: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾.
قيل له: ليس بممتنع أن يكون قوله سبحانه: ﴿وحرم عليكم صيد البر﴾ عامًا فيما يؤكل وفيما لا يؤكل، وإن كان مقابلة لفظ خاص؛ ويبين ذلك أن المحرم على المحرم هو الاصطياد، والاصطياد نفسه هو الإتلاف لا الأكل؛ ألا ترى أن له أن يأكل لحم الصيد إذا صاده الحلال من نفسه؟ فبان ذلك أن التحريم تناول الإتلاف في جنس الصيد فقط.

ويدل على ما قلناه أيضًا أنا قد اتفقنا على أن الضبع لا تقتل وأنها مضمونة بالجزاء متى قتلت؛ والعلة في ذلك أنها حيوان ممتنع برى لا يبتدئ بالضرر في الغالب؛ فكذلك الثعلب وما أشبهه.
فإن قيل: العلة في ذلك أنه مما يؤكل لحمه؛ فلهذا كان عليه الجزاء.
وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لا يؤكل لحمه؛ فلم يكن فيه جزاء.
قلنا: ينتقض هذا على أصلكم بالحمار المتولد بين الأهلي والوحشي، وأن الشافعي نص على منع أكله، وفيه الجزاء متى قتله.
وكذلك المتولد بين الذئب والضبع - وهو السبع - لا يؤكل عندك وفيه الجزاء.
فإن قيل: لأنه متولد مما لا يؤكل لحم شيء من جنسه؛ فلم يجب الجزاء في قتله.
أصله: الذئب.
واحترزوا بهذا من المتولد بين الحمار الأهلي والوحشي؛ لأنه متولد عما يؤكل لحم شيء من جنسه، ومن المتولد بين الذئب والضبع؛ لأن الضبع تؤكل عندهم.
والجواب: أن الضبع لا تؤكل عندنا، ومجراها مجرى سائر السباع.
ولأن إباحة الأكل وتحريمه إذا لم تؤثر في الصيد المقتول نفسه فهو بأن لا تؤثر إذا وجد في أصله أولى.
وعلى أن المعنى في الذئب ابتداؤه بالضرر في الغالب.
وبالله التوفيق.

مسألة قال رحمه الله: "ويجتنب في حجه وعمرته النساء، والطيب، ومخيط الثياب، والصيد، وقتل الدواب، وإلقاء التفث".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي - رحمه الله -: وأما اجتناب النساء في الإحرام فلا خلاف في وجوبه، وأنه إذا وقع الجماع فيه أفسده.
لا فرق في ذلك بين الحج والعمرة.
والأصل فيه قوله تعالى: [ق/ 155] ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾.
والرفث ها هنا: الجماع؛ بدلالة قوله تعالى ذكره: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ يعني: الجماع.
وروى عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما في قوله عز وجل: ﴿فلا رفث﴾ أن المراد به الجماع.
ولا خلاف في منع ذلك في الإحرام، وانه إذا وقع فيه أفسده في الجملة.
ولم يذكر صاحب الكتاب تفصيل مسائل هذا الباب؛ لأنه قصد

الاختصار والتقريب، ونحن نذكر ما يمكن أن يذكر ها هنا منها ونبين القول فيها إن شاء الله.
وليس لأحد أن ينسبنا إلى قلة علم بالتصنيف ونقصان خبرة بالتأليف لزيادتنا في الكتاب ما ليس منه مع نسبتنا إياه إلى أنه شرح، فليعلم أنا على حجة فيما أثبتناه مع كون الباب مما يوجب ذلك ويقتضيه؛ لأنه من فروعه ومسائله، وإن عادة حذاق المصنفين من الفقهاء والمتكلمين قد جرت بالتسامح في ذلك، وإن الزيادة أولى من النقصان ما لم تطل فتخرج عن حكم الكتاب، والله المستعان.
وأول ذلك أن المحرم عندنا ممنوع من عقد النكاح لنفسه أو لغيره ما دام محرمًا.
وهو قول الشافعي.
وعند أبي حنيفة أنه ذلك جائز، وأن الإحرام لا يمنع.
وهذه المسألة موضعها كتاب النكاح؛ لأن أبا محمد بن أبي زيد ذكرها هناك، ولكنا نذكرها ها هنا جملًا من الكلام فيها؛ لتعلق الباب بها.
والذي يدل على ما قلناه: ما رواه مالك عن نافع عن نبيه بن وهب أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير فأرسل إلى أبان عثمان - رضي الله عنه - ليحضر ذلك - وأبان أمير الحاج - فأنكر ذلك، وقال: سمعت عثمان بن عفان - رضوان الله عليه - يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب".
ولأنه معنى يثبت به حكم الفراش؛ فأشبه وطء الأمة.
ولأنه عبادة منع فيها الوطء والطيب؛ فوجب أن يمنع عقد النكاح.

أصله: العدة.
فإن قيل: فقد روى ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم.
قلنا عنه أجوبة: أحدها: أنه قد اختلف عن ابن عباس في ذلك؛ فروى عنه أنه قال: تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو حلال.
وروى عن ميمونة نفسها أنها قالت: تزوجني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن حلالان.
وروى مثل عن أبي رافع، وقال: وكنت السفير بينهما.
فإما أن يتعارضا ويسقطا ويرجع إلى النهي، أو يرجح ما ذكرناه بأن المرأة أعلم بحالها، وبأن الرسول والسفير أعلم بالقصة التي سفر فيها من غيره.
وبأن رواة خبرنا لم يختلف عليهم ورواة خبرهم مختلف عليهم فيه.
ونستعمل فنقول: إنه قد علم من مذهب ابن عباس أن الإنسان يكون محرماً لتقليد الهدى وإشعاره؛ فيجوز أن يكون رأي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلد هدية وقت تزويج ميمونة صغيراً بأنه كان محرماً على اعتقاده أن من فعل ذلك كان محرماً.
فإن قيل: إنه عقد يتوصل إلى استباحة البضع؛ فأشبه شراء الأمة.
قلنا: شرى الأمة ليس بموصل إلى إباحة البضع لا محالة؛ لأنه قد يشتري من لا يجوز له وطئها.
على أن المقصود من شراء الأمة ليس هو؛

لما ذكرنا، وإنما المقصود منه التملك والتجارة والخدمة، وهذه المعاني لا يمنع الإحرام منها؛ فذلك لم يمنع من الشراء الموصل إليها.
وليس كذلك النكاح؛ لأن المقصود منه الوطء، والإحرام يمنع منه؛ فجاز أن يمنع من العقد المؤدي إليه.
والله أعلم.

فصل وإذا وطء ناسيًا فسد حجه، وبه قال أبو حنيفة.
وللشافعي قولان: أحدهما: أن حجه يفسد.
والآخر: أنه لا يفسد، وهو الأظهر عند أصحابه.
قالوا: لما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، وهذا ينفي فساد الحج وغيره.
ولأنه استمتاع على وجه النسيان؛ فلم يبطل الحج به؛ اعتبارًا بالتطيب.
ولأنه وطء لا يوجب في الأجانب حدًا؛ فأشبه الوطء دون الفرج.
والدلالة على ما قلنا قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾.
فوصف سبحانه الحج بأنه لا رفث فيه؛ فاقتضى ذلك ألا يكون حجًا

شرعيًا إلا على هذه الصفة، ووقوع الرفث فيه يخرجه عن الوصف الذي وصف.
ولأنه محرم لم ينحل من حرمة إحرامه شيء حصل واطئ في الفرج؛ فوجب أن يبطل حجه.
أصله: المتعمد.
فأما الخبر: فمفهومه رفع المأثم والعقاب، فأما غير ذلك من الأحكام فليس في الخبر ما ينفيه.
وقياسهم على المتطيب باطل؛ لأن جنس الاستمتاع بالطيب لا يبطل الحج؛ فلا معنى لتقييد العلة بالنسيان.
على أن الاستمتاع بالطيب عمدًا لا يبطل الحج؛ فكذلك السهو منه.
وليس كذلك الوطء؛ لأنه استمتاع يبطل الحج عمده؛ فكذلك سهوه.
وأيضاً فإن الطيب شاهد لنا على أصلنا؛ لأنه لما كان استمتاعًا محرمًا في الحج استوي عمده وسهوه فيما يجب به، فيجب أن يكون كذلك الوطء، وقد ثبت أن عمده يفسد الحج؛ فكذلك سهوه.
واعتبارهم بالوطء فيما دون الفرج باطل من وجوه: أحدها: أنه يفسد الحج عندنا، وإن لم يكن معه إنزال لم يسم وطئًا.
والثاني: أنهم إن أشاروا بقولهم: لا يوجب حد في الأجانب إلا في نفس الوطء في الفرج: فذلك غلط بالاتفاق، وإن أشاروا بذلك إلى وقوعه على وجه السهو: لم يؤثر في الأصل؛ لأنه لا يختلف حكمه في أن لا حد فيه بين أن يقع على وجه السهو والعمد.
والله أعلم.

فصل فإذا وطئ دون الفرج فأنزل، أو قبل فأنزل، أو باشر فأنزل: فسد حجه.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يفسد حجه؛ لأن الوطء في الفرج إذا خرج مع غيره كان له مزية على [ق/156] ما حرم معه فلولا أن الحج يفسد بالإنزال عن القبلة والمباشرة فيما دون الفرج لأدى ذلك إلى سقوط مزيته.
ولأنه إنزال بما لا يوجب جنسه الحد.
دليله: إذا هزته الدابة، أو نظر فأنزل.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿فلا رفث﴾، وهذا من الرفث.
ولأن الإنزال هو المقصود من الجماع، وهو أبلغ من الإيلاج فجاز أن يفسد الحج به إذا انفرد كالإيلاج إذا انفرد.
ولأنها عبادة يفسدها الوطء في الفرج فالإنزال مع المباشرة تفسدها، اعتبارًا بالصوم.
ولأنه إنزال حصل عن نوع من الاستمتاع والملامسة فأشبه الإنزال في الفرج.
فأما المزية التي ذكروها فغير مسلمة لهم، لأنه لو ثبتت في بعض المواضع لم نسلمها في هذا الموضع.

وأما من هزته الدابة، أو نظر: فقد نص مالك- رحمه الله- على أنه إذا استدام ذلك حتى أنزل فسد حجه.
فبطل ما قالوه.
على أن فساد العبادة بالجماع لا على ما يوجب منه الحد أو لا يوجبه كالصيام والاعتكاف.
ويبطل أيضًا بوطء البهيمة في الفرج؛ لأن الشافعي يوافقنا على فساد الحج به وإن لم يوجب حدًا.
والله أعلم.

فصل إذا وطئ بعد الوقوف بعرفة وقبل رمي جمرة العقبة يوم النحر فسد حجه، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يبطل حجه.
وقيل: إن عن مالك رواية مثل قول أبي حنيفة، واستدل من ذهب إلى ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "من صلى معنا صلاتنا، ووقف موقفنا بالأمس من ليل أو نهار فقد أتم حجه، وقضى تفثه".
ولفظة التمام ترد في أمرين: أحدهما: الفراغ من العبادة.
والآخر: لقطع تطرق الفساد عليها.

وقد ثبت أنها ليست في هذا الموضع للفراغ من الفعل؛ فثبت أنها لنفي الفساد.
ولأنه رفث قد أمن فيه الفوات فالوطء فيه لا يفسد الحج.
أصله: إذا جامع بعد الرمي.
ولأن الفساد معنى يوجب القضاء؛ فوجب ألا يلحق بعد الوقوف.
أصله: الفوات.
ولأن بقاء طواف الإفاضة لا يوجب فساد الحج بالجماع؛ فكذلك بقاء الرمي؛ بعلة أن كل واحد منهما لا يوجب الفوات.
ولأن منع الوطء بعد الوقوف لأجل الطواف لا للرمي؛ بدلالة أنه يمنع أيضًا منه بعد الرمي ما لم يطف، وأن بقاء الرمي بعد الطواف والحلاق لا يمنع، فإذا كان بقاء الطواف لا يوجب فساد الحج بالجماع فبقاء الرمي أولى بأن لا يوجب ذلك.
ولأن ترك الرمي لا يوجب فساد الحج فالجماع الذي هو ممنوع لأجله أولى أن لا يفسده.
والدلالة على صحة قولنا: قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾.
وهذا صيغته صيغة الخبر، والمراد به النهي؛ فتقديره: لا ترفثوا في الحج.
وإذا ثبت ذلك فالنهي يقتضي فساد المنهي عنه.

وإن حملناه على ظاهره- وهو الخبر- صح التعلق به أيضًا؛ لأنه تعالى ذكره جعل من وصف الحج لا رفث فيه؛ فوجب أن يكون ما وقع فيه الرفث فليس بحج شرعي.
ولأنه وطء صادف إحرامًا منعقدًا لم يقع منه تحلل؛ فأشبه الوطء قبل الوقوف بعرفة.
فأما الخبر: فلا تعلق فيه؛ لأن حقيقة اسم التمام للفراغ من العبادة وأنه لم يبق منها شيء.
فإن استعمل في غيره فمجاز.
وقد يستعمل مجاز في عدة مواضع منها: القرب من الفراغ، والإتيان بكثير الفعل ومعظمه؛ فيعبر عما قارب الفراغ من العبادة بأنه قد أتمها كما قال تعالى ذكره: ﴿فإذا بلغنا أجلهن فأمسكوهن بمعروف﴾.
أراد: إذا قاربن انقضاء عدتهن دون حقيقة البلوغ؛ لأن الريبة لا تكون مع انقضاء العدة.
وكذلك ما روي: "إذا فعلت هذا- يعني: التشهد- فقد تمت صلاتك" معناه: قاربت الإتمام.
ومنها الإتيان بالفرد المقصود الذي هو عظم العبادة والمقصود منها فيقال فيه: إذا أتى به قد أتمها.
معناه: قد أتى بالمقصود منها وما يؤمن معها فواتها؛ مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها".
معناه: قد أمن أن تفوته، لا أنه قد أمن من طروء الفساد

عليها.
وإذا كانت الحقيقة في استعمال هذه اللفظة ما ذكرناه، ولم تكن هي المراد في هذا الموضع لم يكن لهم حمله على بعض ما يصلح أن يتحرز به فيه إلا ولنا حمله على غيره؛ لأن كل ذلك مجاز واتساع، مع أن ما نذكره هو الأسبق إلى فهم السامع؛ وهو أنا قد أتى بالمقصود الذي تفوت العبادة بفواته وإن لم يمنع ذلك من طروء الفساد كما ذكرناه في إدراك الصلاة مع الإمام.
ولأن الأمن من طروء الفساد لا يحصل عندنا إلا مع الفراغ من العبادة فالأمر يعود إلى ما ذكرناه من أن الحقيقة من الإتمام الاستيفاء والفراغ.
فأما قولهم: لأنه وقت قد أمن فيه من الفوات فلم يلحقه الفساد بالوطء كما لو وطأ بعد الرمي: فليس بصحيح؛ لأن الأمن من فوات الشيء لا يمنع طروء الفساد عليه؛ اعتباراً بالأصول كلها؛ ألا ترى أن العمرة وصوم الكفارة مأمون الفوات وغير مأمون الفساد؟ وكذلك إذا أدرك الصلاة مع الإمام فقد أمن فواتها معها، ومع ذلك يلحقها الفساد.
فإن قيل: هذا لا يلزم على ما قلنا؛ لأن العمرة لا تطرق للفوات عليها؛ فلم يمتنع أن يلحقها الفساد، وليس كذلك الحج؛ لأن الفوات يلحق فيه؛ فكان الأمن أمناً من الفساد.
قيل له: هذا باطل بالعمرة المنذورة في وقت معين؛ لأن الفوات يلحق فيها ثم لو أحرم آخر الشهر الذي قدرها فيها لكان قد أمن الفوات، ولم يأمن الفساد.

ويبطل أيضًا بما ذكرنا من إدراك الصلاة مع الإمام، وبالجمعة؛ لأنها يخشى فواتها والظهر ولا يخشى فواتها، والفساد غير مأمون فيها.
وجواب آخر عن أصل القياس؛ وهو أن المعنى في الأصل أنه وطء صادف إحرامًا قد تحلل منه بعض التحلل؛ ألا ترى أن بعد الرمي قد أبيح له لبس [ق/ 157] الثياب؛ وقتل القمل وغير ذلك ما لم يكن مباحًا له فقد انحل من حرمة إحرامه؛ فلذلك لم يفسد [...] حجه وليس كذلك قبل الرمي؛ لأن حرمة الإحرام مبقاة على حالها فكان بمنزلة الوقوف.
فأما اعتبارهم الإفساد بالفوات فإنه باطل؛ لأنه لا يجوز أن يعلق امتناع أحدهما بامتناع الآخر، وإمكانه بإمكانه؛ لأن معنى الفوات يقضي الوقت الذي تعلق الفعل به ولم يؤت به فيه؛ فلا يجوز أن يقابل عليه الفساد في أنه إذا أمن أحدهما أمن الآخر؛ لأن بعد الوقوف قد تقضي زمن الفعل الذي كان متعلقًا به فلحق الفوات إن لم يؤت به فيه، والفساد ليس بمتعلق بوقت من أوقات العبادة يأمن منه إذا انقضى ذلك الوقت؛ لأنه ما دام فيها فوروده جائز؛ فعلم بهذا أن الفوات أمن بعد الوقت لا لأنه يوجب القضاء لكن ليقضي الوقت الذي علق به.
وليس كذلك الفساد على ما بيناه.
فأما قولهم: إن بقاء طواف الإفاضة لا يوجب إفساد الحج فكذلك بقاء الرمي: فلا معنى له؛ لأنا لم نعلل الفساد ببقاء الرمي، وإنما عللناه ببقاء حرمة الإحرام وأنه ما لم يرم في وقت الرمي فلم يتحلل، وبالرمي يتحلل بعض التحلل ويكمل بالطواف، وقد يتحلل بالرمي في وقته تارة وينقضي وقت الرمي وإن لم يرم فيه أخرى؛ فليس المؤثر بقاء الرمي، وإنما المؤثر

عدم التحلل من الإحرام؛ فبطل ما قالوه.
وأما قولهم أن بقاء طواف الإفاضة لأجله منع من الوطء بعد الوقوف لا لأجل الرمي: فإنه باطل؛ لأن المنع إنما هو لعدم كمال التحلل الذي لا يكون إلا بالطواف.
فأما إذا أفاض قبل الرمي فقد مالك- رحمه الله: يعيد الإفاضة.
واختلف أيضًا أصحابه إذا قدم الطواف على الرمي ثم وطئ قبل الرمي؛ فقال ابن كنانة وابن القاسم: لا يبطل حجه.
وقال ابن وهب وأشهب: إذا أفاض ثم وطئ يوم النحر قبل الرمي بطل الحج.
ثم يقال لهم: فاعلموه على أنا سلمنا لكم أن منع الوطء بعد الوقوف لأجل الطواف ما الذي يوجب ذلك.
فإن قالوا: إذا كان بقاء الطواف الذي لأجله منع الوطء لا يوجب الفساد فبقاء الرمي أولى.
قلنا: قد بينا أن أصحابنا مختلفون في فساد الحج بالوطء بعد الرمي وقبل الطواف؛ فبطل سؤالهم من هذا الوجه.
ثم لو لم نقل بذلك لم يلزم ما قالوا؛ لأن بقاء الطواف الذي لأجله منع من الوطء إنما لم نوجب الفساد؛ لأنه قد تقدمه بعض التحلل، وأن حرمة الإحرام ليست بمبقاة.
وقولهم فبقاء الرومي أولى أن لا يفسده: باطل أيضًا؛ لأنا قد ذكرنا القول بأن الفساد ليس من أجل بقاء الرمي، لكن لعدم التحلل على ما بيناه.
فأما قولهم أن ترك الرمي لما لم يوجب فساد الحج فالوطء الذي منع لأجله أولى: فغير مسلم؛ لأن الوطء لم يمنع لأجل الرمي لكن لعدم

التحلل، والتحلل يقع بالرمي والطواف؛ يدلك عليه أنه لو تقضى وقت الرمي لجاز له الوطء إذا طاف؛ لأنه قد تحلل بتقضي الوقت فهو كالمنع من الكلام بعد فراغه من التشهد في الصلاة حتى يسلم لا لأجل السلام، لكن لبقاء كونه في الصلاة، ولكن بالسلام يقع التحلل.
وبالله التوفيق

فصل فإذا وطئ بعد الرمي وقبل الطواف لم يفسد حجه وبه قال الشافعي- رحمه الله.
هذا هو المعتمد من قول أصحابنا.
وذكر ابن الجهم أن رواية وقعت إليه عن أبي مصعب عن مالك أن حجه يفسد متى وطئ قبل أن يطوف طواف الإفاضة.
قال ابن الجهم: وهو أقيس عندي، ووجهها قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾، وما لم يحصل كمال تحلله فقد أوقع الرفث في الحج؛ فيجب فساده.
ولأنه حال هو ممنوع فيها من الوطء لبقاء الإحرام؛ فوجب أن يفسد الحج بوقوعه فيها؛ اعتبارًا بوقوعه قبل الرمي.
ولأنها حال لو قتل فيها الصيد لزمه الجزاء؛ فوجب إذا وطئ فيها أن يفسد حجه.

أصله: قبل الرمي والوقوف.
ولأنها عبادة من شرطها الطواف المشروط يفسدها.
أصله: العمرة.
ولأن الوطء مع بقاء نسك من مناسك الحج ركن يوجب فساد.
أصله: إذا وطء قبل الوقوف.
قال ابن الجهنمي: ولأن أول الإحرام مرتبط بآخره فلما كان الوطء محرمًا عليه في آخره كما هو محرم عليه في أوله فسد أوله بآخره؛ كالصلاة والصيام.
وروى ذلك عن ابن عمر من طرق، وادعى أنه إجماع؛ لأنه لا مخالف له.
والدلالة على الرواية المشهورة.
ولأنه لا يوجب ذلك فساد الحج هو أنه وطء صادف إحرامًا قد انحل شيء من حرمته فلم يفسد الحج.
أصله: إذا وطئ بعد الطواف.
فإن قيل: إذا طاف طواف الإفاضة فقد كمل تحلله فلا يقال: انحل شيء من حرمته؛ لأن هذا يفيد أنه قد بقى شيء من التحلل.
قيل له: هذا منع عبادة لا طائل في منعها؛ لأن مرادنا من ذلك أن الوطء لم يصادف إحرامًا منعقدًا، وهذا معنى معقول موجود في مسألتنا.
وأيضًا فلأنها حال أبيح له فيها اللباس من غير فدية، أو لأنه لو تطيب

فيها لم تلزمه فدية؛ فأشبه ما بعد الطواف.
فأما الظاهر: فإنه مخصوص في الوطء الذي يكون في إحرام منعقد لم ينحل شيء منه؛ بدلالة ما ذكرناه.
وقولهم أنها حال منع من الوطء فيها لبقاء الإحرام مثل قبل الرمي: غير صحيح؛ لأنه لا يمنع من الوطء لبقاء الإحرام نفسه، وإنما منع لعدم كمال التحلل؛ فالوصف غير موجود في الفرع، والمعنى في الأصل لبقاء حرمة الإحرام التي لم يحصل منها تحلل أصلاً.
على أن علة الفساد غير علة المنع؛ لأن علة المنع بقاء شيء من حرمة الإحرام، وعلة الفساد عدم التحلل على وجه؛ فلا يجب إذا امتنع الوطء أن يفسد الحج.
فإن قيل: ما أنكرتم [ق/158] أن تكون العلة في الأمرين عدم كمال التحلل.
قلنا: لا يجوز ذلك؛ لأن الفساد إنما يتوجه إلى إحرام منعقد، وحصول شيء من التحلل يمنع الفساد؛ لأن الفساد لا يكون مع الخروج عن العبادة بالتحلل أو يبعضه والمنع فقد يكون في إحرام منعقد وغير منعقد؛ لأن التحلل منه ما لم يكمل لا ينافي استصحاب المنع؛ فبان بذلك الفرق بين الموضعين.
وقولهم: لأنها حال لو قتل فيها الصيد للزمه الجزاء؛ فوجب أن يفسد الحج الوطء فيها غير صحيح.
إنما تجب الفدية بفعل يخالف موضوعه ما يجب الفساد به؛ لأن الفساد يتعلق بإحرام منعقد، والجزاء والفدية تتعلق بكمال التحلل؛ لأنه منع من

ذلك ما (بقي) من حرمة الإحرام شيء؛ فطريقتهما مختلف.
وقياسهم على العمرة باطل؛ لأن التحلل منها قبل الطواف لا يصح.
فإذا وطئ قبل أن يطوف فالوطء صادف إحرام منعقد؛ فنظيره في مسألتنا أن يطأ قبل الوقوف أو بعده وقبل الرمي.
فأما في مسألتنا فيخالف ذلك.
وهذا أيضًا هو الجواب عن قولهم أن الوطء مع بقاء ركن من أركان الحج يفسده؛ لأن الاعتبار ببقاء حرمة الإحرام لا ببقاء شيء من الأركان، وها هنا قد أنحل من حرمة الإحرام شيء.
قال ابن الجهنمي: التحلل بلبس الثياب وإلقاء النفث لا يدفع عنه فساد الحج؛ لأن هذه الأمور وإن كانت ممنوعة في الإحرام فإن وقوعها لا يفسد الحج؛ ألا ترى أنها إذا حصلت قبل الوقوف لم تبطل الحج ولو وطئ في تلك الحال؟ فلم يكن تحليل ما لا يفسد الحج بوقوعه مؤثرًا في دفع الفساد بما يفسد الحج بوقوعه.
قلنا: نحن لم نقل أن إباحة اللبس وإلقاء النفث هو الذي منع الفساد بالوطء، وإنما قلنا: بالرمي قد انحل بعض حرمة الإحرام وانحلال بعض الحرمة مانع من الفساد؛ لأنه يرفع الانعقاد فسواء انحل إلى ما كان يفسد الحج بوقوعه أو يوجب فدية من غير إفساد في أنه لا اعتبار بموجب التحلل.
فإذا كان كذلك بطل ما قالوه.
وأما قوله أن أول الإحرام مرتبط بآخره: فإن أراد مع انعقاده فصحيح، وإن أراد مع التحلل من بعض حرمته فلا نسلمه في باب الفساد؛ لأن ذلك

متعلق بانعقاد حرمة الإحرام وعدم التحلل من شيء منها.
والله أعلم.
وعلى هذه النكتة مدار الكلام في هذه المسلة التي قبلها، وما رواه عن ابن عمر فقد روى عن ابن عباس خلافه، وعن غيره أيضاً.
والله أعلم.

فصل إذا أجبنا بالرواية المشهورة؛ وهي أن حجة لا يفسد بالوطء بعد الرمي وقبل الطواف فعليه عندنا العمرة والهدى بعد أن يطوف.
وقال أبو حنيفة والشافعي: عليه الهدى، ولا عمرة عليه.
والدليل على ما قلناه من وجوب العمرة: أنه لما وطئ قبل كمال التحلل إذا كان كمال التحلل لا يحصل إلا بأن يطوف طواف الإفاضة كان قد أتى بركن من أركان الحج وهو الطواف في إحرام قد أفسد بقيته؛ لأنه وطئ قبل كمال التحلل منه وعليه أن يأتي به في إحرام صحيح الجملة غير ناقص؛ فوجب أن يمضي فيه كما يمضي في الإحرام الفاسد ويوقع الطواف في إحرام مستأنف لم بتداخله شيء من الفساد؛ فلذلك أمرنا بالعمرة؛ لأن الطواف في إحرام لا يكون إلا في حج أو عمرة.
وقد روى مالك عن ثور بن زيد الديلي عن عكرمة لا أظنه إلا عن ابن عباس في الذي يصيب أهله قبل أن يفيض قال: يعتمر ويهدى.
فإن قيل: كل وطء لم يفسد ماضي الحج لم يفسد بقيته.

أصله: وطئه بعد الطواف.
قيل له: إذا وطئ بعد الطواف فقد وطئ خارجًا عن الإحرام جملة؛ فلم يتعلق به فساد.
وليس كذلك الوطء قبل الإفاضة.
فإن قيل: فكذلك إذا وطئ بعد الجمرة وقبل الطواف فإنما وطئ بعد الخروج من الإحرام.
قيل له: ليس هذا بصحيح عندنا؛ لأن ما بقى عليه شيء من فرائض الحج فالإحرام باق عندنا.
فإن قيل: كل عبادة لا تبعض فلا تبعض إفسادها كالصلاة والصيام.
وقد ثبت أن ما مضى من الحج لا يفسد؛ فكذلك ما بقى.
قيل له: قد تبعض الإفساد فيما لا تبعض.
أصله: الوضوء؛ ألا ترى أنه إذا مسح على خفية ثم خلعه فقد بطلت طهارة رجليه ولم يبطل ما مضى من طهارة باقي الأعضاء؟؛ فأنتفض ما ذكروه.
على أن الإحرام يمضي في فاسدة وتتعلق به من الأحكام ما تتعلق بالصحيح، وليس كذلك سائر العبادات.
ولسنا نعني بقولنا أنه فسد ما نعنيه بالفساد قبل التحلل، ولعمري إن الفساد قبل التحلل لا تبعض، وإنما نريد أنه يأتي بهذا الركن في إحرام قد حصل فيها فساد بعد التحلل وقبل كماله؛ فلم يبلغ به أن يكون كوروده على كمال حرمته وانعقادها قبل التحلل.
والله أعلم.
فأما وجوب الهدى: فما رواه مالك عن أبي الزبير المكي عن عطاء بن أبي رياح عن ابن عباس أنه سئل عن رجل وقع على أهله وهو بمبنى قبل أن

يفيض فأمره أن ينحر بدنه.
ولأنه أوقع نقصُا في حجة بإتيانه بالطواف في إحرام قد أفسد بقيته؛ فوجب أن يجبره بالهدى.
والله أعلم.

فصل إذا أفسد حجه عليه القضاء والهدى، ولا خلاف بين المسلمين في وجوب القضاء إذا كان الحج فرضًا أو نذرًا؛ لأن الفرض باق في الذمة على ما كان عليه؛ لأنه كان يلزمه أداء حجة صحيحة، والفاسد لا يبرئ من الصحيح.
وإن كان الحج تطوعًا فالقضاء واجب أيضًا؛ لأن التطوع يلزم بالدخول [ق/159] فيه، فإذا أفسده وجب قضاؤه، بناء على العبادات كلها؛ لأن كل عبادة لزمت بالدخول فيها لزم قضاؤها.
وأما الهدى فلأنه لما كان يجب بالنقص الذي يوقعه من ترك شعيرة من شعائره كان النقص بالفساد أولى بأن يجب به.
ولأن تأخر الحج عن وقته بالفوات يوجب الهدى؛ فكذلك بالفساد.
وقد روى ذلك عن عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة (رضي الله عنه) أنهم سئلوا عمن أصاب أهله وهو محرم فقالوا: عليهما حج قابل، والهدى.

وروى ابن عبد الحكم عن ابن لهيعة عن يزيد عن أبي حبيب عن حرملة عن سعيد بن المسيب أن رجلًا من جذام جامع امرأته وهما محرمان فسأل الرجل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"أتما حجكما وأرجعا، وعليكما حجة أخرى وهديان".

فصل والهدى الذي يجب بفساد الحج بدنه.
فإن أخرج شاة مع القدرة على البدنة فقال مالك: يجزئه على تكره منه.
وقال أبو حنيفة فيما حكاه والكرخي: عليه شاة، والبقرة والجذور أفضل.
وعند الشافعي أن الواجب بدنه لا يجوز غيرها.
والذي يدل على وجوب بدنه أنه مذهب الصحابة رضي الله عنهم.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص عن أشعت عن الحكم عن علي- رضي الله عنه- قال: على كل واحد منهما بدنه.
وروى شريح بن النعمان عن عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكه قال: سأل رجل ابن عباس فقال: إني أصبت أهلي بعد رمى الجمرة.
فقال: أمعك راحلة؟ قال: نعم.
قال: أنحرها.
وذكر أصحابنا عن عمر، وابن عمر.
ولا مخالف لهما نعلمه.

ولأنه وطء صادف إحرامًا منعقدَا لم يتحلل منه شيء؛ فوجب أن يلزمه بدنه إذا كان قادرًا عليها.
دليله: إذا وطئ بعد الوقوف وقبل الرمي؛ لأن أبا حنيفة يقول: إذا وطئ قبل الوقوف أفسد حجه، وعليه بدنه.
ولأن الوطء قبل الوقوف أكد حكمًا وأغلظ أمرًا من الوطء بعد الوقوف؛ لأن الوطئ قبل الوقوف متفق على فساد الحج به، وهو بعد الوقوف مختلف فيه، فإذا لزمنه البدنة في الحال الأخف كانت في الحال الأثقل أولى.
ولآن البدنة لما وجبت على القرآن للنص الذي أوقعه بجمعه بين الحج والعمرة في إحرام واحد مع صحة حجة كانت بأن تجب مع النقض بالفساد أولى.
فإن قيل: لما كان الفساد معنى يجب به قضاء الحج والقضاء في الأصول قائم مقام المقضي وجب إذا أتى بالقضاء على الوجه الذي كان أتى بالمقضي أن لا يلزمه حق آخر.
وهذا هو مقتضى القياس؛ كمن نذر شهراً معيناً فأفطره لا يلزمه أكثر من القضاء.
فإذا ثبت ذلك كنا لو تركنا القياس لا يوجب عليه سوى القضاء.
فلما قامت دلالة لي وجوب الشاة لم يجب ما زاد عليها إلا بدلالة.
قيل له: قد تعلق في الأصول بالقضاء الكفارة فلا يسلم قولهم أن القياس يقتضي ألا شيء عليه؛ لكون القضاء قائمًا مقام المقضي؛ لأن القضاء قد يكون ناقصًا عن المقتضي أيضًا؛ لأن القضاء قد يكون ناقصًا عن المقتضي أيضًا كمن أخر

قضاء رمضان عن وقته.
على أنهم اتفقوا على وجوب دم عليه فسقط تعلقهم بالأصل.
فإن قيل: إن قضاء رمضان لا يمكن أن يؤتي به على الوجه الذي كان يأتي بالمقضي؛ لأنه لا تحصل له حرمة الوقت.
قلنا وكذلك الحج إذا أحرم به في سنة فقد لزمه إتمامه، ويثبت الموقوف حرمة الإحرام فليس يقدر أن يأتي بالقضاء في ذلك الوقت.
على أن القضاء لو كان يقوم مقام المقضي لسقطت الكفارة على ما قلناه.
فإن قيل: لو أوجبنا البدنة لكنا قد غلطنا عليه من وجهين: بإيجاب القضاء، وإيجاب البدنة؛ لأن القضاء إيجابه تغليظ، والبدنة تستحق على وجه التغليظ، والجمع بينهما في كفارة الحج خلاف الأًول.
قيل له: هذا لا معنى له؛ لأن إيجاب الكفارة نفسها تغليظ، وكذلك إيجاب شاة تغليظ أيضاً يجب على قولهم ألا تجمع عليه.
وعلى أنهم يقولون: إذا كرر الوطء في مجلس واحد لزمته بدنه.
وعلى أن الأصول لا تنفى التغليظ بوجهين وأكثر؛ كالوطء في شهر رمضان عليه القضاء والكفارة، وكالقاتل خطأ عليه الدية والكفارة.
فبطل ما قالوه.
فإن قيل: إذا لم يتعلق بالفوات بدنه؛ فكذلك الإفساد؛ لأن كل واحد منهما يوجب القضاء.

قيل له: يلزم عندنا بالفوات بدنه؛ فسقط السؤال، لو لم نقل ذلك لجاز أن يفرق بينهما؛ لأن الفوات أخف حالاً من الإفساد؛ لأنه يمكن أن يقيم فيه على إحرامه ليحج الله في العام المقبل، ولا يمكن مثل ذلك في الإفساد؛ لأنه لا يقام على إحرام فاسد، ولأن الفوات في الغالب يقع غالبًا لا عن قصد؛ لأنه إما أن يكون لصد عدو أو مرض أو مانع أو خطأ وقت، والوطء الذي يتعلق به الإفساد لا يكون في الغالب إلا عن قصد؛ فجاز أن يغلظ فيه ما لا يغلظ في الفوات.
فإن قيل: لما لم تجب في اللبس والطيب بدنه لم تجب في الوطء.
والمعنى في الجميع أنه فعل محظور في حال الإحرام لأجل الإحرام.
قيل له: ينتقض على أصولكم بالوطء بعد الوقوف؛ لأن فيه بدنه عندهم مع وجود العلة.
ولأن المعنى في الأصل أنه لا يوجب فساداً فلم يغلظ فيه بالكفارة، وليس كذلك الوطء؛ لأن الفساد يتعلق [ق/160] به، على أن هذا يلزم على أصلهم من قبيل أن جنس اللباس والطيب لما كان لا يفسد الحج لم يختلف الحكم فيه قبل الوقوف وبعده في أن ما يجب به على حد واحد في الموضعين فيجب أن الوطء الذي يتعلق به فساد الحج حكمه فيما يجب به قبل الوقوف وبعده.
وقد بينا أن من قولهم أن من وطئ بعد الوقوف فعليه بدنه؛ فيجب أن يكون كذلك الوطء الذي يجب به الإفساد.
والله أعلم.

فصل إذا أفسد حجه أو عمرته مضى فيها ولم يخر بالفساد من إحرامه وهو على ما كان عليه فيأتي ببقية أفعال الحج والعمرة.
وحكي عن عطاء أنه إذا وطئ قبل عرفة رفضه، وابتدأ إحرامًا جديدًا، ولم يلزمه أن يأتي ببقية أفعاله.
وتعلق من ذهب إل ذلك بقوله (صلى الله عليه وسلم): "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو باطل".
وروى: "فهو رد".
وإذا ثبت بطلان هذا الإحرام بالوطء فيه لزم الخروج منه وترك المضي فيه.
ولأن الحكم بفساد العبادة يمنع المضي في بقيتها؛ اعتبارًا بسائر العبادات.
والدليل على صحة قولنا: إجماع الصحابة (رضي الله عنهم)؛ لأنه روى عن عمر، وعلى رضوان الله عليهما، وابن عباس وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة.
ولا مخالف لهم.
وروى عن يزيد [بن] جابر قال: سألت مجاهد عن المحرم بواقع امرأته فقال: كان ذلك على عهد عمر- رضوان الله عليه- فقال: يقضيان حجهما، والله أعلم بحجهما، ثم يرجعان حلالًا، فإذا

كان من قابل حجا وأهديا.
وقال مالك: بلغني أن عمر وعليًا وأبا هريرة رضي الله عنهم سئلوا عن ذلك فقالوا: ينفذان لوجههما حتى يقضيا حجمها، ثم عليهما حج قابل الهدي.
وروى عن عبد الله بن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: أتى رجل عبد الله بن عمرو فسأله عن محرم وقع بامرأته فأشار إلى عبد الله بن عمر فلم يعرفه الرجل.
فقال شعيب: فذهبت معه فسأله فقال: بطل حجه.
قال: فيقعد؟ قال: لا بل خرج مع الناس فيصنع ما يصنعون، فإذا أدركه قابل حج وأهدى.
فرجعنا إلى عبد الله بن عمرو فأخبرناه فأرسلنا إلى ابن عباس.
قال شعيب: فذهبت معه فقال مثل ما قال ابن عمر.
فرجع إليه فأخبره فقال الرجل: ما تقول أنت؟ قال: مثل ما قالا.
فحصل من الخبر قول ثلاثة من الصحابة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو.
وروى حماد بن سلمة عن حميد عن أبي الطفيل أن رجلًا قال لجبير بن مطعم أنه وقع على أهله وهو محرم فغلظ عليه وشدد، فلما مضى دعاه ابن عباس فقال: إن هذا قد شدد عليك وغلظ أتفعل ما أمرك به؟ فقال:

لو أمرت بنار فأججت ثم أمرتني أن أقتحمها لفعلت.
فقال: الأمر أيسر من ذلك؛ اقضيا حجكما هذا، وحجا من قابل، واهديا هديين.
ومن طريق آخر: اقتضيا ما بقى عليكما من نسككما، وعليكما الحج من قابل.
ويدل على ما قلنا أيضًا: أن الفساد سبب يجب معه قضاء الحج؛ فوجب ألا يخرج به من الإحرام.
أصله: الفوات؛ وذلك أن الحج إذا فاته لم يخرج من الإحرام به، بل يكون مخيرًا بين أن يتحلل بعمل العمرة أو يبقى إحرامه إلى قابل.
فإن قيل: ألستم تقولون في الفوات أنه لا يمضي في بقية الحج، ولا يلزمه المبيت بمنى ولا رمى الجمار ولا غير ذلك من توابع الوقوف؟ أو ليس هذا خروجًا من الحج بالفوات.
فإن قيل: ألستم تقولون في الفوات أنه لا يمضي في بقية الحج، ولا يلزمه المبيت بمنى ولا رمى الجمار ولا غير ذلك من توابع الوقوف؟ أو ليس هذا خروجًا من الحج الفوات؟ قلنا: ليس الأمر كذلك من قبيل أن الفوات لا يخرج به من الإحرام؛ بدلالة ما ذكرناه أنه لو أقام على إحرامه إلى قابل لكلن له ذلك، ولكن جعل له أن يتحلل بالطواف والسعي.
فأما سقوط الرمي عنه والمبيت فلسقوط الوقوف الذي هذه توابعه، وليس ذلك بخروج من الإحرام، والحج الفاسد بخلاف ذلك؛ لأنه يأتي فيه بالوقوف وإن كان لا يجزئه؛ فلذلك يأتي بتوابعه.
فأما الخبر فلا تعلق فيه؛ لأنه يوجب أن يكون المردود هو المنهي عنه الذي ليس عليه أمره- وهو الوطء- وهذا لا يوجب الخروج من العبادة.

فإن قالوا: إذا ثبت أنه منهي عنه ثبت فساد العبادة فيه، والفساد لا يمضي فيه.
قلنا: هذا بعينه موضع الخلاف فكيف يجوز أن يحتج به فيه؟ فأما الصوم فإنه يمضي في فساده عندنا، وأما الصلاة وغيرها فإنه يخرج منها بالقول، واعتقاد القطع؛ فصح أن يخرج منها بالفساد، وليس كذلك الحج؛ لأنه لا يخرج منه بالقول، ولا بنية القطع فلم يخرج منه بالفساد، والله أعلم.
فسد حجة بالوطء وجب عليه الهدى، إن وطئ بعد ذلك فلا كفارة عليه المجلس أو بعده كان قد كفر عن الأولى أم لا.
وقال أبو حنيفة ومرة بعد مرة في مجلس واحد فعليه لكل مرة دم- وهو شاة-، إلا أن الجماع الثاني على وجه الرفض للحج والقطع له والإحلال فإنه لا يلزمه إلا دم واحد.
وقال الشافعي: إن كان قد كفر عن الأول فعليه للوطئ الثاني كفارة، وإن كان لم يكفر عن الأول حتى وطئ ثانيًا فله قولان: أحدهما: لا كفارة.
والآخر أن عليه الكفارة.

وعندنا أن الهدى يجب بالوطء الذي به يقع الفساد دون ما بعده.
واستدل من خالفنا بأن قال: إن فساد الحج لا يمنع بقاء حظر الوطء، وإذا ثبت حظر الوطء لحرمة الإحرام كان بمنزلة الوطء الأول في وجوب الكفارة به.
ولأنه لما وجبت [ق/ 161] الفدية باللبس والطيب وإن كان الحج فاسدا الإحرام كذلك تجب الكفارة في تكرار الوطء؛ لأنه ممنوع بعد الفساد للإحرام.
ولأن الوطء الثاني يتعلق به جميع أحكام الوطء لإفساد الإحرام، ووجوب الكفارة غير موقوف على حكم الفساد.
دليله:" اللبس والطيب.
ولأن وطئ الثاني وطئ عمد صادف إحرامًا لم ينحل منه شيء؛ فوجب أن تتعلق به الفدية كالوطء الأول.
ولأن الوطء إتلاف فجاز أن يتكرر الهدى بتكرره كقتل الصيد.
والدليل على ما قلناه: أن الكفارة تجب بالوطء في الحج لأحد أمرين: إما للفساد، وإما للتأخير.
وكل ذلك مستقر بالوطء الأول، لاحظ للثاني فيه؛ فلم تتعلق به الكفارة؛ لأن الفساد لا يتكرر، وكذلك التأخير.
أصله: إذا وطئ بعد التكفير عن الأول.

وعلى وجه الرفض للحج مع أبي حنيفة.
ولأنها عبادة يفسدها فوجب إن أوقع الفساد به وتعلقت الكفارة بوقوعه ألا تلزم كفارة بتكراره.
أصله: الصوم.
فإن قيل: إنما وجب ذلك في الصوم؛ لأنه لا يمضي في فساده فالوطء لا يصادف عبادة، وليس كذلك الحج؛ لأنه يمضي في فساده، فالوطء فيه قد صادف عبادة.
قيل له: الصوم يمضى في فساده عندنا.
فأما قولهم أن الوطء الثاني محظور لحرمة الإحرام فهو كالوطء الأول: فالجواب عنه أن مجرد حظر الوطء ليس هو الموجب للكفارة، وإنما الموجب للكفارة حصول الفاسد به، وذلك معنى يختص بالوطء الأول لا يتكرر.
واعتبارهم باللباس والطيب باطل من قبيل أن المعنى الموجب له يتكرر بتكرره؛ وهو حصوله في إحرام صحيح أو فاسد، وهذا المعنى يتكرر فتعلقت الكفارة به وليس كذلك الوطء.
لأن المعنى الذي أوجبت الكفارة فيه هو فساد الحج به وذلك لا يتكرر في الحج كتكرر معنى.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون المعنى في الوطء هو المعنى في اللبس والطيب واستحالة وقوعه في إحرام فاسد أو صحيح.
قيل له: أنكرنا ذلك؛ لأنه تعليل فاسد؛ لأن الكفارة الواجبة بالوطء

في العبادات متعلقة بإفساد العبادة؛ اعتبارًا بالصوم وغيره؛ ألا ترى أنه إذا وطئ فيه وتعلقت به الكفارة ثم وطئ ناسيًا لم يفسد؛ لأن المعنى الموجب للكفارة تعلق الإفساد بالوطء.
فأما قولهم: إن وجوب الكفارة غير موقوف على حكم الفساد؛ اعتبارًا باللبس والتطيب: فغير صحيح؛ لأن اللبس والتطيب لا يتعلق بهما إفساد أصلًا، وليس كذلك الوطء؛ لأنه يتعلق به الإفساد؛ فجاز أن تكون الكفارة موقوفة عليه.
واعتبارهم بالوطء الأول ينتفض به إذا كان كفر من الأول.
ولا تأثير لقولهم وطئ عمد؛ لأن الوطء على شبهة النسيان يفسد الحج كالعمد.
والمعنى في الأصل أنه يحصل به الفساد، وليس كذلك الثاني وقولهم إن الوطء إتلاف كالصيد: لا معنى له؛ لأن المعنى الموجب للكفارة بإتلاف الصيد يتكرر، وليس هو الفساد الذي لا يتكرر، والوطء الذي لا يوجب الفساد ليس فيه المعنى المقتضي لوجوب الكفارة؛ فلم تجب به.
والله أعلم.
قال القاضي: قد ذكرنا جملًا من مسائل الوطء وإفساد الحج وما يتعلق به من الأحكام، ورأينا الاقتصار على قدر ما ذكرناه دون استيفاء جميع ما في الباب؛ إيثارًا للاختصار، وتفريقًا بين هذا الكتاب وبين الكتب الكبار؛ لأن مصنفه قصد به التقريب على المتعلمين والتخفيف على المبتدئين؛ فيجب أن يكون الكلام عليه على هذا الوجه أيضًا.
وبالله التوفيق.

ثم عدنا إلى مسائل الكتاب قلنا: وأما الطيب فلا خلاف أيضًا في منعه للمحرم، وتعلق الفدية به إذا فعله في الجملة؛ ويدل عليه نهيه صلى الله عليه وسلم عن الإحرام في ثوب قد مسه زعفران أو ورس.
ولأن الطيب من دواعي الجماع، ومن منع الجماع لحرمة عبادة ومنع من سببه الذي هو النكاح منع من دواعية كالمعتدة.
وأما لبس المخيط فإن المحرم ممنوع أيضًا من قليله وكثيره إذا لبسه على هيئته.
والدليل على ذلك: ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلًا سأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السروايلات".
ولا خلاف في منع ذلك للرجال دون النساء.

فصل وأما قتل الصيد فلا خلاف أيضًا في منع المحرم منه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾.
وهذا نهى.
وقوله سبحانه عقيبه: {ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من

النعم} إلى قوله: ﴿ليذوق وبال أمره﴾.
وقوله عز وجل: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾.
وقوله عز وجل: ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾.
وروى أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أهدى إليه لحم صيد فرده، وقال: "أنا محرم".
وكذلك قتل الدواب، وإلقاء التفث هو ممنوع منه أيضًا حتى يحل.
ولهذه الجملة تفصيل يرد فيما بعد إن شاء الله.

مسألة قال رحمه الله: "ولا يغطى رأسه في الإحرام ولا يحلقه إلا من ضرورة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله-: أما منع تغطية الرأس للمحرم فلا خلاف فيه أعلمه [ق/162] للرجال دون النساء.

والأصل في ذلك نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن لبس العمائم والبرانس، ثم اتصال العمل بذلك من غير خلاف وبقى مدة ينتفع بتغطيته فيها فإنه يفتدى.
وأما منعه من حلق رأسه إلا من ضرورة فلا خلاف فيه أيضًا.
والأصل فه قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾، وقوله عز وجل: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم﴾ يعني: بعد نحر الهدايا يوم النحر.
فإن كانت به ضرورة جاز ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ فمعناه: مخلق فأباح ذلك مع الضرورة.
وروى أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أباح لكعب بن عجزة عندما رأى به من الأذى أن يحلق رأسه، وأمره بالفدية.
وسنذكر ذلك فيما إن شاء الله

مسألة قال رحمه الله: "ثم يفتدى بصيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين؛ مدين لكل مسكين، أو ينسك بشاة يذبحها حيث شاء من البلاد".
قال القاضي رضي الله عنه: والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسكٍ﴾ معناه: فحلق فأوجب الله تعالى الفدية في ذلك بالأصناف التي ذكرها، وخير المكلف فيها باللفظ الموضوع للتخيير- وهو حرف أو- فوجب كونه مخيرًا فيه.
ثم بين النبي- صلى الله عليه وسلم- مقدار الفدية وصفتها وما أجمل في الظاهر من أحكامها؛ فروى مالك عن عبد الكريم بن مالك عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أنه كان مع النبي- صلى الله عليه وسلم- فأذاه القمل في رأيه فأمره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يحلق رأسه، وقال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مدين لكل إنسان، أو انسك بشاة أي ذلك فعلت أجزأ عنك".
وروى حماد بن زيد عن أيوب عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن كعب قال: أتى على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- زمن الحديبية وأنا أوقد تحت برمة لي،

والقمل يتناشر على وجهي.
فقال: "أتؤذيك هوام رأسك؟ " فقلت: نعم.
فقال: "احلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك بنسيكة" لا أدري بأيها بدأ.
وروى مالك عن حميد بن قيس عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: "لعلك أذاك هوام رأسك؟ " فقلت نعم فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة".
وروى داود بن أبي هند عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: "إن شئت فانسك بنسيكة، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين".
فلهذا قال: إن الفدية واجبة، وإنها تكون إطعامًا أو صيامًا أو نسكًا، وإن للصائم ثلاثة أيام، وإن الإطعام مدان لكل مسكين لستة مساكين، وإنه مخير في ذلك غير مستحق عليه ترتيب فيه.

فصل ولا خلاف بينا وبين أي حنيفة والشافعي في أن الصيام في ذلك جائز في كل موضع، وإنما الخلاف في الإطعام والذبح؛ فعندما أنهما بمثابة

الصيام له أن يفعلها حيث أحب.
وعند أبي حنيفة أن الإطعام يكون حيث أحب، وأن النسك لا يكون إلا بمكة.
وعند الشافعي إن النسك والإطعام لا يجزآن إلا بمكة.
والذي يدل على ما قلناه: قوله تعالى: ﴿ففديه من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ﴾؛ فأطلق ولم يقيد؛ فوجب أن يكون كل ليه أتى به فإنه يجزئ عنه، سواء كان في الحرم أو غيره.
ويدل على ذلك ما روى مالك عن يحيى بن سعيد عن يعقوب بن خالد المخزومي عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر أنه كان مع عبد الله بن جعفر معه من المدينة فمروا على حسين بن علي- رضي الله عنهما- وهو مريض بالسقيا فأقام عليه عبد الله بن جعفر حتى إذا خاف الفوات خرج وبعث إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه- وأسماء بنت عميس وهما بالمدينة فقدما عيه ثم إن حسينًا أشار إلى رأسه فأمر علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- برأسه فحلق بالسقيا ونسك عنه فنحر بعيرًا.
وهذا فعل صحابي إمام لا مخالف له.

ويدل عليه أنه نوع من كفارة الأذى؛ فجاز الإتيان به بمكة وغيرها.
أصله الصيام.

مسألة قال محمد بن الحسن محتجًا لأبي حنيفة: كيف يكون النسك بغير إنما النسك من الحج؛ ألا ترى أنه يقال: مناسك الحج ونسك الحج إنما هذا من نسك الحج؛ فلا يجزئ أن يذبح ذلك حيث يذبح الهدى.
فالجواب عن هذا ما أجاب به القاضي إسماعيل من أن النسيكة هي الذبيحة كانت هديًا أو غير هدى.
وليس كل نسيكة والعقائق نسك، وليست بهدايا، وفعلها جائز في كل مكان، ولو.
فإن قيل: فإن هذه النسك هدى؛ فيجب ألا يكون بمكة [ق/

جارٍ التحميل