شرح الرسالةصفحات 10-49

كتاب الاعتكاف

صفحات 10-49

من الصحاح مريضة لأن هناك وسطًا هي عدل بين أرباب الأموال وبين الفقراء، فيجب ألا تختلف باختلاف أسنان المال.
ووزان ما قالوه أن تكون إبله كلها مراض فلا نكلفه السن الأعلى، لأن في ذلك إضرارًا به.
وقولهم: إن الاعتبار من الجنس كالتمر والزبيب: باطل من وجهين: أحدهما: أنا جميعًا قد فرقنا في ذلك بين الماشية وبين الثمار فقلنا: إذا كان الإبل حوامل لم نأخذ منها وإن كان يأخذ من خير التمر عندهم.
والثاني: أن الماشية لا تحتاج إلى حمل.
وليس كذلك التمر والزبيب، لأنه لابد فيه من حمل في الجيد والردئ منه بمثابة واحدة، وإذا أخذ السخلة والمريضة احتاج لها إلى تكلف حمل والتزام مؤنة، وفي ذلك إضرار بالمساكين.
فأما إذا أخذ مكان بنت مخاض بنت لبون فإنه يجزئه، لأنه تطوع من جنس ما عليه بأعلى منه، وليس كذلك إذا أعطى بعيرًا من خمسة مراض، لأن الذي عليه فيها شاة فلم يعطه من جنس ما عليه.
واعتبارهم [ق/ 112] بالكبار باطل من وجهين: أحدهما: أن أخذها جائز على كل وجه، وليس كذلك الصغار عند مخالفنا.
والآخر: أن في أخذ الصغار ضرر بالفقراء من الوجه الذي ذكرنا، وهو التزام المؤنة بحملها.
والله أعلم.

فصل وأما قوله: إن السخال تعد على أربابها وإن لم تؤخذ منها، فلما رويناه عن عمر أنه قال: تعد عليهم بالسخلة وإن جاء بها الراعي على كتفه، ولا تأخذها.
وروى عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تأخذ الكريمة ولا اللئيمة، وعد عليهم الصغيرة والكبيرة".
ولأنه نماء حادث عن مال تجب من جنسه الزكاة، فأشبه ربح المال.
فإن قيل: فقد روى الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا صدقة في السخال".
قيل له: ليس هو ثابت عند أهل النقل هذا الحديث، لو صح لحملناه على غير النتاج، بما ذكرناه.
فإن قيل: لأنها فائدة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا صدقة في الفائدة" فعم.
قيل له: إذا قلنا: إن حكم هذا النتاج حكم أمه لم نقل: إنه فائدة، لأن ذلك عبارة عما لم يتقدم عليه ملك ولا أصل ملك.
فإن قيل: إنها ماشية لم يحل عليها الحول فأشبهت السخال المشتراة.
قيل له: هذا لا معنى له، لأن النتاج فرع عن أصل هو تابع له، فحكمه حكم أصله.
وليس كذلك المستفاد أو غيره، لأنه أصل في نفسه فاعتبر به حكم نفسه.
وقد تكلمنا في هذه المسألة قبل هذا الموضع.
فأما قوله: لا تؤخذ شاة

العلف، ولا فحل الغنم، ولا التي تربي ولدها، ولا خيار أموال الناس، فلما رويناه من قوله صلى الله عليه وسلم: "إياك وكرائم أموالهم" فعم.
وقوله: "ولكن من وسط أموالكم، إن الله لم يسألكم خيره، ولم يكلفكم شره".
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أخذ الشافع -وهي الحامل.
وفي حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال لمصدقه: لا تأخذ الأكولة، ولا الربى، ولا الماخض، ولا فحل الغنم.
وروى عن يحيي بن سعيد عن القاسم عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: مر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بغنم من المصدقة فرأى فيها شاة خافلا ذات ضرع عظيم.
فقال عمر: ما أعطى هذه الشاة.
أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، ولا تأخذوا حزرات المسلمين نكبوا عن الطعام.
فلهذا قال مالك: إنه لا يأخذ شيئًا مما ذكروه.
إلا أن ما لا يؤخذ في الصدقة على ضربين: منه ما لا يؤخذ لدنائته ونقصه كالهرمة والتيس وذات العوار.
فهذا لا يجوز أخذه إلا أن يرى المصدق في ذلك نظرًا للمساكين.
ومنه ما لا يأخذه لنفاسته وقدره وكونه مجحفًا بأرباب الأموال كفحل الغنم المعد لضرابها، والماخض - وهي الحامل - وشاة اللحم - وهي المعلوفة - والربى - وهي التي تربى ولدها - إلا أن يتطوع بذلك رب الماشية فيجوز،

لأن المنع من تلك ليس بضرر يعود على المساكين لكن من أجل حق ربها، فإذا طاع به جاز.
وقد روى أبي بن كعب قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم مصدقًا فأتيت إلى رجل عليه بنت مخاض فقلت له: أدها.
فقال: ذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية سمينة فخذها.
فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقص عليه: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاك الذي عليك، فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه، وقبلناه منك" قال: هي هذه قد جئتك بها فخذها.
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبضها، ودعا له في ماله بالبركة.
مسألة قال رحمه الله: "ولا يؤخذ في ذلك عرض، ولا ثمن".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب - رحمه الله: والأصل في ذلك أنه لا يجوز إخراج القيم في الزكاة.
هذا قولنا، وقول الشافعي - رحمه الله.
وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك.
والدلالة على صحة قولنا: ما رواه ابن وهب عن سليمان بن بلال عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه

إلى اليمن قال له: "خذ الحب من الحب، والغنم من الغنم، والبقر من البقر، والإبل من الإبل".
ففي هذا دليلان: أحدهما: تعيينه ما يؤخذ من كل جنس يفيد إيجاب ذلك، وأنه متى أخرج غيره لم يجزئه.
والثاني: أنه لما ساق الجميع على أخذ الجنس من الجنس نبه بذلك على كون المنصوص عليه مستحقًا للأخذ، لكونه من الجنس، وذلك مانع من أخذ القيمة.
ويدل عليه أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: "في خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون ذكر"، ففي هذا الخبر أدلة: أحدها: أنه عين بنت مخاض، فوجب بذلك انحتامها، وأن لا يجزئ غيرها.
والثاني: أنه شرط في جواز إخراج ابن لبون عدمها.
ومخالفنا يجوز ذلك مع وجودها.
وفي ذلك إسقاط الخبر.
والثالث: أنه عين ما يخرج عند عدمها، ولو كان إخراج القيمة جائزًا لكان لا معنى للتعيين.
والرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم علق الجواز على إخراج ما يسمى ابن لبون، فاقتفى ذلك تعلق الإجزاء بإخراج ما تناوله الاسم.
ومخالفنا يراعى في ذلك أن تكون قيمته مثل قيمة بنت مخاض من غير اعتبار بالاسم [ق / 113] وهذا خلاف ما راعاه النبي صلى الله عليه وسلم.

فإن قيل: لو كان جواز إخراج ابن ليون مشروطًا بعدم بنت مخاض لوجب أ، يكون مشروطًا بثمنها وقيمتها، ألا ترى أن الرقبة في الكفارة لما كان عدمها شرطًا في جواز الصوم كان عدم ثمنها شرطًا فيه؟ قلنا: ليس هذا السؤال بمعترض على الخبر، وإنما هو معترض على معنى الشرط.
ومع ذلك ليس بصحيح، لأنه لو كان مالكًا للرقبة ولكن يحتاج إليها للخدمة لم يجز له الصوم.
ولو كان مالكًا لقيمتها إلا أنه محتاج إليه يجحف به ابتياع رقبة به لجاز الصوم.
وكذلك إن كانت له دار يسكنها جاز له الصوم مع وجود ثمن رقبة وإن لم يجز له مع وجود عينها.
على أن في الكفارة اعتبر في المنع من الصوم وجود الرقبة، والواجد لثمنها القادر على شرائها كالواجد لعينها وليس كذلك في الزكاة، لأن المعتبر فيها عدم الملك لعين بنت مخاض.
فإذا كان مالكًا لقيمتها أو ثمنها فهو غير مالك لها.
وقد تكلمنا على هذه المسألة قبل هذا الموضع.
ويدل على ما قلناه أيضًا ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فرض في صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من قمح أو صاعًا من شعير.
ففي هذا دليلان: أحدهما: أنه يفيد انحتام ما نص عليه.
والثاني: أنه نص على أشياء مختلفة، وأقوات متباينة، فلو كان الاعتبار

بغير المنصوص بل بقيمته لم يكن للنص على أشياء مختلفة معنى، ولكن يكفي في ذلك النص على واحد دون غيره، فعلم بذلك أن أعيانها مقصودة.
ويدل عليه أيضًا من جهة الاعتبار أن إخراج القيمة يؤدي إلى سقوط المنصوص، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أن في خمس من الإبل شاة، وقد تؤدي القيمة إلى نصف شاة، وذلك خلاف المنصوص فيجب منعه، ألا ترى أنه لو جاز إخراج القيمة جاز أن يخرج نصف شاة قيمته عشرة دراهم عن شاة قيمتها عشرة دراهم، ولجاز أن يخرج نصف صاع برني، وفي منع ذلك بطلان اعتبار القيمة.
ولأنه عوض عن الواجب المنصوص في الزكاة على وجه القيمة فوجب ألا يجزئ.
أصله: إذا أخرج سكنى دار لا خلاف بيننا أنه لا يجزئ.
فإن قيل: إنما لم يجز ذلك، لأن السكنى ليست بمال.
قلنا: هي في معنى المال، بدلالة أنه يجب في مقابلتها المال، على أن الاعتبار عندهم بالمعنى صلى الله عليه وسلم لأن قيمة الشاة والبقرة ليست بعين الشاة.
فإن قيل: إن السكنى منفعة مؤجلة متأخرة، فلذلك لم يجز.
قلنا: تأخر المنفعة لا يمنع الجواز إذا كان المخرج مما يجوز إخراجه، بدلالة أنه لو وجبت عليه عن مائتين درهم خمسة دراهم فأجرجها في عشرين يومًا أو في شهر كل يوم شيئًا يسيرًا لجاز وإن تأخرت المنفعة به.
ولأن الزكاة حق يخرج على وجه الطهرة فوجب ألا تجزئ فيه القيمة.

أصله: الرقبة في الكفارة، لأنه لو تصدق بقيمة العين لم يجزئه بالاتفاق.
وأيضًا فلأنه حق وجب في مال مسلم لا يسقط العفو والإبراء، فلم يجز إخراج القيمة فيه اعتبارًا بالهدايا.
ولأنه لو أخرج في زكاة الفطر نصف صاع من غير قوت بلده قيمته صاع من قوت بلده لم يجزئه، لأنه إخراج زكاة بقيمة، كذلك في مسألتنا فإن قيل: إنما منعن هذا للربا، لأنه كأنه أبدل صاعًا بنصف صاع.
قلنا: لا مدخل للربا في هذا، بدلالة أنه لو أخرج صاعين بقيمة الصاع من قوت بلده لأجزأه وإن كان حكم الربا في الزيادة والنقصان واحدة.
ولأنه لو كان المنع لأجل الربا - على ما قالوه - لوجب إذا لزمه في إحدى وتسعين حقتان أن يجزئه إخراج ما خص قيمتها، لأنه لا ربا في الحيوان.
فلما لم يجز ذلك بطل ما قالوه.
ويدل على ما قلناه أيضا أن إخراج القيمة عما وجب في المال من الزكاة كأنه شراء الصدقة بالقيمة، وذلك لا يجوز، لأن الصدقة وجبت للمساكين، وهذا المخرج ليس بقيم لهم ولا ولى عليهم، فلا يجوز له أن يتصرف فيما وجب عليه لهم بنقله إلى غير جنسه.
ولا يدخل على شيء مما استدللنا به ما نقلوه من جواز إخراج الذهب عن الفضة والفضة عن الذهب، لأن ذلك ليس على طريق القيمة عندنا، وإنما هو بدل، لأن أحد الشيئين ينوب مناب الآخر ويسد مسده في اتفاق الغرض فيه، واستواء المنافع، وما له يراد كل واحد منهما، فإذا أخرج أحدهما كان كإخراج الآخر، ولم يكن كالقيمة.

واستدل من خالفنا بقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "خذ عدله من المعارفري"، ويقول معاذ: (ائتموني بخميص أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة؛ فإنه أنفع للمهاجرين والأنصار، وأهون عليكم).
وقد علم أن الزكاة لا تجب في الثياب، وثبت زنه آخذها على وجه القيمة.
وبقوله صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر: "اغنوهم عن الطلب في هذا اليوم"؛ فدل ذلك على أن الغرض ما يحصل به الغني عن الطلب والمسألة.
وبقوله صلى الله عليه وسلم: "من بلغت صدقته جذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة أخذت، وما استيسر من شاتين أو عشرين درهمًا"، وهذا هو إخراج القيمة في الزكاة.
ويقول أبو بكر - رضي الله عنه - في أهل الردة: والله لو منعوني عقالاً مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاهدتهم عليه.
فالعقال لا يؤدي إلا على وجه القيمة، وهذا إنما كان في الزكاة.
قالوا: ولأنه إيصال منفعة عاجلة غير مترقبة إلى المساكين من غير با؛ فأشبه ما نص عليه.
قالوا: ولأن الواجب في الزكاة لو تعين في الجنس لتعين في العين، فلما جاوز العدول عن التعيين إلى [ق/ 114] الجنس جاز عن الجنس إلى غير الجنس؛ ألا ترى أنه لما لم يجز في حقوق الآدميين العدول عن الجنس

إلى غير الجنس لم يجز العدول عن العين إلى الجنس وهو في الشركة؛ لأنه لا يجوز أن يعطيه من غير ذلك المال.
قالوا: ولأنه لما جاز أنه يخرج القيمة في زكاة التجارة؛ كذلك في زكاة المواشي وغيرها.
قالوا: ولأن المبتغى في الزكاة هو المساواة ودفع الخلة، وذلك لا يتعلق بجنس ولا بعين.
قالوا: ويدل على جواز إخراج غير المنصوص فنقول: لأنه نوع مال فجاز أن يجزئ إخراجه في الصدقة اعتبارًا بالمنصوص.
فالجواب عن ذلك أن يقال: أما أحاديث معاذ فإنه وارد في الجزية، وكلامنا في الزكاة.
وكذلك قوله: ائتوني بخميس ولبيس.
ويبين ذلك أنه نقلها من اليمن إلى المدينة، وعندهم أن الزكاة تعرف إلى الفقراء في الموضع الذي وجبت فيه.
وأيضًا فإن الجزية قد كانت تؤخذ من قوم من العرب باسم الصدقة؛ فيجوز أن يكون معاذ أراد هذا ك بدلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم له: "خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل".
وعلى أن أكثر ما في هذا أن معاذًا اعتقد جواز ذلك، واعتقاده ليس بحجة، وليس المسلم إجماعًا.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" فإنه مجمل فيما يقع الغني به.

وقد بين في حديث آخر وهو قوله: "أدوا صاعًا من قمح أو صاعًا من شعير"؛ فوجب الرجوع فيما به يقع الغنى إلى ذلك.
وأما قوله: يأخذ منه شاتين أو عشرين درهمًا: فهذا الخبر لم يثبت عند أصحابنا، ولم يجوزوا الجبران في الزكاة، ومن يجوز ذلك فإنما يجوزه بدلاً لا قيمة؛ لأنه منصوص عليه.
وأما قول أبي بكر - رضي الله عنه -: "والله لو منعوني عقالاً مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاهدتهم عليه" فلا دلالة لهم فيه؛ لأن العقال صدقة عام، وليس المراد به مما يخرج بالقيمة؛ يبين ذلك قول الشاعر يذم مصدقًا كان عليهم: سعى عقالاً فلم يترك له سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين يريد أنه ولى علينا صدقة عام فأساء في المعاملة فكيف لو ولي صدقة عامين.
وقد قيل: إن أبا بكر أراد أخذ الناقة بعقالها.
وأيضًا فإن أبا بكر - رضي الله عنه - أخرج هذا القول مخرج التعظيم للقصة والتكثير على من منعه حربهم، وهو عليه التسامح بترك الأداء للزكاة، وأراد أن يبين أنه يستجيز حربهم على منع القليل والكثير مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فضرب المثل في التقليل بذلك.
ومثل هذا

يعلم أنه لم يقصد به عين المذكور فقط.
وأيضًا فليس في الخبر أنهم لو منعوني عقالاً مما كانوا يؤدونه في الزكاة؛ فلا يمتنع أن يكون أراد في الزكاة وغيرها وإن كان السبب الخارج هذا الكلام هو الزكاة؛ فعلم أنه لا تعلق لهم في ذلك.
فأما قياسهم على المنصوص عليه فباطل؛ لأن تجويز القيمة يؤدي إلى رفع المنصوص على ما بيناه من أنه يقتضي جواز إخراج نصف صاع عن صاع إذا كان بقيمته، ونصف شاة عن شاة.
ولا يجوز أن يستنبط من النص معنى يسقط النص الذي استنبط فيه.
وأيضًا ينتقض بسكنى الدار وخدمة العبد.
فإن قالوا: قد احترزنا عن ذلك بأن قلنا عاجلة غير مترقبة.
قلنا: إذا وجبت عليه صدقة مائتي درهم خمسة دراهم فخرج أربعة دراهم، وأسكن الفقراء داره يومًا، وسكناها ذلك اليوم يسوي درهمًا فأكثر؛ فالمنفعة متعجلة غير مترقبة فوجب انتقاض ما قالوه.
وقولهم: لو تعينت الصدقة في الجنس لتعينت في العين دعوى، وتقلب عليهم.
فيقال: لو لم يتعين في الجنس لجاز العدول إلى كل جنس كالسكنى والإخدام على أن التعلق في الجنس لا يوجب التعيين في المعنى؛ ألا ترى أن الرقاب في الكفارات تتعلق بالجنس ولا تتعلق بالعين؟.
وأما زكاة التجارة فإنها للضرورة؛ لأن الزكاة تجب في القيمة لا في العين.

وقولهم: إن الفرض في الزكاة المواساة: فليس على الإطلاق، ولكن على وجه مخصوص؛ ألا ترى أنه لو دفع نصف شاة عن شاة ونصف صاع عن صاع وسكنى دار أو إخدام عبد لم يجز وإن كانت مواساة.
وقياسهم على المنصوص قد بيناه.
والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: فإن أجبره المصدق على أخذ الثمن في الأنعام وغيره أجزأه".
قال القاضي رحمه الله: وهذا لأن ذلك مذهب قوم من أهل العلم والحكم إذا وقع بما فيه خلاف مضاد لم يرد؛ فكأن ذلك بمنزلة حكم الحاكم بما فيه خلاف أنه يمضى ولا ينقض.
والله أعلم.
مسألة

قال رحمه الله: "ولا يسقط الدين زكاة حب ولا ماشية".
قال القاضي رحمه الله: قد ذكرنا فيما تقدم في باب زكاة الدين، وبينا الفرق بين ذلك وبين زكاة الغنم بما يغنى عن إعادته هاهنا.

باب زكاة الفطر

مسألة قال رحمه الله: "وزكاة الفطر سنة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل صغير أو كبير ذكرًا أو أنثى، حر أو عبد من المسلمين، صاعًا عن كل نفس بصاع النبي صلى الله عليه وسلم".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله: قوله: إنها سنة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ظاهره الجمع بين كونها مسنونة، وذلك متناقض؛ لأن بقوله: "إنها سنة" قد أثبتها سنة بدئًا؛ لأن معنى [ق/ 115] السنة في عرف الفقهاء خلاف الفريضة.
وبقوله: فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثبتها واجبة؛ لأن المفروض والواجب واللازم بمعنى واحد.
والجمع بني الأمرين لا يصح؛ فلابد من تأويل أحد اللفظين.
ويجوز أن يكون أراد أن وجوبها معلوم من السنة، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ فرضها.
ولكن لا فرق عندنا بين ذلك وبين سائر الزكوات في الوجوب، وهذا هو قولنا وقول الشافعي.
وعند أبي حنيفة أنها سنة مؤكدة، وليست بواجبة، وربما قال أصحابنا: أنها واجبة وليست بفريضة؛ لأنهم يفرقون بين الواجب والفرض على ما حكيناه عنهم في الوتر.

والخلاف في الموضعين واحد؛ لأنه إذا أعطى لفظ الوجوب ومنع معناه؛ فالخلاف معه ثابت.
واستدل أصحابه بما روى عن قيس بن سعد أنه قال: أمرنا بصيام عاشوراء، فلما فرض رمضان لم نؤمر به ولم ننه عنه، ونحن نفعله.
وأمرنا بصدقة الفطر، فلما فرضت الزكاة لم نؤمر بها ولم ننه عنها، ونحن نفعلها.
والدلالة على ما قلنا: ما رورى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين".
ففي هذا دليلان: أحدهما: إخباره بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضها، وأبو حنيفة يقول: ليست بفريضة.
والآخر: أنه سماها زكاة، وعند أبي حنيفة ليست بزكاة.
وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض صدقة رمضان.
وروى حماد بن زيد عن النعمان بن راشد عن الزهري عن ابن ثعلبة بن صغير عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر أدوا صاعًا من قمح أو تمر عن كل ذكر أو أنثى أو صغير أو كبير أو غنى أو فقير أو حر أو

مملوك".
ولأنها زكاة في المال؛ فأشبهت سائر الزكوات.
فإن منعوا أن تسمى زكاة دللنا عليه بما روى عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر.
ولأنه حق يتعلق بمال اليتيم كتعلقه بمال البالغ؛ فكان سائر الحقوق اللازمة.
فأما ما رواه عن قيس بن سعد فإنه دليلنا؛ لأن الشيء إذا ثبت وجوبه لم يسقط إلا بالنسخ.
وقوله إنا لم نؤمر بها: معناه أنه لم يجدد لنا أمر بها، وليس في ذلك دلالة على أنها غير واجبة؛ لأن الأمر الأول كاف في الوجوب ما لم ينسخ، وتكرار الأمر بالشيء ليس بشرط في استقرار وجوبه.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا سقط ما تعلقوا به من ذلك.
والله أعلم.
فصل فأما قوله: إنها على كل حر وعبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير من المسلمين؛ فلورود الخبر بذلك فيما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين.

وفي حديث [عبد الله بن] ثعلبة بن صغير عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في صدقة الفطر: "أدوا صاعًا من قمح أو تمر عن كل ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، غني أو فقير، حر أو مملوك".
فأما قوله: إنها تؤدي صاعًا عن كل إنسان: فلا خلاف في ذلك فيما عدا البر، وإنما الخلاف في البر؛ فعندنا وعند الشافعي أنه لا يجزئ أقل من صاع من أي شيء أخرجه، وعند أبي حنيفة أنه يجزئ نصف صاع من بر دون غيره إلا الزبيب فعنه فيه روايتان.
واستدل أصحابه بما رواه ثعلبة بن صغير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر صاعًا من بر عن كل اثنين.
وروى داود بن الزبرقان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صدقة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير أو مدان من حنطة".
وروى الحسن عن ابن عباس قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة على كل حر أو عبد، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى صاعًا من تمر أو شعير أو نصف صاع من بر".
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر مناديه

ينادي: ألا إن صدقة الفطر مدان من القمح".
وذكروا أنه قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وجابر وعائشة ومعاوية وابن الزبير وأبي هريرة وقيس بن سعد، ولا مخالف لهم.
ولأن الزكاة إذا تعلقت بالأجناس اختلف مقدارها؛ اعتبارًا بزكاة الأموال.
والدلالة على ما قلنا: ما رواه المبارك بن فضالة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من بر على كل حر وعبد، ذكر أو أنثى من المسلمين.
وروى سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر صاعًا من قمح.
وروى حماد بن زيد عن النعمان بن راشد عن الزهري عن [عبد الله بن] ثعلبة بن أبي صغير عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر أدوا صاعًا من قمح أو تمر عن كل ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، غني أو فقير، حر أو مملوك.
وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: كنا نخرج زكاة الفطر

صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير أو صاعًا من إقط أو صاعًا من زبيب.
قال مالك رحمه الله: وذلك بصاع النبي صلى الله عليه وسلم ورواه أحمد بن [ق/ 116] حنبل حدثنا وكيع عن داود بن قيس الفراء عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد قال: كنا نخرج الفطر إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من شعير أو صاعًا من إقط.
فلم نزل كذلك حتى قدم علينا معاوية المدينة قدمة فكان فيما كلم به الناس أن قال: ما أرى مدين من سمراء الشام إلا تعدل صاعًا من هذه؛ فأخذ الناس بذلك.
قال أبو سعيد: فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه محمد بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن عثمان بن حكيم بن حزام عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد قال: لا أخرج إلا ما كانت أخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير.
فقيل له: أو مدين من قمح.
قال: لا تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها.
ووجه الاحتجاج به هو أبا سعيد أخرج ذلك فخرج الاحتجاج؛ فأخبر أن إخراجها كان من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعًا كاملاً إلى عهد معاوية.
فإن قيل: يجوز أن يكون ذلك بغير علم النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون فيه

حجة.
قلنا: هذا باطل من وجوه: أحدهما: أن المقادير لا تؤخذ إلا توقيفًا، وليس في هذا قياس، سيما في عصر النبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني: أن ظاهر قول الصحابي: كنا نفعل كذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يفيد أنه مع علمه إلا أن يقيده بأنه كان لا يعلم.
والثالث: أنه أخرج ذلك مخرج الاحتجاج، وقد علم أن مجرد فعله لا حجة فيه؛ فقد تضمن ذلك أنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
والرابع: أنه يبين العلة التي لم يعدل لأجلها إلى نصف صاع؛ فقال: "تلك قيمة معاوية"؛ فدل ذلك على أن ما كان يفعله على أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
والخامس: أن الزكاة كانت تحمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فبطل أن يكون لا يعلم بها.
وأيضًا فلأنه قوت يخرج في صدقة الفطر؛ فوجب أن يقدر بصاع؛ اعتبارًا بالشعير والتمر.
وأيضًا فلأن القيمة لا اعتبارًا بها في صدقة الفطر؛ بدلالة زيادة قيمة التمر على الشعير، والزبيب على التمر، وهي مع ذلك متفقة في المقدار المعتبر فيها.
فأما حديث ثعلبة فمختلف فيه عنه فروى ما قالوه وروى ما قلناه؛ فكان الأخذ بما ذكرناه أولى؛ لأنه أزيد.

وحديث ابن عمر قد روى من طريقه ما يقابله؛ فروى سليمان بن حرب عن حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة رمضان صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير فعدل الناس به نصفه برا" فهذا يدل على أن تقدير البر بنصف صاع حادث بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
وحديث ابن عباس مرسل؛ لأن الحسن لم يسمع من ابن عباس شيئًا.
ويبين ضعف الحديث أن ابن عباس - هو راويه - يخالفه؛ فروى القاضي إسماعيل بن إسحاق حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن أيوب قال: سمعت أبا رجاء يقول: سمعت ابن عباس يخطب على المنبر يقول: صدقة الفطر صاع من طعام.
وروى شهاب عن محمد بن سيرين قال: قال ابن عباس في صدقة الفطر صاع عن الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والأنثى، من جاء ببر قبل منه، ومن جاء بزبيب قبل منه.
وكذلك روى إسماعيل القاضي عن مسلم بن عرفطة قال: سمعت الحسن يقول في زكاة الفطر: صاع بر أو صاع تمر.
على أن أكثر ما في الأخبار أن تتقارب فيكون الزائد أولى.
وادعاؤهم الإجماع باطل؛ لأن ما قلناه مروي عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وابن الزبير وغيرهم؛ فأما ابن عباس فقد روينا عنه في ذلك، وأما أبو سعيد فهو المعتمد في الاستدلال، وما روى من إنكاره على معاوية.

وأما ابن الزبير: فروى شعبة عن أبي إسحاق قال: كتب إلينا ابن الزبير: "بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان"؛ صدق الفطر صاعًا صاعًا.
واعتبارهم باطل بالشعير والتمر؛ لأنها جنسان، وقدر الزكاة فيها مختلف.
فبطل ما قالوه.
وبالله التوفيق.
فصل لا خلاف أن صاع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد، وإنما الخلاف في قدر المد؛ فعندنا وعند الشافعي أن المد رطل وثلث بالبغدادي؛ فيكون قدر الصاع خمسة أرطال وثلث، وإلى هذا رجع أبو سيف.
وعند أبي حنيفة أن المد رطلان بالبغدادي؛ فلذلك قال: إن الصاع ثمانية أرطال بالبغدادي.
والذي يدل على ما قلناه نقل أهل المدينة خلفًا عن خلف وآخر عن أول أن صاع النبي صلى الله عليه وسلم مقداره ما ذكرنا.
وهذا الضرب من إجماعهم حجة على كل أهل الأمصار؛ لأنه نقل متواتر.
وعلى نحو ذلك روى أن مالكًا - رضي الله عنه - لما جمع الرشيد بينه وبين يعقوب، وسألهما عن صاع النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه مالك ما ذكرنا، وقال يعقوب: إنه ثمانية أرطال، جمع مالك النس بالمدينة وسألهم عن صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلهم يقول: حدثنا أبى عن جدي، وأمي عن جدتي، وأخبرني سلفي وكل من أدركت من أهلي أن هذا هو صاع النبي صلى الله عليه وسلم؛

فرجع يعقوب عن قول أبي حنيفة إلى قول مالك - رحمه الله.
وقال الواقدي: طفت بصاع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مالك، وأبي الزناد، وابن أبي ذئب، وابن أبي شبرمة فوجدت عياره خمسة أرطال وثلث.
وحكى عن أحمد بن حنبل - رحمه الله - أنه عيره فوجده مثل ذلك.
فوجب [ق/ 117] بما ذكرناه من النقل المتواتر في ذلك من أهل المدينة - على ما وصفناه - أن يكون صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو هذا المقدار؛ كما وجب ذلك في نقلهم غزواته وموضع قبره ومنبره.
فأما قول الكرخي - فيما حكى عنه - أن أبا يوسف لم يكن من سبيله أن يرجع؛ لأن أهل المدينة لم يقولوا إنه خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، وإنما أرادوا برطل أهل المدينة: فإته باطل؛ لأن مالكًا - رحمه الله - ويعقوب ومن حضر معهما من فقهاء المدينة وغيرهم لم يخف عليهم قصد أهل المدينة في ذلك مع كثرة أهل البحث وطول الفحص وشدة اهتمام الرشيد بهذا الأمر؛ فبطل ما قالوه.
ولأن رطل أهل المدينة مائتا درهم؛ فلا يحصل منه واحد من المذهبين.
وهذا الدليل هو عمدة المسألة.
ويدل عليه أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: "أتؤذيك هوام رأسك؟ " قال: نعم.
قال: "احلق رأسك وانسك بشاة، أو صم ثلاثة أيام وتصدق بثلاثة أصوع على ستة مساكين".
وروى أنه قال: "تصدق بفرق".

ولا خلاف أن الفرق ستة عشر رطلاً؛ فدل ذلك على أن الثلاثة الأصوع مقدارها مقدار الفرق.
فحصل من ذلك ما قلناه.
فأما الأخبار التي ينعلقون بها فضعيفة مطعون على ناقلها.
ولو سلمت من تضعيف رواتها لم تثبت في مقابلة المتواتر؛ لأنها أخبار آحاد، وقد بينا وجه الجواب عنها فيما سلف بما فيه كفاية عن الإعادة.
فصل ومدار الكلام في هذا الباب على إجماع أهل المدينة، ووجوب إتباعه، وهل هو حجة أم لا.
فإذا بينا ذلك بأن وجه الاستدلال به على فروعه، وما بني عليه.
ونحن نذكر منه جملة مختصرة توضح من صحة ما نذهب إليه من ذلك، والله الموفق.
اعلم أن إجماع أهل المدينة حجة عند مالك وأصحابه رحمة الله عليه وعليهم، وعليه بنوا الكلام في كثير من مسائلهم؛ مثل الأذان، والإقامة، وتقديم الأذان لصلاة الفجر قبل طلوع الفجر، ومقدار الصاع والمد، وإسقاط الزكاة في الحضر، ومعاقلة المرأة الرجل إلى ثلث الدية، وبغير ذلك.
والكلام في هذا الباب في أربعة فصول: أحدها: في بيان الإجماع الذي نذهب إلى أنه حجة.
والثاني: في الدلالة على ما نذهب إليه من ذلك، والكلام على أسئلة

المخالفين فيه.
والثالث: الترجيح بما ليس بحجة منه، واختلاف أصحابنا فيه.
والرابع: في حكم أخبار الآحاد إذا وردت في مقابلة هذا الإجماع الذي نقول إنه حجة.
وقد أكثر الناس الكلام على أصحابنا في هذا الباب، وشنعوا عليهم فيه، وصنفوا عليهم فيه الكتب من غير علم بحقيقة مذاهبهم فيه، فإذا تأمل المصنف كلامهم وجدهم قد وضعوا مذاهب وتكلموا على فسادها.
وليس هذا من الإنصاف، ولا مما يرضاه أهل الدين والتحصيل.
والله المستعان.
واعلم أن إجماع أهل المدينة في الأصل ضربين: أحدهما: نقل، وما في معنى النقل.
والآخر: عن اجتهاد واستنباط.
فأما النقل: فإنه على ضروب: منه نقل قول، ومنه نقل فعل، ومنه نقل قرار، ومنه نقل ترك.
وأما الاجتهاد فيما لم يكن عندهم فيه نقل فاجتهدوا فيه؛ فأداهم اجتهادهم إلى بعض الأقاويل فصاروا إليه.
وهذا يرد الكلام عليه فيما بعد.
والكلام في هذا الموضع هو في القسم الأول، وهو الذي فيه الخلاف؛ فنقول وبالله التوفيق: إن الذي يخالفنا في هذا إما أن تكون مخالفته في كون النقل الذي هذه صفته حجة، أو في أن ما يدعى وجوده من ذلك غير

ثابت وأنه إن ثبت لم يخالفه.
فإن كانت مخالفته في قيام الحجة به فذلك مخالفة لإجماع جميع أهل العلم من وجوب الرجوع إلى مخبر الخبر المتواتر إذا نقله ممن تقوم الحجة بنقله وإن لم يكونوا جميع الأمة؛ لأن شرط التواتر إذا حصل في النقل لزم العمل به، وليس من شرطه ألا يبقى أحد إلا وينقله، ولا يخالف في هذا محصل، وإن كان يخالف في أن هذا موجود في مسألتنا فنحن نبين ذلك.
وقد اختلف أجوبتهم عند هذا التقرير بعد أن حكوا مذهبنا على غير وجهه، وأضافوا إلينا ما لا نقوله نحن ولا غيرنا؛ فمن ذلك حكاية جمهورهم عن مالك - رحمه الله - أنه قال: الإجماع الذي تحرم مخالفته هو إجماع أهل المدينة، وأنه لا معتبر بمن خالفهم.
وهذا ليس بقول مالك، ولا لأحد من أصحابه، ولا أعلمه قولاً لمسلم أيضًا؛ لأن الناس في الإجماع على أضرب: منهم من لا يقول به أصلاً، ومنهم من يقول بإجماع الصحابة فقط دون بعدهم وهذه طريقة أهل الظاهر، ومنهم من يقول بإجماع أهل الأعصار وهذا مذهب مالك - رحمه الله - وكافة أهل العلم وفقهاء الأمصار، ويزيد مالك وأصحابه عليهم بقسم آخر وهو إجماع أهل المدينة.
فأما أن يقول: لا إجماع إلا إجماع أهل المدينة، ولا معتبر بغيرهم: فغلظ عليه، وأضافه للمحال إليه.
وحكى أبو بكر الصيرفي الشافعي - من أصحابنا - في مثل هذا المسألة التي عملها في إجماع أهل المدينة فقال ما حكيته.
وقال فريق: الإجماع إجماع أهل المدينة، والخلف تبع لهم - يريد:

مالكاً وأصحابه-، وقد بينا أن هذا ليس بقولنا.
ثم قال: يقال لمن قال ذلك: ما [ق/118] تعني بقولك: الإجماع إجماع أهل المدينة؟ أتعني إجماع الصحابة الذين كانوا بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن هو منزله، وممن هاجر إليها فنزل بها، وممن قد تفقه فيها، ومن خرج عنها ممن ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمصار، ومن عماله في البلدان؟.
فإن قال: هذا أعني.
قيل له: فما يخالف في هذا الإجماع عالم ولا فقيه؛ لأنه إجماع الكافة حيث كانوا.
وإن قيل: ليس هذا أعني، ولكن إجماع البعض.
قيل له: كيف يكون بعضهم حجة على بعض دون أن يكون ذلك البعض حجة على من سميت؟ ثم بني كلامه وحجاجه على هذا التقسيم.
وكل ذلك ليس بقول لنا، وقولنا خارج عن قسمته.
وجوابنا عما أوردوه أن نقول: إن مرادنا بما نذكره من إجماع المدينة؛ وهو أنا وجدناهم ينقلون حكماً من الأحكام نقلاً متواتراً يخبر به خلفهم عن سلفهم قرنًا بعد قرن إلى أن يتصل ذلك بعصر الرسول صلى الله عليه وسلم إما قولاً كالأدان، أو عملاً؛ كنقلهم أن أذان الصبح لم يزل يقدم على وقتها، أو بإقرار، أو ترك؛ كنقلهم ترك أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة من الخضر والبقول.
وهذا النقل الذي نذكر متصور معقول، لا نطالب فيه بكل الصحابة أو ببعضهم ولا بأعيانهم وأسمائهم؛ وكذلك كما ينقل أهل بلد من البلاد عن

أسلافهم قضية منتشرة بينهم يتوارثون نقلها خلفًا عن سلف وقرنًا بعد قرن، ولا يطالبون بتسمية من نقلوا عنه.
وهذا المخالف بني تقسيمة على أن إجماعهم إجماع اعتقاد متجرد عن نقل؛ فلذلك قال: إن كان إجماعًا من البعض فالبعض لا يكون حجة.
فإن قيل: فمحصول هذا يرجع على أن الاحتجاج بنقلهم الذي صفته ما ذكرتموه.
قيل له: ذلك هو.
فإن قيل: فهذا حالة للمسألة؛ لأن الكلام هو في إجماعهم، لا في نقلهم.
قيل له: من هاهنا خبطت وخلطت؛ لأنك ظننت أن مرادنا بقولنا: إجماع أهل المدينة اعتقادهم للشيء رؤية واجتهادًا، وهذا لم نرده، وله باب آخر، وهو من أدنى ما ذكرناه.
وقال آخرون: هذا جحد منكم لمذاهبكم؛ لأنكم عند التقرير عدلتم عن الإجماع إلى النقل، وكيف يسمى النقل إجماعًا؟ فعلم أن مذهبكم هو أن أهل لمدينة إذا أجمعوا على شيء كان لإجماعهم تأثير في الحكم؛ وعلى هذا تكلمنا.
فالجواب: أن هذا تقويل لنا ما ليس بقول لنا، زعموا أنه يلزمنا الاعتراف به لئلا يثبت غلطهم علينا في الحكاية عنا، وأتى شيء يلزمنا إذا عبرنا عن الفعل المجمع عليه بأنه إجماع؟ وهل هو آكد من تسمية إجماعهم على الشيء اجتهادًا بأنه إجماع لأن هذا إجماع على الحكم فقط، وفي

مسألتنا إجماع على الحكم وعلى النقل.
إلا أن موضع الاحتجاج هو بإجماعهم على النقل الذي لا يختلفون فيه، وهو كنقلهم المتواتر أن هذا قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنبره وصاعه ومده، ولم ينقل فريق منهم هذا وفريق آخر غيره؛ فيقع اختلاف في النقل بالنقل جميعهم على حد واحد وصفة واحدة.
وقد حكى شيخنا أبو بكر الأبهري - رحمه الله - أنه لما وافق الصيرفي على هذا اعتراف له به، وقال له: إن الإجماع من طريق النقل لا نخالفكم فيه؛ لأن قول مالك والشافعي فيه واحد؛ فما معنى احتجاج مالك علينا فيه؟ قال: فقلت له: إن مالكًا إنما احتج به على فقهاء العراق وغيرهم الذين يخالفونه فيه.
وقال بعض من تكلم في هذه المسألة: ليس يخلو ما أجمع عليه أهل المدينة مما خالفوا فيه من أن يكون إجاعهم عن رواية اتصلت بهم لا مخالف لها فالحجة أداء الخبر دون القول والعمل.
فيقال له: لسنا نقول بهذا، ولكن نقول: إن إجماعهم هو نقلهم الذي لا مخالف عليه منهم النقل الذي وصفناه، ولا نقول: اتصل بهم، ولا نحتج، باعتقادهم لموجب النقل منفردًا عن النقل.
فأما قوله: الحجة إذا اتصل دون القول والعمل: فجوابه أنا كذل؛ نقول، ولسنا نحتج بمصيرهم إلى النقل واعتقادهم إياه، ولكن بنقلهم التواتر على أقسامه الذي قدمنا شرحها.
فإن قال: فنحن لا نمنع أن يكون الخبر حجة، وإنما ننكر أن يكون إجماعهم عليه وعملهم به حجة، فإذا سلمتم أن العمل ليس بحجة في

النقل فقد سلمتم المسألة.
قيل له: ليس الأمر على ما ظننته؛ لأن المسألة هي في نقلهم الذي وصفناه إذا نقلوه مجمعين عليه فعبرنا عن صفة هذا النقل بأنه إجماعهم، وكيف يكون قائلاً به وأنت مخالف له لقولك في الصاع والمد أنه غير الذي نقلوه، وكذلك في الأذان وزكاة الخضر وغير ذلك مما أجمعوا على نقله؟.
فإن قال: إنما قلت: إنكم قد سلمتم المسألة؛ لأن النقل إنما يحتج به بنفسه دون الإجماع عليه ولا يوصف بأنه إجماع ناقليه.
قيل له: من أين وجب هذا؟ أو لسنا نعلم ضرورة من دون الأمة أن صلاة الظهر أربع ركعات، وأنه لا يجهر في جميعها، وأن ذلك إجماع منها، وأنه مأخوذ من غير طريق الاجتهاد والقياس، بل بالنقل المتواتر المتصل؟ أفيمنعهم نقلهم له أن يسمي إجماعًا من ناقليه عليه؟ فكذلك سبيل نقل أهل المدينة.
فإن قال: فما الفائدة في [ق/ 119] إجماعهم على النقل، وما الحاجة إلى ذلك في قيام الحجة بنقلهم وهو عندكم على ما وصفتموه من التواتر؟.
قيل له: أترى أنهم لم يختلفوا فينقل بعضهم ذلك وبعضهم خلافه؟.
وهذا نزاع في عبارة لا طائل فيها، ثم عندنا إلى بقية كلامه قال: أم يكون إجماعهم عن رواية قد خولفوا بمثلها كما تختلف الروايات، فإن كان كذلك فالواجب الرجوع إلى النظر بين الخبرين، وتأمل الروايتين دون تقليد أحد الفريقين.
فيقال له: ما زدت في هذا الفصل على السجع دون ذكر ما تحتاج إليه،

أو لسنا قد بينا أم الذي تريده هو نفس نقلهم دون اعتقادهم له وإجماعهم على القول به؟ فأي معنى لقولك: أو يكون اجتماعهم عن رواية قد خولفوا فيها، والحجة هي نفس الرواية.
فأما إن خولفوا فيما نقلوه فإن ينظر فإن خولفوا فيه إلى تواتر فلا حجة في أحد النقلين وإن خولفوا فيه إلى نقل آحاد كان نقلهم هو الحجة ولم يلتفت إلى النقل المخالف لنقلهم؛ لأنه آحاد في مقابلة تواتر.
والمسألة مبنية على هذا القسم.
ثم قال: أو يكون إجماعهم على استنباط؛ فبإزائهم استنباط المخالفين لهم، والحق إنما يعرف بالدليل.
يقال له: أيضًا هذا تقسيم من لا يعرف قول مخالفيه، وقد بيناه؛ فلا فائدة في تكراره.
فأما إجماعهم من طريق الاستنباط فليس هو مرادنا في هذا الموضع، ونحن نذكره فيما بعد إن شاء الله.
فصل فإذا تقرر من مذهبنا ما ذكرناه فالذي يدل على أنه حجة أتصال نقله على الشرط المعتبر في التواتر من تساوي أطرافه، وكون ناقليه من الكثرة بحيث لا يصح عليهم التشاغر والتواصل والاجتماع على الكذب، ولا خلاف في قيام الحجة فيما هذا وصفه من النقل.
فإن قالوا: هذه دعوى؛ لأنا لو سلمنا أن نقلهم لما نقلوه في هذه المسألة على هذه الصفة لم نخالفوه فبينوا ذلك.

قلنا: هذه مطالبة بوجود نقلهم الذي وصفناه، وذلك أمر مستفيض منتشر؛ لأن الذين نقلوا صاع النبي صلى الله عليه وسلم ومده هم الذين نقلوا قبره ومنبره؛ لأن ذلك نقل جميعهم خلفًا عن سلف وقرنًا بعد قرن، وكذلك إنهم لم يطالبوا بزكاة الخضر فنقلوا القول كما نقلوا الفعل، وأن الأذان كان على الصفة التي يؤذنون بها من الترجيح والتثنية دون الإفراد الذي يدعيه أهل العراق؛ وبذلك احتج مالك - رحمه الله - على أبي يوسف لما تكلما في الصاع والمد بحضرة الرشيد فقال مالك - رحمه الله -: هذا صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقله الخلف عن السلف، وبعث إلى أهل الأسواق فكانوا يأتون أقوامًا يخبرون بأن هذا صاع النبي صلى الله عليه وسلم الذي كانوا يؤدون إليه الزكاة به يخبرهم بذلك سلفهم عن سلفه إلى أن يتصل ذلك بعصره صلى الله عليه وسلم.
وكان أبو يوسف يتعلق برواية يرويها عن مجاهد أو غيره، فلما رأى من ذلك ما لا يمكن دفعه ترك مذهب أبي حنيفة واعترف بصحة ما يذهب إليه أهل المدينة.
وكذلك لما تكلم في الحبس والوقف، واحتج مالك بنقل أهل المدينة قرنًا بعد قرن أحباس رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقاته ووقوف أصحابه؛ فرجع أيضًا أبو يوسف إلى قولهم فيه.
فإن قالوا: لو كان نقلهم ذلك متواتر - على ما وصفتم - لوجب أن نعلمه ضرورة، ولم يحسن الخلاف فيهن وكان يجب أن يكون ناقلوه أيضًا يعلمونه ضرورة، ولو كان كذلك كان مالفه جاحدًا للضرورة، وإن صرتم إلى هذا لزمكم أن تقولوا: إن أبا حنيفة وأصحابه وكافة فقهاء العراق، والشافعي وأصحابة جاحدون للضرورة، وفي هذا ما لا خفاء فيه.

قالوا: ويوضح هذا أن مدعيًا لو ادعى أن هاهنا خبر واحد لم يسمع هؤلاء الذين ذكرناهم به على مر الأعصار إلى هذا الوقت، ولا أحد منهم، ولا من أصحابهم لقدحت دعواهم مع كونه نقله أخفى وأقل ظهورًا وانتشارًا؛ فادعاؤه ذلك في النقل المتواتر أبعد.
قلنا: أما قولكم أن ذلك لو كان على ما زعمناه لوجب أن يعلموه على حد ما علمناه، ولكن خفي عليكم؛ لقلة العناية به؛ لأن العلم لمخبر الخبر المتواتر يحتاج إلى مخالطة أهل الأخبار والناقلين لها ومكاثرتهم العلم به ابتداء من أول وهلة؛ ألا ترى أن كثير نقل الدين قد خفي على من لم يدخل فيه وعلى عوام الناس لقلة مخالطتهم.
فإن قالوا: فهب هذا على العامة ومن لا يخالط أهل العلم فكيف يحسن ادعاء ذهابنا عنه مع حصرنا على العلم وعنايتنا به وأنا من ذلك بحيث يعلمون.
قلنا: ليس هذا بمنكر ولا عجيب، وقد يحرص الإنسان على شيء ويقل حرصه وعنايته بطلب نظيره وما يشاركه في بابه وحكمه؛ ألسنا نحن وأنتم مع حرصنا على العلم وشد عنايتنا له ولزومنا له ومواضبتنا عليه وتوفر دواعينا على معرفة مذاهب المخالفين به ومناظرة بعضنا لبعض في المجالس وتصنيفنا الكتب فيه لشذ على بعضنا العلم بمذهب غيره في المسائل الظاهرة المنصوصة حتى يحكمها عنه بخلاف قوله ثم يسأله عنها يرجع عما حكاه إذا أخبرنا بخلافه.
وأبين من هذا أنا نسمي لكم مخلفًا [ق/ 120] في مسألة من المسائل من فتنكرون أن تكونوا سمعتم بذكره وأن تكونوا علمتم وجوده في العالم فضلاً عن خلافه، ولا أحصى من كلمته من

المخالفين فذكر له خلاف ابن المواز وابن حبيب مع موضعها من العلم وتصنيفهما فيه الكتب التي ما سبقا إلى مثلها فقالوا: ما سمعنا بها ولا القوم ولا عرفنا في الفقهاء من يسمي بهذا الاسم أفترى أن هؤلاء القوم لا نعلم أنهم كانوا موجودين علمًا ضروريًا لا يخالفنا فيه شك ولا ريب على حد ما نعلم وجود مالك وأبي حنيفة والشافعي، ولكن قلة المخالطة والنظر في كتب المخالفين وسماع الأخبار بجلب هذا، ولسنا نخصكم بذلك، بل علينا مثله فيما نقل فيه مخالطتنا وسماع أخبار الناقلين له، فحصل من هذه الجملة أنه ليس كل ما علمه بعض الناس متواتر الأخبار مما يحتاج إلى حرف من العناية والبحث، ومطالعة الأخبار، ومخالطة الناقلين؛ فيجب أن يعلمه من لم يشاركه في ذلك.
ويقال لأصحاب الشافعي خاصة: ألستم تحتجون على أبي حنيفة بالنقل المتواتر في الصاع والمد؟ أيمكنكم إذا جاء بكم أصحابه بمثل ما اعترضوا علينا به من أن ذلك لو كان متواترًا لعلموه كما علمتموه أن تجيبونهم إلا بمثل ما أجبناكم به؟؛ فاعلموا أنكم إذا اعترضتم بمثله علينا فإن اعتراضكم عائد عليكم؛ فجوابه يسقط عنا.
وأما قولهم لو كان ذلك معلومًا ضرورة لم يحسن الخلاف فيه: فدعوى؛ لأن ذلك غير ممتنع فيما يحتاج إلى مخالطة وبحث؛ على ما ذكرناه في كثير من الأخبار.
ولأن كثير من أهل الأصول يتقول وقوع العلم الضروري بمخبر خبر المتواتر ويحسن مناظرته عليه؛ ويبين ذلك أنه قد لا يحسن الخلاف في جملة خبر مقبول ويحسن الخلاف في تفصيله؛ ألا ترى أن "الموطأ" لمالك "والكتاب" لسيبويه معلوم في الجملة لا يحسن الخلاف

فيه ويحسن في تفصيله ومسائله؛ إذ قد يعلم الجملة من لا يعلم التفصيل؛ ولذلك حسن تجاحد أشياء معلومة هي معلومة بالتواتر أو بالآحاد، وهل هي معلومة ضرورة أو استدلالاً لما كان الحال فيها ما وصفناه!.
فأما قولهم على هذا أنه يوجب أن يكون من خالف جاحدين للضرورة: فجوابه أنا لا ندعي عليهم ذلك مع علمهم به، ولكن كما يدعون علينا مثله في بسم الله الرحمن الرحيم وغيرها، فأما أصحاب الشافعي فيلزمهم الاحتجاج على أهل العراق بنقل الصاع والمد مثل ما ألزمونا، ويقال لهم في جوابه هذا لو لم يكن ذلك معلومًا ضرورة، لكن مالك بن أنس وأصحابه وغيرهم من فقهاء المدينة رضي الله عنهم يدعون الضرورة فيما هم غير منظرين إليه ولا عالمين به؛ فما يستحسنون من الجواب في هذا فيجب أن يرضوا بمثله، وما ذكروه من خبر الواحد، وأنه لا يجوز أن يخفي على مسلم إلا أن يبين كذب مدعيه أو أن يرد على وجه مخالف العادة في الأخبار.
فإن قالوا: فقد ثبت في الجملة أن كل خبر متواتر فإنه حجة يلزم المصير إليه فما فائدة تخصيص أهل المدينة ومثله لازم في نقل كل أهل بلد؟ قيل لهم: لسنا نزعم أن الخصة تخص نقل أهل المدينة فقط دون غيرهم من أهل البلاد، ولكن لم يتفق لغيرهم من ذلك ما اتفق لهم، ولو اتفق لغيرهم مثل نقلهم لكان حجة، وليس ذلك لمعنى يرجع إلى البلاد ولا إلى من ولد فيه وأقام فيه، ولكن لأمور اتفقت لهم عدمت فيمن سواهم من مصاحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكونه بينهم، ومشاهدتهم لما يقوله ويفعله ويقر عليه أو يتركه إلى أن مات؛ فتوارثوه بينهم نقلاً كما توارثت أهل كل بلد

نقل سيرة سلطانهم وما كان تعاملهم به واستفاض بينهم معرفة غيرهم منهم؛ فكذلك سبيل غير اهل المدينة مع نقل أهل المدينة أنهم يعرفون ما عرفه أهل المدينة من قبل نقلهم إليهم؛ فكان أصل التواتر بها.
فهذا وجه اختصاصهم بثبوت الحجة بنقلهم.
هذا عمد ما يورده المخالفون، وما نجده من كلامهم سواه فإنما هو على ظنهم أنا نقوله؛ فمن ذلك إفسادهم الاحتجاج لإجماع أهل المدينة للأخبار المورثة في فضلها، وهذا لا يتعلق به نحن ولا غيرنا.
ومن ذلك قولهم أن أهل المدينة بعض الأمة، والخطأ جائز عليهم، وأن الدليل إنما قام على عصمة جميع الأمة دون بعضها.
وهذا أيضًا لا تعلق فيه؛ لأنه كلام على من يزعم أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة، وليس هذا مسألتنا.
ومنه أيضًا قولهم: إنه قد ذهب عليهم ما استعملوه من غيرهم ولهذا لا تمنع الحجة بمتواتر نقلهم كما لم يمنع ذلك في نقل الأمة.
ونحن نعقب هذا بالكلام من إجماعهم من طريق الاجتهاد إن شاء الله.
فصل قد بينا أن الإجماع من طريق النقل حجة، وأما إجماع أهل المدينة من طريق الاجتهاد فاختلف أصحابنا فيه على مذهبين: أحدهما: أنه حجة يلزم المصير إليه.
والآخر: أنه ليس بحجة على انفراده، ولكن يرجح به اجتهاد غيرهم من أهل العلم كما يرجح سائر المذاهب المقتضية للترجيح.
وهذا مذهب

أصحابنا البغداديين، وهو الذي كان ينصره شيخنا أبو بكر الأبهري، ويحكيه عن ابن [ق/ 121] بكير، وابن متاب، وأبي الفرج، وأبي يعقوب.
والأول قول قوم من متقدمي أصحابنا، وهو الذي يدل عليه قول ابن مصعب الزهري وأحمد بن المعدل وغيرهما، وإليه أشار أبو محمد بن أبي زيد في مقدمة كتاب الكبير، وقد نصره قاضي القضاة أبي الحسن بن أبي عمرو في مسألته في إجماع أهل المدينة التي عملها نقضًا على أبي بكر الصيرفي الشافعي، واحتج من نصر هذا بأن قال: لأن المدينة لما كانت عرصة النبوة، ودار الوحين وأهلها قد شاهدوا التنزيل، وسمعوا ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا أعرف بطرق الأدلة وأبصر من غيرهم ممن ثبت له هذه المزية بوجوه الاجتهاد وطرق الاستخراج والاستنباط.
قالوا: ولأن السنن والأحكام منها ابتدئت، وعنها انتشرت إلى أهل الآفاق، وقد كان الحكم مستفيضًا بها، ثم لا يعلم بغيرها إلا بعد مدة من نقل من ينقله إليهم، فإذا وجدناهم مجمعين وترك غيره من الأقيسة؛ لأن ذلك محمول على أنه عن توقيف علموه أنه نسخ لذلك الخبر فاستغنوا عن إيراده اكتفاء بإجماعهم على خلافه كما تستغني الأمة عن نقل ما عنه اجتمعت على الحكم؛ لأنه ليس إلا ذلك.
أو القول بأنهم تركوا التوفيق عنادًا إلى قول ابتدعوا، وذلك باطل.
واحتجت الفرقة الأخرى من أصحابنا بأن قالوا: إنهم بعض الأمة، والعصمة إنما تثبت لجميعها، فلا يؤمن من وقوع الخطأ منهم فيما اجتهدوا

فيه، وبذلك فارق النقل.
قالوا: وقد قال الله تعالى:} فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول ﴿وقال:﴾ ويتبع غير سبيل المؤمنين {، وهذه سبل لبعض المؤمنين.
وقال شيخنا أبو بكر: وعلى هذا معنى السلف الصالح من أمة نبينا صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم إلى هذا العصر، ولم يحك عن أحد فيما طريقه الاجتهاد أنه قال لمن خالفه: اتبعني في الاجتهاد ودع اجتهادك من غير حجة يقيمها له أو برهان يبرهنه.
قال: ولأن طريق الاستدلال مبذول مفتوح لأهل العلم لجعلهم الله فيه شرعًا واحدًا، وإن كان قد فضل بعضهم على بعض في الفهم فلا يجب أن يكون حجة عليه.
قالوا: فأما ما تعلقوا به من معرفتهم بأسباب التأويل وطرق الدلالة: فالأمر فيه على ما قالوه، ولكنه يصلح أن يرجح به اجتهادهم.
وقولهم: إن ذلك محمول على أنه توفيق من علمهم بنسخ أو تخصيص: فبإزائه أن يقال ذلك في اجتهاد غيرهم.
فإن قالوا: فهذا ينقض ما عليه كافة فقهاء أصحابنا من ثبوت المزية لهم على غيرهم، وفضيلتهم بالمشاهدة، واختصاصهم بالقرب والمعاينة على من نأى ولم يشاهد واعتمد على خبر ينقل إليه دون المعاينة.
قلنا: ليس الأمر كذلك؛ بل كل هذه المزية ثابتة في الترجيح

باجتهادهم؛ على ما ستذكره.
وأما في تحريم غيره وترك سائر الأدلة له فلا.
وكذلك فقد أثبتنا في إجماعهم من طريق النقل وهو الذي يعتمد في كثير من المسائل.
وأما تقسيمهم أن ذلك لا يخلو أن يكون عن سنة عملوها أو بدعة أحدثوها فقد أخلو فيه بقسم آخر؛ وهو أن يكون عن اجتهاد واعتقاد كون الأمر على ما صاروا إليه، وليس في هذا أنهم أحدثوا شرعًا ابتدعوه، ولا أنه لابد أن يكون الأمر على ما ادعوه.
والله أعلم.
فصل فإذا ثبت هذا فمتى نزلت حادثة لا نص فيها فقال أهل المدينة فيها قولاً من طريق الاجتهاد، وأدى غيرهم من أهل الأمصار اجتهادهم إلى قول يخالفه؛ فرجح القولان؛ فإن اجتهاد أهل المدينة أولى من اجتهاد غيرهم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه الشافعي: إن اجتهادهم واجتهاد غيرهم سواء.
ورأيت بعض من صنف الأصول من أصحاب الشافعي يذكر أن الخبرين إذا تعارضا وقد عمل بأحدهما أهل المدينة فإنه يرجح على الخبر الآخر؛ ويحتج في ذلك بما نحتج في هذه المسألة.
والذي يدل على ما قلناه: أن الترجيح إنما يثمر قوة الظن فيكون القول الذي يقاربه أقرب إلى الحق، وأولى إلى الصواب، ووجدنا العلماء قد

سلكوا فيما هذه سبيله طرقًا فمنها: كثرة عدد رواة الخبر، ومنها كون رواته أبصر بالحكم وأعرف وأخبر بالقصة التي ينقلها؛ كنقل أبي رافع تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بميمونة حال إحلاله، ونقل ابن عباس لذلك أنه كان حال إحرامه، وإن أبا رافع كان السفير بينهما؛ فالظاهر أن السفير يخبر عن أمر القصة ما لا يخبره غيره.
ومثل كون الراوي أقدم صحبة للرسول صلى الله عليه وسلم، وأكثر اجتماعًا به منه؛ كما قال الشافعي في رواية أسامة: "إنما الربا في النسيئة": إن عمر وعبادة والمشيخة أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم من أسامة.
وكذلك في تفسير الراوي لأحد محتملي الخبر أو عمله به أو تعليله قولاً لصحابي، والآخر عريًا من ذلك، وأن أحد المذهبين يعضده قول صحابي والآخر قول تابعي، وما جرى مجرى ذلك.
وإذا ثبت هذه الجملة وجدنا الترجيح لاجتهاد أهل المدينة ثابتًا من عدة وجوه: منها ما ذكره أصحابنا في الفصل الذي قبل هذا؛ وهو أن لهم من حرمة القرب والمشاهدة والمعرفة بمخارج الكلام وأسباب الأحكام ما ليس لغيرهم ممن يرجع إلى أمر ينقل له وخبر يروى له؛ فكان اجتهادهم أولى؛ لأن سببه الذي بني عليه أقوى كما حكينا في وجوه ترجيحات الأخبار؛ ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز [ق/ 122] الحية إلى جحرها"؛ وهذا يدلك على أن ما يصيرون إليه أقرب إلى الحق والصواب من قول غيرهم كما رجح بعض من يخالفنا اجتهاد عمر - رضي الله عنه - على اجتهاد غيره بقوله صلى الله عليه وسلم: "الحق ينطق

جارٍ التحميل