يأتون الجمعة بهيئة عملهم، فقيل: لو اغتسلتم؟.
قال القاضي أبو حمد عبد الوهاب: وقوله: (ليس بلازم) فلأنه غسل مقصود به النظافة والزينة، ولأن غسل الجمعة آكد منه بتأكيد الجمعة على العيدين، وقد ثبت أنه غير واجب؛ فغسل العيدين بذلك أولى.
مسألة
قال رحمه الله: ويستحب فيها الطيب والحسن من الثياب.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رضي الله عنه: وهذا لما رواه مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن [السباق] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع: "يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله جل وعز عيدا للمسلمين؛ فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك".
فلما ندب إلى التطيب والزينة في الجمعة؛ لكونها عيدا كان كذلك كل عيد.
وروى عبادة بن نسى عن عبد الرحمن بن [غنم] عن معاذ بن جبل قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غدا إلى المصلى أمرنا أن نلبس أجود ما نقدر
عليه من الثياب.
ولأن العيدين يشاركان الجمعة في المعنى الذي استحب التطيب فيهما؛ وهو إزالة الروائح التي كانوا عليها في العمل والمهن.
وروى هشيم عن الحجاج بن أرطاة عن محمد بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس برده الأحمر، ويعتم للعيدين والجمعة.
قال مالك: وسمعت أهل العلم يستحبون الطيب في كل عيد، وإنهم أدركوا من كان قبلهم على ذلك.
قال مالك: وكنت أرى محمد بن المنكدر يضمخ رأسه ولحيته بالغالية حتى يسود.
باب في صلاة الخسوف
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رضي الله عنه: قال قوم من أهل اللغة: كسفت الشمس، وخسف القمر.
وقال آخرون: كسف وخسف بمعنى واحد، ومعناه: ذهب ضياؤهما.
وهو في الأصل مأخوذ من التغطية.
والأصل في صلاة الكسوف ما روى أن الشمس كسفت يوم مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم فقال الناس: إن ذلك لموته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن
الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل لا ينكسفان لموت أحد من الناس، فإذا رأيتم ذلك فأفزعوا إلى الصلاة".
مسألة
قال رحمه الله: وصلاة الخسوف سنة واجبة فإذا خسفت الشمس خرج الإمام إلى المسجد، وافتتح الصلاة بغير أذان ولا إقامة، فقرأ قراءة طويلة سرا بنحو سورة البقرة، ثم يركع ركوعا طويلا نحو ذلك، ثم يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده، ثم يقرأ دون قراءته أولا، ثم يركع نحو قراءته الثانية، ثم يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده، ثم يسجد سجدتين تامتين، ثم يقوم فيقرأ دون قراءته التي تلي ذلك، ثم يركع نحو قراءته، ثم يرفع كما ذكرنا ويقرأ دون قراءته هذه، ثم يركع نحو ذلك، ثم يرفع كما ذكرنا، ثم يسجد كما ذكرنا، ثم يتشهد ويسلم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: قوله: إنها سنة واجبة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها، ودعا الناس إليها، وجمع فيها، وحث عليها؛ فقال: "إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة"، وأمر من ينادي: الصلاة جامعة.
وقوله: إنها بغير أذان ولا إقامة.
فلأنها صلاة غير مرفوضة، ولا أذان لها ولا إقامة؛ اعتبارا بسائر النوافل، ولأنه لم يرو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها بأذان ولا إقامة.
وأما وصف صلاة الكسوف فهو على ما ذكره في الكتاب، وهو قولنا وقول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يصلى ركعتين كسائر الصلوات والذي يدل على ما قلناه:
ما رواه مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقام قياما طويلا نحو من سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع وقام قياما طويلا؛ وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا؛ وهو دون الركوع الأول، ثم سجد وانصرف صلى الله عليه وسلم وقد تجلت الشمس.
وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الناس فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فسجد، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك.
وروى مالك أيضا عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها (أن الشمس خسفت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى..)؛ فذكر مثل
الحديث الأول.
وهذه أخبار ثابتة صحيحة، وهي نص قولنا.
واحتج من خالفنا بما روى أنه صلى الله عليه وسلم صلى في كسوف الشمس ركعتين كهيئة صلاتنا.
وروى قبيصة بن يحيى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما هذه الآيات يخوف الله- عز وجل بها؛ فإذا رأيتموها فصلوا [كأحداث] صلاة صليتموها من المكتوبة"؛ وهذا يقتضي ألا يركع في كل ركعة إلا ركوع واحد.
وقال صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة" المعهودة في الشرع، ولأنها صلاة شرعية؛ فوجب أن تختص كل ركعة منها بركوع واحد كسائر الصلوات، ولأنها لا تخلو أن تكون واجبة أو نفلا، وأي ذلك كانت فيجب أن لا يكون فيها إلا ركوع واحد؛ اعتبارا بسائر الواجبات والنوافل؛ ولأن اختلاف الصلوات في أعداد الركعات، فأما في أعداد الأركان فلا اعتبار بصلاة المسافر والحاصر.
فأما أخبارهم فالكلام عليها من وجهين:
أحدهما: الاستعمال.
والآخر: الترجيح.
فأما الاستعمال فنقول: إنه يحتمل أن يكون أراد كهيئة صلاتنا في عدد السجدات، وصفة القيام والقعود دون عدد الركوع في الركعات بدلالة ما ذكرناه.
فإن قالوا: وأخبارنا أيضا [يحتمل] أن يكون سجد بين الركوعين فلم يروه الراوي، ونقله فعل الركوعين.
قلنا: إن هذا الاحتمال تدفعه العادات؛ فلا يلزم قبوله؛ وذلك أن خبرنا مشتمل على فعلين رواهما جماعة كثيرة من الصحابة رضي الله عنهم.
وليس يجوز في مستقر العادة أن يتفق من عائشة وابن عباس وجابر وغيرهم من رواة هذه الأخبار في وقت واحد السهو عن سجوده دفعتين في الركعة الأولى وفي الآخرة وحفظ ما عدا ذلك.
ويتحمل الخبر ما تدفعه العادة لا يصح على أنه قد روى ما يسقط هذا؛ فروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها وصف صلاة الكسوف على الصفة التي ذكرناها، وقالت في آخر الحديث: (فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات).
وهذا يسقط ما قالوه.
وأما الترجيح فمن وجوه:
أحدها: إن رواة أخبارنا أكثر عددا، وطرقها أصح سندا.
ولأن أخبارنا ناقلة ومجددة شرعا، وأخبارهم مبقية على الأصل.
ولأن في أخبارنا زيادة ليست في أخبارهم.
ولأن أخبارنا حكاية مشاهدة وحضور للفعل من أوله إلى آخره، ومفسره لهيئته وصفته، وأخبارهم مجملة على ما رووه.
فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيتم ذلك؛ فافزعوا إلى الصلاة"، فلو [تركناه] وظاهره لاقتضى ذلك أن يصلى لها كسائر صلوات النفل، ولكن قام الدليل- وهو ما ذكرناه من الأخبار- على أن لنا من التعلق بهذا الخبر مثل ما لهم بل نحن أولى به، وذلك أنه قد روى في أخبارنا أنه قال هذا القول بعد فراغه من الصلاة التي وصفناها؛ فعلم أنه أشار بذلك إليها؛ لأنه أقرب معهود فكان حرف اللفظ إليها أولى.
وإذا صح هذا بطل ما قالوه.
وقياسهم على سائر الصلوات باطل؛ لأنه يدفع السنة، ولأن الصلاة مختلفة في الهيئة والأفعال بزيادة ونقصان، ألا ترى أن صلاة العيدين تخالف سائر الصلوات بزيادة التكبير، وصلاة الكسوف أيضا تخالف بنية سائر الصلوات، سيما على أهلهم في المشي فيها؛ فلم يمتنع أن تخالف صلاة الكسوف أيضا سائر الصلوات فتختص بهذا المعنى.
ولا معنى لتقسيمهم كونها نافلة أو واجبة؛ لأن كونها نافلة لا يؤثر في مخالفة هيئتها لهيئة سائر الصلوات كصلاة العيدين، وكونها واجبة لا يمنع أيضا من ذلك كصلاة الخوف.
وقوله: إن الاختلاف إنما هو في عدد الركعات دون عدد الأركان غير صحيح؛ لأن الاختلاف في الأعداد هو اختلاف في الأركان لا محالة؛ بدلالة أنها تزيد بزيادة الأعداد وتنقص بنقصانها، والله أعلم.
فصل
وقوله: إنها تصلى في المسجد؛ فكذلك روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها في المسجد.
رواه ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب [ق/11 أ] عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقام فخطب الناس.
ورواه، وذكر الحديث.
فصل
وأما اختياره تطويل القراءة؛ فلما رويناه من حديث عائشة رضي الله عنها وابن عباس وأنه حزر قراءته صلى الله عليه وسلم فكان في الركعة الأولى كنحو من سورة البقرة، وفي الثانية نحو من سورة آل عمران.
وتطويل الركوع دون تطويل القراءة؛ على ما روى نصا في الحديث.
فأما السجود فإنه لا يطول كتطويلهما، بل يؤتى به على حسب ما يؤتى في سائر الصلوات.
ومن أصحابنا من يقول أيضا: إن السجود يطول فيه.
وقول مالك أصح؛ لأنه لم يذكر في الحديث تطويل السجود.
فرع
رفع رأسه من الركوع الأول من الركعة الأولى، وأراد القراءة فهل يقرأ
"الحمد" أم لا؟
قال مالك: يقرأ "الحمد"، وسورة طويلة.
قاله جميع أصحابنا خلا محمد بن مسلمة؛ فإنه قال: يقرأ سورة غير "الحمد" ولا يقرأ "الحمد".
والدليل على صحة قول مالك- رحمه الله- هو أنها قراءة مستأنفة من أصل بنية الصلاة؛ فوجب أن تتقدمها قراءة أم الكتاب؛ اعتبارا بالركوع الأول.
وإنما قلنا: (مستأنفة)؛ احترازا من المتمادي في القراءة فإنها لا تحتاج إلى استئناف "الحمد"؛ لأنها قراءة مستدامة غير مستأنفة.
وإنما قلنا: (من أصل بنية الصلاة)؛ احترازا من قراءة سجود؛ لأنها لعارض وليس من أصل بنية الصلاة؛ فلم تحتج إلى قراءة "الحمد" لها.
وإنما قلنا: فوجب أن تتقدم "الحمد" لها؛ لئلا يقولوا نحن نقول بموجبها؛ لأنه إذا قرأ "الحمد" في الركوع الأول فقد قدمها لهذه القراءة.
واحتج محمد بن مسلمة بأن قال: لأن "الحمد" لا تقرأ في ركعة واحدة وإن كان فيها ركوعان فلم تتكرر "الحمد" فيها.
فيقال له: ولم إذا كانت ركعة واحدة لم تتكرر فيها قراءة "الحمد"؟.
فإن قال: اعتبارا بسائر الصلوات.
قيل له: المعنى فيها أن الركوع لا يتكرر في الركعة الواحدة فيها، وليس كذلك صلاة الكسوف، والله أعلم.
فصل
ويسر القراءة في صلاة الكسوف، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: يجهر فيها بالقراءة؛ لما رواه الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بالعنكبوت والروم.
ولأنها نافلة يسن لها الجماعة؛ فوجب أن يكون من سنتها الجهر؛ اعتبارا بصلاة العيدين والاستسقاء.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف فقام قياما طويلا نحو من سورة البقرة.
وهذا يدل على أنه أسر القراءة؛ لأنه لو كان جهر بالقراءة لذكر ما قرأ به ولم يحتج إلى تقديره وحزره.
ومن طريق آخر عن ابن عباس أنه قال: (وكنت وراءه فلم أسمع منه حرفا).
وفي حديث سمرة بن جندب (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط لا يسمع له صوت..) إلى آخر الحديث.
وفي كل ذلك يقول: لا أسمع له صوتا.
فأما ما رووه عن عائشة رضي الله عنها فقد اختلف عليها فيه؛ فروى سليمان بن يسار عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قال: (كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس فقام فحزرت قراءته، وأرى أنه قرأ سورة البقرة).
وذكرت إلى أن قالت في الركعة الثانية:
(وحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة آل عمران).
وهذا يفيد الإسرار بالقراءة، فتعارضت الروايتان فسقطتا، ورجعنا إلى ما لا معارض له.
وما رووه من أنه قرأ بالعنكبوت فليس في الخبر أنه سمع منه في الصلاة، ويحتمل أن يكون أخبر بذلك وقال: إني قرأت بالعنكبوت يحتمل أن يكون جهر قدر ما يسمع نفسه ومن يقرب منه، وهذا في حكم الإسرار، ألا ترى أن مثله يجوز في الظهر والعصر، والمعنى في صلاة العيدين والاستسقاء أنها نافلة يسن لها الخطبة وليست كذلك صلاة الخسوف عندنا على ما سنذكره.
فصل
وعن مالك رحمه الله، في وقت صلاة الكسوف ثلاث روايات:
إحداهن: أنها تصلى في كل الأوقات.
والثانية: أنها تصلى في الأوقات التي تجوز فيها الصلاة دون غيرها من الأوقات التي تكره فيها صلاةالنفل.
والثالثة: أنها تصلى ما لم تزل الشمس.
فوجه الرواية الأولى عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة"، ولم يعلق ذلك بوقت دون وقت، ولأنها آكد من سائر النوافل أيضا وهي مخالفة لها في البنية؛ فجاز أن تخالفها في الوقت.
ووجه الرواية الثانية: ما روى عن نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس؛ فعم ولم يخص.
ولأنها صلاة نفل فأشبهت سائر النوافل.
ووجه الرواية الثالثة: أنها صلاة نفل يعقبها ذكر وعظة؛ فوجب أن يكون وقتها قبل الزوال؛ [ق/12 أ] اعتبارا بالعيدين والاستسقاء.
ثم عدنا إلى الكتاب.
مسألة
ولمن شاء أن يصلي في بيته مثل ذلك أن يفعل.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: وهذا لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة".
وهذا عام في الجماعة والانفراد.
ولأنها صلاة نفل فجاز أن يصليها المنفرد كسائر النوافل.
مسألة
قال رحمه الله: وليس في صلاة خسوف القمر جماعة، وليصل
الناس عند ذلك [أفذاذا والقراءة فيها جهرا] كسائر ركوع النوافل.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: اعلم أن هذا قولنا وقول أهل العراق، وقال الشافعي: من سنة صلاة خسوف القمر الاجتماع لها؛ واستدل عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة"؛ ففيه دليلان:
أحدهما: أنه قرنه بالشمس، فلما كان من سنة صلاة كسوف الشمس الاجتماع؛ فكذلك القمر.
والآخر: أنه أمر بالصلاة أمرا عاما، ولم يفرق بين الاجتماع والانفراد.
وروى أن ابن عباس صلى في خسوف القمر، ثم خطب ثم قال: (أيها الناس إني لم أبتدع هذه الصلاة بدعة، وإنما فعلت كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل).
أصله كسوف الشمس، والأصل في هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "خير صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة"، وهذا يفيد سقوط الاجتماع لها ولغيرها من النوافل إلا ما قام عليه الدليل.
ويدل على ذلك أيضا أن القمر قد انكسف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعات كثيرة ولم ينقل أنه صلى له في جماعة، ولا أنه دعا إلى ذلك، وحديث ابن عباس يحتمل أن يكون إشارة جنس الكسوف أنه يصلى له، وليس في خطبته دلالة على أنه صلاها في جماعة؛ لأنه لما خطب فيها وليس من سنتها الخطبة عند مخالفينا؛ فجاز أن يكون صلاها منفردا ثم خطب.
وأيضا فلأنها صلاة نفل في الليل ليست لسنتها وقت مخصوص، أو نقول يجوز أن تفعل قبل المكتوبة فلم يكن من سنتها الاجتماع كالركوع بعد المغرب.
فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "فافزعوا إلى الصلاة" فإنه دليلنا؛ لأنه أمر بها مطلقا، ولم يقل مجتمعين ولا مفترقين؛ فوجب أن يستوي في ذلك الأمران.
وأما الاقتران في اللفظ فلا يوجب عندنا الاقتران في الحكم إلا بدليل.
واعتبارهم بصلاة كسوف الشمس غير صحيح لأنه يقع نهارا، فلا تلحق فيه مشقة.
وليست كذلك خسوف القمر؛ لأنه يقع ليلا؛ فيلحق في الاجتماع فيه مشقة شديدة.
وليس له أيضا وقت محصور؛ لأنه قد يتقدم في أول الليل وقد يتأخر
إلى آخره، وفي الاجتماع له كلفة شديدة.
مسألة
قال رحمه الله: وليس في إثر صلاة خسوف الشمس خطبة مرتبة، ولا بأس أن يعظ الناس ويذكرهم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: خالفنا أهل العراق والشافعي، وقالوا: إنه يخطب بعدها، واستدلوا بما رواه مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف ثم انصرف فخطب الناس فحمد الله عز وجل وأثنى عليه.
ولأنها صلاة نافلة تسن لها الجماعة تنفرد بوقت؛ فوجب أن يكون من سنتها الخطبة كالعيدين والاستسقاء، ولا تدخل عليه الوتر والتراويح؛ لأنها لا تنفرد بوقت بل تقع في وقت غيرها.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله عز وجل".
وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن [عمرة] عن عائشة رضي الله
عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من صلاة الخسوف قال: ما شاء الله أن يقول، ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر، ولم يذكر في شيء من هذه الأخبار أنه خطب.
وقد روى صلاة الكسوف جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم: علي ابن أبي طالب، والنعمان بن بشير، وجابر وأبو هريرة، وغيرهم، وليس فيهم من نقل أنه خطب.
ولأنها صلاة نفل لا يجهر فيها بالقراءة؛ فلا خطبة فيها اعتبارا بسائر النوافل.
عكسه العيدان والاستسقاء.
فأما الخبر الذي رووه فمعناه أنه أتى بكلام منظوم فيه حمد لله عز وجل وصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وموعظة على سبيل ما يؤتى به في الخطب؛ فلذلك سمتها خطبة؛ وعلى أنا قد روينا عنها من غير هذه الطريق وعن العدد الذي ذكرناه من الصحابة صفة صلاة الكسوف، وليس في ذلك ذكر للخطبة، وليس يجوز أن تكون خطبة وأغفلتها ولا كلهم ذلك مع نقل كل ما تعلق بتلك الحال؛ فوجب حمل تسميتها ذلك بأنه خطبة على الوجه الذي ذكرناه.
وفائدة الخلاف في ذلك [ق/13 أ] هو أنه من سنة الخطبة في الشريعة أن تكون على منبر، وأن تكون خطبتين يجلس في أولها ووسطها، أو في وسطها دون أولها في غير الجمعة.
وهذا غير مراعى عندنا في صلاة الكسوف.
والمعنى في صلاة العيدين والاستسقاء أنهما يجهر فيهما بالقراءة، وليس كذلك صلاة الكسوف.
باب: صلاة الاستسقاء
مسألة
قال رحمه الله: وصلاة الاستسقاء سنة تقام، يخرج لها الإمام كما يخرج للعيدين ضحوة، فيصلى بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة؛ يقرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ﴿والشمس وضحاها﴾ وفي كل ركعة سجدتين وركعة واحدة، ويتشهد ويسلم، ثم يستقبل الناس بوجهه فيجلس جلسة، فإذا اطمأن الناس قام متوكئا على قوس أو عصا فخطب، ثم جلس، ثم قام فخطب، فإذا فرغ استقبل القبلة فحول رداءه [يجعل] ما على منكبه الأيمن على الأيسر وما على الأيسر على الأيمن، ولا يقلب ذلك.
وليفعل الناس مثله، وهو قائم وهم قعود، ثم يدعو كذلك، ثم ينصرف وينصرفون، ولا [يكبر] فيها ولا في الخسوف غير [تكبيرة الإحرام و] والخفض والرفع، ولا أذان فيها ولا إقامة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي رحمه الله: اعلم أن قولنا
وقول الشافعي أن صلاة الاستسقاء سنة، وقال أبو حنيفة: لا يصلي في الاستسقاء.
وقال أبو بكر الرازي: ليس في كراهية الصلاة فيها رواية.
ويشبه أن يكون مراده أنه ليس فيها صلاة مسنونة كالعيد، وأن الإمام مخير إن شاء فعلها وإن شاء تركها.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه معمر عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالناس ليستسقي فصلى بهم ركعتين، جهر بالقراءة فيهما، فحول رداءه فدعا واستسقى، واستقبل القبلة صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن عباس وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ثم خطب.
وروى أنس بن عياض عن حمزة عن عبد الواحد عن داود بن بكر بن أبي الفرات عن جابر بن عبد الله، أو عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى فصلى وكبر واحدة افتتح بها الصلاة.
وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في الاستسقاء متواضعا متخشعا متضرعا متوسلا فصلى ركعتين كما يصلي في العيد.
ولأن الخطبة في الأصول في العبادات لا تكون إلا مقارنة لصلاة كخطبة العيدين والجمعة.
واحتج من خالفنا بما رواه أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم
الجمعة فجاءه رجل فقال: يا رسول الله: هلكت المواشي والزروع، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ودعا فجاء المطر.
فدل هذا على أنه ليس من سنة الاستسقاء أن يصلى، ولأنه لو فعل ذلك لم يخف على الصحابة رضي الله عنهم.
وقد روى أن عمر رضوان الله عليه خرج فاستسقى، وخرج معه العباس رضي الله عنه ولم يصل.
فقيل له: ما زدت على الاستغفار.
ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك.
ولأنها حادثة يخاف منها الضرر فوجب أن لا يصلى لها كالصواعق والزلازل، ولا يلزم عليه الكسوف؛ لأنه لا يخاف منه ضرر، وإنما هو عجوبه.
والجواب عن ذلك أن يقال: أما ما رووه من حديث أنس فعنه جوابات:
أحدها: أن دعاءه صادف حالا مشغولا بها عن التأهب لصلاة الاستسقاء، ونحن إنما نقول: من سنة الاستسقاء الصلاة والخطبة إذا تأهب الإمام والناس لذلك.
فأما إذا دعوا دعاء الاستسقاء في عوض غيره من الكلام من غير قصد لإفراده بذلك فليس الصلاة من سنته.
والجواب أنه قد روى من غير هذا الطريق أنه صلى، والزائد من
الأخبار أولى.
وكذلك ما رووه من أن عمر رضي الله عنه استسقى ولم يصل فقد روينا أنه قد صلى، والأخذ بالزائد من الأخبار أولى.
وقياسهم ينقض بالكسوف.
فإن قالوا: قد احترزنا منه بأن قلنا: نخاف منه الضرر، والكسوف لا يخاف منه ضرر بدلالة ما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الشمس والقمر: "إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما [لهما] آيتان من آيات الله عز وجل يخوف بهما عباده، فإذا كسفا فافزعوا إلى الصلاة.
وروى أن الشمس كسفت فخرج صلى الله عليه وسلم لابسا درعه، وترك دواءه فزعا حتى أدرك به.
ولي من حيث عرفنا وجه الضرر بتأخر المطر، ولم يفرق بالكسوف يجب أن يحكم بأنه لا ضرر علينا فيه؛ لأنه ليس من شرط ما يخاف الضرر أن يعرف وجه ضرره.
فصل
فصلاة الاستسقاء ركعتان كسائر النوافل، وقال الشافعي رحمه الله: يكبر فيهما كما يكبر في العيد؛ لما رواه ابن عباس أن رسول الله صلى فيها
ركعتين كصلاة العيد.
والذي يدل [ق/14 أ] على ما قلناه ما رويناه أنه صلى الله عليه وسلم استسقى فصلى وكبر واحدة.
وهذا نص في موضع الخلاف.
ولأنها صلاة في غير عيد فأشبهت سائر النوافل.
وما رووه يحتمل أن يكون أراد به صلى ركعتين فقط، ويحتمل أن يكون أراد به قدم الصلاة على الخطبة، وهذا معنى يختص بالعيد.
وخبرنا نص في موضع الخلاف.
فصل
فأما تقديم الصلاة على الخطبة فلا خلاف فيه إلا ما حكى عن عبد الله ابن الزبير أنه قدم الخطبة على الصلاة.
والدلالة على ما قلناه أنها صلاة نافلة وسنتها الخطبة؛ فوجب أن يؤتى بها بعد الصلاة؛ اعتبارا بالعيدين.
فصل
وقوله: لا أذان لها ولا إقامة فيها.
فلأنها صلاة نفل فوجب أن لا يكون فيها أذان ولا إقامة اعتبارا بالنوافل كلها.
ولأنه لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أذن له فيها ولا أقيم.
فصل
فأما تحويل الإمام رداءه ما على يمينه على شماله وما على شماله على يمينه فإنه سنة الاستسقاء عندنا، وعند الشافعي.
فأما عند أبي حنيفة فإن ذلك ليس من سنتها.
والدليل على ما قلناه ما رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمر بن حزم أنه سمع عباد بن تميم يقول: سمعت عبد الله بن زيد المازني يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه إلى القبلة.
وروى ابن وهب قال: أخبرني رجال من أهل العلم عن أنس بن مالك وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن علي، وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استسقى نظر إلى السماء، ورفع يديه حذو وجهه، وحول ردائه يمينه على شماله وشماله على يمينه.
فصل
وليس تنكيس الرداء من السنة عندنا.
قال الشافعي: تنكيسه سنة.
والأصل في هذا أن كون هذا الفعل سنة لا يثبت إلا بالشرع، ولا شرع في ذلك.
فإن قيل: فقد روى عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى وعليه
خميصة سوداء، فأراد أن يجعل أعلاها أسفلها فثقلت عليه فحولها.
فوجه التعلق من هذا هو أنه أراد تنكيسه، ولكن تركه لعذر صلى الله عليه وسلم فعلم أنه مسنون.
فالجواب: أنه ليس في هذا نص عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعل، وإنما هو ظن من الراوي أنه أراد ذلك، ومثل هذا لا تثبت به سنة.
فإن قيل: لما كانت السنة سنة جدب استحب أن ينكس رداءه تفاؤلا عن تحويل الجدب إلى الخصب كما استحب تحويله تفاؤلا بذلك.
فالجواب: أن التحويل لم يثبت من حيث صح التفاؤل، وإنما أثبتناه لورود الخبر فيه، ولو كان الاعتبار بالتفاؤل في ذلك لوجب أن يستحب كل ما صح فيه؛ فكان يجب تحويل الخاتم من يد إلى يد، وقلب غير الرداء أيضا، وتحويل العمامة.
كل هذا غير مسنون ولا مستحب وإن صح التفاؤل به.
فصل
اختلف أصحابنا متى يحول وجهه إلى القبلة ويدعو؛ فقال مالك: إذا فرغ من خطبتيه جميعا جول وجهه إلى القبلة.
قال أصبغ: إذا أشرف على الفراغ من خطبته الثانية حول وجهه إلى القبلة للدعاء، فإذا فرغ أقبل على الناس بوجهه فأتم الخطبة ثم نزل.
فوجه قول مالك هو أن في ذلك قطعا للخطبة، وتشاغلا بغيرها قبل إتمامها، وذلك مكروه؛ لأنه ليس من الخطبة ما يقطع لتحليله فعل غيره، ولأنها خطبة مسنونة في الاستسقاء فوجب ألا تقطع للدعاء وأصلها الأولى.
ووجه قول أصبغ هو أن المسنون في الاستسقاء خطبتان لا زيادة عليهما، فإذا أتى بالدعاء في خلالهما لم يكن في ذلك زيادة، ولا يعود إلى إتمامهما، وإذا أتى به بعد الفراغ منها كان زيادة مستأنفة؛ فكان الأولى أن يؤتى بها في تضاعيفها، والله أعلم.
فصل
وأما قوله: يجهر فيها بالقراءة.
فلأنها صلاة نفل لها خطبة، وكل صلاة يخطب لها فالقراءة فيها جهرا.
وقوله: يقرأ فيها بسبح، ونحوها.
فلأنها صلاة يخطب لها بعد الصلاة؛ فوجب أن يكون هذا قدر ما يقرأ فيها اعتبارا بالعيدين.
وقوله: إنه يخطب ثم يجلس ثم يقوم ثم يخطب.
فكذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله، فوجب ابتاع فعل في ذلك، والله أعلم.
باب: ما فعل بالمحتضر، وفي غسل الميت
وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنه
مسألة قال رحمه الله: ويستحب استقبال القبلة بالمحتضر وإغماضه إذا قضى،
ويلقن لا إله إلا الله عند الموت، [فإن] قدر على أن يكون طاهرا وما عليه طاهر فهو أحسن، ويستحب أن لا يقربه حائض ولا جنب.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي رحمه الله: أما استحبابه استقبال القبلة إذا احتضر حتى يموت كذلك؛ لأن استقبال القبلة أشرف المجالس وأفضلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أشرف المجالس ما استقبل القبلة".
وهي من أدب الشرع أيضا في غير [ق/15 أ] موضع؛ من ذلك الصلاة، ومنه الذبح، ومنه دفن الميت، وغير ذلك؛ فاستحب توجيهه إلى القبلة في هذه الحال لقربها من الموت؛ ليكون له أشرف وأفضل أن يكون مستقبل القبلة.
وقد وردت الرواية بذلك عن الصحابة والتابعين، وروى أن عمر رضوان الله عليه قال لابنه: إذا حضرتني الوفاة فاحرفني إلى القبلة.
وقال الحسن- يعني البصري: كان يستحب أن يستقبل بالميت القبلة إذا كان في الموت.
وقال عطاء: يستحب أن يوجه الميت عند نزوعه إلى القبلة.
وروى أيضا عن جماعة من التابعين رضي الله عنهم منهم: إبراهيم النخعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وجماعة.
قال مالك رحمه الله: فإن لم يقدر على ذلك جعلت رجلاه في القبلة واستقبلها بوجهه؛ لأن هذا حكم من استحب له استقبال القبلة إذا لم يقدر على ذلك؛ اعتبارا بحال دفنه، وبالمريض الذي لا يقدر على توجيهه على جنبه للصلاة.
وقد قال ابن المواز في المريض: إذا لم يقدر على توجيهه على جنبه الأيمن فعلى الأيسر، فإن لم يتمكن من ذلك فعلى ظهره.
ويجب على هذا أن يكون كذلك حكم المحتضر.
وقول مالك بخلافه على ما بيناه.
فصل
فأما إغماضه إذا قضى؛ فلورود السنة به، فروى أبو إسحاق الفزارى عن خالد [الحذاء] عن أبي قلابة عن قبيصة بن ذؤيب عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه.
وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا حضرتم موتاكم فغمضوا أبصارهم؛ فإن البصر يتبع الروح".
ولأن في ذلك صيانة للميت، ونفيا للتشويه عنه.
وذلك واجب علينا فعله للميت بعد موته كوجوبه حال الحياة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حرمة المؤمن الميت كحرمته [وهو] حي".
فصل
فأما تلقينه لا إله إلا الله وحده لا شريك له- عند الموت-؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله عند الموت".
رواه عمارة بن مخرمة عن يحيى بن عمارة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله؛ فغنها تهدم ما قبلها وما بعدها".
قالوا: فكيف هي يا رسول الله للأحياء؟ قال: "هي للأحياء أهدم".
وروى معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من
كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة".
ولأن في ذلك تجديد اعتقادها إن كان قد ذهل عنه، وقد يموت عقيب ذلك، ويستحب أن يكون آخر عمله.
فصل
فأما استحبابه أن يكون طاهرا هو وما عليه؛ فلأنها حال تقتضى تشريفه، وكذلك أيضا يستحب أن يكون طاهرا هو وما عليه.
وروى أبو سلمة عن أبي سعيد الخدري أنه لما حضره الموت دعا بثياب خضر فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "وإن [الميت] يبعث في ثيابه التي يموت فيها".
فصل
فأما كراهة قربان الجنب والحائض له؛ فلأنه لما استحب أن يكون هو طاهر فكذلك من يتولى أمره.
وقد قال مالك- رحمه الله: إنه لا بأس أن يغمضه الحائض والجنب.
والفرق- على هذا القول- بين إغماضه وغسله هو أن الغسل يحتمل
التأخير عن وقت موته، وليس كذلك إغماضه؛ لأنه لا يحتمل التأخير، وإنما يفعله لبقاء لين أعضائه وإمكان ذلك فيهما.
مسألة
قال- رحمه الله: وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس، ولم يكن ذلك عند مالك [أمرا] معمول به.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: وجه الإرخاص في ذلك ما رواه معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرؤوا يس على موتاكم"، وإنما لم يره مالك؛ لأنه لم يجده معمولا به، ولم يدرك أحدا من السلف عليه.
مسألة
قال- رحمه الله: ولا بأس بالبكاء بلا دموع حينئذ، وحسن التعزي والتصبر أجمل لمن استطاع.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لما رواه شعبة عن عاصم الأحول قال: سمعت أبا عثمان عن أسامة بن زيد أن بنتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت إليه وأنا ومعاذ وسعد وأحسب أن ابني أو ابنتي قد
حضر فاشهدنا، فأرسل يعزيها وقال: "لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجل"، فأرسلت تقسم عليه فأتاها فوضع الصبي في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفسه تقعقع ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له سعد: ما هذا؟ فقال: "إنها رحمة يضعها [ق/16 أ] الله عز وجل في قلب من يشاء، إنما يرحم الله من عباده الرحماء".
وروى ثابت عن أنس قال: رأيت إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبد بنفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الله، وأنا بك يا إبراهيم لمحزون".
فدل هذان الحديثان على إباحة ذلك.
وروى مالك عن عبيد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن عتيك بن الحارث بن عتيك؛ وهو عبد الله بن عبد الله أبو أمامة أنه أخبره أن جابر ابن عتيك أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه؛ فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "غلبنا عليك يا أبا الربيع"؛ فصاح النسوة وبكين؛ فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعهن، فإذا وجبت فلا تبكين باكية".
قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: "الموت".
وإنما كان التعزي والاسترجاع أحسن لمستطيعه؛ لقوله تعالى ذكره: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾؛ فندب الله- جل ذكره- إلى هذا القول عند المصيبة، ومدح قائله.
وروت أم سلمة- رضي الله عنها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا أصابت أحدكم مصيبة فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأجرني فيها وأبدلني خيرا منها".
وروى مالك عن ربيعة عن أبي سلمة أنه قال لأم سلمة: يا أم سلمة: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاما لهو أحب إلى مما طلعت عليه الشمس، فقال: وما هو؟ قال أبو سلمة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أصيب بمصيبة فليقل كما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واعقبني خيرا منها فعل الله تعالى ذلك به".
قالت أم سلمة: فلما توفى أبو سلمة قلت ذلك، ثم قلت: ومن خير من أبي سلمة؟ فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى شعبة عن ثابت عن أنس قال: أتى نبي الله صلى الله عليه وسلم على امرأة تبكي على صبي لها فقال لها: "اتق الله واصبري"، فقالت: [وما تبالي]
أنت مصيبتي، فقيل لها: هذا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأتته فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك.
فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى"،أو عند أول الصدمة.
وروى ذلك عن أفاضيل السلف رضي الله عنهم.
مسألة
قال رحمه الله: وينهى عن الصراخ والنياحة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله:
روى ذلك أيوب عن حفصة عن أم عطية قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النياحة.
وروى أبو سعيد الخدري قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة.
وروى أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من
حلق ومن سلق ومن خرق".
وروى أبو زيد عن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات قالت: فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعروف الذي أخذه علينا ألا نعصيه فيه إلا نخمش وجها، ولا ندعو ويلا، ولا نشق جيبا، ولا ننشر شعرا.
مسألة
قال- رحمه الله: وليس في غسل الميت حد، ولكن ينقى، ويغسل وترا بماء وسدر، ويجعل في [الآخرة] كافورا، [ويستر] عورته، ولا [يقلم] أظافره، ولا يحلق له شعر، ويعصر بطنه عصرا [رفيقا]، وإن وضئ وضوء الصلاة فحسن وليس بواجب، ويقلب لجنبه في الغسل أحسن [وليس بواجب] وإن جلس فذلك واسع.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: قوله: (وليس في غسل الميت حد) يعني: عددا معلوما يكون عنده الإنقاء، لكن القدر الذي يكون عنده طهوره.
ويستحب له أن يكون وترا من العدد؛ لما رواه مالك عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا سول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته فقال: "اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني بها".
قالت: فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوة فقال: "أشعرنها إياه"- يعني إزاره.
ورواه أبو داود قال: حدثنا محمد ابن عبيد قال: حدثنا حماد عن أيوب عن محمد عن أم عطية بمعنى حديث مالك.
وزاد في حديث حفصة عن أم عطية نحو هذا، وزادت فيه: "أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيته".
وقوله: (بماء وسدر وفي الآخرة كافورا)؛ فلما رويناه في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اغسلنها بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيء من الكافور".
وقوله: (ويستر عورته) [ق/17 أ] فلأنه لما وجب سترته وهو حي كذلك بعد موته؛ لأن حرمة الميت كحرمة الحي.
وروي عن محمد بن سيرين أنه غسل أنس بن مالك فلما بلغ إلى عورته قال لأهله: أنتم أحق.
دونكم فاغسلوها، فجعل الذي غسلها على يديه خرقة، وجعل على عورته ثوبا، ثم غسل عورته من وراء الثوب.
ومنعه أن يقلم ظفره أو يحلق شعره.
خلافا للشافعي حيث استحب ذلك، ولأحمد بن حنبل حيث استحب أخذ العانة والأظفار؛ فلأن الأصل ألا يفعل في الميت إلا بشرع، ولم يرد شرع بأخذ أظفاره وقص عانته.
ولأن الختان آكد من تقليم الأظفار وحلق العانة؛ لأن من الناس من يوجبه، وليس فيه من يوجب ما تنازعناه- أعني بذلك عن الحي دون الميت، وإذا صح هذا فلم يجب إذا مات وهو أغلف، أن يختتن كان بأن لا يفعل به ما ذكرناه أولى، ونحرر منه قياسا فنقول: لأنه إزالة شيء متصل بالبدن فأشبه بالختان.
ويفارق الدرن والوسخ وما يخرج من بطنه وفيه، لأن ذلك كله منفصل غير متصل.
واحتج مخالفنا بالحديث الذي رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "افعلوا بموتاكم ما تفعلوه بعروسكم" وهذا غير محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما
هو معروف عن آل ربيعة بن الحارث، ولو ثبت لكان معناه من الغسل دون غيره.
قالوا: ولقوله صلى الله عليه وسلم: "عشر من الفطرة" فذكر حلق العانة، ونتف الإبط، ولم يخص حي من ميت.
فالجواب: أنه مصور على الأحياء جون الأموات؛ بدلالة أنه ذكر الختان، وليست ذلك في الموتى اتفاقا.
قالوا: ولأن ذلك من النظافة، والنظافة مندوب إليها في الأموات.
فالجواب: أنا مندوبون من ذلك إلى نظافة مخصوصة دون كل ما كان في بابها؛ فيسقط ما قالوه.
فصل
قوله: (ويعصر بطنه).
فلأنه لا يؤمن أن يخرج منه شيء فيلطخ كفنه، وقد روى ذلك من السلف- رضي الله عنهم.
ولأن ذلك أبلغ في النظافة.
فصل
قوله: (يقلبه لجنبه) أي: على جنبه؛ فليتمكن من غسل كل بدنه.
وإن جلس كان واسعا؛ لأنه أكثر في التمكن.
قال عبد الملك بن الماجشون: ينبغي أن يبدأ فيغسل فرج الميت.
قال: لأن الميت إذا مات أضيعت محارزه؛ فقل ميت إلا ويخرج منه شيء.
وعند أبي حنيفة والشافعي يوضأ أولا ثم يعصر بطنه عند آخر غسلة.
والأحوط ما قلناه؛ لما قاله عبد الملك.
وليس الوضوء بلازم في السنة عند أصحابنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به في حديثه حيث أمر بغسل بنته.
مسألة
قال- رحمه الله: ولا بأس [أن يغسل] أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: لا خلاف أن المرأة تغسل زوجها، وقد روى ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
وروى ابن أبي ليلى عن عبد الله بن شداد أن أبا بكر رضي الله عنه وصى أن تغسله أسماء بنت عميس.
وروى إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم النخعي أن أبا موسى غسلته امرأته.
وقالت عائشة رضي الله عنها: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أزواجه).
ولم ينكر أحد عليها ذلك.
ولأن الغسل لما كان فيه اطلاع على [الميت] وعلى مواضع من مغابنه لم يكن بذلك أحد أولى من الزوجة.
إنما الخلاف في الزوج هل له أن يغسل امرأته إذا ماتت؟
فعندنا وعند الشافعي: له ذلك.
وروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه وقاله الحسن.
أبو سلمة بن عبد الرحمن.
وقال أبو حنيفة: ليس للزوج أن يغسل امرأته.
والدلالة على ما قلناه: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة رضي الله عنها وهي تقول: وا رأساه فيقول: "لا عليك، لو من لغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك" فأخبر أنه صلى الله عليه وسلم لو ماتت قبله لغسلها؛ فدل ذلك على أن للزوج أن يغسل امرأته.
وروي أن عليا عليه السلام غسل فاطمة عليها السلام ولم ينكر عليه أحد.
ولأنها زوجية زالت بالموت؛ فوجب ألا يمنع النظر.
أصله: إذا مات الزوج.
أو نقول: حصول الموت بين الزوجين لا يمنع غسل أحدهما الآخر.
أصله: إذا مات الزوج.
أو نقول: لأنها فرقة يثبت بها التوارث؛ فوجب ألا يتعلق بها تحريم النظر.
أصله: إذا مات الزوج.
ولأن كل معنى لم يحرم نظر الزوجة إلى الزوج لم يحرم نظره إليها، اعتبارا بالأصول كلها كالمريض وغيره.
عكسه الطلاق.
واحتج مخالفنا بقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ ووجه الاستدلال هو أنه إذا كانت تحته امرأة وماتت حل له العقد على أختها، فلو جوزنا له الغسل لكنا قد أبحنا له النظر إلى فرجها وفرج أختها، والآية تمنع الجمع بين الأختين في النكاح أو في شيء من أحكامه من نظر أو مس أو غير ذلك.
فالجواب: أنه لا دلالة لهم في هذه الآية، لأن التحريم إنما تعلق بالاستمتاع وما في معناه، ولم يرد به تحريم [ق/18 أ] الجمع فيما عداه.
ولأن هذا اللفظ محمول على عادة أهل اللغة في الاستعمال، وعادتهم فيه ما ذكرناه.
ألا ترى أنه لا يعقل منه تحريم الجمع بينهما في عقد الشراء.