رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوتالفصل الثالث: في التدليل على أنّ مقالة الكلابية وأضرابهم مؤدية إلى نفي القرآن أصلاً، وإلى التكذيب بالنصوص الواردة فيه والردّ لصحيح الأخبار ورفع أحكام الشريعة

الفصل الثالث: في التدليل على أنّ مقالة الكلابية وأضرابهم مؤدية إلى نفي القرآن أصلاً، وإلى التكذيب بالنصوص الواردة فيه والردّ لصحيح الأخبار ورفع أحكام الشريعة

لا خلاف بين المسلمين أجمع في أن القرآن كلام الله عز وجل، وأنه الكتاب المنزل بلسان عربي مبين1الذي له أوّل وآخر، وهو ذو أجزاء وأبعاض، وأنه شيء ينقري2ويتأتي أداؤه، وتلاوته.
ثم اختلفوا بعد هذه الجملة: فقال أهل الحقّ.
هو غير مخلوق، لأنه صفة من صفات ذاته، وهو المتكلم به على الحقيقة، وهو موصوف بالكلام فيما لم يزل.3

وقال بعض أهل الزيغ: " هو مخلوق أحدثه في غيره وأضافه إلى نفسه"1.
وقال آخرون2منهم: هو كلامه، ولا نزيد عليه، ولا نقول:

إنه مخلوق أو غير مخلوق.
واتفق المنتمون إلى السّنة بأجمعهم على أنه غير مخلوق، وأنّ القائل بخلقه كافر، فأكثرهم قال: إنه كافر كفراً ينقل عن الملة، ومنهم من قال: هو كافر بقول غير الحق في هذه المسألة.
والصحيح الأوّل، لأن من قال: إنه مخلوق صار منكراً لصفة من صفات ذات الله عز وجل، ومنكر الصفة كمنكر الذات، فكفره كفر جحود لا غير.1

وقال أبو محمّد بن كلاب ومن وافقه، والأشعري وغيرهم: "القرآن غير مخلوق، ومن قال بخلقه كافر إلا أن الله لا يتكلم بالعربية، ولا بغيرها من اللغات ولا يدخل كلامه النظم، والتأليف، والتعاقب، ولا يكون حرفاً ولا صوتاً "1.

فقد بان بما قالوه1أن القرآن الذي نفوا الخلق عنه ليس بعربي، وليس له أوّل ولا آخر.
ومنكر القرآن العربي وأنه كلام الله كافر بإجماع الفقهاء2ومثبت قرآن لا أوّل له ولا آخر كافر بإجماعهم، ومدعي قرآن لا لغة فيه جاهل غبي عند العرب، لأن القرآن اسم لكتاب الله عز وجل العربي مختص به عند كثير من العلماء ولذلك لم يهمزه غير واحد من القراء والفقهاء وهو قول الشافعي3رحمة الله عليه4وقراءة

ابن كثير1وغيره.2
وقالوا: " إذا قرأ القارئ قوله سبحانه ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ 3 همز قرأت؛ لأنه مشتق من القراءة"4. وعند بقية القراء والعلماء أن القرآن مهموز وهو اسم مشتق من قرأ قراءة وقرآناً، أو من ضم بعضه إلى بعض.5
والعقل غير (موجب) 6 لتسمية صفة لله سبحانه قرءآناً بالاتفاق.7
وإنما أخذ هذا الاسم سمعاً والسمع قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾

وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ 2، وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ 3.
وما لا يجوز أن يكون لغة لا يكون شعراً عند أحد، فلما نفى الله عز وجل كون ما زعم كفار قريش أنه شعر4وأثبته قرآناً لم تبق شبهة لذي لبّ في أن القرآن المختلف في حكمه الذي أمر الجميع بالإيمان به هو كتاب الله سبحانه العربي، الذي علم أوّله وآخره، فمن زعم أن القرآن اسم لما (هو) 5 غيره وخلافه دونه بان حمقه6ا. هـ. فإن أقرّ الأشعري ومن وافقه بأن القرآن هو الذي يعرفه الخلق

انتقض عليه قوله: إن الحرف والصوت لا مدخل لهما في كلام الله عز وجل وقد أقرّ بأنه غير مخلوق، وإذا لم يكن مخلوقاً وكان حروفاً لا محالة كان إنكارهم للحروف بعد ذلك سخفاً.
وإن زعموا أن القرآن غير الذي عرفه الخلق كفروا، ولم يجدوا حجّة على قولهم من عقل ولا سمع.
وإن قالوا: إن القرآن اسم لكلام الله جملة، وجب أن تسمى التوراة والإنجيل1والزبور2والقرآن، وصحف إبراهيم3وموسى أجمع قرءآناً، ووجب أن يكون المؤمن بالتوراة من اليهود مؤمناً بالقرآن وبما فيه، وغير جائز أن تؤخذ منه الجزية بعد وجوب الحكم بإيمانه.
ثم قد أطلق الأشعري أن هذه التسميات لم يستحقها كلام الله / في الأزل، وإنما هي تسميات للعبارات المختلفة التي نزلت في الأزمان المتغايرة، وكلّ ذلك محدث فبين أن التوراة اسم الكتاب بالسريانية، وأنه

محدث، وأن القرآن اسم الكتاب بالعربية وأنه محدث.1
فقوله: القرآن غير مخلوق مع هذا القول تلاعب.
وقد ذكرنا في كتاب " الإبانة"2 ضرباً مما ورد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى، وتكلمنا على صحيحه وغريبه، وأن أحداً من الأمة قبل خصومنا هؤلاء ما عرف قرءآنا ينقري ولا يدخله الحرف والصوت، والأشعري

أيضاً لم يعرف ذلك، وإنما حمله على ما قال التحير1مع قلة الحيا، ألا ترى أنه يقول: " القراءة مخلوقة والمقروء بها صفة الله عز وجل غير مخلوقة2، والخلق بالاتفاق لا يتوصلون إلى قراءة ما ليس بحرف ولا صوت، فليس يكون مقروء البتة، فإن جاز كونه مقروءاً فهو حروف، وأصوات لا محالة، وإن لم يجز أن يكون حروفاً فمحال أن يصير مقروءاً، وهذا ظاهر لمن هدي رشده ". وأما رفع أحكام الشريعة، فلأنها إنما ثبتت بالقرآن فإذا كان الأشعري عنده القرآن غير هذا النظم العربي، وأهل الحل والعقد لا يعرفون ما يقوله ارتفعت أحكام الشريعة، ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد سورة من القرآن، أو آية منه، أو حرفاً متفقاً عليه فهو كافر.3
وفي هذا الإجماع تسويد وجه كلّ مخالف لنا وفيما ذكرت في هذا الفصل إشارات إذا تأملها ذو قريحة جرى في الميدان قوي الجنان.
وبالله التوفيق.

جارٍ التحميل