الفصل الثالث: حياته العلمية وثقافته.
بيئته: نشأ أبو نصر السجزي في بيت له عناية بالعلم، فقد كان أبوه1فقيها على مذهب الكوفيين، كما نقل ذلك السمعاني عن النخشبي، ولقد أفاد أبو نصر من فقه أبيه فتفقه عليه 2، ثم ولت وجهته بعد ذلك شطر الحديث وعلومه، فبدأ بعلماء بلده سجستان، فأخذ عنهم، وسمع بها: أبا سليمان محمد بن محمد بن داود الأصم، وأبا عمر محمد بن إسماعيل العنبري، وأبا زهير مسعود بن محمد بن الحسين اللغوي وأبا سعيد حاتم ابن أحمد 3.
وقد يكون أبو سعيد هذا جد المصنف، وإن كنت لا أجزم بذلك، إذ لم أجد له ترجمة، فإن كان كذلك فلا شك أن ذلك يعد عمقاً علمياً في بيت أبي نصر.
رحلته في طلب العلم: لما كانت الرحلة في طلب العلم ولا سيما علم الحديث وروايته ديدن طلبة العلم منذ عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، حيث كان
أحدهم يرحل في طلب حديث لم يكن سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، المسافات الطويلة، كما فعل جابر رضي الله عنه حين رحل إلى الشام ليسمع حديث عبد الله بن أنيس رضي الله عنه، ثم كانت الرحلة في طلب الحديث بعد ذلك سنة متبعة لدى طلبة العلم.
لذا فقد اقتفى أبو نصر السجزي سنن أولئك الأخيار وخرج من سجستان بعد أن سمع بها من ذكرنا، قاصداً أمهات المدن والأمصار التي كانت آنذاك مراكز علمية يوجد بها الكثير من علماء الحديث، والمعنيين بروايته والاشتغال به.
فرحل إلى غزنة وهي مدينة من أول بلاد الهند، خرج منها جماعة من العلماء في كل فن 1، وكانت رحلته إليها قبل الأربعمائة كما ذكرنا.
ثم دخل نيسابور، فسمع بها أبا عبد الله الحاكم صاحب المستدرك، وأبا يعلى حمزة بن عبد العزيز المهلبي.
ثم رحل بعد الأربعمائة، فدخل خراسان وحل بأطرافها فترة كما يذكر السمعاني، كما رحل إلى العراق فدخل البصرة وبغداد، وشملت رحلته الشام، ومصر فنزل بها وسمع الكثير.
ثم انتهى به المطاف إلى مكة حرسها الله، حيث دخلها حاجاً سنة 404هـ فسمع بها أبا الحسن أحمد بن إبراهيم بن فراس العبقسي، وجاور بها إلى أن توفي بها سنة 444هـ.
أشهر شيوخه: طوف أبو نصر رحمه الله الكثير من البلاد ولقي الكثير من أهل العلم وحفاظ الحديث فسمع منهم وروى عنهم، فمن هؤلاء: 1- والده، حيث سبق وأن ذكرت أنه تفقه عليه.
2- أبو سليمان محمد بن محمد بن داود الأصم.
سمع منه بسجستان كما تقدم، ولم أجد له ترجمة، ويبدو أن له عناية بالقراءات حيث ذكره ابن الجزري في طبقات القراء 1.
3- أبو زهير مسعود بن محمد بن الحسين اللغوي.
4- أبو سعيد حاتم بن أحمد.
5- أبو عمر محمد بن إسماعيل العنبري.
وهؤلاء الثلاثة سمع منهم بسجستان أيضاً، ولم أجد من ترجم لهم.
6- أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، الحافظ الكبير، المتوفى سنة 405هـ 2، لقيه بنيسابور وسمع منه كما تقدم.
7- أبو يعلى المهلبي حمزة بن عبد العزيز بن محمد النيسابورِي، تفرد بالسماع من غير واحد، توفي سنة 406هـ3، وكان شيخاً عالماً ثقة متقدماً أيضاً في معرفة الطب 4.
8- أبو الحسن أحمد بن إبراهيم بن فراس، العبقسي، المكي العطار، مسند الحجازِ والحرم في وقته، مات بمكة سنة خمس وأربعمائة عن ثلاث وتسعين سنة 1، وكان ثقة ثبتاً، قاضياً عدلاً، وثَّقه أبو ذر في معجمه وكذا السجزي، وكان من كبار أهل زمانه وإليه الرحلة في أوانه.2
9- أبو أحمد الفرضي عبيد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي مسلم المقري، شيخ بغداد مات سنة 456 هـ، وله اثنتان وثمانون سنة.3
قال الخطيب: كان ثقة ورعا ديناً، وقال الأزهري: عبيد الله كان إماماً من الأئمة 4.
10- محمد بن محمد بن محمد بن بكر الهزّاني 5.
11- أبو العلاء علي بن عبد الرحمن الخزاز السوسي اللغوي، ذكر صاحب اللباب أن أبا نصر السجزي سمع منه 6.
12- أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن القاسم بن الصلت المجبر البغدادي، مسند بغداد، توفي سنة خمس وأربعمائة وله إحدى وتسعون
سنة وكان صالحاً ديناً ضعيفاً في الحديث 1.
13- أبو عبد الرحمن السلمي محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري، كان شيخاً عالماً متصوفاً، غير أنه ضعيف الحديث.
توفي سنة 412هـ 2. 14- أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله الأنصاري الهروي الماليني، أحد الرحالين في طلب الحديث والمكثرين فيه، رحل إلى البلاد الكثيرة، وسمع من أشياخ كثيري العدد، ثم رحل إلى مصر فمات بها سنة 412 هـ وكان ثقة متقناً صدوقاً 3.
15- أبو العباس أحمد بن محمد الحاج بن يحيى الأشبيلي المعدل بمصر، انتقى عليه أبو نصر السجزي، ومات سنة 415 هـ 4. 16- الشيخ الصدوق مسند الوقت أبو عمر عبد الواحد بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن مهدي، قال الخطيب: كان ثقة أميناً، وكان مولده سنة 318هـ ووفاته سنة 410هـ 5. أشهر تلاميذه: كان الحافظ أبو نصر السجزي أحد أئمة أهل الحديث في وقته فقد كان إماماً حافظاً متقناً ثقة فيه، لذا فقد حرص على السماع منه والرواية
عنه الكثير من طلبة علم الحديث، يقول أحد أشهر تلاميذه وهو أبو إسحاق الحبال: "خرج الحافظ أبو نصر السجزي على أكثر من مائة لم يبق منهم غيريِ"1.
وكان الحبال أحد المكثرين عن أبي نصر يقول ابن طاهر عنه: "خرج له عشرين جزءاً في وقت الطلب وكتبها في كاغد عتيق" 2 فمن أشهر تلاميذه: 1- الحافظ الإمام المتقن محدث مصر أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد ابن عبد الله النعماني مولاهم الحبال المصري، كان أحد المكثرين عن أبي نصر كما أسلفنا وكان مولده سنة391هـ ووفاته سنة482 هـ.3 2- ومنهم: الحافظ الإمام أبو الفضل جعفر بن يحيى بن إبراهيم التميمي المعروف بابن الحكاك، سمع أبا نصر السجزي بمكة، وكان يترسل من أمير مكة ابن أبي هاشم إلى الخلفاء والملوك، ويتولى قبض الأموال منهم، ويحمل كسوة البيت، قال المؤتمن الساجي صحب أبا نصر السجزي وأبا ذر الهروي وكان ذا معرفة ولد سنة 416 هـ وكانت وفاته سنة 485 هـ 4. 3- ومنهم المسند أبو الحسين أحمد بن عبد القادر بن يوسف اليوسفي - وهو راوي كتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت هذا –
ذكره الذهبي في وفيات سنة 492 هـ 1. 4 – ومنهم: الحافظ عبد العزيز بن محمد بن عاصم النخشبي.
كان حافظاً حسن الفهم والإِتقان2وكان قد ذكر أبا نصر في معجم شيوخه كما سبق أن نقلنا ذلك عن السمعاني 3.
5- ومنهم: الإِمام المفيد أبو سعد محمد بن الحسن بن محمد المكي الحافظ المعروف بالحرمي، سمع أبا نصر بمكة وكانت وفاته بهراة سنة 491هـ 4. 6- ومنهم: أبو الفرج سهل بن بشر الإسفرائيني محدث دمشق، توفي سنة 491 هـ عن 82 سنة 5.
ثقافته: لقد كان أبو نصر رحمه الله ذا ثقافة حديثية عالية، إذ كان واسع الرواية جيد الحفظ، بصيراً بطرق الحديث ورجاله، بلغ في ذلك شأواً بعيدا، استحق أن يطلق عليه لقبا الحافظ الإِمام.
وهما لقبان لهما مدلولهما ومفهومهما عند أهل العلم، لا يطلقان جزافاً، ولا ينالهما كل أحد.
وسنرى فيما بعد من أطلق عليه ذلك عندما نتحدث عن ثناء الناس عليه.
وهو رحمه الله إلى جانب عنايته بالحديث وحفظه وبصره بطرقه ورجاله، ضم إلى ذلك الفهم والفقه.
يقول عنه ابن الجوزى: "سمع أبو نصر الحديث الكثير، وفقه وفهم وصنف وخرج وكان قيما بالأصول والفروع وله التصانيف الحسان" 1.
فقد شملت ثقافته إذاً الحديث وعلومه كما ذكرنا، والأصول، ونعني بها أمور العقيدة، وكتاباه (الإبانة)، و (الرد على من أنكر الحرف والصوت) يبرزان مدى عنايته بذلك، كما شملت الفروع، على أنه لم يُذكر لنا شيء عن مؤلفاته في ذلك، كما تناولت ثقافته جانب التاريخ كما يذكر السمعاني، وجانب الأدب ونظم القوافي 2.
ولعلنا لا نعدوا الحقيقة إذا قلنا إن أبا نصر كان عالماً مشاركاً في كثير من الفنون.
في الحديث، في الأصول، في الفروع، في التاريخ.
وله في ذلك التصانيف الحسان، على أن كتب التراجم لم تذكر لنا من ذلك إلا كتاب الإبانة كما سيأتي، ووجدنا بعضها في زوايا المكتبات، بالإضافة إلى نقول وإشارات إلى بعضها في ثنايا الكتب التي اقتبست عنها واستفادت منها.
مؤلفاته وآثاره: لقد كان الإمام أبو نصر صاحب تصانيف حسان، كما ذكرنا ذلك ونقلناه عن الإمام ابن الجوزي رحمه الله.
وقبل ابن الجوزى وصفه السمعاني بقوله: "كان صاحب التصانيف والتاريخ" 1 وقبلهما ابن ماكولا- رحمه الله - قال: "الإمام صاحب التصانيف" 2.
وبعدهم جميعاً الحافظ ابن كثير، قال عنه: "صنف وخرج... وله الإِبانة في الأصول وله في الفروع أيضاً" 3.
لكن ما هي هذه التصانيف، ما الذي بقي لنا منها، أو على الأقل ما الذي ذكر لنا اسمه منها وإن لم يبق.
ذلك ما سنعرض له فيما يلي: من أهم وأعظم مصنفات الإِمام السجزي إن لم يكن أهمها وأعظمها على الإِطلاق: 1- كتابه العظيم (الإِبانة في الرد على الزائغين في مسألة القرآن) : وهو الكتاب الذي اقترن اسمه باسم المؤلف، فقلما يذكر السجزي إلا ويذكر كتاب الإبانة معه.
وسأورد لك كلام الأئمة الذين ذكروه، وإن اختلفت عباراتهم في التعريف به إلا أن الجميع اتفقوا على أن اسمه
(الإِبانة) واختلفوا فيما وراء ذلك: فهو عند ابن الجوزى 1: (الإِبانة في الرد على الرافعين) 2 وعند ابن كثير "الإِبانة في الأصول" كما تقدم.
أما الذهبي: فيقول في تذكرة الحفاظ3: (كتاب الإِبانة الكبرى) في مسألة القرآن- ثم يقول-: "وهو كتاب طويل دال على إمامة الرجل وبصره بالرجال".
ويقول في سير أعلام النبلاء 4 (الإِبانة الكبرى) في أن القرآن غير مخلوق وهو مجلد كبير دال على علم الرجل بفن الأثر.
ونقل السيوطي 5 عبارة الذهبي في التذكرة.
وهو في كشف الظنون6 باسم (الإِبانة في الحديث).
وعند الكتاني 7 باسم (الإِبانة في أصول الديانة).
وعنه أخذ الزركلي في الأعلام 8.
وفي شذرات الذهب 9 (الإبانة في القرآن).
أما كحالة 1 فمرة ينقل عبارة الذهبي (الإِبانة الكبرى في مسألة القرآن).
ومرة أخرى ينقل عبارة ابن الجوزى (الإبانة في الرد على الرافعين) والذي أرجحه أن اسم الكتاب هو (الإبانة) وأن باقي العبارات إنما هي زيادة بيان لموضوع الكتاب.
والمؤلف نفسه ذكر أن اسم الكتاب هو (الإبانة) ثم أفصح عن موضوعه وبين أنه في الرد على الزائغين في مسألة القرآن.
فقال في مقدمته لكتاب (الرد على من أنكر الحرف والصوت) - هذا-: (كتاب الإبانة الذي ألفته في الرد على الزائغين).
ولقد بحثت في كتب التراث، وفهارس المكتبات عن مؤلفات السجزي، وخاصة كتاب الإبانة هذا، فعثرت في فهرس مكتبة كوبرلي بتركيا على أنه موجود بها تحت رقم (231) حديث.
وقد قام فضيلة شيخنا حماد الأنصاري حفظه الله بالسعي للحصول على صورة لهذا الكتاب، وبعث بالرقم المشار إليه، ووصلت إليه صورة تحمل نفس الرقم، لكن الكتاب اتضح أنه (الإبانة) لابن بطة، وليس إبانة السجزي.
ولم أيئس، وقلت في نفسي لابد أن يكون في هذه المكتبة كتاب للسجزي وربما حصل خطأ في الفهرسة، فسافرت إلى استانبول
(القسطنطينية) وزرت مكتبة (كوبرلي) فاتضح لي أن الإبانة التي بها لابن بطة وليست للسجزي ولم أجد بها أثارة من علم السجزي.
ثم بحثت في باقي مكتبات هذه المدينة وهي كثيرة جداً، بها من روائع تراثنا الإسلامي الشيء الكثير مما يستحق أن تشد إليه الرحال ويسترخص في سبيله المال.
على أني وإن لم أجد بها بغيتي فإنني والحمد لله لم أعد منها بخفي حنين.
وهناك، اقتباسات عن كتاب الإبانة لدى شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم والإمام الذهبي في عدد من مؤلفاتهم، اكتفي بالإشارة إلى مواطن هذه الاقتباسات بذكر اسم الكتاب والجزء والصفحة: 1- درء تعارض العقل والنقل، طبعة جامعة الإمام 2/86-94، 6/250، 7/236. 2- بيان تلبيس الجهمية 2/38،416-417. 3- الفتاوى 12/ 428-429، 397. 4- مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم 2/214. 3- العلو للعلي الغفار للذهبي 180. 6- سير أعلام النبلاء للذهبي 17/657. 7- عدّه السيوطي: أحد مصادره في كتابيه (جمع الجوامع) و (الجامع الصغير).
2- الكتاب الثاني من مؤلفات الإِمام السجزي: كتاب (رواية الأبناء
عن الآباء) ذكره ابن الصلاح في كتابه (علوم الحديث) 1 فقال: (النوع الخامس والأربعون.
معرفة رواية الأبناء عن الآباء.
ولأبي نصر الوايلي الحافظ في ذلك كتاب).
كما ذكره ابن كثير في (اختصار علوم الحديث) فقال- تحت موضوع: رواية الأبناء عن الآباء -: وقد صنف فيه الحافظ أبو نصر الوايلي كتاباً حافلاً، وزاد عليه بعض المتأخرين أشياء مهمة نفيسة) 2.
ولم يذكر هذا الكتاب أيٌّ ممن ترجم له، ولعل شهرة كتاب الإِبانة طغت على غيره، فاكتفي به ولم يذكر له سواه.
3- والثالث من مصنفاته: هو كتابنا هذا (الرد على من أنكر الحرف والصوت) وسيأتي الكلام عليه في الباب الثاني من هذه الدراسة.
4- هناك نصوص من كلام الإِمام السجزي، لدى ابن الصلاح في كتابه (علوم الحديث) نقلها ولم يشر إلى اسم الكتاب أو الكتب التي اقتبسها منها.
وإليك هذه النصوص: النص الأوّل: قوله: "أجمع أهل العلم الفقهاء وغيرهم على أن رجلا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قد صح
عنه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاله لاشك فيه، أنه لا يحنث والمرأة بحالها في حبالته"1.
النص الثاني: قال ابن الصلاح: "وذكر أبو نصر السجزي الحافظ قول الراوي: " بلغني " نحو قول مالك: بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: للمملوك طعامه وكسوته.. قال السجزي: أصحاب الحديث يسمونه المعضل"2.
النص الثالث: قال ابن الصلاح في مسألة الإجازة: "وممن أبطلها من أهل الحديث الإِمام إبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني الملقب بأبي الشيخ، والحافظ أبو نصر الوايلي السجزي،- قال- وحكى أبو نصر فسادها عن بعض من لقيه، قال أبو نصر "وسمعت جماعة من أهل العلم يقولون: قول المحدّث: "قد أجزت لك أن تروي عني" تقديره: قد أجزت لك ما لا يجوز في الشرع، لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع"3.
فهذه النصوص تدلنا على مكانة الإِمام السجزي في علوم الحديث، وبصره بهذا الفن حتى غدتْ أقواله فيه ذات قيمة عالية عند أهل الفن تؤخذ بعين الاعتبار.
وهي تدل أيضاً على أن له مؤلفات في هذا الفن ضاعت فيما ضاع من تراث هذه الأمة من كتب أئمة السلف وعلماء الأثر.
مكانته العلمية وثناء الناس عليه: رغم أن المصادر التي تحدثت عن الإمام السجزي لم تستوعب جوانب كثيرة من حياته، غير أنها لم تخل من إشارات ومقتطفات متفرقة نستطيع أن نلمح من خلالها المنزلة العلمية العالية التي تبوأها أبو نصر رحمه الله، فلقد وصف بالعلم، والإِمامة والحفظ والإتقان، وسعة الرواية، والدراية بالرجال والطرق.
وصفه بذلك تلامذته الذين تلقوا عنه، ومترجموه الذين عرفوا منزلته وفضله.
وسأورد هنا طائفة من أقوالهم وهي وإن كانت مقتضبة إلا أنها تدل على مكانة عالية وذكر حسن.
فهذا تلميذه: عبد العزيز النخشبي يقول فيه: (العالم الحافظ، شيخ متقن ثقة ثبت من أهل السنة) 1.
وهذا تلميذه: أبو إسحاق الحبال يصفه بالحفظ، يقول ابن طاهر: "سألت الحافظ الحبال عن أبي نصر السجزي، والصوري2أيهما أحفظ؟ فقال: كان السجزي أحفظ من خمسين مثل الصوري" 3.
ولنا أن نتخيل سعة حفظ الإِمام السجزي إذ عرفنا أن الإِمام الصوري وصف بقوة الحفظ إلى درجة أن أبا الوليد الباجي يقول فيه: "الصوري أحفظ من رأيناه"1 وليس ذلك رأي الباجي فحسب بل هو رأي كثير من أهل العلم.
يقول غيث بن علي الأرمنازي: "رأيت جماعة من أهل العلم يقولون ما رأينا أحفظ من الصوري"2.
وكان الإِمام الصوري لقوة تمكنه من الحفظ يقول: "انظروا إلى أي حديث شئتم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرءوا إسناده لأقرأ متنه، أو اقرءوا متنه حتى أخبركم بإسناده"3.
فإذا كانت هذه هي مكانة الحافظ الصوري في الحفظ والضبط والإِتقان، فما بالك بمكانة الإمام السجزي الذي شهد له بأنه أحفظ من خمسين مثل الصوري رحم الله الجميع.
ويقول فيه ابن ماكولا: "كان أحد الحفاظ المتقنين"4.
يقول السمعاني: "كان أحد الحفاظ... وكان صاحب التصانيف والتاريخ"5.
ويقول ابن نقطة: "أبو نصر الحافظ... الإِمام"6.
ويقول ابن الجوزى: "هو... الحافظ... سمع الحديث الكثير وفقه وفهم وصنف وخرج وكان قيماً بالأصول والفروع وله التصانيف الحسان"1.
ويقول فيه الإمام الذهبي: "الإمام العالم الحافظ المجود شيخ السنة أبو نصر عبيد الله بن سعيد... شيخ الحرم ومصنف الإبانة الكبرى في أن القرآن غير مخلوق وهو مجلد كبير دال على علم الرجل بفن الأثر"2.
وقال في التذكرة: "الحافظ الإمام علم السنة عبيد الله بن سعيد... صاحب الإبانة الكبرى… وهو كتاب طويل في معناه دال على إمامة الرجل وبصره بالرجال والطرق"3.
فهذه الطائفة من كلام أهل العلم عن الحافظ أبي نصر تبين لنا المكانة التي احتلها رحمه الله في الحفظ والعلم والضبط والإتقان، والإمامة والتقدم على أقرانه في ذلك.
رحمه الله رحمة واسعة.
زهده في الدنيا وإخلاصه في طلب العلم: نتبين ذلك من خلال قراءتنا لهذه القصة التي يرويها عنه تلميذه الحبال فيقول:
"كنت يوماً عند أبي نصر السجزي فدق الباب، فقمت ففتحت، فدخلت امرأة، وأخرجت كيساً فيه ألف دينار، فوضعته بين يدي الشيخ، وقالت: أنفقها كما ترى.
قال: ما المقصود؟ قالت: تتزوجني ولا حاجة لي في الزوج لكن لأخدمك، فأمرها بأخذ الكيس وأن تنصرف، فلما انصرفت قال: خرجت من سجستان بنية طلب العلم، ومتى تزوجت سقط عني هذا الاسم، وما أوثر على ثواب طلب العلم شيئاً".
أورد هذه القصة الإمام الذهبي ثم عقب بقوله: "قلت: كأنه يريد: متى تزوج للذهب نقص أجره، وإلا فلو تزوج في الجملة لكان أفضل، ولما قدح ذلك في طلبه العلم، بل يكون قد عمل بمقتضى العلم، لكنه كان غريباً فخاف العيلة وأن تتفرق عليه حاله عن الطلب"1.
مذهبه الفقهي: سبق أن ذكرت أن أبا نصر تفقه على أبيه، وأن أباه كان فقيهاً على مذهب الكوفيين.
والكوفيون على مذهب أبي حنيفة، فهل يعني ذلك أن أبا نصر كان حنفي المذهب في الفقه؟ لعل ذلك ما فهمه القرشي2والبغدادي3وغيرهما عندما عداه في الحنفية.
ولقد كان المذهب الحنفى سائداً في سجستان موطن أبي نصر الأوّل، كما يقول أحمد أمين: " وأغلب أهلها- أي سجستان - على مذهب أبي حنيفة لا ترى من غيرهم إلا القليل"1.
فهل يكفي ذلك للدلالة على أن أبا نصر كان حنفياً؟ الواقع أن أبا نصر رحمه الله كان من أهل الحديث بل من أئمتهم والمقدمين فيهم، ولم يثبت انتماؤه إلى مذهب فقهي2، لذا نرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما يذكر مذاهب الناس في مسألة ويذكر قول الأحناف، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، يذكر أهل الحديث طائفة غير منتمية إلى أي من المدارس الفقهية المذكورة، ويذكر أبا نصر في أهل الحديث.
فمثلاً عندما تكلم رحمه الله عن مذاهب الناس في مسألة الحسن والقبح العقليين ذكر أقوال الأشاعرة، والحنابلة، والأحناف، والمالكية، والشافعية، ثم أشار إلى قول أهل الحديث فقال: قول طوائف من أئمة
الحديث… ثم ذكر أبا نصر السجزي وعزا إليه.1
وفي هذا الكتاب نرى تعاطفه الشديد مع الحنابلة وشيوخهم2ودفاعه عنهم وإعجابه الشديد بالإمام أحمد رحمه الله وتسليمه له بالإمامة والتقدم في الفقه والسنة إذ يقول فيه: "فأيد الله سبحانه بمنه أبا عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله حتى قام بإظهار المنهاج الأول وكان جامعاً قد تقدم في الفقه فنظر في مذهب أبي حنيفة وسفيان أولا، ثم نظر في مذهب الشافعي واختار لنفسه ما وجده في الحديث وكان في معرفته مبرزاً شديد الورع متمسكاً بآثار السلف.3
على أنه ليس في تعاطفه وإشادته بالإمام أحمد ودفاعه عن الحنابلة وشيوخهم ما يدعو للقول بأنه كان حنبلياً فقد يكون داعيه لذلك ما كان عليه الإمام أحمد وأصحابه من التمسك بالسنة والثبات عليها في المحنة.
ومن الأمور التي تدعونا على الأقل للشك في كونه حنفياً: أنَّا نجده غير عالم بمذهب أبي حنيفة فعندما احتاج أن يعرف حقيقة مذهب أبي حنيفة في مسألة جواز قراءة الفاتحة بالفارسية4، ذهب يسأل أبا جعفر النسفي، وأبا محمد الناصحي عن ذلك، فلو كان حنفياً لكان ذا علم
بالمذهب ولا سيما بهذه المسألة التي يهمه معرفتها.
ولا يقال إنه ليس من لازم التمذهب أن يكون المرء عالماً بالمذهب.
فإنا نقول: ذلك في حق العامي، أما مثل أبى نصر الذي علم وفهم وفقه فيجدر به إذا كان حنفياً أن يكون من علمائهم.
والله تعالى أعلم.
عقيدته: تقدم لنا في مبحث ثناء الناس عليه، وصف غير واحد له بأنه من أهل السنة وأنه علم من أعلامهم، وكتابه هذا خير شاهد على انتمائه لأهل السنة واتباعه للنصوص على مذهب السلف، فهو قد بين فيه في الفصل الثاني منه أن "أهل السنة هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح رحمهم الله عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه رضي الله عنهم فيما لم يثبت فيه نص في الكتاب ولا عن الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم رضي الله عنهم أئمة وقد أمرنا باقتداء آثارهم واتباع سنتهم"1.
ثم بين في آخر الفصل أنّه على السنة، وأنّ خصومه على البدعة.
ثم أفصح عن منهجه في باب الاعتقاد، فقال في هذا الكتاب أيضاً: "وقبل كل شيء ينبغي أن يعلم أن اعتمادنا في المعتقدات أجمع على السمع فإذا ورد السمع بشيء قلنا به، ولم نلتفت إلى شبهة يدعيها مخالف"2.
وهذا هو منهج أهل السنة الذين هم سلف هذه الأمة الصالح، الذين كان الإمام السجزي يترسم خطاهم ويقتفي آثارهم، وقد ذكر في كتاب الإبانة الأئمة الذين بهم اقتدى وبهداهم اهتدى فقال: "وأئمتنا كسفيان ومالك والحمادين وابن عيينة والفضيل وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق"1 ثم ذكر قولهم في الاستواء.
كما ذكر في كتاب الرد هذا عدداً من أئمة الهدى الذين بين أنهم هم الأئمة الذين ينبغي اتباع آثارهم.
وبعد: يمكننا القول بأن أبا نصر سلفي العقيدة سائر مع النص الصحيح، متبع للسلف الصالح.
رضي الله عن الجميع وشمل كلا برحمته.
بل يمكننا القول: إن أبا نصر كان إماماً من أئمة أهل السنة وعلماً من أعلامهم وفحلاً من فحولهم.
فهو كما وصفه ابن تيمية: "من أكابر أهل الإثبات "2. وكما وصفه الذهبي: "شيخ السنة"3.