مقدمة المؤلف...
القسم الثاني: الكتَاب المُحقَّق بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين أخبرنا الشيخ الإمام أبو محمد (المغدى) 1 بن عبد الله الأيوبي، قلت: أخبركم الشيخ الإمام العارف أبو محمد المبارك بن المبارك بن علي ابن نصر السرّاج، قراءة عليه وأنا أسمع، يوم الجمعة سادس عشر ذي الحجة من سنة خمسين وخمسمائة، قال: أخبرنا الشيخ الصالح أبو الحسين أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف بن محمد الأصفهاني2قال: ناولني الشيخ العالم أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوايلي السجستاني3الحافظ رحمه الله.
قال: (مقدمة المؤلف) الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله أجمعين.
أما بعد: فقد ذُكر لي عنكم، وفقنا الله وإياكم لمرضاته وقوفكم
على كتاب (الإبانة) 1 الذي ألفته في الرد على الزائغين2في مسألة القرآن، وأنكم وجدتم المخالفين ببلدكم3/ يشغبون4عند ذكر الحرف والصوت، وأنه قد صعب عليكم تجريد القول فيهما، واستخراج ذلك من الكتاب لكثرة الأسانيد المتخللة5للنكت التي تحتاجون إليها، وسألتم إفراد القول في هذا الفصل بترك الأسانيد، ليسهل عليكم الأخذ بكظم6
المخالف، (ورد الإِسناد معه) 1 وسامحت نفسي2بذلك، رجاء وصولكم إلى طلبتكم، وحصول العلم لكم بفساد مذهب الخصم، والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
اعلموا- أرشدنا الله وإياكم- أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نِحَلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب3
والقلانسي1والصالحي2والأشعري.3
وأقرانهم الذين يتظاهرون
بالرد على المعتزلة1وهم معهم بل أخس حالاً منهم في الباطن في أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق2وإن اختلفت به اللغات.
وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات3وقالوا: الكلام حروف متسقة، وأصوات مقطعة.
وقالت العرب4: الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى [4 – أ] فالاسم
مثل: زيد، وعمرو، وحامد، والفعل مثل: جاء، وذهب، وقام، وقعد، والحرف الذي يجيء لمعنى مثل: هل، وبل، وما شاكل ذلك.
فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفاً وصوتاً1فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة، ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعماً منهم أنها أخبار آحاد، وهي لا توجب علماً2وألزمتهم المعتزلة أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف، وصوت، ويدخله التعاقب، والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون، ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض، وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله، لأن ذات الله سبحانه لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض، والحركة والسكون.
وحكم الصفة الذاتية حكم الذات.
قالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله سبحانه خلق له أحدثه وأضافه إلى نفسه.
كما تقول: عبد الله، وخلق الله وفعل الله.
فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإِلزام/ لقلة معرفتهم بالسنن، وتركهم قبولها وتسليمهم العنان3إلى مجرد العقل، فالتزموا ما
قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العِيان1وخرقوا الإِجماع المنعقد بين الكافة المسلم والكافر. وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما يسمى ذلك كلاماً على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم.2
فمنهم من اقتصر على (هذا) 3 القدر، ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد فزاد فيه ما ينافي السكوت والخرس والآفات المانعة من الكلام.4
ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله سبحانه تجسيم.
وإثبات اللغة فيه تشبيه.
وتعلقوا بشبه5منها: قول الأخطل6:
إن البيان1من الفؤاد وإنما... جعل اللسان على الفؤاد دليلاً2فغيروه وقالوا: إن الكلام من الفؤاد وإنما... جعل اللسان على الكلام دليلاً3
وزعموا أن لهم حجة على مقالتهم في قول [5-أ] الله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ 1 وفي قوله عز وجل: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ
وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً﴾ 1.
واحتجوا بقول العرب: ":أرى في نفسك كلاماً، وفي وجهك كلاماً" 2.
فألجأهم الضيق مما يدخل عليهم في مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم، ولهم في حال الخرس والسكوت والنوم كلام هم متكلمون به، ثم أفصحوا بأن الخرس والسكوت والآفات المانعة من النطق ليست بأضداد الكلام، وهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه.
ومن علم منه خرق إجماع الكافة ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله لم يناظر بل يجانب، ويقمع، ولكن لما عدم من ينظر في أمر المسلمين محنّا 3 بالكلام مع من4ينبغي أن يلحق بالمجانين.
وأصل5تلبيسهم على العوام وتموههم 6 على المبتدئين هو أن
الحرف والصوت لا يجوز أن يوجدا1إلا عن آلة وانخراق مثل: الشفتين [5-ب] والحنك2وأن لكل حرف مخرجاً معلوماً، وأن الله سبحانه ليس بذي أدوات بالاتفاق، فمن أثبت الحرف والصوت في كلامه فقد جعله جسماً ذا أدوات، وهو كفر3قال الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ 4 فيجب أن لا يكون ككلامه كلام.
ونفوس ذوي النقص مسرعة إلى قبول هذا التمويه، يظنون أن في ذلك تنزيها لله سبحانه والأمر بخلاف ذلك.
وزاد علي بن إسماعيل الأشعري في التمويه فقال: "قد أجمعنا على أن لله سبحانه سمعاً، وبصراً، وكلاماً، ووجهاً، واتفقنا على أن سمعه بلا انخراق، وبصره بلا انفتاح، ووجهه بلا تنضيد5فوجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت"6 وقالوا جميعاً: إن أحداً من السلف لم يقل إن كلام الله حرف وصوت، فالقائل بذلك محدث، والحدث في الدين
مردود1والأشعري خاصة أضرب2قوله في هذا الفصل فقال في بعض كتبه [6-أ] : "كلام الله ليس بحرف ولا صوت كما أن وجهه ليس بتنضيد وكلام كلّ متكلم سواه حرف وصوت"3.
وقال في غير ذلك من كتبه: "الكلام معنى قائم بنفس المتكلم كائناً من كان ليس بحرف ولا صوت"4.
وإثبات قولين مختلفين في باب التوحيد، وإثبات الصفات تخبط، وضلال، والعقليات بزعم القائلين بها لا تحتمل5مثل هذا الاختلاف،
والحدود العقلية لا يرجع فيها إلا إلى من تقدم دون من أراد أن يؤسسَ1لنفسه اليوم باختياره أساساً واهياً.
(فصول الرسالة) فالذي تحتاجون إليه حفظكم الله معهم في إزالة تمويههم: (الفصل الأول) أن تقيموا البرهان أن الحجة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير وأن العقل آلة للتمييز فحسب.
(الفصل الثاني) ثم تبينوا ما السنة؟ وبماذا يصير المرء من أهلها؟ فإن كلاً يدعيها وإذا علمت وعرف أهلها بان [6-ب] (أن مخالفها3زائغ لا ينبغي أن يلتفت إلى شبهه.
(الفصل الثالث) وأن تدلوا4على مقالتهم أنها مؤدية إلى نفي القرآن أصلاً.
وإلى
التكذيب بالنصوص الواردة فيه والرد لصحيح1الأخبار ورفع أحكام الشريعة.
(الفصل الرابع) ثم تبرهنوا على أنهم مخالفون لمقتضى العقل بأقاويل متناقضة مظهرون لخلاف ما يعتقدونه وذاك شبيه بالزندقة.
(الفصل الخامس) ثم تعرفوا العوام أن فرق اللفظية، والأشعرية موافقون للمعتزلة في كثير من مسائل الأصول وزائدون عليهم في القبح، وفساد القول في بعضها.
(الفصل السادس) وأن توردوا الحجة على أن الكلام لن يعرى2عن حرف وصوت البتة، وأن ما عري عنهما لم يكن كلاماً في الحقيقة وإن سمي في وقت بذلك تجوزاً واتساعاً، وتحققوا جواز وجود الحرف والصوت من غير آلة وأداة وهواء منخرق، وتسوقوا قول السلف، وإفصاحهم بذكر الحرف والصوت أو ما دل عليهما، وتجمعوا بين العلم والكلام في إثبات الحدود بهما.
(الفصل السابع) ثم تذكروا [7-أ] فعلهم في إثبات الصفات في الظاهر وعدولهم إلى التأويل المخالف له في الباطن وادعاءهم1أن إثباتها على ظاهرها تشبيه.
(الفصل الثامن) ثم تشرحوا أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في الصفات ليس على ما زعموه، ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفات.
(الفصل التاسع) وأن تذكروا شيئاً من قولهم لتقف العامة على ما يقولونه فينفروا عنهم، ولا يقعوا في شباكهم.
(الفصل العاشر) ثم تنظروا كون شيوخهم أئمة ضلال ودعاة إلى2الباطل ومرتبكين3إلى ما قد نهوا عنه.
(الفصل الحادي عشر) ثم تحذروا الركون إلى كل أحد والأخذ من كل كتاب، فإن التلبيس قد كثر والكذب على المذاهب قد انتشر.
فجميع ما ذكرت أن بكم إليه حاجة عند الرد عليهم أحد عشر فصلاً من أحكمها تمكن من الرد عليهم إذا سبق له1العلم بمذهبه ومذهبهم، وأما العامي والمبتدئ [7-ب] فسبيلهما أن لا يصغيا إلى المخالف ولا يحتجا2عليه، فإنهما إن أصغيا إليه أو حاجاه خيف عليهما الزلل عاجلاً والانفتال3آجلاً، نسأل الله العون على بيان ما أشرنا إليه فإنه لا حول لنا ولا قوة إلا به وهو حسبنا ونعم الوكيل.
هـ