الفصل الرابع: في (إقامة البرهان على أنهم مخالفون لمقتضى العقل بأقاويل متناقضة مظهرون لخلاف ما يعتقدونه)
وأما مخالفتهم لمقتضى العقل، ونص الكتاب، قولهم: إنّ الله سبحانه أفهم موسى- عليه السلام1- كلامه بلطيفة أدرك بها موسى أنه كلامه بلا واسطة2والكلام قديم غير مخلوق.
وقال أبو بكر بن الباقلاني3: إنّ الله متكلم في الأزل، ولا يجوز أن يقال: إنه مكلِّم في الأزل.4
وفي هذا الفصل تناقض؛ لأنّ الإِفهام من صفات الفعل، وأفعال الله تعالى محدثة 1 في غيره، فالكلام على هذا الأصل مخلوق محدث، وإذا لم يجز أن يقال: إنه مكلِّم في الأزل كان التكليم فعلاً لا غير، فيكون الكلام مخلوقاً.
وأحد2ما استدل به العلماء على نفي الخلق عن كلام الله سبحانه قوله عزوجل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ 3 فقالوا: أتى بالمصدر ليعلم
أنه كلام من مكلِّم إلى مكلَّم.
وقال نوح بن أبي مريم1في تكليماً: (يعني المشافهة بين اثنين) 2 وإن لم يكن هناك مشافهة، فالله تعالى قال لموسى عليه السلام: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ 3 والاستماع بين الخلق لا يقع إلا إلى صوت، وهو غير الإفهام؛ لأنّ الفهم يتأخر عن السمع.
وقول الأشعري: "إنّ كلام الله شيء واحد، لا يدخله التبعيض"4 فإذا قال إنّ الله أفهم موسى كلامه، لم يخل5أمر6من أن يكون قد أفهمه كلامه مطلقاً، فصار موسى عليه السلام عالماً بكلام الله حتى لم يبق له كلام من الأزل إلى الأبد إلا وقد فهمه.
وفي ذلك اشتراك مع الله في علم الغيب، وذلك كفر بالاتفاق.
وفيه أيضاً رد لقول الله عز وجل: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ 1 فبيَّن أنّ الرسل عليهم السلام لا يعلمون ما في نفسه عز وجل.
والأشعري يقول:"إنّ الكلام معنى قائم بنفس ليس بلغة ولا حرف"2 فإذا فهمه موسى صار عالماً لما في نفس الله، وذاك غير جائز بالاتفاق.
ثم إذا لم (يكن) 3 الكلام حرفاً ولا صوتاً، وكان معنى قائماً بالنفس فهو والإرادة شيء واحد4وإن قالوا: أفهمه ما شاء من كلامه، رجعوا إلى التبعيض الذي يكفِّرون به أهل الحق، ويخالفون فيه نص الكتاب حيث قال الله
سبحانه: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ 1 وقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ 2 والكتاب عند السلف هو القرءآن باتفاق المسلمين كلام الله3ويقولون في الظاهر للعوام: "قد سمع موسى كلام الله على الحقيقة4وكلامه ليس بصوت"5.
والعقل لا يقتضي أن يسمع بشر6مبقى على بنيته وعادته ما ليس
بصوت على الحقيقة.
ويقولون1: " إنّ كلام الله لا يجوز وجوده بغير الله2، ولا نزوله إلى محل3، وهو يتلى ويقرأ، وليس بلغة ولا حرف وتلاوة بل لا وصول للخلق إليه ولا يوجد عندهم، ولا مدخل للحروف فيه"4 (وهذا) 5 ممتنع في العقل.
واختلف قول الأشعري في كتبه6
(في) 1 الناسخ والمنسوخ فقال في بعضها: "الناسِخ والمنسوخ في كلام الله على الحقيقة ". فإذا كان كلام (الله) 2 عنده شيئاً واحدًا كان الناسخ هو المنسوخ لا فرق بينهما ولا…3 من العقل ما يقوله البتة.
وقال في بعضها: الناسخ والمنسوخ في كتاب الله دون كلامه4ففرق بين كتاب الله وكلامه، ونصوص القرآن تنطق5بأن كتاب الله كلامه، ألا ترى أن الجن قالت في ما أخبر الله سبحانه عنها: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ 6 وفي موضع آخر: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ 7 فبيَّن جل جلاله أنّ الكتاب هو القرءآن لا غير بتقريره ما قالوه وتركه النكير عليهم لوجود الاتفاق على أن مسموع الجن في هذه القصة شيء واحد
في دفعة واحدة، وإنما أخبر الله سبحانه عنهم في غيرسورة فقال في بعضها: القرءآن وقال في غير ذلك: الكتاب1والقرءآن كلام الله بالاتفاق.
واختلف قول الأشعري أيضاً في الإعجاز، فقال في موضع: الإعجاز يتعلق بهذا النظم، وليس ذلك بكلام الله عز وجل، وإنما هو عبارة عنه، وأما صفة الله تعالى فلا يجوز أن يقال: إنّ الخلق يعجزون عنها كما لا يجوز أن يقال: يقدرون عليها.
فجعل المعجز غير القرءآن، وإجماع الأمة حاصل على أنّ القرءآن هو المعجز للكافة2فمن زعم أنه ليس (بمعجز والمعجز) 3 غيره كان راداً لخبر الله سبحانه، وخارقاً للإِجماع، وذلك كفر.
وقال في غير ذلك الموضع: (الإعجاز متعلق بكلام الله، وكلام الله شيء واحد لا سورة فيه ولا حرف) 4.
وفي هذا القول تكذيب للنص وإحالة: فأما التكذيب فإن الله سبحانه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ 1 وقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراًً﴾ 2.
فبيّن أنّ التحدي واقع إلى مثل كلامه القرءآن وإلى سورة منه، فقول الأشعري:
(إنّ المعجز هو الكتاب1دون القرءآن) تكذيب للنص وخبره، وقوله: (إنّ المعجز هو الكلام وليس بسورة) تكذيب للنص أيضاً.
والإِحالة هي في أنّ التحدي واقع إلى الإتيان بمثل ما يعلم ويعقل2، ولو كان بخلاف ذلك لما صح جملة لأن العقل يقتضي أن (لا) 3 يتحدى واحد إلى الإِتيان بمثل ما لا يدري ما هو، ولا يعقل معناه4، ومثل ذلك إذا سيم5واحد كان لعباً وهزواً، والله سبحانه يتعالى عن ذلك علوأً كبيراً.
وقال الأشعري: "إنّ الله سبحانه يرى يوم القيامة على الحقيقة" وأظهر الرد على من أنكرها.
وأفصح في بعض كتبه (أنه يرى بالأبصار) 6 وقال في موضع آخر:
(لا تختص الرؤية بالبصر1ولا تكون عن مقابلة2لأنّ3ما يرى مقابلة كان جسماً). فهو إذا قال: إنه يرى بالأبصار لم يجز في العقل أن تكون عن غير مقابلة، وإن قال إنّ الرؤية لا تختص البصر عاد إلى قول المعتزلة، وصارت الرؤية في معنىالعلم الضروري.4
وقد حكي عن بعض متأخريهم أنه قال: لولا الحياء من مخالفة شيوخنا لقلتُ إنّ الرؤية هي العلم لا غير.5
وهكذا قالوا في سماع موسى عليه السلام كلام الله سبحانه إنه لم يخص الأذن6، وإذا لم يخص بزعمهم الأذن لم يكن سماعاً؛ لأن هذه البنية
مجبولة1على أنها لا تسمع إلا بالأذن.
والمقابلة لا تقتضي التجسيم كما زعموا؛ لأن المرئيات في الشاهد لا تخرج عن أن تكون جسماً أو عرضاً على أصلهم، والله سبحانه باتفاقنا مرئي.
وليس بجسم2ولا عرض، وإذا صح ذلك، جاز أن يرى عن مقابلة، ولا يجب أن يكون جسماً.
وقد نص مالك بن أنس3رحمه الله، وغيره من الأئمة رحمهم الله على أنّ الله سبحانه يرى يوم القيامة بالأبصار.4
وزعموا أنّ كلام الله مكتوب في المصاحف (على) 1 الحقيقة وليس بحروف2.
والعقل لا يقتضي وجود مكتوب عارياً عن الحروف، وقالوا: ينبغي أن يكون كلام الله بخلاف كلام غيره.
ثم قالوا: (كلامه) 1، (و) 2 كلام غيره معنى قائم في النفس.3
فرفعوا ما أوجبوه من الخلاف1، وهذا تناقض. وقالوا: إثبات الحروف في كلام الله تشبيه، ثم قالوا: (كلام الله وكلام غيره لا حروف فيهما) فافصحوا بالتشبيه.2
ولو كان قولنا: إن الكلام لا يعرى عن الحروف تشبيهاً، مع كون الكتاب دالا على صحة قولنا، وكذلك الأثر، وكلاّ أن يكون كذلك، لكان تشبيهم أفظع وأشنع، فإنهم زعموا أنّ كلام الله لا حرف فيه ولا صوت، وكلام الله وذو النحل3وساير الحكل4لا حرف فيه ولا صوت فشبهوا كلام الله
بكلام الحكل، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وقد اتفقت الأئمة على أنّ الصفات لا تؤخذ إلا توقيفاً، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف.
فقول المتكلمين في نفي الصفات أو إثباتها بمجرد العقل أو حملها على تأويل مخالف للظاهر ضلال.
ولا يجوز أن يوصف الله سبحانه (إلا) 1 بما وصف به نفسه أو وصفه2به رسوله صلى الله عليه وسلم3وذلك إذا
ثبت الحديث1ولم يبق شبهة في صحته.
فأما ما عدا ذلك من الروايات المعلولة والطرق الواهية، فلا يجوز أن يعتقد في ذات الله سبحانه ولا في صفاته ما يوجد فيها1باتفاق العلماء للأثر.2
ومخالفة الأشعري وأضرابه للعقليات، ومناقضتهم تكثر ولعل الله سبحانه يسهل لنا جمع ذلك في كتاب بمنه، وإنما أشرنا هاهنا إلى يسير منه وفيه مقنع إن شاء الله تعالى.
وأما تظاهرهم بخلاف ما يعتقدونه كفعل الزنادقة ففي إثبات أن الله سبحانه استوى على العرش، ومن عقدهم: أنّ الله سبحانه لا يجوز أن يوصف بأنه في سماء ولا في أرض، ولا على عرش ولا فوق.3
وقد ذكر ابن1الباقلاني: "أن الاستواء فعل له أحدثه في العرش"2 وهذا مخالف لقول علماء الأمة، وقد سئل مالك بن أنس رحمة الله عليه عن هذه المسألة فأجاب: "بأن الاستواء غير مجهول، والكيفية غير معقولة، الإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة"3.
قال الله سبحانه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ 1 وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ 2 وقال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ 3 وقال: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ 4 وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ﴾ الآية5والآية التي بعدها.6
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا – حتى ذكر سبع سماوات- وفوق ذلك بحر ما بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، وفوق ذلك ثمانية أوعال7كواهلهم تحت عرش الرحمن، وأقدامهم تحت الأرض السابعة السفلى، وفوق ذلك العرش، والله (سبحانه)
فوق ذلك".
(أخرجه) 1 أبو داود2في كتاب السنن عن أبي هريرة34
وجبير بن مطعم 1 2 وغيرهما3عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى والطرق مقبولة4
محفوظة وروي عن عبد الله بن مسعود12 وعبد الله بن عباس34 وعبد الله بن عمر56 وأنس بن
مالك12 وغيرهم3مثل ذلك موقوفاً.
هـ ونص أحمد بن حنبل4رحمة الله عليه على أن الله تعالى بذاته5فوق العرش، وعلمه بكل مكان.6
وروى ذلك هو وغيره عن عبد الله بن نافع7عن مالك بن
أنس رحمة الله عليه1وقد رواه غير وحد مع ابن نافع عن مالك بن أنس، وكذلك رواه الثقات عن سفيان بن سعيد الثوري23 وروي نحوه عن/ الأوزاعي45 وهؤلاء أئمة الآفاق.
واعتقاد أهل
الحق أنّ الله سبحانه فوق العرش بذاته 1 من غير
مماسة1وأن الكرامية 2 ومن تابعهم على قول المماسة ضلال 3.
وقد أقر الأشعري بحديث النزول45 ثم قال: [النزول فعل
له يحدثه في السماء] 1.
وقال بعض أصحابه: [المراد به نزول أمره] 2 ونزول الأمر عندهم لا يصح3وعند أهل الحق الذات بلا كيفية 4 5.
وزعم الأشعري: أن الله سبحانه غير ممازج للخلق وغير مباين لهم، والأمكنة غير خالية منه، وغير ممتلية به.1
وهذا كلام مسفت2لا معنى تحته، وتحقيقه النفي بعد الإثبات.
وبعض أصحابه وافق المعتزلة وسائر الجهمية في قولهم: إن الله بذاته في كل مكان3/ وذكر عن بشر المريسي4أنه قيل له: فهو في جوف حمارك فقال نعم.5
ومن قال هذا فهو كافر، والله سبحانه متعال عما قالوه. وعند أهل الحق أن الله سبحانه مباين لخلقه بذاته فوق العرش بلا كيفية بحيث لا مكان.1
وقد ثبت الحديث الذي في موطأ مالك2بن أنس رحمه الله وفي
غيره من كتب العلماء1: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال للجارية التي أراد عتقها من عليه عتق رقبة مؤمنة: " أين الله؟ قالت: في السماء، فقال: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة". وعند الأشعري أن من اعتقد أن الله بذاته في السماء فهو كافر.2
وإن زمانا يقبل فيه قول من يرد على الله سبحانه، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ويخالف العقل، ويعد مع ذلك إماماً، لزمان صغب3والله المستعان.
ولقد قال الأوس بن حارث بن ثعلبة4عند موته قصيدة يوصي
فيها إلى ابنه مالك1وذلك قبل الإسلام فيها: فإن تكن الأيام أبلين أعظمي وشيبن رأسي والمشيب مع العمر فإن لنا ربا عليٌ فوق عرشه عليماً بما نأتي من الخير والشر2وقال غيره قبل الإِسلام: وأن العرش فوق الماء طاف... وفوق العرش رب العالمينا 3
وقيل إن عبد الله بن رواحة1قاله في الإسلام، وهو صحابي.
ومثله في الشعر وكلام العرب قديماً كثير.
وليس2في3قولنا: إنّ الله سبحانه فوق العرش تحديد4وإنما التحديد يقع للمحدثات، فمن العرش إلى ما تحت الثرى محدود والله سبحانه5فوق ذلك بحيث لا مكان ولا حد، لاتفاقنا أن الله سبحانه6كان ولا مكان، ثم خلق المكان وهوكما كان قبل خلق المكان) 7.
وقد ذكر الله سبحانه في القرآن ما يشفي الغليل وهو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ 1 فخص العرش بالاستواء، وذكر ملكه لسائر الأشياء فعلم أنّ المراد به غير الاستيلاء.
وإنما يقول بالتحديد من يزعم أنه سبحانه بكل2مكان، وقد علم أنّ الأمكنة محدودة، فإذا3كان فيها بزعمهم كان محدوداً، وعندنا أنه
مباين للأمكنة، ومن حلها ومن فوق1كل محدث.
فلا تحديد2في قولنا3وهو ظاهر لا خفاء به4هـ.