أهل الأثرالأرشيف العلمي

تدور أبحاث هذا الكتاب حول مسألة من أهم المسائل في باب العقيدة، وهي مسألة كلام الله عز وجل.
تلك المسألة التي شدَّت إليها أنظار العالم الإسلامي ردحا من الزمن لكثرة ما دار حولها من الجدل والخلاف الذي وصل إلى حد استعمال القوة والسلطان فحصل بذلك من الفتنة والمحنة ما هو معلوم ومدون في مظانه.
واستكمالا للفائدة أحببت أن أقدم بين يدي الكتاب ودراسته، مدخلا أبين فيه الأمور الآتية: أولاً: عرضا تاريخيا لظهور الكلام في هذه المسألة.
ثانياً: افتراق الناس فيها وأهم وأشهر الأقوال التي انتهوا إليها.
ثالثاً: ذكر نماذج من المؤلفات التي ألفت فيها وعنيت ببيان منهج السلف.

المبحث الأوّل: عرض تاريخي لظهور الكلام في هذه المسألة: لم يؤثر عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم الكلام في هذه المسألة ولم تعرف في زمنهم، بل كان الناس يؤمنون بجميع ما جاء في كتاب الله عز وجل، بما في ذلك إخباره سبحانه عن نفسه بأنه ينادي ويتكلم ويبصر ويسمع إلى غير ذلك في دائرة قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ثم سار التابعون بعدهم على ذلك المنهج الراشد من الإيمان بكل ما جاء في كتاب الله عز وجل أوفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فمتى حدث القول في هذه المسألة؟ ومن أول من أحدث ذلك؟.
أول من أظهر القول بإنكار كلام الله: تشير المصادر التي بين أيدينا إلى أن: أول من عرف1عنه إظهار القول بإنكار تكلم الله عز وجل هو (الجعد بن درهم ت 124هـ) وذلك في أواخر أيام دولة بني أمية، إذ كان الجعد مؤدباً لمروان الجعدي أو مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية.
ولما أظهر مقالته طلبه بنو أمية فهرب إلى الكوفة ثم قتله بها خالد بن عبد الله القسري- عامل بني أمية فيها- في يوم عيد الأضحى حيث

خطب الناس وقال في خطبته: "أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه في أصل المنبر" 1.
لكن قبل أن يقتل هذا الضال كان قد أوحى ببدعته إلى (الجهم بن صفوان الترمذي ت 128 هـ) 2 حيث لقيه بالكوفة وأخذ عنه، ثم نُفِيَ إلى ترمذ وبقي إلى أن قتله بأصبهان وقيل بمرو سلم بن أحوز.
ثم تلقف هذه المقالة عن أتباع جهم، بشر المريسي (ت 218) 3 الذي كان عين الجهمية وعالمهم في عصره.4

ثم أخذ عن بشر أحمدُ بن أبي دؤاد1الرجل الذي أغرى المأمون العباسي بالمحنة وإجبار الناس على القول بخلق القرآن فافتتن خلق كثير وثبت إمام السنة – أحمد بن حنبل رحمه الله- على الحق وصبر على الضرب والأذى.
الجذور التاريخية لهذه المسألة: لقد عرفنا فيما سبق أن أول من تفوه بنفي كلام الله عز وجل- من أهل القبلة- هو الجعد بن درهم، كما عرفنا خلفاءه الذين ورثوا عنه هذا القول وأضلوا به خلقاً وأناسي كثيراً.
لكن هل بوسعنا أن نعرف من أين للجعد هذه المقالة الخبيثة؟.
بين أيدينا نص ذكره ابن عساكر وغيره مفاده: (أن الجعد بن درهم أخذ هذا القول عن بيان بن سمعان 2، وبيان أخذه عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم، وطالوت أخذه عن خاله لبيد- ذلك اليهودي الذي سحر رسول الله والذي كان يقول بخلق التوراة 3.

فاليهود إذاً وراء هذه الفتنة، وليس ذلك بغريب عليهم فما زالوا منذ أن بعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم يكيدون للإسلام ولرسول الإسلام ليلاً ونهاراً سرّاً وجهاراً، فسحروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسَمُّوه، وحاولوا قتله بإلقاء الحجارة عليه، وبعد وفاته حاولوا تفريق المسلمين وفتنتهم، كما فعل ابن سبأ الخبيث.
وذلك معروف مذكور في كتب التاريخ والعقائد.

المبحث الثاني: افتراق الناس في مسألة كلام الله عز وجل، وأهم الأقوال التي انتهوا إليها.
بعد أن بذر أولئك النفر الأخباث بذور الفتنة والخلاف في هذه المسألة.
اشتغل الناس بها اشتغالاً عظيماً، وكثر فيها الكلام والجدال؛ ولذا قيل في سبب تسمية علم الكلام: إنه سمي بعلم الكلام؛ لأن مسألة الكلام أشهر أجزائه 1، حيث كثر فيها التناحر ودار حولها من الجدل ما لم يدر حول مسألة غيرها.
فقد تنازع الناس في كلام الله عز وجل نزاعاً كثيراً، وتعددت أقوالهم في ذلك فبلغت تسعة أقوال كما ذكر ابن أبي العز 2، وقال ابن تيمية مرة ستة أقوال، ومرة قال سبعة أو تزيد3بينما عدها ابن القيم ثمانية أقوال 4.
ولن أطيل على القارئ الكريم بتعداد هذه الأقوال فهي مذكورة في مظانها التي أشرت إليها وإنما اكتفي هنا بذكر ثلاثة من أهمها وأشهرها والتي يمكن اعتبارها الأقوال الرئيسة في الباب لكثرة القائلين بكل منها.

القول الأوّل: قول السلف من أهل الحديث والسنة.
وهو أنَّ كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود وأنه سبحانه يتكلم إذا شاء بما شاء، وأن كلامه يسمع ويتلى وأنه بحرف وصوت.
القول الثاني: قول الجهمية والمعتزلة وهو: أن كلام الله مخلوق خلقه في غيره، وليس هو بمتكلم عند الجهمية، بينما يطلق المعتزلة أنه متكلم1تقية- لئلا يشنع عليهم.
إذ معنى أنه متكلم عندهم: أنه فعل الكلام وخلقه في غيره وهذا بعينه قول الجهمية 2.
وهؤلاء يقولون: إن كلامه حرف وصوت، سور وآيات له أجزاء وأبعاض.
القول الثالث: قول الكلابية والأشاعرة: وهو: أن كلام الله تعالى معنى قائم بالنفس لازم لذاته تعالى لزوم الحياة والعلم، وأن الله لا يتكلم بمشيئته وإرادته، ولا يتكلم بحرف وصوت.
وأن الحروف والأصوات حكاية عن كلامه عند (الكلابية)، وعبارة عنه (عند الأشاعرة) وأن كلامه معنى واحد لا يتجزأ ولا يتبعض هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عبر عنه بالعبرانية، كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً.

وأول من عرف عنه هذا القول (عبد الله بن سعيد بن كلاب ثم وافقه عليه الأشعري والقلانسي وغيرهما) 1.
والرد على هذا القول هو موضوع كتاب (الرد على من أنكر الحرف والصوت) الذي أقدم هذه الدراسة بين يديه.
هذه أهم الأقوال التي قيلت في الموضوع لخصتها للقارئ بإيجاز والقصد إعطاؤه فكرة موجزة وإلمامة مقتضبة عما قيل في هذه المسألة، إذ ليس المراد إحاطته علما بدقائق ما قيل وتفاصيل ما أوجزت، فإن ذلك مما يضيق عنه هذا المبحث وهو مدون في مظانه ومصادره التي أشرت إلى طائفة منها.
ثم بعد ذلك نشأ الخلاف في عدة مسائل، كمسائل اللفظ والملفوظ والتلاوة والمتلو، وهل يقال لفظي بالقرآن مخلوق 2، أو غير مخلوق فمنع التلفظ بالعبارتين إمام أهل السنة رحمه الله- أحمد بن حنبل- وجهّم من قال: لفظي بالقران مخلوق، فقال: ((من زعم أن ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي)) 3.

المبحث الثالث: في ذكر نماذج من المؤلفات التي عنيت ببيان مذهب السلف في المسألة.
لما اشتد افتتان الناس بهذه المسألة، وعمت البلوى بها وعميت الحقيقة على عامة الأمة بادر علماء السلف لإيضاح الحقيقة ورد الحكم في هذه المسألة وغيرها إلى كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فألفوا في ذلك المؤلفات التي تبين منهج الكتاب والسنة وسلف الأمة الصالح في هذا الباب، وردوا على أهل الباطل باطلهم، وبينوا للناس ضلالهم وكشفوا عوارهم وبينوا أنهم دعاة فتنة وإلحاد في أسماء الله وصفاته.
فمن تلك المؤلفات ما هو عام في بيان السنة في كثير من مسائل العقيدة، ومنها ما هو خاص بمسألة القرآن.
فمن النوع الأوّل: 1- كتاب الرد على الجهمية والزنادقة للإِمام أحمد بن حنبل (ت241 هـ). 2- كتاب السنة للإِمام أحمد أيضاً.
3- كتاب السنة لعبد الله بن الإِمام أحمد (ت 290 هـ). 4- كتاب الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي (ت280هـ). 5- كتاب الرد على بشر المريسي للدارمي أيضاً.
6- كتاب الرد على الجهمية لابن منده (ت 395 هـ).

7- شرح أصول اعتقاد أهل السنة للإِمام اللالكائي (ت418هـ). 8- الإبانة لأبي الحسن الأشعري (ت 324 هـ). 9- الإِبانة لابن بطه (ت 387 هـ). ومن النوع الثاني: 1- كتاب الحيدة في الرد على المريسي للمكي عبد العزيز بن يحيى الكناني (ت 240 هـ). 2- كتاب خلق أفعال العباد للإِمام البخاري (ت 256 هـ). 3- كتاب الاختلاف في اللفظ للإِمام عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت 276 هـ). 4- الإِبانة في مسألة القرآن لأبي نصر السجزي (المؤلف) (ت 444هـ). فهذه نماذج من الكتب المؤلفة في الباب وهناك الكثير غيرها.

فصول الكتاب · 22 فصل · 390 صفحة
فصول رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت · 390 صفحة
مقدمة الكتابمقدمةتمهيدالفصل الأول: عصر المؤلف...الفصل الثاني: ترجمة المؤلف.الفصل الثالث: حياته العلمية وثقافته.الفصل الأول: التعريف بالكتاب...الفصل الثاني: التعريف بالمخطوطةالفصل الثالث: منهج التحقيق والصعوبات التي واجهتها والرموز والمصطلحات التي استعملتها فيه.مقدمة المؤلف...الفصل الأول: في إقامة البرهان على أن الحجة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير وأن العقل آلة للتمييز فحسبالفصل الثاني: في (بيان السنة ما هي؟ وبم يصير المرء من أهلها؟)الفصل الثالث: في التدليل على أنّ مقالة الكلابية وأضرابهم مؤدية إلى نفي القرآن أصلاً، وإلى التكذيب بالنصوص الواردة فيه والردّ لصحيح الأخبار ورفع أحكام الشريعةالفصل الرابع: في (إقامة البرهان على أنهم مخالفون لمقتضى العقل بأقاويل متناقضة مظهرون لخلاف ما يعتقدونه)
الفصل الخامس: في بيان أن فرق اللفظية والأشعرية موافقون للمعتزلة في كثير من مسائل الأصول وزائدون عليهم في القبح وفساد القول في بعضها
الفصل السادس: في إيراد الحجة على أن الكلام لن يُعرَّى عن حرف وصوت البتة، وأن ما عُرّى عنهما لم يكن كلاماً في الحقيقة وإنما سمي في وقت بذلك تجوزاً واتساعاً وتحقيق جواز وجود الحرف والصوت من غير آلة وأداة وهواء منخرق وبيان قول السلف وإفصاحهم بذكر الحرف والصوت أو ما دل عليهما...الفصل السابع: في بيان فعلهم في إثبات الصفات في الظاهر وعدولهم إلى التأويل في الباطنالفصل الثامن: في بيان أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في الصفات ليس على ما زعموه، ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفاتالفصل التاسع: في ذكر شيء من أقوالهم ليقف العامة عليها فينفروا عنهم ولا يقعوا في شباكهم.الفصل العاشر: في بيان أن شيوخهم أئمة ضلال ودعاة إلى الباطل وأنهم مرتبكون إلى ما قد نهوا عنهالفصل الحادي عشر: في الحذر من الركون إلى كل أحد، والأخذ من كل كتاب لأن التلبيس قد كثر والكذب على المذاهب قد انتشرمصادر ومراجع...
رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت
تأليف عبيد الله السجزي
الثانية، 1423هـ/2002م
تقدّمك في الكتاب: تمهيد — 3 من 23
جارٍ التحميل