أهل الأثرالأرشيف العلمي

الفصل الأول: التعريف بالكتاب اسمه: الاسم المثبت على غلاف الكتاب في الورقتين الأولى والثانية هو: (الرد على من أنكر الحرف والصوت). ولكن الكتب التي ذكرته واقتبست منه لم تذكره بهذا الاسم المدوّن على الغلاف. فهذا شيخ الإِسلام ابن تيمية يذكره في عدة مواطن من كتبه، مقتبساً منه بعض النصوص فيقول تارة: قال الحافظ أبو نصر السجزي في: رسالته المعروفة إلى أهل زبيد في الواجب من القول في القرآن.1
وتارة يقول: قال في رسالته المشهورة إلى أهل زبيد.2
ويقول تارة أخرى: (رسالته المعروفة في السنة) 3.
أما المؤلف فلم يصرح باسم الكتاب، لكنه قال في المقدمة: (ذكر لي عنكم وقوفكم على كتاب الإِبانة الذي ألفته في الرد على الزائغين في مسألة القرآن، وأنكم وجدتم المخالفين ببلدكم يشغبون عند ذكر الحرف والصوت.4

ثم قال في آخر المقدمة بعد تعداده لفصول الكتاب (فجميع ما ذكرت أن بكم إليه حاجة عند الرد عليهم أحد عشر فصلاً، من أحكمها تمكن من الرد عليهم.1
فمن هنا نشأت تسمية الكتاب باسم (الرد على من أنكر الحرف والصوت) وإن لم يصرح المؤلِّف بإطلاق ذلك اسماً لمؤلَّفه.
وهو إلى ذلك عبارة عن رسالة إلى أهل بلد- وهو زبيد- يشرح لهم هذه المسألة وغيرها من مسائل السنة، فجاز لابن تيمية أن يسميها رسالة، وهو لم يأت بذلك من عند نفسه لأنا نرى المؤلف نفسه يصرح بأن الكتاب عبارة عن رسالة.
فيقول في آخر الفصل الخامس: "ولعل غير هذه الرسالة يأتي على شرح موافقته لهم"2.
ويقول في آخر الفصل التاسع: "لأن هذه الرسالة إنما اشتملت على نكت وإشارات) 3.
ويقول في آخر الفصل الحادي عشر: "وأنا أرجو أن من تأمل هذه الرسالة حق التأمل وجد فيها بتوفيق الله سبحانه شفاء غليله"4.
ويوجد في النهاية العبارة التالية: (تمت الرسالة والحمد لله وحده..)

لكن لم أستطع الجزم هنا فيما إذا كانت عبارة المصنف أم هي من كلام الناسخ. فبان بذلك أن الكتاب عبارة عن رسالة إلى أهل بلد معين في الرد على من أنكر الحرف والصوت. ولا أرى ما يمنع من أن نطلق عليه: "رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت" لا سيما وأن المؤلف لم يطلق اسماً معيناً لكتابه وإنما أشار إلى أنه رسالة وأنه في الرد على من أنكر الحرف والصوت. توثيق نسبة الكتاب للمؤلف: يدل على صحة نسبة الكتاب للمؤلف عدة أمور: الأمر الأوّل: أنه دون على الورقة الأولى والثانية اسم الكتاب كما أشرنا مقرونا باسم المؤلف. الأمر الثاني: سند النسخة الذي ورد في أول الورقة الثالثة، من المخطوطة.1
الأمر الثالث: أن شيخ الإسلام ابن تيممية رحمه الله نقل عن الكتاب في عدد من مؤلفاته، وصرح بنسبته للمؤلف وقد قابلت النصوص المقتبسة عنده بمواطنها في هذا الكتاب، وأثبت بعض الاختلافات.

وإليك طرفا من هذه النصوص: 1- قال في كتابه درء تعارض العقل والنقل: "وقال الحافظ أبو نصر السجزي في رسالته المعروفة إلى أهل زبيد في الواجب من القول في القرآن اعلموا - أرشدنا الله وإياكم - أنه لم يكن خلاف بين الخلق، على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي، والأشعري، وأقرأنهم الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة، وهم معهم بل أخس حالاً منهم في الباطن، من أن الكلام لا يكون إلاّ حرفاً وصوتاً، ذا تأليف واتساق وإن اختلفت به اللغات، وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات وقالوا: الكلام حروف متسقة وأصوات مقطعة... إلى قوله - وهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه ومن علم منه خرق إجماع الكافة ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله لم يناظر بل يجانب ويقمع"1.
وهذا الكلام بنصه مع بعض الاختلافات اليسيرة، يطابق ما ورد في الكتاب من الورقة (3- ب إلى 5- آ) ص. 2- وقال في " بيان تلبيس الجهمية ": "وممن نفى لفظ " الحدّ " أيضاً من أكابر أهل الإِثبات أبو نصر السجزي، قال في رسالته المشهورة إلى أهل زبيد: "وعند أهل الحق أن الله سبحانه مباين لخلقه بذاته، وأن الأمكنة غير خالية من علمه، وهو بذاته تعالى

فوق العرش بلا كيف، بحيث لا مكان.
وقال أيضاً- أي: السجزي- فاعتقاد أهل الحق أن الله سبحانه وتعالى فوق العرش بذاته من غير مماسة، وأن الكرامية، ومن تابعهم على القول بالمماسة ضلال.
وقال: وليس من1قولنا أن الله فوق العرش تحديد له، وإنما التحديد يقع للمحدثات، فمن العرش إلى ما تحت الثرى محدود والله سبحانه وتعالى فوق ذلك بحيث لا مكان ولا حد لاتفاقنا أن الله تعالى كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان، قال: وإنما يقول بالتحديد من يزعم أنه سبحانه وتعالى على مكان، وقد علم أن الأمكنة محدودة فإن كان فيها بزعمهم كان محدوداً، وعندنا أنه مباين للأمكنة ومن حلها وفوق كل محدث فلا تحديد لذاته في قولنا.
هذا لفظه "2. وهذه النصوص اقتبسها ابن تيمية من مواطن متفرقة من الفصل الرابع من كتابنا هذا حسب حاجته ولم يراع ترتيب المؤلف وسأشير في الحاشية إلى مواطن هذه الاقتباسات من المخطوط.3

3- وقال: في (منهاج السنة) في ذكر مقالة أهل السنة في الحسن والقبح العقليين بعد أن ذكر القول الثاني وهو أن العقل قد يعلم به حسن كثير من الأفعال وقبحها في حق الله تعالى وحق عباده، ثم ذكر طوائف القائلين بهذا القول إلى أن قال: وهو قول طوائف من أئمة أهل الحديث، وعدوا القول الأول - وهو القول بأن العقل لا يعلم به حسن فعل ولا قبحه - من أقوال أهل البدع كما ذكر ذلك أبو نصر السجزي في رسالته المعروفة في السنة) 1. وقد وجدته كما ذكر شيخ الإِسلام رحمه الله فقد ذكر المؤلف: أن الأشعري يقول: إن العقل لا يقتضي حسناً ولا قبيحاً ثم أعقبه بقوله: وهذا لعمري مخالفة العقل عياناً يقصد جمع الأشعري بين إنكاره تحسين العقل وتقبيحه وبين القول: بوجوب معرفة الله بالعقل قبل ورود الشرع.2
ومما يدل على صحة نسبة الكتاب للسجزي ما نقله ابن قدامة في كتابه: " الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم " ص 48 بعد أن أورد حديث ابن مسعود " إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء... " قال: "قال السجزي: وما في رواة هذا الخبر إلا إمام مقبول " وهذا النقل موجود في كتاب الحرف والصوت ص.

والأمر الرابع: من الأمور الدالة على صحة نسبة الكتاب للمؤلف: ورود ذكر كتاب (الإبانة) للمؤلف في عدة مواطن من الكتاب وأنّ هذا الكتاب عبارة عن تجريد القول في مسألة الحرف والصوت الواردة في كتاب الإِبانة، لصعوبة استخلاص هذه المسألة منه لكثرة الأسانيد كما أشار المؤلف لذلك في المقدمة.
وهذا يعني أن نصوصاً وعبارات كثيرة سترد في هذا الكتاب هي بعينها واردة في كتاب الإبانة، ولئن كان كتاب الإبانة في حكم المفقود، إلاّ أن المصادر التي جاءت بعده اقتبست عنه الكثير من النصوص، بعضها مطابق لما ورد في كتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت، فمثلا: نجد اقتباسات كثيرة عند ابن تيمية مقتبسة من كتاب الإبانة للمؤلف، وهي بنصها موجودة في كتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت.
من ذلك: ما نقله في كتاب: (درء تعارض العقل والنقل) قال: "حكى محمّد بن عبد الله المغربي المالكي، وكان فقيهاً صالحاً، عن الشيخ أبي سعيد البرقي، وهو من شيوخ فقهاء المالكيين ببرقة، عن أستاذه خلف المعلم، وكان من فقهاء المالكيين، قال أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التوبة فرجع عن الفروع، وثبت على الأصول".
وهذا كلام خبير بمذهب الأشعري وغوره1وقال: ذكره السجزي في الإِبانة.

وهذا الكلام بنصه هو ما جاء في كتاب (الرد على من أنكر الحرف والصوت) ففي ذلك دلالة على التوافق بين الكتابين في أصول المادة العلمية، وبالتالي نستخلص منه دليلاً على صحة إثبات كتاب (الرد على من أنكر الحرف والصوت) للمؤلف.
الأمر الخامس: ما ذكره تقي الدين السبكي في كتابه: " السيف الصقيل" ص 19 من أن إمام الحرمين الجويني له كتاب باسم نقض كتاب السجزي، قال والسجزي هذا له كتاب مترجم بـ " مختصر البيان " وجده إمام الحرمين حين جاور بمكة شرفها الله.
قال- اشتمل كتاب السجزي هذا على أمور منها: أن القرآن حروف وأصوات ". وهذا هو موضوع كتابنا هذا " الرد على من أنكر الحرف والصوت" الذي هو مختصر لكتاب " الإبانة " كما أشار إلى ذلك المؤلف رحمة الله عليه وهو الذي عبر عنه السبكي بـ" مختصر البيان" والله أعلم.
موضوع الكتاب: الموضوع الرئيس للكتاب هو كما يفهم من اسمه، ومن مقدمة المؤلف، إثبات أن كلام الله عز وجل بحرف وصوت والرد على من أنكر ذلك والاستدلال عليه بنصوص الكتاب والسنة واللغة.
وبيان أن الكلام لا يمكن أن يعرى عن الحرف والصوت البتة.

هذا هو الموضوع الذي ألف من أجله الكتاب، لكن المؤلف لم يقتصر على ذلك وإنما تعرض لمسائل أخرى هامة، من مسائل العقيدة كالاستواء والنزول وإثبات اليدين وغير ذلك من صفات الباري جل وعلا.
ونستطيع أن نلم بموضوع الكتاب بشكل أوفى إن نحن استعرضنا فصوله الأحد عشر، التي ذكرها المصنف في مقدمته فقال: فالذي تحتاجون إليه حفظكم الله معهم في إزالة تمويههم: 1- أن تقيموا البرهان على أن الحجة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير وأن العقل آلة للتمييز فحسب.
2- ثم تبينوا ما السنة؟ وبماذا يصير المرء من أهلها، فإن كلا يدعيها.
وإذا علمت وعرف أهلها بان أن مخالفها زائغ لا ينبغي أن يلتفت إلى شبهه.
3- إقامة الدليل على أن مقالة المخالفين-وهم الكلابية والأشاعرة- مؤدية إلى نفي القرآن أصلاً، وإلى التكذيب بالنصوص الواردة فيه، والرد لصحيح الأخبار ورفع أحكام الشريعة.
4- إقامة البرهان على أنهم مخالفون لمقتضى العقل بأقاويل متناقضة، مظهرون لخلاف ما يعتقدونه وذاك شبيه بالزندقة.
5- تعريف العوام أن فرق اللفظية والأشعرية موافقون للمعتزلة في كثير من مسائل الأصول وزائدون عليهم في القبح وفساد القول في بعضها.
6- وأن توردوا الحجة على أن الكلام لن يعرى عن حرف وصوت البتة، وأن ما عري عنهما لم يكن كلاماً في الحقيقة، وإن سمي في وقت

بذلك تجوزاً واتساعاً، وتحققوا جواز وجود الحرف، والصوت من غير آلة، وأداة وهواء منخرق، وتسوقوا أقوال السلف وإفصاحهم بذكر الحرف والصوت أو ما دلَّ عليهما، وتجمعوا بين العلم والكلام في إثبات الحدود بهما.
7- ثم تذكروا فعلهم في إثبات الصفات في الظاهر وعدولهم إلى التأويل في الباطن وادعاءهم أن إثباتها على ظاهرها تشبيه.
8- ثم تشرحوا أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في الصفات ليس على ما زعموا ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفات.
9- وأن تذكروا شيئاً من قولهم ليقف العامّة على ما يقولونه فينفروا عنهم ولا يقعوا في شباكهم.
ثم تنظروا كون شيوخهم أئمة ضلال، ودعاة إلى الباطل، وأنهم مرتكبون لما نهوا عنه.
10- ثم تحذروا الركون إلى كل أحد والأخذ من كل كتاب، فإن التلبيس قد كثر والكذب على المذاهب قد انتشر.
فجميع ما ذكرت أن بكم إليه حاجة عند الرد عليهم أحد عشر فصلاً من أحكمها تمكن من الرد عليهم إذا سبق له العلم بمذهبه ومذهبهم.
فتبين مما تقدم أن موضوع الكتاب ليس قاصراً على مسألة الحرف والصوت فحسب وإنما شمل مسائل وجوانب أخرى، فهو يكاد أن يكون رداً شاملاً على الكلابية، ولأشاعرة في كثير من المسائل التي خالفوا فيها

السلف، وهو يتضمن مناقشة جادة لهم، وبياناً لتنكبهم سبيل السلف في كثير من أبواب ومسائل الاعتقاد.
وأترك للقاريء الكريم تفاصيل ذلك، ليقيني أن قراءته للكتاب، خير مترجم له عن موضوعاته.
سبب تأليفه: ذكر المؤلف سبب تأليفه هذا الكتاب وهو أنه سئل: إفراد القول في مسألة الحرف والصوت التي هي إحدى مسائل كتابه الكبير (الإِبانة) وأنه أجاب إلى ذلك.
فقال في المقدمة: (ذكر لي عنكم ـ وفقنا الله وإياكم لمرضاته، ـ وقوفكم على كتاب الإِبانة الذي ألفته في الرد على الزائغين في مسألة القرآن، وأنكم وجدتم المخالفين ببلدكم يشغبون عند ذكر الحرف والصوت، وأنه قد صعب عليكم تجريد القول فيهما واستخراج ذلك من الكتاب، لكثرة الأسانيد المتخللة للنكت التي تحتاجون إليها، وسألتم إفراد القول في هذا الفصل بترك الأسانيد ليسهل عليكم الأخذ بكظم المخالف... وسامحت نفسي بذلك رجاء وصولكم إلى طلبتكم وحصول العلم لكم بفساد مذهب الخصم والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل).
فبين رحمه الله السبب الذي دعاه إلى التأليف في هذه المسألة وتجريد القول فيها.
وأنه الطلب الذي تقدم به إليه أهل (زبيد) التي عبر عنها بقوله

(ببلدكم) كما ذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية في بعض كتبه1أن الكتاب عبارة عن رسالة من المؤلف إلى أهل زبيد. وزبيد: بفتح أوّله وكسر ثانيه ثم ياء مثناة من تحت، اسم واد به مدينة يقال لها الحصيب، ثم غلب عليها اسم الوادي فلا تعرف إلا به، وهي مدينة مشهورة باليمن، أحدثت في أيام المأمون.2
تاريخ تأليفه: لم يفصح المؤلف عن التاريخ الذي ألف فيه هذا الكتاب، لكنا نستطيع أن نقطع في ذلك بأمرين: الأوّل: أن تأليف هذا الكتاب متأخر عن كتاب الإِبانة، لأنه عبارة عن إفراد القول في مسألة من أهم مسائله، كما أشار المؤلف إلى ذلك في المقدمة.
الثاني: أن تأليفه كان بعد سنة 427هـ. وذلك لأن المؤلف قال في الفصل الحادي عشر: " فلقد وقفت على رسالة عملها رجل من أهل أصبهان يعرف بابن اللبان وهو حي بعد فيما بلغني… - ثم قال- وأخرج هذا الرجل من بغداد بهذا السبب "3. وقد وجدت في ترجمة ابن اللبان لدى ابن عساكر: أنه كان في بغداد

في شهر رمضان سنة 427هـ ثم ذكر وفاته بأصبهان سنة 446هـ.1 فلو كان تأليف الكتاب قبل هذا التاريخ، لما ذكر المصنف إخراج ابن اللبان من بغداد حيث كان موجوداً بها في سنة 427هـ. مكان تأليفه: واضح أن المصنف ألف هذا الكتاب بمكة حرسها الله، حيث نراه يقول في الفصل الحادي عشر: (وها هنا بمكة معنا من شغله برواية الحديث أكثر وقته) 2.
ثم إننا إذا قلنا إن تاريخ تأليف الكتاب هو بعد سنة 427هـ كما تقدم، جزمنا بأن مكان التأليف هو مكة حيث أقام بها المؤلف من سنة 404هـ إلى حين وفاته بها إذ لم تذكر المراجع أنه خرج منها بعد انتقاله إليها.
منهج المؤلف وأسلوبه في الكتاب: سلك المؤلف في كتابه هذا منهجاً علمياً يعتمد على ذكر شبه الخصم وحججه ومن ثم بيان بطلانها ودحضها والرد عليها وبيان مخالفة خصومه للعقل الذي يقدمونه والشرع واللغة والعرف جميعاً وموافقتهم للمعتزلة في كثير مما يقولون.

وقبل ذلك بدأ بتحديد الحجة التي ينبغي أن يعتمد عليها في الاحتجاج والاستدلال، وبين أنّ الحجة القاطعة التي لا تتطرق إليها شبهة ولا يغتالها شك هي ما جاء به السمع من الكتاب العزيز والسنة المطهرة وأن العقل ليس بحجة في ذاته وإنما هو آلة للتمييز والفهم، ولا ينبغي أن نعدو به قدره هذا إلى تقديمه على السمع واعتباره هو الحجة دونه.
ثم بين المفهوم الصحيح للسنة ما هي، ومن هم أهل السنة، فبين أنهم هم الثابتون على اعتقاد ما نقله السلف الصالح إليهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه رضي الله عنهم فيما لم يثبت فيه نص من الكتاب ولا عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبيّن أن من قال في نفسه قولاً وزعم أنه مقتضى عقله، وأن الحديث المخالف له لا ينبغي أن يلتفت إليه لكونه من أخبار الآحاد وهي لا توجب علماً وعقله موجب للعلم؛ يستحق أن يسمى محدثاً مبتدعاً مخالفاً.
ثم بيّن في سائر فصول الرسالة مدى مناقضة خصومه لهذين الأصلين معتمداً فيما يورده من أقوالهم وشبههم على كتبهم ـ وإن كان لم يفصح بأسماء هذه الكتب لكن بمراجعتي لكثير مما وجدت من كتبهم تبيّن لي صحة كثير مما نقله عنهم، وإن لم يتبيّن لي بعض ذلك لعدم وجود الكتب التي نقل عنها.
وهو لا يعتمد في ذكر آراء القوم ومثالبهم على ما يذكره خصومهم، ومناوؤوهم من الفرق الأخرى وإنما يدينهم من كتبهم وأقوالهم.
فيقول في بيان منهجه في ذلك:

" ونحن لا نذكر من فضائح الأشعري ومن وافقه ما ذكره من لا يرضى مذهبه من معتزلي وكرامي، بل ما لا يمكنهم إنكاره وتنطق به كتبهم"1.
موارد المؤلِّف ومصادره في هذا الكتاب: يمكن أن نحدد موارد الإمام السجزي في كتابه هذا على النحو التالي: أوّلاً: القرآن الكريم.
ثانياً: السنة المطهرة، وآثار السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وذلك فيما استشهد به من الأحاديث النبويّة الشريفة، والآثار المروية عن سلف هذه الأمة.
ثالثاً: ومن أهم الموارد التي استقى منها المؤلِّف مادة كتابه هذا، كتابه الكبير "الإبانة في مسألة القرآن" باعتبار أن كتابه هذا مستخلص منه، ومأخوذ عنه، كما أشير في المقدمة إلى ذلك.
رابعاً: كتب الأشعري والباقلاني وغيرهما من أئمة الأشاعرة، وذلك فيما نقله عنهم من أقوال وآراء، وإن كان لم يفصح بذكر اسم واحد من هذه الكتب، وإنما كان يقول قال الأشعري، أو ابن الباقلاني في بعض كتبه، وذلك مما يؤخذ عليه.

قيمته العلمية: يقدم لنا الكتاب دراسة علمية جيدة حول مسألة من أهم المسائل التي دار حولها جدل كبير بدءاً من أوائل المائة الثالثة من الهجرة.
وهي: هل كلام الله عز وجل بحرف وصوت كما يقول السلف وكما دلت عليه الآثار، أم إن كلامه سبحانه ليس بحرف ولا صوت وإنما هو كلام نفسي قائم بذات الله كما يقول ابن كلاب ومن وافقه.
وهذا الكتاب من كتب أئمة الحديث النادرة التي وصلت إلينا في هذا الباب، فمؤلفه علم من أعلام السنة، وإمام من أئمة علماء الحديث والأثر، ولقد أجاد إذ أفرد القول في هذه المسألة وأورد من الآيات والأحاديث والآثار من أقوال السلف ما يكفي ويشفي طالب الحق.
وفند أقوال المخالفين ودلل على فسادها ومناقضتها للعقل والسمع جميعاً وبين أنها مؤدية إلى القول بخلق القرآن وموافقة المعتزلة في ذلك.
ولقد أدرك شيخ الإسلام ابن تيمية أهمية هذا الكتاب في بابه فأفاد منه واعتمد عليه واقتبس منه نصوصاً كثيرة في عدد من مؤلفاته وفتاواه وقد سبقت الإشارة إلى هذه الكتب وإلى النصوص المقتبسة فيها عن كتاب الرد هذا.
فقد أصبح إذاً، هذا الكتاب مصدراً ومرجعاً في بابه أفاد منه من جاء بعده وفى ذلك دلالة على مكانته وقيمته العلمية.

نقد الكتاب والمآخذ على المؤلف فيه: من أهم المآخذ التي تؤخذ على المؤلف في هذا الكتاب: الأمور التالية: أولاً: عدم ذكره لأسماء كتب المخالفين التي ينقل عنها حيث كان يكتفي بقوله: وقال الأشعري في بعض كتبه، أو قال الأشعري، أو قال الباقلاني ولو ذكر أسماء هذه الكتب التي نقل عنها، لأعطى كتابه هذا قيمة علمية أكبر، ولوفر عليَّ الكثير من الجهد الذي بذلته في تلمس مصادر النقول التي أوردها عن الأشعري أو الباقلاني أو غيرهما.
ثانياً: حدّته في الكلام على خصومه ومخالفيه، يتجلى ذلك في وصفه إياهم بأوصاف قاسية ترك مثلها أولى.
لكن إذا عرف أن دافعه إلى ذلك غيرته على عقيدته وحماسه في الدفاع عن الأثر وأهله ربما عذر أو التمس له العذر.
من تلك الأوصاف قوله عن ابن كلاب والقلانسي والصالحي والأشعري وأقرانهم: بأنهم (أخس حالا من المعتزلة) 1.
ومن ذلك رميه خصومه بالجنون في قوله (ولكن لما عدم من ينظر في أمر المسلمين محنا بالكلام مع من ينبغي أن يلحق بالمجانين) 2.
ومن ذلك وصمه الأشعري بأنه قليل الحياء حيث قال: " وإنما حمله

  • أي الأشعري - على ذلك التحير مع قلة الحياء"1.
    ونحو ذلك من العبارات والألفاظ، التي كان تركها وتجنبها أولى، ونحن مأمورون بالمجادلة بالتي هي أحسن فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فإنه أدعى لتفهم الخصم وجهة نظر خصمه وأحرى بتقبله الحق وانقياده له.2
فصول الكتاب · 22 فصل · 390 صفحة
الانتقال إلى صفحة
رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت
تأليف عبيد الله السجزي
الثانية، 1423هـ/2002م
تقدّمك في الكتاب: الفصل الأول: التعريف بالكتاب... — 7 من 23
فصول رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت · 390 صفحة
مقدمة الكتابمقدمةتمهيدالفصل الأول: عصر المؤلف...الفصل الثاني: ترجمة المؤلف.الفصل الثالث: حياته العلمية وثقافته.الفصل الأول: التعريف بالكتاب...الفصل الثاني: التعريف بالمخطوطةالفصل الثالث: منهج التحقيق والصعوبات التي واجهتها والرموز والمصطلحات التي استعملتها فيه.مقدمة المؤلف...الفصل الأول: في إقامة البرهان على أن الحجة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير وأن العقل آلة للتمييز فحسبالفصل الثاني: في (بيان السنة ما هي؟ وبم يصير المرء من أهلها؟)الفصل الثالث: في التدليل على أنّ مقالة الكلابية وأضرابهم مؤدية إلى نفي القرآن أصلاً، وإلى التكذيب بالنصوص الواردة فيه والردّ لصحيح الأخبار ورفع أحكام الشريعةالفصل الرابع: في (إقامة البرهان على أنهم مخالفون لمقتضى العقل بأقاويل متناقضة مظهرون لخلاف ما يعتقدونه)
الفصل الخامس: في بيان أن فرق اللفظية والأشعرية موافقون للمعتزلة في كثير من مسائل الأصول وزائدون عليهم في القبح وفساد القول في بعضها
الفصل السادس: في إيراد الحجة على أن الكلام لن يُعرَّى عن حرف وصوت البتة، وأن ما عُرّى عنهما لم يكن كلاماً في الحقيقة وإنما سمي في وقت بذلك تجوزاً واتساعاً وتحقيق جواز وجود الحرف والصوت من غير آلة وأداة وهواء منخرق وبيان قول السلف وإفصاحهم بذكر الحرف والصوت أو ما دل عليهما...الفصل السابع: في بيان فعلهم في إثبات الصفات في الظاهر وعدولهم إلى التأويل في الباطنالفصل الثامن: في بيان أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في الصفات ليس على ما زعموه، ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفاتالفصل التاسع: في ذكر شيء من أقوالهم ليقف العامة عليها فينفروا عنهم ولا يقعوا في شباكهم.الفصل العاشر: في بيان أن شيوخهم أئمة ضلال ودعاة إلى الباطل وأنهم مرتبكون إلى ما قد نهوا عنهالفصل الحادي عشر: في الحذر من الركون إلى كل أحد، والأخذ من كل كتاب لأن التلبيس قد كثر والكذب على المذاهب قد انتشرمصادر ومراجع...
جارٍ التحميل