الفصل العاشر: في بيان أن شيوخهم أئمة ضلال ودعاة إلى الباطل وأنهم مرتبكون إلى ما قد نهوا عنه
لما1زعم عوام مخالفينا: أنهم موافقون للأئمة، متبعون لهم، احتجنا أن نشير2إلى أمر الأئمة، وإلى معنى الإمامة في العلم، ليعلم مَن3المستحق منهم للاتباع، ومَن الواجب هجرانه.
اعلموا أرشدنا الله وإياكم أن الإمامة هي التقدم4في معنى بالناس إلى معرفته حاجه أو قضى/ (46/ب) عليهم (خوض) 5 فيه وارتكابه وإن كان بهم عنه غنى.6
فأئمة قد أثنى الله عليهم خيراً قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً7يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا
لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ 1.
وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ 2.
وأئمة قد أثنى3الله سبحانه عليهم شرا فقال: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ إلى آخر الآية.4
وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ 5.
فلما علم أن الأئمة على ضربين: أئمة حق ممدوحون، وأئمة ضلال (مذمومون) 1.
احتجنا إلى أن نبين أحوال الضربين ليتبع المحق ويهجر المبطل.
فأئمة الحق: هم المتبعون لكتاب ربهم سبحانه، المقتفون سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، المتمسكون بآثار سلفهم الذين أُمروا بالاقتداء بهم.
وعلومهم التي صاروا بمعرفتها وجمعها والتقدم فيها أئمة/ (47/أ) لغيرهم: القرآن ومعرفة (قراءآته) 2 وناسخة ومنسوخة، وأحكامه، وفيمن نزل، والعلم بمحكمه ومتشابهه، والأخذ بالآيات المحكمات منه، والإيمان بالمتشابه.
ثم الحديث، وتبيين صحيحه من سقيمه، وناسخه من منسوخه، ومتواتره من آحاده، ومشهوره من غريبه، وما تلقته الأمة منه بالقبول، وما تركوا العمل به، وما يجب اعتقاد ما فيه، ومعرفة علله وأحوال رواته.
ثم الفقه: الذي مدار الشريعة على ضبطه، وهو مستنبط من الكتاب والحديث، وطلبه فرض، وأحكام أصوله التي شرحها متقدموا الفقهاء3، دون ما أحدثه المتكلمون منها ومزجوه ببدعهم، ورضي به بعض المتأخرين.
وما يستقيم لكم تحصيل1هذه العلوم إلا بأن يشرع في أخذ لغة العرب قبل ذلك، ليعلم معنى ما يرد عليه في القرآن، والحديث، والفقه.
ولا بد له من تعلم شيء من/ (47/ب) النحو الذي به يوزن كلام العرب ويعرف صحيحه من فاسده.
فإذا تقدم واحد في هذه العلوم، وكان أخذه إياها ممن علم تقدمه فيها، وكونه متبعا (للسلف) 2 مجانبا للبدع حكم بإمامته3، واستحق أن
يؤخذ عنه ويرجع إليه ويعتمد عليه.
ثم يلزمه في الأداء: التحفظ من الزلل، والتحرز من الإحداث والتوقي عن مجاوزة ما أحاط به علمه، وقبول ما يتجه له من الصواب، وإن أتاه ذلك ممن هو دونه، والتواضع لله سبحانه الذي من عليه بما علمه، واللين لمن يتعلم منه، والجري على طريقة من تقدم من العلماء في التورع والتخوف من العثرة 1 والعلم بأنه ليس بمعصوم وأن الذي صار إليه من العلم يسير، (وإن حرمه خلق الله كثير) 2.
والذين كانوا على هذا المنهاج بعد الصحابة الذين فازوا بالسبق والسؤدد، وظفروا بالحظ الأوفر من كل خير، واشتركوا في الإمامة، والعدالة، وكان بينهم تفاضل، وتقارب رضي الله عنهم هم التابعون لهم بإحسان، وهم خلق كثير، لم يخالفوا طريقة الصحابة ولم يجدثوا في الدين حدثاً.
فبالمدينة من أعلامهم/ (48/أ) سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي3، والقاسم
ابن محمد بن أبي بكر1، وسالم بن عبد الله بن عمر2وعروة بن الزبير بن العوام3،
وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة1، وخارجة بن زيد ابن ثابت2، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف3، وسليمان بن يسار4، وقبيصة
بن ذؤيب1، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث2، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج3هـ. وبمكة: طاووس بن كيسان4الصنعاني5، وعطاء بن أبي
رباح1، وعبيد بن عمير2، ومجاهد بن جبر.3
وبالعراق: الحسن4، ومحمد بن سيرين5، ومطرف بن عبد الله
ابن الشخير1، وج
(شراحيل) 1، الشعبي2، وعلقمة بن قيس3، والأسود بن يزيد.4
وبالشام: جنادة بن أبي أمية5، ورجاء بن
حيوة1، وعبد الله بن محيريز2، وحسان بن عطية.3
وفي كل ناحية قوم مشهورون.
ثم من بعدهم من تأخر عنهم، ولحق متأخري الصحابة موتا وأخذوا
عن كبار التابعين بعدهم.
كالزهري1بالمدينة وعمرو بن دينار2بمكة.
وإبراهيم بن يزيد النخعي 3 بالكوفة، وأيوب السختياني 4 بالبصرة،
ومكحول بالشام1، وخير بن نعيم2بمصر، ومعاوية بن صالح3بالأندلس.
وفي وقتهم دبت البدع 4، وقرف آخرون 5 بشيء منها ولم يصح
ذلك ثم عمر الله البلاد بالفقه والحديث، فظهر بالمدينة مالك1بن أنس، وابن أبي ذئب2وبمكة/ (48/ب) ابن جريج3وسفيان بن عيينة.4
وبالشام: أبو عمرو الأوزاعي5، وسعيد بن عبد العزيز.6
وبمصر: الليث بن سعد1وعمرو بن الحارث.2
وبالكوفة: سفيان بن سعيد الثوري.3
وبالصرة: حماد بن زيد بن درهم الأزدي.1
وبخراسان: عبد الله بن المبارك.2
وكانوا أئمة في العلم، مشاهير بالاتباع، والأخذ عن أمثالهم، وكان في وقتهم علماء لهم تقدم في علوم، واتباع على مذهبهم لكنهم وقعوا في شيء من البدع إما القدر، وإما التشيّع أو الإرجاء عرفوا بذلك فانحطت منزلتهم عند أهل الحق. وظهر بعد ذلك: أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي.3
رحمة الله
عليه، وأصحاب أبي حنيفة1، وأصحاب مالك2، وكثرت العصبية، واضطربت الأمور، وصعب على ناس كثيرظهور مذهب الشافعي، لقيامه بالفقه والحديث واللغة، وشرفه في النسب3وكونه مقبولاعند المتبعين من أهل عصره.
ثم ظهر الكلام وأهله وانتشرت/ (49/أ) كتب الفلاسفة4، وأهل الزيغ في
أيدي الناس، وكثرت المذاهب في الأصول.
فأيد الله سبحانه بمنّه أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني1رحمه الله، حتى قام بإظهار المنهاج الأول، وكان جامعاً، قد تقدم في الفقه فنظر في مذهب أبي حنيفة وسفيان2أولا، ثم نظر في مذهب مالك، ثم نظر في مذهب الشافعي، واختار لنفسه ما وجده في الحديث، وكان في معرفته مبرزا، وكان شديد الورع، ومتمسكا بآثار السلف، ومتمكنا من العقل والحلم، فنشر ما كان عليه السلف، وثبت في المحنة3ولم يأت من عنده بشيء، ولم يعول إلا على السنن الثابتة.
وإنما عرف المذهب به لتفرده بالقيام4في وقته وسكوت أترابه عن
ذلك، إما لخوف البعض، أو عرفان من/ (49/ب) آخرين (بأنه) 1 أولاهم بما قام به، لتقدمه عليهم في خصال الخير.
واليوم فمن عرف منه لزوم المنهاج2وظهرتقدمه في العلوم التي ذكرناها، فهو إمام مقتدى به.
ومن زاغ عن الطريقة وفاوض أهل البدع والكلام، وجانب الحديث وأهله استحق الهجرإن والترك وإن كان متقدما في تلك العلوم.
وأما أئمة الضلالة فالمشركون، والمدعون الربوبية، والمنافقون ثم كل من أحدث في الإِسلام حدثا، وأسس بخلاف الحديث طريقا، ورد أمر المعتقدات إلى العقليات، ولم يعرف شيوخه باتباع الآثار، ولم يأخذ السنة عن أهلها (أو أخذ) 3 (عنهم) 4 ثم خالفهم.
وهم فرق، والأصول أربعة: القدرية، والمرجئة، والرافضة، والخوارج ثم تشعبت المذاهب من هذه الأربعة، والكل ضلال.
فكل من رد الأمر إلى نفسه وادعى قدرته على ما يريد، وزعم أن/ (50/أ) الله سبحانه لم يقدر المعاصي ولم يكتبها، ولم يردها فهو قدري.5
وكل من زعم أن الإيمان قول مفرد، أو قول ومعرفة، أو قول وتصديق، أو معرفة مجردة، أو تصديق مفرد، أو أنه لا يزيد ولا ينقص، فهو مرجيء1وبعضهم2جهمي.
وكل من يبغض أبا بكر وعمر (وعثمان) 3 رضي الله عنهم أو واحداً منهم، وأنكر إمامته وتقدمه وفضله فهو رافضي.4
وكل من تنقص عثمان أو علياً وعائشة ومعاوية1وأبا موسى2
وعمرو بن العاص1رضي الله عنهم فهوخارجي.2
ومن تنقص بعضهم ولم يتنقص عثمان وعلياً فهو ضال على أي مذهب كان.3
وقد روي عن النبي أنه قال: "لعنت القدرية والمرجئة على لسان
سبعين نبيا" 1.
وروي عنه في الروافض أنهم مشركون.2
وروي عنه في الخوارج "أنهم كلاب أهل النار" 1.
وروي عنه أنه قال:" من أحدث حدثاً في ديننا فهو رد عليه "1. وروي عنه عليه السلام: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) 2.
فالمتبع للأثر يجب تقدمه وإكرامه، وإن كان صغير السن غير/ (50/ب) نسيب، والمخالف له يلزم اجتنابه وإن كان مسنا شريفا.
والذين بلي كثير من أهل العلم بهم: المعتزلة، وهم أعداء الأثر وأهله، و (كبراؤهم) 1 أبو الهذيل العلاف2، وجعفر بن مبشر3، والنظام4،
والجاحظ1، وأبو علي الجبائي2، وابنه أبو هاشم3، وأبو القاسم الكعبي البلخي4وقبل هؤلاء: عمرو بن
عبيد1، وواصل بن عطاء.2
وبعدهم: أبو عبد الله البصري3وأبو القاسم الواسطي.4
وبعدهما: الصاحب إسماعيل بن عباد1، وعبد الجبار الأسدي2، كل هؤلاء دعاة إلى الضلالة.
ثم بلي أهل السنة بعد هؤلاء بقوم يدعون أنهم من أهل الاتباع.
وضررهم أكثر من ضرر (المعتزلة) 3 وغيرهم، وهم: أبو محمد بن كلاب4،
وأبو العباس القلانسي1، وأبو الحسن الأشعري.2
وبعدهم: (محمد3بن أبي تريد4بسجستان5وأبو عبد الله بن مجاهد6بالبصرة.
وفي وقتنا: أبو بكر بن الباقلاني7ببغداد، وأبو إسحاق الاسفرائيني8
وأبو بكر بن فورك1بخراسان2فهؤلاء / (51/أ) يردون على (المعتزلة) 3 بعض أقاويلهم.
ويردون على أهل الأثر أكثر مما ردّوه على المعتزلة.
وظهر بعد هؤلاء: الكرامية4، والسالمية5فأتوا بمنكرات من القول.
وكلهم أئمة ضلالة يدعون الناس إلى مخالفة السنة وترك الحديث وإذا خاطبهم من له هيبة وحشمة من أهل الاتباع قالوا: الاعتقاد ما تقولونه وإنما نتعلم الكلام لمناظرة الخصوم.
والذي يقولونه (كذب) 1 وإنما يستترون بهذا لئلا يشنع عليهم أصحاب الحديث.
فمن أنكر قولي فليأت بحديث موافق لما قالوه، ولا يجد إلى ذلك والحمد لله سبيلا.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" أخاف على أمتي الأئمة المضلين "2. ثم قد دخل في مذاهبهم خلق كثير (ممن) 3 يتظاهر بالفقه والحديث
فمنهم من أظهر ذلك وعرف به، ومنهم المنكرأنه منهم في الظاهر، وهويعضدهم في الباطن، ويثني عليهم في الباطن، يرضى لنفسه بالكذب والنفاق.
ويتعلق قوم من المغاربة علينا بأن أبا محمد بن أبي زيد1وأبا الحسن (القابسي) 2 قالا: إن الأشعري إمام3وإذا بان صحة حكايتهم / (51/ب) عن
هذين فلا (يخلو) 1 حالهما من أحد وجهين: أن يدعى أنهماكانا على مذهبه فلا يحكم بقولهما بإمامته، وإن كانت لهما منزلة كبيرة كما لم يحكم بما يقول ابن الباقلاني وأشكاله.2
وإما أن يقر بأنهما مخالفان له في الاعتقاد فقولهما بعد ذلك (انه) 3 إمام لا يؤثر شيئا يفرح به.4
وهذه رسالة أبي محمد بن أبي زيد في الفقه، ورسالة الأبي الحسن القابسي في الاعتقاد، موجودتان.5
فأبو محمد قال في رسالته: ((إن الله فوق عرشه بائن من خلقه)) 1.
وعند الأشعري أن اعتقاد هذا كفر2وعندنا أن أبا محمد محق فيما قال، والسنة معه فيه. ولأبي محمد كتاب في (إنكار) 3 الكلام والجدال والحث على الأثر واتباع السلف.4
وأبو الحسن القابسي ذكر في كتابه: ((إن الاعتماد على السمع وإن الكلام والجدال مذموم وذكر فيه ((إن لله يدين كما يقول أهل الأثر)).
وعند بعض أصحاب الأشعري أن لله يداً واحدة، ومن قال إن له يدي صفة ذاتيه فهو زائغ.5
فبان بما ذكرنا أن هذين الشيخين/ (52/أ) رحمهما الله (إن) 1 قالا ما يحكى عنهما من إمامة الأشعري فإنما قالاه لحسن ظنهما به، لتظاهره بالرد على المعتزلة، والروافض، ولم يخبرا مذهبه، ولو خبراه لما قالا ما قالاه والله أعلم.2
وإذا جاز لأبي محمد أن يخالفه في كرامات الأولياء3وفي معنى
الاستواء، وغير ذلك، وجاز لأبي محمد مخالفته، والقول بما نطق به الكتاب، وثبت به الأثر.
(فهو) 1 غيرقائل بإمامته في السنة.
وبالله التوفيق.