الفصل الخامس: في بيان أن فرق اللفظية والأشعرية موافقون للمعتزلة في كثير من مسائل الأصول وزائدون عليهم في القبح وفساد القول في بعضها
وهذا محفوظ عن الزهري رواه عنه ابن أبي عتيق1والزبيدي2، ومعمر3
شمالك، وأمامك، وخلفك، ومحيط بك)، وذكر الحديث.1
وررى أبو الحويرث2: أن قوم موسى (عليه السلام) كانوا ينظرون إلى أذنه، فقال عليه السلام (ما لكم تنظرون إلى أذني؟ فقالوا: أذن سمعت كلام الله سبحانه.3
وروى همام بن يحيى 4 عن القاسم بن عبد الواحد 5 عن عبد الله
ابن محمد بن عقيل1عن جابر بن عبد الله2عن عب د الله بن أنيس3عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يحشر الله الناس يوم القيامة عراة حفاة4بهما5
فيناديهم بصوت يسمعه من بُعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان" وذكر الحديث.
رواه عن همام، يزيد بن هارون1وأبو الوليد الطيالسي2وجماعة من الأئمة، واستشهد به البخاري في كتابه الصحيح.3
وروى عطية بن سعد1وأبو صالح السمان2عن أبي سعيد الخدري3
(رضي الله عنه) عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر إسرافيل1أنه قد التقم القرن بفيه وحنى جبهته وأصغى سمعه تحت العرش ينتظر متى يؤمر فينفخ 2 والنفخة الآخرة التي للبعث قد نطقت الأخبار بأنها تكون ولا حي إذ ذاك إلا الله سبحانه، ثم إن3 إسرافيل4فإصغاء سمعه تحت العرش انتظارا للأمر لا يكون إلا لصوت5الآمر.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ 6 وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ 7 وقال جل جلاله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا
نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ 1.والنداء عند العرب صوت لا غير2، ولم يرد عن الله تعالى ولا عن رسوله عليه السلام أنه من الله غير صوت.
ولا خلاف بيننا في أن موسى مكَلَّم بلا واسطة، فسقط قول من زعم أن العرب تقول: نادى الأمير من ينادي.
وروى أحمد بن حنبل3رحمة الله عليه عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي4عن الأعمش5, عن مسلم بن صبيح6عن مسروق7
عن عبد الله بن مسعود1(رضي الله عنه) قال: "إذا تكلم الله سبحانه بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجداً".
ذكره بهذا اللفظ عبد الله بن أحمد2عن أبيه في "كتاب الرد على الجهمية"3 وما في رواته إلا إمام مقبول.4
وقد ذكرنا في كتاب الإبانة1عدة أحاديث سوى ما ذكرناه هاهنا في ذكر الصوت. وحد الصوت: هو ما يتحقق سماعه، فكل متحقق سماعه صوت، وكل ما لا يتأتى سماعه البتة ليس بصوت.2
وصحة الحد هذا وهو أن يكون مطرداً، منعكساً3يمنع غيره من الدخول عليه. وأما قول خصومنا إن الصوت هو: الخارج من هواء بين جرمين. فحد غير صحيح، لأنا قد بينا أنه قد يوجد خلاف ما زعموه، والله أعلم.4
فإن قالوا: الصوت والحرف إذا ثبتا في الكلام اقتضينا 5 عدداً والله سبحانه واحد من كل وجه.6
قيل لهم: قد بينا لكم مراراً أن اعتماد أولى الحق في هذه الأبواب على السمع، وقد ورد السمع بأن القرآن ذو عدد1، وأقر المسلمون بأنه كلام الله حقيقة لا مجازاً.
وكلامه صفة وقد عد الأشعري صفات الله سبحانه (سبع عشرة) 2 صفة، وبين أن منها ما لا يعلم إلا بالسمع3وإذا جاز أن يوصف بصفات معدودة لم يلزمنا بدخول العدد في الحروف شيء.
فإن قالوا: إن التعاقب يدخلها وكل ما تأخر عن ما سبقه محدث.4
قيل: دخول التعاقب إنما يتعين فيما يتكلم بأداة، والأداة تعجز عن (أداء) 1 شيء إلا بعد الفراغ من غيره.
وأما المتكلم بلا جارحة2 فلا يتعين في تكلمه التعاقب.
وقد اتفقت العلماء على أن الله سبحانه يتولى الحساب بين خلقه يوم القيامة في حالة واحدة3، وعند كل واحد منهم أن المخاطب في الحال هو وحده، وهذا خلاف التعاقب.
ثم لو ثبت التعاقب لم يضرنا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما خرج من باب الصفا: "نبدأ بما بدأ الله به ثم قرأ: ﴿إن
الصفا والمروة من شعائر الله﴾ 1 2 فبين أن الله بدأ بذكر الصفا. والقرآن كله بإجماع المسلمين كلام الله سبحانه. وفي هذا القدركفاية لمن وفق للصواب. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب "الرد على الجهمية"3 سألت أبي فقلت: إن قوماً يزعمون أن الله لا يتكلم بصوت فقال أبي: بلى إن الله سبحانه يتكلم بصوت وإنما (ينكر) 4 هذا الجهمية، وإنما يدورون على التعطيل.5
واحتج بحديث عبد الرحمن بن محمد المحاربي
الذي سقناه.1
فقول خصومنا: إن أحداً لم يقل إن القرآن2كلام الله حرف وصوت كذب وزور.
بل السلف كلهم كانوا قائلين بذلك، وإذا أوردنا فيه المسند وقول الصحابة من غير مخالفة وقعت بينهم في ذلك صار كالإجماع.
ولم أجد أحداً يعتد به ولا يعرف ببدعة (من) 3 نفر من ذكر الصوت إلا البويقي4إن صح عنه ذلك.
فإن عند أهل مصر رسالة يزعمون أنها عنه وفيها: لا أقول إن كلاَم الله حرف وصوت ولا أقول إنه ليس بحرف وصوت.5
وهذا إن صح عنه فليس فيه أكثرمن إعلامنا أنه لم يتبين هذه المسألة ولم يقف على الصواب فيها.
وأما غيره ممن نفى الحرف والصوت فمبتدع ظاهر البدعة أو مقروف بها 1 مهجور على ما جرى منه.
والله الموفق للصواب.