الفصل الخامس: في بيان أن فرق اللفظية والأشعرية موافقون للمعتزلة في كثير من مسائل الأصول وزائدون عليهم في القبح وفساد القول في بعضها
وأما موافقتهم للمعتزلة: فإن المعتزلة قالت: لا تجوز رؤية الله تعالى بالأبصار، وأنه ليس بمرئي.1
وقال الأشعري: هو مرئي ولا يرى بالأبصار عن مقابلة.2
فأظهر
خلافهم وهو موافق لهم.
وقالت المعتزلة: لا يجوز أن توصف ذات الله بالكلام1، ولا كلام إلا ما هو حرف وصوت.2
وقال الأشعري: [يجب وصف ذاته سبحانه بالكلام وليس ذلك بحرف ولا صوت] 3 فنفى ما نفته المعتزلة وأثبت ما لا يعقل، فهو مظهر خلافهم موافق لهم في الأصل.
وأنكرت حديث المعراج.
وقال الأشعري: إنه ثابت1، ثم قال: [الله لا يجوز أن يوصف أنه فوق] 2 فكذب بما في حديث المعراج، فصار موافقاً لهم مع (إظهاره) 3 الخلاف.
وقالت المعتزلة: السور والآي مخلوقة، وهي قرآن معجز.4
وقال الأشعري: [القرآن كلام الله سبحانه والسور والآي ليست بكلام الله سبحانه وإنما هي عبارة عنه، وهي مخلوقة] 1.
فوافقهم في القول بخلقها، وزاد عليهم بأنها ليست قرآن ولا كلام الله سبحانه.
فإن زعموا أنهم يقرون بأنها قرآن.
قيل لهم: إنما يقرون بذلك على وجه المجاز، فإن من مذهبهم أن القرآن غير مخلوق، وأن الحروف مخلوقة، والسور حروف بالاتفاق، من أنكر ذلك لم يخاطب.
وإذا كانت حروفاً مخلوقة لم يجز أن يكون قرآناً غير مخلوق.
وقالت المعتزلة: الزنا والسرقة، وأخذ أموال الناس بغير حق، وما
شاكل ذلك حرام وهو قبيح في العقل قبل التحريم.1
وقال الأشعري: العقل لا يقتضي حسن شيء ولا قبحه، وإنما عرف القبيح والحسن بالسمع ولولا السمع ما عرف قبح شيء ولا حسنه.2
ثم زعم أن معرفة الله سبحانه واجبة في العقل قبل ورود السمع، وأن تارك النظر فيها مع التمكن منه مستحق للعقوبة.1
والنص2إنما دل على ترك عقوبته لا على أنه مستحق لها.
فإن قال: إن معرفة الله وجبت ولم يعلم حسنها واستحق تارك النظر فيها اللوم.
كان متلاعباً.
وإن قال: إنها حسنة.
فقد أقر بأن العقل يقتضي معرفة الحسن والقبيح.
وِإنما ضاق به النفس لما قالت له المعتزلة: الظلم قبيح في العقل، وإذا أراد (الله) 3 شيئاً ثم عذب عليه كان ظلماً.
فركب الطريقة الشنعاء
في أن لا حسن في العقل ولا قبيح.
وكان الأمر (أيسر) 1 في رد ما قالوه من هذا، لأن موضوع اسم الظلم: لوضع الشيء في غير موضعه، وأخذ ما ليس للآخذ أخذه2والله خالق الأشياء ومالكها، ومدبرها وليس لأحد أن يعترض عليه فيما يصنع فيها، ولا يضع الشيء إلا فيما يجعله موضعاً له، ولا يأخذ شيئاً إلا وهو أولى به، ولا يتصور معنى الظلم في أفعاله.
وقد قال الله سبحانه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ 3.
ولقد حكى محمد بن عبد الله المالكي المغربي45 وكان فقيهاً صالحاً عن الشيخ أبي سعيد البرقي6وهو من شيوخ فقهاء المالكيين ببرقة7عن أستاذه خلف المعلم8وكان من فقهاء المالكيين
أيضاً أنه1قال: أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التوبة، فرجع عن الفروع وثبت على الأصول.
وهذا كلام خبير بمذهب الأشعري وغوره 2.
ففي هذا القدر كفاية، ولعل غير هذه الرسالة يأتي على شرح موافقته لهم فيقفوا عليه إن شاء الله تعالى.
الفصل السادس: في إيراد الحجة على أن الكلام لن يُعرَّى عن حرف وصوت البتة، وأن ما عُرّى عنهما لم يكن كلاماً في الحقيقة وإنما سمي في وقت بذلك تجوزاً واتساعاً وتحقيق جواز وجود الحرف والصوت من غير آلة وأداة وهواء منخرق وبيان قول السلف وإفصاحهم بذكر الحرف والصوت أو ما دل عليهما.
ينبغي: أن ينظر في كتب من درج، وأخبار السلف هل قال أحد منهم: إن الحروف المتسقة التي يتأتى1سماعها وفهمها ليست بكلام الله سبحانه على الحقيقة؟ وأن الكلام غيرها ومخالف لها، وأنه معنى لا يدرى ما هو غير محتمل شرحاً وتفسيراً؟ فإن جاء ذلك عن أحد من الأوائل والسلف، وأهل النحل قبل مخالفينا الكلابية والأشعرية عذروا في موافقتهم إياه.
وإن لم يرد ذلك عمن سلف من القرون2والأمم ولا نطق به كتاب منزل ولا فاه به نبي مرسل ولا اقتضاه عقل، علم جهل مخالفينا وإبداعهم3
ولن يقدر أحد (في) 1 علمي على إيراد ذلك عن الأوائل ولا اتخاذه إيانا2في أثر ولا عقل.
وكل ما يتعلق به مخالفونا في هذا الفصل فمن المجاز، أو بنيات الطرق، والعقل والسمع معاً يؤيدان ما نقوله، وبه ينطق الكتاب والأثر، وثبت العرف به.
فأما تعلقهم ببيت الأخطل3فإن معنى قوله: إن البيان من الفؤاد4… هو: أن المرء إنما يروي في نفسه أولاً ما يريد أن يتكلم به، فالموجب للبيان هو الذي انطوى عليه القلب5وحقيقة الكلام هو النطق به المسموع لا غير.
والذي قاله الأخطل إنما يكون في أوقات مخصوصة لآحاد من الناس.
والغالب من أحوالهم الكلام على الهاجس6بما لم يرددوه في أنفسهم ولم يهموا به.
ولو كان حقيقة الكلام ما يتعلق بالفؤاد دون النطق لكان كل ذي فؤاد ناطقاً متكلماً في حال سكوته، ووجود الآفة به، كالأخرس1والطفل والنائم. ولا خلاف بين العقلاء في أن الطفل الرضيع أول (ما) 2 يولد غير متكلم، وأن الأخرس والساكت ليسا بمتكلمين، وكذلك النائم في الغالب.3
وقد دل القرآن على أن القرآن هو النطق، وذلك قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ 4.
والإنصات عند العرب ترك النطق5، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " رحم الله (من) 6 تكلم فغنم،
أو سكت فسلم" 1 فعلم بذلك أن السكوت والكلام لا يجتمعان في الوقت الواحد، في محل واحد.
ولا خلاف بين صدور علماء المسلمين (في أن) 2 من قال في نفسه: عبدي حر من غير أن ينطق بذلك، لم يعتق عبده.
ولو قال: عبدي حر نطقاً ثم قال: لم أنو بما قلت عتقه.
حكم بعتق العبد ولم يلتفت إلى نيته.
ولو قال إنسان في نفسه: أم فلان زانية أو فلان زان ولم ينطق بذلك لم يلزمه حد القذف، وإن نطق بذلك وقال: ما في نفسي شيء مما قلته. حُدّ، ولم يلتفت إلى ما في نفسه.1
وغير جائز عند ذوي التحصيل تعلق الأحكام بالمجاز دون الحقيقةفيها.
فلما وجدنا أحكام الشريعة المتعلقة بالكلام منوطة بالنطق الذي هو حرف وصوت، دون ما في النفس، علمنا أن حقيقة الكلام هي الحرف والصوت.
ولو حلف امرء أنه لا يتكلم ساعة من النهار، فأقام في تلك الساعة
يحدث نفسه بأشياء، ولا ينطق بها، كان باراً غير حانث، ولو كان الكلام هو ما في النفس حنث في أول ما يحدث به نفسه.1
فإن قيل: الأيمان إنما تعلق بالعرف فلذلك لم يحنث إذا لم ينطق.
قيل: هذا أعظم الحجج عليكم لأنكم أُلجئتم إلى إقرار بأن عرف الناس كافة، هو: أن حقيقة الكلام هي النطق الذي لا يعرى عن حرف وصوت، دون ما في النفس.
ولو كان الكلام من الفؤاد على ما زعموا لم يجز أن يوصف الله سبحانه بالكلام أصلاً؛ لأنه ليس بذي فؤاد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.2
والأخطل نصراني1إسلامي2وهو ومن تقدمه من شعراء الجاهلية، إنما نحتج بقولهم في موضوعات لغة العرب. ومعرفة الكلام ما هو؟ مما يشترك فيه العرب وسائر الناس ولا يحتج فيه ببيت نادر مع ظهور فساده.3
وأما احتجاجهم بقوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ يما نقول﴾ 4
فنقلت1عليهم؛ لأن القول لما كان في الحقيقة هو الحروف المتسقة2المسموعة، والذي من المنافقين بخلاف ذلك بين الله سبحانه أنهم قالوه في أنفسهم. ونحن لا ننكر تجويز العرب وسائر العقلاء أن يقال: قلت في نفسي، وحدثت نفسي، وإنما نقول: إن ذلك تجوز واتساع وليس بحقيقة الكلام لما ذكرنا أولاً من تعلق الأحكام بما هو حروف دون ما في النفس.3
وأما تعلقهم بقوله جل جلاله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً﴾ 4 فمثل الأول والقول في النفس مجاز وإنما سمي بذلك لأنه يصير في ثاني الحال قولاً، والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان قريباً منه أو كان منه بسبب.5
وقد ذكرنا قول الأوائل والعرب قبل هذا1وأن الكلام هو الحروف المتسقة2والأصوات المقطعة والاسم والفعل والحرف الجاي لمعنى.
وقد " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم الصمت "3. وإذا كان الصامت متكلماً في حال صمته فلا معنى للنهي.
ومن قول الحكماء: [لئن كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب] 4.
ففضل السكوت على الكلام لاقتران السلامة به.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صمت نجا "1. والشاعر قال: ما إن ندمت على سكوت مرة... فلقد ندمت على الكلام مرارًا2
والذي يقول في نفسه من غير أن ينطق به ساكت عند الخلق كافة.
ولا يقع التفاضل بينه وبين السكوت وإنما يقع ذلك بين النطق بالحروف والأصوات والسكوت عنه.
وقال عمر1بن الخطاب رضي الله عنه في حديث السقيفة2: [وكنت زورت في نفسي مقالة أردت أن أقوم بها بين يدي أبي بكر] 3 فبين أنه لم يقم بها في حال تزوره.
والتزوير4في هذا الموضع هو: أن يروي المرء في نفسه أولا ما يحب أن يتكلم به ويصلحه، ويتأمل إن قيل به، حتى يتصور كالمقول ثم ينطق به.
وهذا شأن ذوي التحصيل خيفة منهم على5وقوع الزلل مع العجلة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما
لم تكلم أو تعمل به" 1.
وهو حديث صحيح مشهور، وقد تلقته الأمة بالقبول وعلقوا به كثيراً من الأحكام.
وقد أخرج النبي صلى الله عليه وسلم حديث النفس عن أن يكون كلاماً في الحقيقة بقوله: "ما لم تتكلم به2فبين أن من تحدث (في) 3 نفسه بالشيء غير متكلم به في تلك الحالة وغير مؤاخذ بما كان منه.
وقال اليزيدي4في كتاب "ما اتفق لفظه واختلف معناه من لغات
العرب"1: الحرف هو الواحد من حروف الكلام، والحرف حرف البئر وحرف الرغيف، وحرف كل شيء جانبه، والحرف الشك، فسروا قوله جل وعز: (على حرف) 2 على شك، والحرف الناقة الضامرة التي قد نحلت.3
فبين أن الكلام عند العرب هو الحروف لا غير.
واليهود، والنصارى، مقرون بأن لله كلاماً، ومختلفون في نفي الخلق عنه وإثباته كاختلاف المسلمين، ومجمعون على أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً.
فإن قال قائل: إن أكثر ما ذكرت في هذا الفصل مما يتعلق / بالشاهد والله تعالى بخلاف المشاهدات.
فوجب أن لا يكون كلامه حرفاً وصوتاً، إلا أن يأتي نص من الكتاب أو إجماع من الأمة، أو خبر من أخبار التواتر بأن كلام الله سبحانه حرف وصوت.
قيل له: الواجب أن يعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم لما أداها بتفسير
يخالف الظاهر فهي على يعقلونه ويتعارفونه.
والذي يوضح ذلك: هو أن الله سبحانه قد أثبت لذاته علماً ونطق بذلك كتابه فقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ 1 وكان المعقول من العلم عند المخاطبين به أنه إدراك المعلوم على ما هو به فكان علم الله سبحانه إدراك المعلوم على ما هو به، وعلم المحدث أيضاً إدراك المعلوم على ما هو به.
وكذلك لما أثبت الله لنفسه السمع بدلالة النص حيث قال: ﴿ِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ 2 وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر الحجب: (ما أدركه بصره) 3 وقالت عائشة4رضي الله عنها: (يا سبحان الله من وسع سمعه الأصوات)
وكان المعقول أن السمع هو إدراك المسموعات على ما هي به، والبصر إدراك كل ما يبصر على ما هو به، كان سمعه سبحانه إدراك المسموع، وبصره إدراك ما يبصر (به) 1 وكذلك سمع المحدث وبصره، ومع ذلك فليس مثل علمه علم، ولا مثل سمعه وبصره سمع ولا بصر، لأن علمه صفة لازمة لذاته سبحانه في الأزل لا يدخل عليه السهو، ولا يجوز الجهل ولا النسيان.2
وعلم المحدث عرض مكتسب، يوجد وقتاً ويعدم وقتاً.
وكذلك السمع والبصر ليسا من الله تعالى جارحتين، وهما
من المحدث جارحتان.
وهذه القضية توجب أن يكون كلامه حرفاً وصوتاً، وكذلك كلام المحدث، إلا أن كلامه معجز ولا انتهاء له وأزلي1وكلام المحدث غير معجز وهو متناه، وعرض لم يكن في وقت، ولا يكون في وقت. وكلامه سبحانه بلا أداة ولا آلة ولا جارحة، وكلام المحدث لا يوجد إلا عن أداة وآلة وجارحة في المعتاد.2
وقول الأشعري: "لما كان سمعه بلا انخراق وجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت".
مغالطة وبناؤه لا يقتضي ما قاله، وإنما يقتضي: أن سمعه لما كان بلا انخراق وجب أن يكون كلامه من غير لسان وشفتين وحنك، ولو قال ذلك لاستمر ولم يقع فيه خلاف.
وإنما موه، وغالط ويمر ذلك على من قصر علمه.
فهذا الذي ذكرناه من طريق العقل الذي يدعون أنه الحجة القاطعة.
وأما على طريقتنا1: فالله سبحانه قد بين في كتابه ما كلامه؟ وبين رسوله صلى الله عليه وسلم، واعترف به الصدر الأول والسلف الصالح رحمهم الله، وآمنوا به.
فقال الله سبحانه: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ 2 اللَّهِ﴾ 3 وقال: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ 4 وقال: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ 5.
وما سمع مستجير قط إلا كلاماً ذا حروف وأصوات، ولا قرأ قارئ البتة إلا ذلك.
فلما (سمى) 6 سبحانه هذا القرآن العربي (الفصل) 7 كلامه علم أن كلامه حروف، كيف وقد أكد ذلك بذكر الحروف المقطعة في أوائل السور منه مثل: ﴿الم﴾ 8، و ﴿الر﴾ 9،
و ﴿كهيعص﴾ 1، و ﴿طه﴾ 2، و" ﴿حم﴾ 3، و ﴿يس﴾ 4، و ﴿ص﴾ 5، و ﴿ق﴾ 6، و ﴿ن﴾ 7.
فمن زعم أنها ليست من القرآن فهو كافر، ومن زعم أنها من القرآن والقرآن ليس بكلام الله فهو كافر، ومن زعم أنها عبارة عن الكلام الذي لا حروف فيه قيل له: هذا جهل وغباء؛ لأن الكلام الذي تزعمه ليس يعرفه سواك، ولا يدري ما هو غيرك وأنت أيضاً لا تدريه8وإنما تتخبط فيه.
ثم لو كان قولك صحيحاً لوجب أن تكون عنه مفهومة المعنى بالاتفاق، لأن موضوع العبارة التفسير، ليفهم ما أشكل من ظاهر الكلام، فإذا كان الكلام شيئاً واحداً لا يدرى ما تفسيره، وكانت العبارة عنه حروفاً كثير الاختلاف في معانيها، ولم يتفق على معنى منها لم تفد العبارة شيئاً.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من قرأ سورة الإخلاص "9
و" من قرأ آية الكرسي "1. و" من قرأ حرفاً من
القرآن" 1.
فبين أن القرآن سور وآي وحروف.
ويقول: " من حلف بسورة البقرة لزمه في (كل) 2 آية كفارة " 3.
وروى: "في كل حرف"1 وأفتى بذلك غير واحد من الصحابة - رضوان الله عليهم - منهم عبد الله بن مسعود2وأبو هريرة.3
وأظهر مما ذكرنا ويبين خزي مخالفينا فيه قول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ 4 وكن حرفان ولا يخلو الأمر من أحد وجهين، إما أن يكون المراد بقوله: (كن) التكوين كما قالت
المعتزلة1أو يكون المراد به ظاهره وأن الله تعالى إذا أراد إنجاز شيء قال له كن.
على الحقيقة فيكون.
وقد اتفق الأشعري معنا على أنه على ظاهره لا بمعنى التكوين2واستدل على نفي الخلق عن القرآن لما رد على المعتزلة بقوله: (كن) فإن ثبت على أنه على ظاهره فهو حرفان وانتقض مذهبه.
وإن قال: إنه ليس بحرف البتة صار بمعنى التكوين، ولم يبق بينه وبين المعتزلة فرق.
وأيضاً فلو كان الكلام غير حرف، وكانت الحروف عبارة عنه لم يكن بد3من أن يحكم لتلك العبارة بحكم إما أن يكون الله أحدثها في صدر، أو لوح، أو أنطق بها بعض عبيده فتكون منسوبة إليه.
(فيلزم) 4 الأشعري أو من قال بقوله أن يفصح بما عنده في السور
والآي والحروف، أهي عبارة جبريل أم عبارة محمد عليهما السلام.
ثم يلزمه أيضاً أن يوسع على الخلق في العدول عن ألفاظها إلى غير تلك الألفاظ مما يؤدي معناها، كما وسع عليهم في التفسير والمعاني.
وأن يجيز لهم القراءة في الصلاة بأي لغة أرادوا، إذا أدوا معنى ما في السور؛ لأن التضييق إنما وقع لكون السور كلام الله.
فأما من قال: إنها ليست بكلام الله البتة فلا معنى لتضييقه.
والإجماع حاصل من الفقهاء على أن الصلاة لا تجزي إلا بقراءة هذا النظم على ما هو به1إلا ما كان من أبي حنيفة2فإنه قال: " تجوز القراءة بالفارسية "3. وقد سألت القاضي أبا جعفر
النسفي1عن هذه المسألة، فحكى عن أبي بكر الرازي2أنها تجوز عند أبي حنيفة إن سميت الفارسية قرآنا3وقال أبو جعفر: فالكلام يرجع إلى ارتفاع الخلف.
وسألت أبا محمد عبد الله بن الحسين الناصحي4قاضي قضاة5
خراسان1عنها فقال: إنما تجوز القراءة بالفارسية إذا وافقت النظم والبلاغة وذلك متعذر.
ثم عند أبي حنيفة لا يجوز أن يقرأ بالعربية بغير ألفاظه، ومقتضى مذهب الأشعري جواز ذلك.
وإذا أفصح بأنها عبارة محمد وافق الوليد بن المغيرة2لما قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ 3 ونحن (نقول) 4 هو كلام الله تعالى. لقوله سبحانه: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ 5 فمن لم يميز بين المقالتين كان كمن حش له.6
فهذا في الحروف.
وأما الصوت: فقد زعموا أنه لا يخرج إلا من هواء1بين جرمين وذلك لا يجوز وجوده من ذات الله تعالى.
والذي قالوه باطل من وجوه: ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر سلام الحجر عليه2، وعلم تسليم الحصا في يده3، وتسبيح
الطعام1، بين يديه2، وحنين الجذع عند مفارقته إياه3، وما (جا) 4 لشيء من ذلك هواء منخرق بين جرمين.
وقد أقر الأشعري: أن السماوات والأرض ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ 1 حقيقة لا مجازاً2، ولا خلاف بين العقلاء... 3 في أن الله سبحانه قادر على أن ينطق الحجر الأصم على ما هو به، وقال الأشعري: (بعد أن يجعل فيه روحاً) 4 والناس كلهم مخالفون له فيما قال.
وإذا وصف بقدرة على إنطاق الحجر الأصم على ما هو به.
بطل قول من زعم أن وجود الصوت غير جائز إلا من هواء منخرق بين جرمين.
ثم لو كان الأمر على ما زعموا، لم يجب أن يوصف الله سبحانه بما يخالف الشاهد ألا ترى أن الله سبحانه بالاتفاق واحد، حي، قادر، عالم،
سميع، بصير، قوي، مريد، فاعل، وليس بجسم ولا في معناه.1
وفي الشاهد لا يجوز وجود حي عالم، قادر، سميع بصير، إلا جسماً.
وإذا صح ما ذكرناه.
لم يضرنا قول من زعم أن الصوت في الشاهد لا يوجد إلا من هواء منخرق بين جرمين كيف وقد بينا بطلان دعواه قبل هذا.
وقبل كل شيء ينبغي أن يعلم اعتمادنا في المعتقدات أجمع على السمع، فإذا ورد السمع بشيء قلنا به، ولم نلتفت إلى شبهة يدعيها مخالف.
وقد ورد السمع بذكر الصوت من قبل الله تعالى، ومن قبل أنبيائه- (عليهم السلام) 1 ومن قبل الأئمة والعلماء بعدهم.
قال الله سبحانه لموسى عليه السلام: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ 2 وكان يكلمه من وراء حجاب، لا ترجمان بينهما، واستماع البشر في الحقيقة لا يقع إلا للصوت.
ومن زعم أن غير الصوت يجوز في المعقول أن يسمعه من كان على هذه البنية التي نحن عليها، احتاج إلى دليل.
وقد روى الزهري3عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن
الحارث1عن جرير بن جابر2عن كعب3أنه قال: "لما كلم الله موسى عليه السلام كلمه بالألسنة كلها، قبل لسانه فطفق موسى يقول: والله يا رب ما أفقه هذا حتى كلمه بلسانه آخر الألسنة بمثل صوته".
وذكر الحديث.4