عمدة الحازم في الزوائد على مختصر أبي القاسمكِتَابٌ في الْقِسْمَةِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: قِسْمَةُ تَرَاضٍ، وَهِيَ مَا كَانَ فِيهَا رَدُّ عِوَضٍ أَوْ ضَرَرٍ تَنْقُصُ قِيمَتُهُ بِالْقِسْمَةِ، عَلَى ظَاهِرِ كَلامِهِ، أَوْ أَلَّا يَنتفِعَ أَحَدُهُمَا فِيمَا يَحْصُلُ لَهُ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ كَالدُّورِ الصّغَارِ، وَالْحَمَّامِ، وَنَحْوِهَا، إذا رَضُوا بِقِسْمَتِهَا أَعْيَانا بِالْقِيمَةِ، فَهذِهِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْبَيْعِ.
وَقِسْمةُ إِجْبَارٍ، وَهِيَ مَا لا ضَرَرَ فِيهَا، وَلا رَدَّ عِوَضٍ؛ كَالأَرَاضِي الْوَاسِعَةِ، وَالْبَسَاتِينِ وَالْقُرَى وَالدُّورِ الْكِبَارِ، وَالْمَكِيلاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
وَالْقِسْمَةُ: إِفْرَازُ حَقٍّ.
وَفِي 1 ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، فتجُوزُ قِسْمَةُ الْمَكِيلِ بِالْوَزْنِ، وَالْمَوْزُونِ بِالْكَيْلِ، وَقِسْمَةُ الثِّمَارِ خَرْصاً، وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَإذَا كَانَ نِصْفُ الْعَقَارِ وَقْفاً، جَازَتِ الْقِسْمَةُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 657

وَقَالَ ابْنُ بَطَةَ: هِيَ كَالْبَيع، فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا.
وَيَجُوزُ لِلشُّرَكَاءِ أَنْ يَتَقَاسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ، وَأَنْ يُنَصِّبُوا قَاسِماً، وَإِنْ سَأَلُوا الْحَاكِمَ، يُنَصِّبْ قَاسِماً يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ.
فَإذَا عُدِّلَتِ السِّهَامُ، وَأُخْرِجَت الْقُرْعَةُ، لَزِمَتِ الْقِسْمَةُ، وَيَحْتَمِلُ فِيما فِيهِ رَدٌّ أَلَّا يَلْزَمَ حَتَّى يَرْضَيَا بِذَلِكَ.
وُيجْزِىَ قَاسِمٌ وَاحِدٌ إذا كَانَ عَارِفاً بِالْقِسْمَةِ عَدْلاً إذا خَلَتْ مِن تَقْوِيمٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا تَقْوِيمٌ, لَمْ يَجُزْ أَقَلُّ مِنْ قَاسِمَيْنِ.
وَإذَا كَانَ في بَعْضِ الأَرْضِ نَخِيلٌ، وَفِي بَعْضِها أَشْجَارٌ، أَوْ بَعْضُهَا يُسْقَى سَحّاً 2، وَبَعْضُهَا بِالنَّواضِحِ، أَوْ دَارٌ لَهَا عُلْوٌ وَسُفْلٌ، فَطَلَبَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقْسِمَ أَعْياناً بِالْقِيمَةِ، أَوْ طَلَبَ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا الْعُلْوَ، وَالآخَرُ السُّفْلَ، وَطَلَبَ بَعْضُهُمْ قِسْمَةَ كُلِّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ، قُسِمَتْ كُلُّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ 3، وَإِنْ تَرَاضَوْا عَلَى الأَوَّلِ، جَازَ.
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ فِيهَا زَرْعٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهَا دُونَ الزَّرْعِ، قُسِمَتْ.
وَإِنْ طَلَبَ قِسْمَتَهَا مَعَ الزَّرْعِ، أَوْ قِسْمَةَ الزَّرْعِ مُنْفَرِداً، لَمْ يُجْبَرِ الآخَرُ.
وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ، وَالزَّرْعُ قَصِيلٌ أَوْ قُطْنٌ، جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ

الجزء: 1 - الصفحة: 658

كَانَ سَنَابِلَ قَدِ اشْتَدَّ حَبُّهَا، قَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ، وَقَالَ أَبُو الخَطَّابِ: في الْبَذْرِ وَالسَّنَابِلِ وَجْهَانِ.
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَنَافِعُ، فتراضَيَا عَلَى قِسْمَتِهَا بِالْمُهَايَأَةِ، جَازَ، وَإِنِ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا، لَمْ يُجْبَرْ.
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، أَوْ عَيْنٌ، أَوْ قَنَاةٌ، فَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا عِنْدَ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى قِسْمَتِهِ بِالْمُهَايَأَةِ، جَازَ.
وَإِنْ أَرَادَ قِسْمَتَهُ بِنَصْبِ خَشَبَةٍ أوْ حَجَير مُسْتَوٍ في مَصْدَمِ 4 الْمَاءِ فيه ثَقْبَانِ عَلَى قَدْرِ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، جَازَ.
فَإِنْ 5 أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْقِيَ بِنَصِيبِهِ أَرْضاً لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ هذَا النَّهْرِ، جَازَ، وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لا يَجُوزُ.
وَيَجِيْءُ عَلَى أَصْلِنَا أَنْ يَنتفِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ، ولا يَمْلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ في نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، سَقَى الأَعْلَى حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَ، ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَى الَّذِي يَلِيهِ.
فَإِنْ أَرَادَ إِنْسَانٌ إِحْيَاءَ أَرْضٍ يَسْقِيهَا مِنْ هذَا النَّهْرِ، جَازَ بِشَرْطِ أَلَّا يَسْتَضِرَّ أَهْلُ الأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنَ النَّهْرِ.
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَبيدٌ أَوْ ثِيَابٌ أَوْ حَيَوَانٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهَا أَعْيَاناً بِالْقِيمَةِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يُجْبَرُ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يُجْبَرَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 659

وُيعَدِّلُ الْقَاسِمُ السِّهَامَ بِالأَجْزَاءِ إنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً، أَوْ بِالْقِيمَةِ إِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً، وَبِالرَّدِّ إنْ كَانَتْ تَقْتَضِي الرَّدَّ، وَيُقْرِعُ بَيْنَهُمْ، وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ في رُقْعَةٍ، وَتُدْرَجُ كُل رُقْعَةٍ في بُنْدُقَةٍ مِنْ طِينٍ أَوْ شَمْعٍ، وَتَكُونُ الْبَنَادِقُ مُتَسَاوِيَةً في الْقَدْرِ وَالْوَزْنِ، وَتُوضَعُ في حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ، وُيقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً عَلَى هذَا السَّهْمِ، فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ، فَهُوَ لَهُ، ثُمَّ يُفْعَلُ بِالثَّانِيَةِ كَذَلِكَ، وَيَكُونُ السَّهْمُ الثالِثُ لِلثَّالِثِ.
وإنِ اخْتَارَ إِخْرَاجَ السِّهَامِ عَلَى الأَسْمَاءِ، جَازَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُخْتَلِفَةً، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لِوَاحِدٍ الثُّلُثُ، وَلِلآخَرِ السُّدُسُ، فَإِنَّهُ يَكْتُبُ سِتَّ رِقَاعٍ بِأسْمَائِهِمْ، فَإذَا خَرَجَ السَّهْمُ الأَوَّلُ لِصَاحِبِ النِّصِفِ، أَخَذَهُ، وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ، ثُمَّ يُخْرَجُ السَّهْمُ الرَّابع؛ فَإنْ خَرَجَ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ، أَخَذَهُ وَالَّذِي يَلِيهِ، وَالسَّهْمُ الآخَرُ لِصَاحِبِ السّدُسِ.
فَإِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ غَلَطاً في الْقِسْمَةِ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَمُوهُ بِأنْفُسِهِمْ، وَأَشْهَدُوا عَلَى تَرَاضِيهِم، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَمَهُ قَاسِمُ الْحَاكِمَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمينِهِ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعيِ بَيِّنَةً.
وَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَمَهُ 6 قَاسِمٌ نَصَّبُوهُ، فَإنْ كَانَ فِيما يُعْتَبَرُ فيه الرِّضَا، لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، وإنْ كَانَ في غَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ كَقَاسِمِ الْحَاكِمِ، فَإِنِ اسْتَحَقَّ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا شَيْئاً مُعَيَّناً، بَطَلَتِ الْقِسْمَةُ، وَإِنْ كَانَ مُشَاعاً، فَهَلْ يَبْطُلُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 660

فَإنِ اقْتَسَمَا دَارَيْنِ قِسْمَةَ تَرَاضٍ، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاراً، وَبَنَى أَحَدُهُمَا، ثُمَّ خَرَجَتِ الدَّارُ مُسْتَحَقَّةً، فَقَالَ الْقَاضِي: يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْبنَاءِ، وَإِنْ خَرَجَ في نَصِيبِ أَحَدِهِمَا عَيْبٌ، فَلَهُ فَسْخُ الْقِسْمَةِ.
وَإذَا قَسَمَ الْوَارِثَانِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْمَيْتِ دَيْنٌ؛ لَمْ تَبْطُلِ الْقِسْمَةُ.
وَيَجُوزُ لِلأَبِ وَالْوَصِيِّ قِسْمَةُ مَالِ الصَّغِيرِ مَعَ شَرِيكِهِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 661

بَاب الدَّعَاوَى

الْمُدَّعي: مَنْ إذا سَكَتَ تُرِكَ.
وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ: مَنْ إذا سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ.
وَلا تَصِحُّ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، وَلا تُسْمَعُ إِلَّا مُحَرَّرَةً، إِلَّا في الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعى عَيْناً حَاضِرَة، عَيَّنَهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَة أَوْ تَالِفَة، أَوْ دَيْناً، ذَكَرَ صِفَاتِهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّا يَنْضَبِطُ، والأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ قِيمَتَهَا، وَإِنْ لَمْ تَنْضَبِطْ، ذَكَرَ قِيمَتَهَا، فَإِنْ كَانَ سَيْفاً مُحَلًّى، قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِ حِلْيَتِهِ.
فَإِنِ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ، عَيَّنَهَا إِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً، وَإِلَّا ذَكَرَ اسْمَهَا وَنَسَبَهَا، وَشَرَائِطَ النِّكاحِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَإِنِ ادَّعَى بَيْعاً، أَوْ عَقْداً مِنَ الْعُقُودِ، فَهَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى ذِكْرِ شُرُوطِهِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
فَإِنِ ادَّعَى قَتْلَ وَلِيِّهِ، ذَكَرَ الْقَاتِلَ، وَصِفَةَ الْقَتْلِ عَمْداً أَوْ خَطَأً.
وَإِنِ ادَّعَى الإِرْثَ، ذَكَرَ سَبَبَهُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 662

فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْمُدَّعي تَحْرِيرَ الدَّعْوَى، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ تَحْرِيرُهَا لَهُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَهَلْ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ قَبْلَ قَوْلِ الْمُدَّعي: أَسُئِلَ سُؤَالُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
فَإذَا أَنْكَرَ بِأَنْ يَقُولَ: أَقْرَضْتُهُ، فَيَقُولَ: مَا أَقْرَضَنِي 7، أَوْ قَالَ: مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ، وَلا شَيْئاً مِنْهُ، صَحَّ 8 الْجَوَابُ.
وَلِلْمُدَّعيِ أَنْ يَقُولَ: لِي بَيِّنَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَقُلْ، قَالَ الْحَاكِمُ: أَلكَ بيِّنَةٌ؟ وَإِنْ 9 لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، عَرَّفَهُ الْحَاكِمُ أَنَّ لَهُ عَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينَ، فَإِنْ طَالَبَ الْحَاكِمَ بِاسْتِيفَائِهَا، حَلَّفَهُ.
فَإِنْ بَدَرَ الْمُنْكِرُ فَحَلَفَ، أَوْ حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلةِ الْمُدَّعيِ، لَمْ يُعْتَدَّ بِتِلْكَ الْيَمِينِ.
فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لِي مَخْرَجٌ مِمَّا ادَّعَاهُ، لَمْ يَكُنْ مُقِرّاً، وَلا مُجِيباً.
وَإِنْ قَالَ: لِفُلانٍ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا لَكَ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَاراً بِشَيْء، إذا قَالَ 10: أَرَدْتُ التَّهَزِّي بِهِ، في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الآخَرِ: يَكُونُ مُقِرّاً بِحَقٍّ لَهُمَا، يُرْجَعُ في تَفْسِيرِهِ إِلَيْهِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 663

فَإِنْ قَالَ: إِنْ كُنْتَ تَدَّعِي هَذَا الْمالَ مِنْ ثَمَنِ المَبِيعِ الَّذِي لَمْ تُقْبِضْنِي 11 إِيَّاهُ، فَنَعَمْ، أَوِ ادَّعَيْتَ أَلْفاً عَلَى رَهْنِ فُلانٍ لي في يَدِكَ، أَجَبْتُ، وإن ادَّعَيْتَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ ذَلِكَ، كَانَ جَوَاباً.


الجزء: 1 - الصفحة: 664

فَصْلٌ في تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ

بَيِّنَةُ الْخَارِجِ مُقَدَّمَةٌ.
وَعَنْهُ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.
وَعَنْهُ: إِنْ أَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ نُتِجَتْ في مِلْكِهِ، أَوْ قَطيعةً مِنَ الإِمَامِ، قُدِّمَتْ بيِّنَتُهُ، وَإِلَّا قُدِّمَتِ الأُخْرَى.
فَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ في أَيْدِيهِمَا، أَوْ لَمْ تَكُنْ في يَدِ أَحَدِهِما، أُسْقِطَتِ الْبَيِّنتَانِ.
عَنْهُ: تُسْتَعْمَلانِ، وَ 12 تُقْسَمُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالثَّانِيَةِ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَيُقَدَّمُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ.
فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْبَيِّنتَانِ في التَّأْرِيخِ، قَدَّمَ أَقْدَمَهَا تَأْرِيخاً، فَإِنْ وُقِّتَتْ إِحْدَاهُمَا دُونَ الأُخْرِى، فَهُمَا سَوَاءٌ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ لِمَنْ لَمْ يُوَقِّتْ.

الجزء: 1 - الصفحة: 665

فَإِنْ شَهِدَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْمِلْكِ وَالنِّتَاجِ، وَالأُخْرَى بِالْمِلْكِ فَقَطْ، فَهَلْ يَتَسَاوَيَانِ، أَمْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ النِّتَاجِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَلا تُرَجَّحُ الْبَيِّنَةُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَلا اشْتِهَارِ الْعَدَالَةِ، وَلا الرَّجُلانِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ.
وفي تَقْدِيمِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَجْهَانِ.
وَإذَا تَدَاعَيَا جِدَاراً لأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ أرجٌ، أَوْ عَرَصَةٌ لأَحَدِهِمَا فِيهَا 13 بِنَاءٌ أَوْ شَجَرٌ، حَكَمَ لَهُ.
وَلا يُرَجَّحُ بِوُجُوهِ الآجُرِّ وَالتَّجْصِيصِ وَالتَّزْوِيقِ وَمَعَاقِدِ الْقُمُطِ في الْخُصِّ.
فَإنْ تنازَع صَاحِبُ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ في سُلَّمٍ مَنْصُوبٍ، أَوْ دَرَجَةٍ لا مَسْكَنَ تَحْتَهَا، فَهِيَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ الدَّرَجَةِ مَسْكَنٌ، وَاخْتَلَفَا في السَّقْفِ، تَحَالَفَا، وَكَانَ بَيْنَهُمَا.
وَكَذَلِكَ إِنْ تنازَعَا مُسَنَّاةً بَيْنَ نَهْرِ أَحَدِهِمَا وَأَرْضِ الآخَرِ.
وَإذَا تَنَازَعَ صَانِعَانِ في بَيْتٍ لَهُمَا فيهِ قُمَاشٌ، حَكَمَ بِآلَةِ كُلِّ صِنَاعَةٍ لِصَاحِبِهَا؛ كَالزَّوْجَيْنِ إذا اخْتَلَفَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَتْ أَيْدِيهِمَا عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ.

الجزء: 1 - الصفحة: 666

فَإِنْ تَنَازَعَا دَابَّةً: أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا، أَوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْل، وَالآخَرُ آخِذٌ بِزِمَامِهَا، فَهِيَ لِلأَوَّلِ.
وَإِنْ تَنَازَعَا قَمِيصاً: أَحَدُهُمَا لابِسُهُ، وَالآخَرُ آخِذٌ بِكُمِّهِ، فَهُوَ لِلابِسِهِ.
وَإِنْ تنازَعَ الْمُؤْجِرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ في مِصْرَاعٍ أَوْ دَفٍّ مَقْلُوعٍ لَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ في الدَّارِ، فَهُوَ لِصَاحِبِهَا، وَإِلَّا تَحَالَفَا، وَهُوَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ تنازَعَ الْخَيَّاطُ وَصَاحِبُ الدُّكَّانِ في الإِبْرَةِ وَالْمِقَصِّ، فَهُوَ لِلْخَيَّاطِ.
فَإِنْ تَنَازَعَا في صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ في أَيْدِيهِمَا، فَهُوَ لَهُمَا، وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزاً، فَقَالَ: إِنِّي حُرٌّ، مُنِعَا مِنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ كَانَ كَبِيراً، فَأَقَرَّ لأَحَدِهِمَا، قُدِّمَ.
وَلَوِ ادَّعَيَاهُ وَهُوَ في يَدِ غَيْرِهِمَا، فَأَقَرَّ الْعَبْدُ لأَحَدِهِمَا، لَمْ يُرَجَّحْ بِإِقْرَارِهِ.
وَإذَا ادَّعَى رَجُلٌ مُلْكَ عَبْدٍ، وَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ، أَوْ وَقَفَهُ عَلَيْهِ، أَوْ أَعْتَقَهُ، وَأقامَ بَيِّنَةً، قُدّمَتْ بَيِّنَةُ الشَّرَاءِ وَالْوَقْفِ وَالْعِتْقِ، وَكَذَلِكَ الدَّارُ.
وَإِنِ ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ، وَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ سَيِّدِهِ، وَأقامَا الْبَيِّنَةَ، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَأْرِيخاً.
فَإِنِ اتَّفَقَتَا، وَأَطْلَقتَا التَّأْرِيخَ، وَالْعَبْدُ في يَدِ الْمُشْتَرِي، فَأَيُّهُمَا

الجزء: 1 - الصفحة: 667

يُقَدَّمُ؟ تَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ في بيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ.
وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ في يَدِ السَّيِّدِ، فَأقَرَّ لأَحَدِهِمَا، لَمْ يُرَجَّحْ بِإقْرَارِهِ، وَيُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ عَلَى قَوْلِ أَبي بَكْرٍ، وَكَذَلِكَ إِنْ جَحَدَهُمَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ جَحَدَهُمَا، حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى نَفْيِ دَعْوَاهُ، وَالْعَبْدُ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ في يَدِ رَجُلٍ عَبْدٌ، فَادَّعَى اثْنَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ بِأَلْفٍ، وَصَدَّقَهُمَا، أَوْ قَامَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، لَزِمَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَالُ الثَّمَنِ 14، إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَ تَارِيخُ الْبيِّنتَيْنِ في وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَيَتَعَارَضَان.
وَإِنْ أَقَرَّ لأَحَدِهِمَا، أَوْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، لَزِمَهُ كَمَالُ الثَّمَنِ (1) لَهُ، وَيَحْلِف الآخَرُ.
وَإذَا شَهِدَتِ الْبَيِّنتَانِ أَنَّ الْعَبْدَ ابْنُ أَمَةِ أَحَدِ الْمُدَّعِيَيْنِ، لَمْ يَحْكُمْ لَهُ إِلَّا أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ في مِلْكِهِ.
وَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّ الْغَزْلَ مِنْ قُطْنِ أَحَدِهِمَا، أوِ الطَّيْرَ مِنْ بَيْضِهِ، أوِ الدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَتِهِ، حَكَمَ لَهُ بِهَا.
وَإِنْ قَالَ: مَتَى قُتِلْتُ، فَأنْتَ حُرٌّ، فَأَقَامَ الْعَبْدُ بيِّنَةَ أَنَّهُ قُتِلَ، وَأَقَامَ الْوَرَثَةُ بيِّنَةَ أَنَّهُ مَاتَ، فَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ، أَوْ يَتَعَارَضَانِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 668

فَإِنْ قَالَ: إِنْ مِتُّ في الْمُحَرَّمِ فَعَبْدِي حُرٌّ، وَإِنْ مِتُّ في صَفَرٍ، فَجَارِيَتي حُرَّة، فَأقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجِبِ عِتْقِهِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ.
وَإِنْ قَالَ: إِنْ مِتُّ في مَرَضِي هذَا، فَعَبْدِي حُرٌّ، وَإِنْ بَرِئْتُ، فَجَارِيَتي حُرَّةٌ، وَاخْتَلَفَا، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ، تَعَارَضَتَا، وَبَقِيَا عَلَى الرِّقِّ، فَإِنْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَعْتَقَ زَيْداً في مَرَضِهِ، فَشَهِدَتْ 15 بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّه أَعْتَقَ سَالِماً، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ مَالِهِ، وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ، احْتَمَلَ أَنْ يُعْتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُعْتَقَ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ عَيْنُ السَّابِقِ مِنْهُمَا، فَيُعْتَقَ دُونَ صَاحِبهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ إحْدَى الْبَيِّنتَيْنِ مِنَ الْوَرَثَةِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ.
فَإِنْ كَذَّبَتِ الْوَرَثَةُ الأَجْنَبِيَّةَ 16، فَقَالَتْ: مَا أَعْتَقَ زَيْداً، وَإنَّمَا أَعْتَقَ سَالِماً، عَتَقَ الْعَبْدَانِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ الْوَرَثَةُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الآخَرِ، عَتَقَ الآخَرُ كُلُّهُ، وَعَتَقَ مِنَ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ الْوَرَثَةُ ثُلُثُ الْبَاقِي.
فَإِنْ كَانَ في أَيْدِيهِمَا دارٌ، فَادَّعَاهَا 17 أَحَدُهُمَا، وَادَّعَى الآخَرُ نِصْفَهَا، فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَالْيَمِينُ عَلَى صَاحِبِ النِّصْفِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 669

وَإِنْ كَانَتْ 18 لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، ابْتُنِيَ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ.
فَإِنْ كَانَتْ دَارٌ في يَدِ رَجُلٍ، فَأقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ، لَمْ يَحْكُمْ بِهَا لِلْمُدَّعِي حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَ عَمْرٍو.
وَإذَا تَدَاعَيَا دَاراً في يَدِ غَيْرِهِمَا، قَالَ أَحَدُهُما: غَصَبَنِي إيَّاهَا، وَقَالَ الآخَرُ: مَلَّكَنِي، أَوْ أَقَرَّ لِي بِها، وَأَقَامَا بَيِّنَةً، فَهُوَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلا يَغْرَمُ الآخَرُ شَيْئاً 19. وإذا مَاتَ رَجُلٌ، فَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ وَارِثُهُ، فَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ أَنَّهُ وَارِثُهُ، وَ 20 لا يَعْرِفَانِ لَهُ وَارِثاً سِوَاهُ، سَلَّمَ مَالَهُ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ، أَوْ لَمْ يَكُونَا 21. وَإِنْ قَالا: لا نَعْرِفُ لَهُ وَارِثاً غَيْرَهُ في هَذَا 22 الْبَلَدِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ أَلَّا يُسلَّمَ إِلَيْهِ حَتَّى يَكْشِفَ الْقَاضِي عَنْ حَالِهِ في الْبِلادِ الَّتِي سَافَرَ إِلَيْهَا.
وَإذَا اخْتَلَفَ أَبَوَانِ كافِرانِ وَابْنَانِ مُسْلِمَانِ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ

الجزء: 1 - الصفحة: 670

مِنْهُمْ 23 أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الأَبَوَيْنِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الِابْنَيْنِ.
وَإِنْ خَلَّفَ ابْناً مُسْلِماً، وَأَخاً وَزَوْجَةً كافِرَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا، فَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْكُمُ لِمَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ.


الجزء: 1 - الصفحة: 671

فَصْلٌ في الْيَمِينِ

رَوَى ابْنُ عَبَّاسِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لادَّعَى نَاسٌ 24 دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" 25. وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - "قَضَى بِيَمِينِ وَشَاهِدٍ" رَوَاهُمَا 26 مُسْلِمٌ 27. وَإذَا رَأى الْحَاكِمُ تَغْلِيظَهَا في اللَّفْظِ وَالْمَكانِ وَالزَّمَانِ، فَلَهُ ذَلِكَ، فَيَقُولُ في اللَّفْظِ: وَاللهِ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ الطَّالِبُ الْغَالِبُ النَّافِعُ الضَّارُّ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 672

وَفِي الزَّمَانِ: فحَلَّفَهُ 28 بَعْدَ الْعَصْرِ، أَوْ بَيْنَ الأَذَانَيْنِ.
وَفِي الْمَكَانِ: يُحَلِّفُهُ في الأَمَاكِنِ الشَّرِيفَةِ، كَبَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ بِمَكَّةَ، وَعِنْدَ مِنْبَرِ رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْمَدِينَةِ، وَالصَّخْرَةِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفِي غَيْرِ ذلِكَ في الْجَوامِعِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ.
وَلا تُغَلَّظُ إِلَّا فِيمَا لَهُ 29 خَطَرٌ، كَالَّذِي تَجِبُ فيهِ الزَّكَاةُ.
وَقِيلَ: فِيمَا يُقْطَعُ فِيهِ 30 السَّارِقُ، وَفِي الْجِنَايَاتِ وَالْعِتَاقِ وَالطَّلاقِ.
وَلِلْحَاكِمِ تَرْكُ التَّغْلِيظِ إذا رَأَى.
وَمَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ يَمِينٌ لِجَمَاعَةٍ، فَقَالَ: أَحْلِفُ يَمِيناً وَاحِدَةً لِلْكُلِّ، فَرَضُوا، جَازَ، وَإِنْ أَبَوْا، حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِيناً.
وَلا يُسْتَحْلَفُ في شَيْءٍ مِنْ حُقوقِ اللهِ، وَيُسْتَحْلَفُ في كُلِّ حَقٍّ لآدَمِيٍّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لا يُسْتَحْلَفُ في النِّكَاحِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالرِّقِّ، وَالِاسْتِيلادِ، وَالْوَلاءِ، وَالنَّسَبِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَهَلْ يُسْتَحْلَفُ في الْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ وَالطَّلاقِ أَمْ لا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.


الجزء: 1 - الصفحة: 673

بَابٌ في الشَّهَادَاتِ

تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ.
وَلا يَجُوزُ أَخْذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهَا، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَجُوزَ إذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ.
وَمَنْ كَانَتْ عِنْده شَهَادَةٌ في حَدٍّ للهِ، لَمْ تُسْتَحَبَّ لَهُ إِقَامَتُهَا، وَأُبِيحَ لَهُ.
وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لآدَمِيٍّ لا يَعْلَمُ بِهَا، اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُعْلِمَهُ بِهَا، وَلَهُ إِقَامَتُهَا قَبْلَ إِعْلامِهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ 31. فَإِنْ كَانَ مَنْ لَهُ 32 الشَّهَادَةُ يَعْلَمُهَا، وَلا يُقِيمُهَا حَتَّى يَسْأَلهُ، وَلا يَشْهَدُ إِلَّا بِمَا يَعْلَمُ بِرُؤْيَةٍ أوْ سَمَاعٍ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
ولَهُ الشَّهَادَةُ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِفَاضَةِ فِيمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ في

الجزء: 1 - الصفحة: 674

الْغَالِبِ إِلَّا بِذَلِكَ؛ كَالنَّسَبِ، وَالْمَوْتِ، وَالْمِلْكِ، وَالنِّكاحِ، وَالْوَقْفِ وَمَصْرِفِهِ، وَالْعِتْقِ وَالْوَلاءِ، وَالْوِلايَةِ وَالْعَزْلِ، وَالْخُلْعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَلا تُقْبَلُ الِاسْتِفَاضَةُ إِلَّا مِنْ عَدَدٍ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ.
وَقَالَ الْقَاضِي: تُسْمَعُ مِنْ عَدْلَيْنِ فَصَاعِداً؛ فَإِنْ سَمعَ إِنْسَاناً يُقِرُّ بِنَسَبِ أَبٍ أَوِ ابْنٍ، فَصَدَّقَهُ، شَهِدَ بِهِ، وَإِنْ سَكَتَ، جَازَ أَيْضاً، وَيَحْتَمِلُ ألاَّ يَشْهَدَ بِهِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ، وَإِنْ كَذَّبَهُ، لَمْ يَشْهَدْ بِهِ.
فَإِنْ رَأَى في يَدِ إِنْسَانٍ بَيْتاً يَتَصَرَّفُ فيهِ تَصَرُّفَ الْمُلاَّكِ مِنَ النَّقْضِ وَالْبِنَاءِ وَنَحْوِهِ، شَهِدَ بِالْمِلْكِ، وَيَحْتَمِلُ ألاَّ يَشْهَدَ إِلَّا بِالْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ.
وَإذَا شَهِدَا أَنَّ الْعَبْدَ مِنْ ابْنِ 33 أَحَدِهِما، لَمْ يَحْكُمْ لَهُ بِهِ حَتَّى يَقُولا: نَشْهَدُ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ في مِلْكِهِ.
وَإِنْ شَهِدَا أَنَّ الْغَزْلَ مِنْ قُطْنِهِ، أَوْ الدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَتِهِ، أَوْ الطَّيْرَ مِنْ بَيْضَتِهِ 34، حَكَمَ لَهُ بِهِ.
وَإذَا تَحَمَّلَ الْبَصِيرُ الشَّهَادَةَ عَلَى الْفِعْلِ، ثُمَّ عَمِيَ، شَهِدَ بِهِ إذا عَرَفَ الْفَاعِلَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، أَوْ عَرَفَهُ بِعَيْنِهِ وَوَصْفِهِ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ شَهِدَ عَلَى الإِقْرَارِ، ثُمَّ طَرِشَ.
وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَخْرَسِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُقْبَلَ فِيمَا طَرِيقُهُ الرُّؤْيَةُ.


الجزء: 1 - الصفحة: 675

فَصْلٌ

وَإذَا شَهِدَ بِالنِّكَاحِ، فَلا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شُرُوطِهِ، وَإِنْ شَهِدَ بِالرَّضَاعِ، فَلا بدَّ مِنْ عَدَدِ الرَّضَعَاتِ، وأنَّهُ شَرِبَ مِنْ ثدْيِهَا، أَوْ مِنْ لَبَنٍ حُلِبَ مِنْهُ.
وَمَنْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ، فَلا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: ضَرَبَهُ بِكَذَا، أَوْ جَرَحَهُ فَقَتَلَهُ، أَوْ فَمَاتَ مِنْهُ.
وَلَوْ قَالَ: جَرَحَهُ فَمَاتَ، لَمْ يَحْكُمْ بِهِ.
وَمَنْ شَهِدَ بِالزِّنَا، فَلا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ بِمَنْ 35 زَنَى، وَأيْنَ زَنَى، وَكَيْفَ زَنَى، عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: لا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الْمَزْنيِّ بِهَا، وَلا ذِكْرِ الْمَكَانِ.
وَمَنْ شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ، فَلا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَالنِّصَابِ، وَالْحِرْزِ، وَصِفَةِ السَّرِقَةِ.
وَمَنْ شَهِدَ بِالْقَذْفِ، ذَكَرَ الْمَقْذُوفَ، وَ 36 صِفَةَ القَذْفِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 676

وَهَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُعَرِّضَ لِلشُّهودِ بِالْوُقُوفِ عَنِ الشَّهَادَةِ في الْحُدودِ الْخَالِصَةِ للهِ 37؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَلَوْ شَهِدَ بِدَيْنٍ، فَقَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ: أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدَ لِي بِنِصْفِهِ، لَمْ يَجُزْ.
وَقَالَ أَبُو الخَطَّابِ: يَجُوزُ.


الجزء: 1 - الصفحة: 677

فَصْلٌ فِيمَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ

وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ.
وَالْعَدْلُ: مَنْ لا يَرْتَكِبُ كَبِيرَةً، وَلا يُدْمِنُ عَلَى صَغِيرَةِ.
وَقِيلَ: أَلَّا يَظْهَرَ مِنْهُ إِلَّا الْخَيْرُ، وَيَسْتَعْمِلُ الْمُرُوءَةَ.
فَأَمَّا غَيْرُ ذِي الْمُرُوءَةِ؛ كَالْمُصَاقعِ، وَالْمُتَمَسْخِرِ، وَالْمُغَنِّي، وَالرَّقَّاصِ، وَاللاعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ وَالْحَمَامِ، وَالَّذِي يَأْكُلُ في 38 السُّوقِ، وَيَمُدُّ رِجْلَيْهِ في مَجْمَعِ النَّاسِ، وَيَتَحَدَّثُ بِمُبَاضَعَتِةِ 39 أَهْلَهُ، فَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
فَأَمَّا الشَّيْنُ في الصِّنَاعَةِ؛ كَالْحَجَّامِ، وَالنَّخَّالِ، وَالنَّفَّاطِ، وَالْقَمَّامِ، وَالزَّبَّالِ، وَالْمُشَعْوِذِ، وَالدَّبَّاغِ، وَالْحَارِسِ، وَالْقَرَّادِ، وَالْكَنَّاسِ 40، فَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 678

وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ صَبِيٍّ.
وَعَنْهُ: لا تُقْبَلُ إِلَّا في الْجِرَاحِ إذا شَهِدُوا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ عَنِ الْحَالَةِ الَّتِي تَجَارَحُوا عَلَيْهَا.
وَمَنْ فَعَلَ شَيْئاً مِنَ الْمُخْتَلَفِ فيهِ في الْفُرُوعِ مُتَأَوِّلاً، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ فَعَلَهُ مُعْتَقِداً تَحْرِيمَهُ، رُدَّتْ، وَيَحْتَمِلُ ألاَّ تُرَدَّ.
وَفِي شَهَادَةِ مُتَّهَمٍ؛ كَالْوَارِثِ يَشْهَدُ لِمُوَرثهِ بِالْجُرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، وَالْمَقْذُوفِ عَلَى الْقَاذِفِ.
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الإِنْسانِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ.
فَأَمَّا شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ، فَقَالَ أَحْمَدُ: أَخْشَى أَلَّا تُقْبَلَ، فَيَحْتَمِلُ أَلَّا تُقْبَلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُقْبَل، اخْتَارَهَا أَبُو الخَطَّابِ.
وَإذَا شَهِدَ لِابْنِهِ وَأَجْنَبِيٍّ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لَهُمَا.
وَمَنْ شَهِدَ وَهُوَ كَافِرٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ عَبْدٌ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ، ثُمَّ زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ، وَأَعَادُوا تِلْكَ الشَّهَادَةَ، قُبِلَتْ.
وَلَوْ شَهِدَ السَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ، فَرُدَّتْ، أَوْ شَهِدَ وَارِثَانِ لِمُوَرثهِمَا بِالْجُرْح قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَرُدَّتْ، ثُمَّ أَعَادُوا الشَّهَادَةَ بَعْدَ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ، وَانْدِمَالِ الْجُرْحِ، فَهَلْ تُقْبَلُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَتُقْبَلُ في الْمالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمالُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، وَشَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَرَجُلٍ عَدْلٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ، وَلا يُقْبَلُ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ.

الجزء: 1 - الصفحة: 679

وَمَا لا يُقْصَدُ بِهِ الْمالُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرّجَالُ؛ كَالطَّلاقِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلاءِ وَالْحُدُودِ وَالْوِكَالَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَلا يُقْبَلُ فيهِ إِلَّا رَجُلانِ؛ فَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِالسَّرِقَةِ، ثَبَتَ الْمالُ دُونَ الْقَطْعِ، وَإِنْ شَهِدُوا بِقَتْلِ الْعَمْدِ، لَمْ يَجِبْ قِصَاصٌ وَلا دِيَةٌ.
وَإذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ الْخُلْعَ، لَمْ يُقْبَلْ فيهِ إِلا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، وَإِنِ ادَّعَاهُ الزَّوْج، قَبِلَ فيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ.
وَهَلْ تُثْبِتُ الرَّجْعَةَ وَالنِّكاحَ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَلا يُقْبَلُ في ذَلِكَ شَاهِدٌ وَيمِينٌ.
وَمَا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، تُقْبَلُ فيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ.
وَعَنْهُ: لا تُقْبَلُ إِلَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ.
فَإِنْ شَهِدَ الرَّجُلُ بِذَلِكَ، كَانَ أَوْلَى.
وَإذَا ادَّعَى رَجُلٌ جَارِيَةً أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ، وَوَلَدَهَا مِنْهُ، فَشَهِدَ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، قُضِيَ لَهُ بِالْجَارِيَةِ أُمَّ وَلَدٍ.
وَهَلْ يُحْكَمُ لَهُ بِالْوَلَدِ، أَمْ يَبْقَى عَلَى مِلْكِ مَنْ هُوَ في يَدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإذَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ قَضَاهُ مِنْهَا بَعْضَها، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُما.
وَإِنْ شَهِدَ أَنَّهُ أَقْرَضَهُ أَلْفاً، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُما: قَضَاهُ بَعْضَهَا، صَحَّتْ شَهَادَتُهُمَا.
وَإذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَهُ دَارَهُ أَمْسِ، وَشهِدَ الآخَرُ أَنَّهُ أَقرَّ لَهُ بِأَلْفٍ

الجزء: 1 - الصفحة: 680

الْيَوْمَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَكَذَلِكَ في كُلِّ شَهَادَةٍ تَقَعُ عَلَى الْقَوْلِ، إِلَّا النِّكّاحَ، وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ إذا اخْتَلَفَا في الْوَقْتِ؛ مِثْلَ: أَنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ، وَشَهِدَ آخَرُ 41 أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا أَمْسِ، وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ هذَا الْعَبْدَ الْيَوْمَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ إِيَّاهُ أَمْسِ، لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمَا.
وَهَلْ يُؤَثِّرُ الِاخْتِلافُ في الْوَقْتِ في الشَّهَادَةِ بِالْقَذْفِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْباً أَحْمَرَ، وَشَهِدَ آخَرَانِ 42 أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْباً أَبْيَضَ، لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ.
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَتْلَفَ ثَوْباً قِيمَتُهُ عِشْرُونَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلاثُونَ، لَزِمَهُ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ.
وَإذَا شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى رَجُل بِالْقَتْلِ، فَشَهِدَ شاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُمَا هُمَا 43 قتلاهُ، فَكَذَّبَ الْوَليُّ الجَمِيعَ، أَوْ صَدَّقَهُمْ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ.
وَكَذَلِكَ إِنْ كَذَّبَ الأَوَّلَيْنِ وَصَدَّقَ الآخَرَيْنِ.
وَإِنْ صَدَّق الأَوَّلَيْنِ، حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمَا.
وَلا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إِلَّا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ قَالَ: أَعْلَمُ، أَوْ أُحِقُّ، لَمْ يُحْكَمْ بِهَا.


الجزء: 1 - الصفحة: 681

فَصْلٌ في الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ

وَلا يَجُوزُ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا أَنْ يَسْتَدْعِيَهُ شَاهِدُ الأَصْلِ، فَيَقُولَ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَ فُلانَ بْنَ فُلانَ، وَقَدْ عَرَفْتَهُ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ، أَقَرَّ عِنْدِي وَأَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ طَوْعاً بِكَذَا وَكَذَا.
وَلَوْ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَشْهَدَنِي فُلانٌ بِكَذَا، أَوْ أَقَرَّ عِنْدِي، لَمْ يَجُز أَنْ يَشْهَدَ.
وإن سَمِعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ، أَوْ يَشْهَدُ عَلَى إِنْسَانٍ بِحَق يُعْزِيهِ إِلَى سَبَبٍ مِنْ بَيْعِ، أوْ إِجَارَةٍ، أَوْ قَرْضٍ، فَهَلْ يَشْهَدُ بِذَلِكَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَلا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ في الشَّهادَةِ عَلَى الشَهَادَةِ بِحَالٍ، سَوَاءٌ كُنَّ أُصُولاً أَوْ فُرْوعاً، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالأُخْرَى: لَهُن مَدْخَلٌ؛ فَيَشْهَدُ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ وامرَأَتَيْنِ، وَيَشْهَدُ رَجُلانِ علَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
وَتَثْبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَيِ الأَصْلِ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَيْهِمَا،

الجزء: 1 - الصفحة: 682

سَوَاءٌ شَهِدَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ شَهِدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ مِنْ شُهُودِ الْفَرْعِ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّةَ: لا يَثْبُتُ حَتَّى يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ 44 شَاهِدُ أَصْلٍ وَشَاهِدَا فَرْعٍ.
وَلا يَجُوزُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ إِلَّا مَعَ تَعَذُّرِ شُهُودِ الأَصْلِ بِمَوْتٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْبَةٍ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ فَإِنْ شَهِدُوا، فَلَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ حَتَّى حَضَرَ شُهُودُ الأَصْلِ، وَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ حَتَّى فَسَّقَ شُهُودَ الأَصْلِ، أَوْ حَدَثَ مِنْهُمْ مَا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ، لَمْ يَحْكُمْ بِهَا 45. فَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ، ثُمَّ رَجَعَ شُهُودُ الْفَرْعِ، ضَمِنُوا.
وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الأَصْلِ، قَالَ الْقَاضِي: لا يَضْمَنُونَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَضْمَنُوا.
وَإذَا كَانَ الْحُكْمُ بشَاهِدٍ وَيَمِينٍ؛ فَرَجَعَ الشَّاهِدُ، لَزِمَهُ جَمِيعُ الْمَالِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَلْزَمَهُ الَنِّصْفُ؛ فَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَزِمَهُمْ نِصْفُ الْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، لَمْ يَضْمَنُوا.
وَإذَا رَجَعَ الشُّهُودُ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الِاسْتيفَاءِ، اسْتُوفيَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَدًّا أَوْ قِصَاصاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 683

وَإذَا مَاتَ الشُّهُودُ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا، حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ.
وَإذَا بَانَ لِلْحَاكِمِ بَعْدَ الحُكْمِ وَالِاسْتِيفَاءِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا فَاسِقَيْنِ، نَقَضَ حُكْمَهُ، وَيَأْمُرُ بِرَدِّ الْمالِ إِنْ كَانَ بَاقِياً، وَبِضَمَانِهِ إِنْ كَانَ تَالِفاً.
وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ إِتْلافاً، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الإمَامِ.
وَعَنْهُ: لا يُنْقَضُ الْحُكْمُ إذا كَانَا فَاسِقَيْنِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 684

فَصْلٌ (1) في الإِقْرَارِ

يَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِغَيْرِ وَارِثٍ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالأُخْرَى: لا يَصِحُّ إِلَّا في الثُّلُثِ.
وَلا يُحَاصُّ الْمُقَرَّ لَهُ غُرَمَاءُ الصِّحَّةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحَاصُّهُمْ، فَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ، صَحَّ لِلأَجْنَبِيِّ وَحْدَهُ.
وَلَوْ أَقَرَّ لِزَوْجَتِهِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا، أَوْ بِدَيْني، ثُمَّ أَبَانَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، لَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُ لَهَا.
وَإِنْ قَالَ: هذِهِ الأَلْفُ لُقَطَةٌ، فتصَدَّقُوا بِهَا، وَلا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا، لَزِمَ الْوَرَثَةَ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُمُ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِهَا.
وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ بِوَارِثٍ يَصِحُّ.
وَعَنْهُ: لا يَصِحُّ.46

الجزء: 1 - الصفحة: 685

فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقِ الْمُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ إِلَّا بَعْدَ مَوْتهِ، صَحَّ، وَوَرِثَهُ.
وَمَنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرٍ، أَوْ مَجْنُونٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ، ثَبَتَ نَسَبُهُ، وَإِنْ كَانَ مَيْتاً، وَرِثَهُ.
فَاِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ كَبِيرٍ، لَمْ يَثْبُت حَتَّى يُصَدِّقَهُ.
فَإِنْ جَاءَتْ أُمُّهُ، فَادَّعَتِ الزَّوْجِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ، لَمْ تَثْبُتِ الزَّوْجِيّة.
وَإِنْ أَقَرَّتِ امْرَأَةٌ لَهَا زَوْجٌ بِوَلَدٍ، فَهَلْ يُقْبَلُ إِقْرَارُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ أَقَرَّ مَنْ عَلَيْهِ وَلاءٌ بِأَبٍ أَوْ بِأَخٍ، لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ.
وَمَنْ أَقَرَّ بِأخٍ أَوْ عَمٍّ في حَيَاةِ الأَبِ أَوِ الْجَدِّ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَوْتهِمَا، وَهُوَ الْوَارِثُ وَحْدَهُ، ثَبَتَ النَّسَبُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُ، لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ عَلَى الأَبِ وَالْجَدِّ، وَأَعْطَاهُ الْفَاضِلَ في يَدِهِ غَيْرَ مِيرَاثِهِ.
فَإِنْ خَلَّفَ الْمَيِّتُ خَمْسَةَ بَنِينَ، فَأَقَرَّ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِابْنٍ سَادِسٍ، فَشَهِدَا 47 بِالنَّسَبِ، وَهُمَا عَدْلانِ، ثَبَتَ نَسَبُهُ، وَلَهُ سُدُسُ التَّرِكَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، وَدَفَعَا إِلَيْهِ سُدُسَ مَا في أَيْدِيهِمَا.
وَهَلْ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنَ الْمُقِرِّ حَتَّى لَوْ لَمْ يَبْقَ غَيْرُ الْمُقِرِّ، وَمَاتَ وَرَثَةُ الْمُقِرِّ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَلَوْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ، فَلَمْ يَمُتْ حَتَّى صَارَ غَيْرَ وَارِثٍ، صَحَّ إقْرَارُهُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 686

وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ، فَصَارَ وَارِثاً، بَطَلَ، وَقَالَ الْقَاضِي فيها بِالْعَكْسِ.
وَلَوْ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ، فَأَقَرَّ في مَرَضِهِ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ في صِحَّتِهِ، وَهُوَ أَقْرَبُ عَصَبَتِهِ، عَتَقَ، وَلَمْ يَرِثْهُ.
وَإذَا أَقَرَّ بِوَلَدٍ مِنْ أَمَتِهِ، ثُمَّ مَاتَ، احْتَمَلَ أَنْ تَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ، وَاحْتَمَلَ أَلَّا تَصِيرَ.
وَإذَا أَقَرَّ لِحَمْلٍ، صَحَّ، فَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَراً وَأُنْثَى، كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ: لا يَصِحُّ، إِلَّا أَنْ يُعْزِيَهُ إِلَى إِرْثٍ أَوْ وَصِيَّتِهِ.
وَإذَا أَقَرَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أَنَّ الآخَرَ أَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، قُبِلَ فِيمَا عَلَيْهِ دُونَ مَالِهِ.
وَإذَا أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِمَالٍ، فَكَذَّبَهُ، بَطَلَ إِقْرَارُهُ، وَيُقَدُّ 48 المالُ في يَدِهِ في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الآخَرِ: يَأْخُذُهُ الإِمَامُ إِلَى بَيْتِ الْمالِ.
وَإذَا أَقَرَّ لِعَبْدٍ بِمَالٍ، صَحَّ، وَيَكُونُ لِلسَّيِّدِ، وَإِنْ أَقَرَّ لِبَهِيمَةٍ، لَمْ يَكُنْ لِمالِكِهَا.
وَإذَا أَقَرَّ بِغَيْرِ لِسَانِهِ، وَقَالَ: لَمْ أَعْرِفْ مَعْنَى مَا قُلْتُ، قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمينِهِ.


الجزء: 1 - الصفحة: 687

فصل

ٌ وَإذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَلْفاً، فَقَالَ: نَعَمْ، أَوْ: أَجَلْ، أَوْ: صَدَقْتَ، أَوْ: أَنَا مُقِرٌّ بِدَعْوَاكَ، أَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ أَلْفٌ في ظَنِّي، أَوْ: فِيمَا أَعْلَمُ، وَإِنْ شَاءَ اللهُ، أَوْ قَالَ: أَقْضِي أَلْفاً دَيْنٌ عَلَيْكَ، أَوْ سلم إِلَى يَوْمِ هذا، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَدْ أَقَرَّ بِهَا.
وَإِنْ قَالَ: أَنَا أُقِرُّ وَلا أُنْكِرُ، أَوْ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُحِقّاً، أَوْ: عَسَى، أَوْ: لَعَلَّ، أَوْ: أَحْسِبُ، أَوْ: أَظُنُّ، أَوْ: أُقَدِّرُ، أَوْ قَالَ: خُذْ، أوِ: اتَّزِنْ، وَاحْرِزْ، أوِ: افْتَحْ كُمَّكَ، لَمْ يَكُنْ مُقِرّاً بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
وإنْ قَالَ: أَنَا مُقِرٌّ، أَوْ قَالَ: خُذْهَا، أَوِ: اتَّزِنْهَا، أوِ: احْرِزْهَا، أوِ: اقْبِضْهَا، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ أَلْفٌ إِنْ قَدِمَ فُلانٌ، أَوْ: إِنْ شَهِدَ بِهَا فُلان، أَوْ قَالَ: إِنْ شَهِدَ عَلَيَّ فُلانٌ بِكَذَا، صَدَّقْتُهُ، لَمْ يَكُنْ مُقِرّاً.
وَإِنْ قَالَ: إِنْ شَهِدَ عَلَيَّ فُلانٌ، فَهُوَ صَادِقٌ، فَهَلْ يَكُونُ مُقِرّاً؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 688

فَصلٌ

إذا قَالَ لَهُ: عَلَيَّ أَلْفٌ لا تَلْزَمُنِي، أَوِ اقْبِضْهَا، لَزِمَتْهُ الأَلْفُ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَقَبَضَهَا، أَوْ: قَبَضَ مِنْهَا خَمْسِينَ، لَزِمَتْهُ الأَلْفُ، وَلَهُ الْيَمِينُ عَلَى خَصْمِهِ.
وَهَلْ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ أوِ اسْتِثْنَاءُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الآخَرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَإذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا اثْنَيْنِ، لَزِمَتْهُ ثَمَانِيَةٌ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَسِتَّةٌ عَلَى الثَّانِي.
فَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلا خَمْسَةً إِلَّا ثَلاثَةً إِلَّا دِرْهَمَيْنِ إِلَّا دِرْهَماً، احْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ سِتَّةٌ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ عَشَرَةٌ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ ثَمَانِيَةٌ.
فَإِنْ قَالَ: لَهُ دِرْهَمَانِ وَثَلاثَةٌ إِلَّا دِرْهَمَيْنِ، فَهَلْ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ؟ احْتَمَلَ 49 وَجْهَيْنِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 689

فَإِنْ قَالَ: لَهُ هَؤُلاءِ الْعَبِيدُ الْعَشَرَةُ إِلَّا وَاحِداً، لَزِمَهُ تَسْلِيمُ تِسْعَةٍ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ نِصْف دَارِي هذِهِ، فَهِيَ هِبَةٌ، يَفْتَقِرُ إِلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ.
فَإِنْ قَالَ: لَهُ في مِيرَاثِ أَبِي أَلْفٌ، فَهُوَ دَيْنٌ عَلَى التَّرِكَةِ؛ وإن قَالَ: لَهُ في مِيرَاثِي مِنْ أَبٍ أَلْفٌ، أَوْ لَهُ 50 في مَالِي، أَوْ مِنْ مَالِي 51، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ هِبَةً، وَبَدَا لِيَ 52 مِنْ تَقْبِيضِهَا، قُبِلَ مِنْهُ.
وإن قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أَقْبِضْهُ، فَقَالَ: بَلْ أَلْفٌ في ذِمَّتِكَ، فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ في بَلَدٍ أَوْزَانُهُمْ نَاقِصَةٌ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَارِيَّةٌ، أَمْ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ، أَوْ تَكَفَّلْتُ 53 بِمَا عَلَى فُلانٍ عَلَى أَنِّي بِالخِيَارِ، لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَلمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ.
فَإِنْ قَالَ: غَصَبْتُ هَذَا الْعَبْدَ مِنْ زَيْدٍ، لا بَلْ مِنْ عَمْرٍو، أَوْ مَلَّكْتُهُ 54 لِعَمْرٍو، وَغَصَبْتُهُ مِنْ زَيْدٍ، لَزِمَهُ دَفْعُهُ إِلَى زَيْدٍ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِعَمْرٍو.
وَإِنْ قَالَ: غَصَبْتُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا، طُولِبَ بِالتَّعْيِينِ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى مَنْ عَيَّنَهُ، وَيَحْلِفُ لِلآخَرِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 690

فَإِنْ قَالَ: لا أَعْرِفُ عَيْنَهُ، قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يمينِهِ، وَيَكُونُ كَمَا لو صَدَّقَاهُ، فَيُنتزَعُ مِنْ يَدِهِ، وَيَكُونَانِ خَصْمَيْنِ فِيهِ 55. فَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي تَمْرٌ في جِرَابٍ، وَسِكِّين في قِرَابٍ، أَوْ عَبْدٌ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ، أَوْ دَابَّةٌ عَلَيْهَا سَرْجٌ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ القِرابُ وَالْعِمَامَةُ وَالسَّرْجُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إذا جَاءَ رَأسُ الشَّهْرِ، كَانَ إقْرَاراً.
وَإِنْ قَالَ: إذا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، فَلَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، لَمْ يَكُنْ إقْرَاراً في أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَإذَا مَاتَ رَجُلٌ وَتَرَكَ ألْفاً، فَادَّعَاهَا رَجُلٌ عَلَى الْوَارِثِ، فَصَدَّقَهُ، ثُمَّ ادَّعَاهَا آخَرُ، فَصَدَّقَهُ، فَهِيَ لِلأَوَّلِ، وَيَغْرَمُها لِلثَّانِي، وَإِنْ ادَّعَيَاهَا مَعاً، فَأَقَرَّ لَهُمَا، فَهِيَ بَيْنَهُمَا.


الجزء: 1 - الصفحة: 691

فصْلٌ

إذا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ، أَوْ حَقُّ كَذَا، قِيلَ لَهُ: فَسِّرْهُ، فَإِنْ أَبَى، حُبسَ حَتَّى يُفَسِّرَهُ، فَإِنْ مَاتَ، أُخِذَ وَارِثُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ فَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَالٍ أَوْ حَقَّ شُفْعَةٍ، قُبِلَ، وَإِنْ قَلَّ.
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ، أَوْ حَدِّ قَذْفٍ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِقِشْرِ جَوْزَة، أَوْ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ، لَمْ يُقْبَلْ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَالٌ عَظِيمٌ، أَوْ خَطِيرٌ، أَوْ جَلِيلٌ، أَوْ كَبِيرٌ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِدَراهِمَ كَثِيرَة، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِثَلاثَةٍ فَمَا زَادَ.
فَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَا بَيْنَ الدِّرْهَمِ وَالْعَشَرَةِ، لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ.
وَإِنْ قَالَ: مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَة، لَزِمَهُ تِسْعَةٌ.
فَإِنْ أَقَرَّ بِألْفٍ 56 في وَقْتٍ، وَأَلفٍ وَقْتٍ، لَزِمَهُ أَلْفٌ.

الجزء: 1 - الصفحة: 692

وَإِنْ قَالَ: أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ فَرَسٍ، ثُمَّ قَالَ: أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ، لَزِمَتْهُ أَلْفَانِ.
فَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَوْقَ دِرْهَمٍ، أَوْ تَحْتَ دِرْهَمٍ، أَوْ قَبْلَهُ دِرْهَمٌ، أَوْ بَعْدَهُ دِرْهَمٌ، أَوْ مَعَهُ دِرْهَمٌ، أَوْ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمانِ، أَوْ دِرْهَمَانِ بَلْ دِرْهَمٌ، أَوْ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ، لَزِمَهُ دِرهَمَانِ.
فَإِنْ قَالَ: دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمٌ، أَوْ دِرْهَمٌ لكِنْ دِرْهَمٌ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ هذَا الدِّرْهَمُ، بَلْ هذَانِ الدِّرْهَمَانِ، لَزِمَتْهُ الثَّلاثَةُ.
وَكذا إِنْ قَالَ: لَهُ قَفِيزُ حِنْطَة، بَلْ قَفِيزَانِ شَعِيراً، أَوْ دِرْهَمٌ بَلْ دِينَارٌ، لَزِمَاهُ مَعاً.
وَإِنْ قَالَ: دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ، رُجِعَ إِلَى تَعْيِينِهِ.
وَإِنْ قَالَ: دِرْهَمٌ في دِينَارٍ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ.
وَكَذَا إِنْ قَالَ: دِرْهَمٌ في عَشَرَةٍ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْحِسَابَ، فَيَلْزَمُهُ الْعَشَرَةُ.
فَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمٌ، أَوْ كَذَا وَكذا دِرْهَمٌ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ.
وَإِنْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَماً، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمَان؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: كَذَا دِرْهَمٍ -بِالْخَفْضِ- لَزِمَهُ بَعْضٌ يُرْجَعُ في تَفْسِيرِهِ إِلَيْهِ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، رُجِعَ في تَفْسِيرِهَا إِلَيْهِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 693

فَإِنْ قَالَ: أَلْفُ دِرْهَم، أَوْ أَلْفٌ وَثَوْبٌ، فَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ حَامِدٍ: يَكُونُ الْمُجْمَلُ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ.
وَقَالَ التَّمِيمِيُّ وَأَبُو الخَطَّابِ: يُرْجَعُ إِلَيْهِ في تَفْسِيرِ الأَلْفِ.
وَإِنْ قَالَ: مِئَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَماً، فَالجَمِيعُ دَرَاهِمُ، وَيَحْتَمِلُ عَلَى قَوْلِ التَّمِيمِيِّ أَنْ يُرْجَعَ في تَفْسِيرِ الْمِئَةِ إِلَيْهِ.
فَإِنْ قَالَ: هذا الْعَبْدُ شَرِكَةٌ بَيْنَنَا، رُجِعَ في تَفْسِيرِ الشَّرِكَةِ 57 إلَيْهِ.
فَإِنِ ادَّعَى رَجُلانِ دَاراً في يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، فَأَقَرَّ لأَحَدِهِمَا بِنِصْفِهَا، وَ 58 جَحَدَ الآخَرَ، فَالنَّصْفُ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ.
وَإذَا بَاعَ شَيْئاً وَقَبَضَ ثَمَنَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّ الْمَبِيعَ لِغَيْرِهِ، لَمْ يَنْفَسِخِ الْبَيْعِ، وَلَزِمَهُ دَفْعُ الْقِيمَةِ إِلَى الآخَرِ.
وَمَنْ أَقَرَّ بِتَقبِيضِ هِبَةٍ أَوْ رَهْنٍ، أَوْ قَبْضِ ثَمَنٍ، ثُمَّ أَنْكَرَ، وَسَأَلَ إِحْلافَ خَصْمِهِ، فَهَلْ يَحْلِفُ أَمْ لا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُهُ، وَفَسَّرَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ في الْقَدْرِ، قُبِلَ، وَإِنْ قَلَّ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَكْثَرَ بَقَاءً وَمَنْفَعَةً، لأَنَّ الْحَلالَ أَنْفَعُ مِنَ الْحَرامِ، قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يمينه، سَوَاءٌ عَلِمَ بِما قَالَ، أَوْ جهِلَهُ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.


الجزء: 1 - الصفحة: 694

فصول الكتاب · 50 فصل · 656 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول عمدة الحازم في الزوائد على مختصر أبي القاسم · 656 صفحة
المقدمةكتَابُ الصَّلاةِكِتَابُ الْجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاِعْتِكَافِكتاب الْحَجِّكِتَابُ الْجِهَادِكِتَابُ الْجِزْيَةِكِتَابُ الْبُيُوعِكتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ الْوَصَايَاكِتَابُ الْعِتْقِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكتَابُ الطَّلاقِكِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الظِّهَاركِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكِتَابُ الرَّضَاعِكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكِتَابُ الْحَدِّكِتَابُ الأَطْعِمَةِكِتَابُ الأَيْمَانِكِتَابُ الْقَضَاءِكِتَابٌ في الْقِسْمَةِكِتَابُ الْفَرَائِضِكتاب الصلاةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب المناسككتاب الجهادكتاب البيعكتاب الحجركتاب الشركةكتاب العارِيَّةكتاب الغصبكتاب الوصاياكتاب الفرائضكتاب النِّكَاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل