كِتَابُ الصِّيَامِ
لا يَجب الصِّيَامُ إِلَّا عَلَى الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْقَادِرِ عَلَى الصَّوْمِ.
وَيُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ إذَا أَطَاقَهُ، وَيُضْرَبُ عَلَيْهِ لِيَعْتَادَهُ.
فَإِنْ بَلَغَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَهَلْ يُجْزِئُهُ الْقَضَاءُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ غَيْرَ صَائِمٍ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ 1، لَزِمَهُ إِمْسَاكُ الْيَوْمِ، وَقَضَاؤُهُ.
وَعَنْهُ: لا يَلْزَمُهُ ذلِكَ.
وَإذَا قَامَتِ الْبيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، لَزِمَ النَّاسَ الإِمْسَاكُ.
فَإِنْ طَهُرَتِ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، أَوْ قَدِمَ الْمُسَافِرُ، فَهَلْ يَلْزَمُهُمُ الإِمْسَاكُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإذَا رَأَى الْهِلالَ أَهْلُ بَلَدٍ، لَزِمَ جَمِيعَ الْبِلادِ الصَّوْمُ.
وَإذَا صَامَ النَّاسُ لأَجْلِ الْغَيْمِ ثَلاثِينَ يَوْماً، فَلَمْ يَرَوُا الْهِلالَ، لَمْ يُفْطِرُوا.
الجزء: 1 - الصفحة: 165
وَإِنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ، أَفْطَرُوا، وَإِنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، لَمْ يُفْطِرُوا، وَقِيلَ: يُفْطِرُونَ.
وَمَنْ أُبيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِعُذْرٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصُومَ فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ، وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَوْ جُنَّ جَمِيعَ النَّهَارِ، لَمْ يَصحَّ صَوْمُهُ، وَإِنْ أَفَاقَ جُزْءاً مِنَ النَّهَارِ، فَصَوْمُهُ صَحِيحٌ.
وَلَوْ نَامَ جَمِيعَ النَّهَارِ، صَحَّ صَوْمُهُ.
وَيَلْزَمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَلا يَلْزَمُ الْمَجْنُونَ.
وَمَنْ أَكَلَ شَاكّاً فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ، لَمْ يُفْطِرْ، وَمَنْ أَكَلَ شَاكّاً فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَزِمَهُ الْقَضَاءُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 166
فَصْلٌ فِي النِّيَّةِ
لا يَصِحُّ صِيَامُ فَرْضٍ حَتَّى يُعَيِّنَهُ بالنّيَّةِ 2، فَيَعْتَقِدُ 3 أَنَّهُ يَصُومُ فِي غَدٍ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ عِنْ كَفَّارَتهِ، أَوْ عَنْ نَذْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حِامِدٍ: يَحْتَاجُ أَنْ يَنْوِيَ الْفَرِيضَةَ مَعَ ذلِكَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ -رَحِمَهُ اللهُ- 4: لا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِرَمَضَانَ.
وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الشَّكِّ: إِنْ كَانَ غَدٌ مِنْ رَمَضَانَ، فَهُوَ فَرْضٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَهُوَ نَفْلٌ، لَمْ يُجْزِهِ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 167
فَصْلٌ
وَمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ، فَاسْتَدَامَ، فَعَلَيْهِ الْقَضاءُ والْكَفَّارَةُ، وَإِنْ نَزَعَ، فَكَذلِكَ فِي اخْتِيَارِ ابْنِ حَامِدٍ، وَقَوْلِ الْقَاضِي.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: لا قَضَاءَ وَلا كَفَّارَةَ.
وَإذَا جَامَعَ ثَانِيَةً قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنِ الأَوَّلِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَكَفَّارَتُهُ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي يَوْمَيْنِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَكَفَّارَةُ الْجِمَاعِ كَفَّارَةُ 5 الظِّهَارِ، إِلا أَنَّهَا 6 تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا.
وَرُوِيَ أَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالطَّعَامِ، (3 ومن لزمه الإمساك فجامع؛ لزمه الكفارة 7.
وَإِنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ، ثُمَّ جَامَعَ، فَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 168
وَلا فَرْقَ فِي الْوَطْءِ فِي 8 الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ، فَإِنْ وَطِىَ بَهِيمَةً، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ.
وَإذَا لَمَسَ فَأَمْذَى، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ.
وَلا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ الْكَفَّارَةُ مَعَ الْعُذْرِ.
وَهَلْ يَلْزَمُهَا مَعَ الْمُطَاوَعَةِ، أَوْ يَلْزَمُ الرَّجُلَ مَعَ الإِكْرَاهِ أَوِ النِّسْيَانِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِم عَنْ أَحْمَدَ -رَحِمَهُ اللهُ-: كُلُّ أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ 9، وهذا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ مَعَ الإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ.
وَإذَا جَامَعَ وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ مَرِضَ أَوْ جُنَّ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، لَمْ تَسْقُطِ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ.
وَإذَا قَطَرَ فِي إِحْلِيلِهِ دُهْناً، أَوْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارٌ، أَوْ أَصْبَحَ وَفِي فِيهِ طَعَامٌ، فَلَفَظَهُ، لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ.
وَإِنْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ، فَوَصَلَ الْماءُ إِلَى حَلْقِهِ، لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلاثِ فِيهِما، أَوْ بَالَغَ فِي الاسْتِنْشَاقِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 169
وَإِذَا اكْتَحَلَ بِمَا يَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ، أَوْ قَطَرَ فِي أُذُنِهِ، فَوَصَلَ إِلَى دِمَاغِهِ، ذَاكِراً لِصَوْمِهِ، أَفْطَرَ، وَيَلْزَمُهُ إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ، وَيَقْضِي.
وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ رِيقَهُ فَيَبْتَلِعَهُ، وَهَلْ يُفْطِرُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 170
فَصْلٌ
يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ الْقُبْلَةُ إذَا كَانَتْ تُحَرِّكُ 10 شَهْوَتَهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَتَحَرَّكْ شَهْوَتُهُ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَيُكْرَهُ لَهُ مَضْغُ اللُّبَانِ الَّذِي كُلَّمَا مَضَغَهُ قَوِيَ، فَإِنْ كَانَ مَمَّا يَتَحَلَّلُ منه 11 أَجْزَاءٌ، فَمَضَغَهُ، وَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، أَفْطَرَ.
وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَذُوقَ الطَّعَامَ، فَإِنْ فَعَلَ، فَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، أَفْطَرَ.
وَلا يُكْرَهُ لَهُ الاغْتِسَالُ، وَهَلْ يُكْرَهُ لَهُ السِّوَاكُ بِالْعُودِ الرَّطْبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَزِّهَ صَوْمَهُ عَنِ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ، فَإِنْ شُتِمَ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 171
فَصْلٌ
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى التَّمْرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَعَلَى الْماءِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أَنَّهُ قَالَ 12: "إذَا صَامَ أَحَدُكُمْ، فَقَدَّمَ عَشَاءَهُ، فَلْيَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" 13.
الجزء: 1 - الصفحة: 172
فَصْلٌ فِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ
قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عمرٍو: "صُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْماً، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ 14.
وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ.
وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ، وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَيَوْمِ السَّبْتِ، وَيَوْمِ الشَّكِّ، وَيَوْمِ النَّيْرُوزِ، وَيَوْمِ الْمَهْرَجَانِ بِالصَّوْمِ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ عَادَةً لَهُ.
وَيُكْرَهُ الْوِصَالُ فِي الصَّوْمِ، وَاسْتِقْبَالُ رَمَضَانَ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً.
وَمَنْ دَخَلَ فِي صِيَامِ نَفْلٍ، أَوْ صَلاةِ نَفْلٍ، اسْتُحِبَّ لَهُ إِتْمَامُهَا، فَإِنْ أَفْسَدَهُمَا، لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 173
وَتُطْلَب لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَفِي لَيالِي الْوِتْرِ آكَدُ، وَأَرْجَاهَا لَيْلَةُ سَبع وَعِشْرِينَ مِنْهُ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عِائِشَةَ -رَضِي اللهُ عَنْهَا- 15: أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنْ وَافَقْتُهَا، فَبِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: "قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي" 16.
الجزء: 1 - الصفحة: 174
فَصْلٌ فِي الْقضَاءِ وَصَوْمِ النَّذْرِ
لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ قَضَاءِ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ آخَرَ لِغَيْرِ 17 عُذْرٍ، فَإِنْ أَخَّرَهُ، ثُمَّ مَاتَ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ فَقِيرٌ.
وَمَنْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ صِيَامٌ مَنْذُور، فَعَلَهُ الْوَليُّ عَنْهُ.
فَأَمَّا الصَّلاةُ الْمَنْذُورَةُ، فَهَلْ يَفْعَلُهَا الْوَليُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلانٌ، فَقَدِمَ لَيْلاً، فَلا شَيْءَ، فَإِنْ قَدِمَ نَهَاراً، وَالنَّاذِرُ مُمْسِكٌ، لَزِمَهُ صِيَامُ ذلِكَ الْيَوْمِ.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ قَدِمَ وَالنَّاذِرُ مُفْطِرٌ، فَفِي الْقَضَاءِ والْكَفَّارَةِ -أَيْضاً- رِوَايتانِ.
وَإِنْ قَدِمَ يَوْمَ عِيدٍ، لَمْ يَصُمْهُ، وَيُكَفِّرُ، وَفِي الْقَضَاءِ رِوَايَتَانِ.
وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلانٌ، فَقَدِمَ نَهَاراً، لَزِمَهُ اعْتِكَافُ الْبَاقِي، وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ مَا مَضَى.
الجزء: 1 - الصفحة: 175
وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ، فَجُنَّ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ، فَإِنْ تَرَكَ صِيَامَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، قَضَى، وَكَفَّرَ، وَإِنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ، قَضَى، وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ صَامَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 176